← Акыда

Акыда · id 12039

عقيدة محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي

صالح بن عبد الله العبود

Полный текст (1 147 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

تواترت الأحاديث بخروج من قال: لا إله إلا الله من النار إذا كان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة أو خردلة أو ذرة، وكثير منهم أو أكثرهم يدخلها، وتواترت أنه يحرم على النار من قال لا إله إلا الله، لكن جاءت مقيدة بالإخلاص، واليقين، ويموت عليها، فكلها مقيدة بهذه القيود الثقال، وأكثر من يقولها لا يعرف الإخلاص ولا اليقين، ومن لا يعرف ذلك يخشى عليه أن يفتن عنها عند الموت، وغالبهم إنما يقولها تقليداً أو عادة، وغالب ما يفتن عند الموت أو في القبر أمثال هؤلاء، كما في الحديث سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، وغالب أعمال هؤلاء إنما هو تقليد أو إقتداء بأمثالهم، وهو أقرب الناس من قوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ الآية (الزخرف: ٢٢) فلا منافاة بن الأحاديث، فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين ومات عليها امتنع أن ترجح سيئاته، فإن كان قالها على الكمال المانع من الشرك الأصغر والأكبر فهو غير مصر على ذنب، وإن كان على وجه خلص به من الأكبر ولم يأت بعدها بما يناقض ذلك فهذه الحسنة لا يقاومها شيء من السيئات فترجح بها الحسنات كما في حديث البطاقة، وهذا خلاف من رجحت سيئاته، لأن معه الشرك الأصغر وأتى بعد ذلك بسيئات تنضم إلى ذلك الشرك فترجح سيئاته، فإن السيئات تضعف الإيمان، واليقين فيضعف قول لا إله إلا الله، فيمتنع الإخلاص في القلب فيصير المتكلم بها كالهاذي، أو النائم، أو من يحسن صوته بآيةٍ من القرآن من غير ذوق طعم ولا حلاوة فالذي قالها بيقين وصدق تام إما ألا يكون

стр. 527

مصراً على سيئته، أو يكون توحيده المتضمن لصدقه ويقينه رجح حسناته، والذين دخلوا النار فاتهم أحد الشرطين ١. وعلى هذا فمن حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب كما قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل: ١٢٠) . وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ (المؤمنون: ٥٩) . وكما في حديث حصين بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في عرض الأمم على النبي ﷺ ومنهم أمته، وفي أمته سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب وهم الذين حققوا التوحيد بتركهم الاسترقاء والاكتواء والتطير متوكلين على الله تعالى. والحديث رواه البخاري مطولاً ومختصراً، ومسلم والنسائي والترمذي ٢. ولهذا يبين الشيخ أهمية هذا التوحيد، وأن معرفته أهم من معرفة العبادات كلها حتى الصلاة ٣، وهو متضمن للتوحيد كله. فمن أتى بهذا التوحيد، فوحد الله في ألوهيته وعبادته فقد وحد الله

стр. 528

في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وربوبيته، لأن الله استعبد خلقه بالألوهية الجامعة لصفات الكمال فمن شهد أن لا إله إلا الله بصدق فقد وحد الله تعالى التوحيد كله، أما من أقر بوحدانية الله تعالى في ربوبيته وعبد الله وتألهه، لكن لم يوحد الله في التأله والعبادة، أي أنه يعبد الله وبعبد معه غيره. فهو لم يأت بتوحيد الألوهية، ولم يشهد أن لا إله إلا الله، فهو وإن ادعاها وتلفظ بها فهو كاذب، بدليل شركه في العبادة والألوهية. يقول الشيخ في تفسير قول الله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً﴾ (الكهف: ١٣- ١٦) . فيه مسائل: ثم ذكرها ومنها الثامنة والتاسعة قال: " الثامنة: المسألة الكبرى أن من ذبح لغير الله أو دعا غيره فقد كذب بقول لا إله إلا الله، وقد دعا إلهين اثنين واتخذ ربين. التاسعة: المسألة العظيمة المشكلة على أكثر الناس أنه إذا وافقهم بلسانه مع كونه مؤمناً حقاً كارهاً لموافقتهم فقد كذب في قول لا إله إلا الله، واتخذ إلهين اثنين وما أكثر الجهل بهذه والتي

стр. 529

قبلها " ١. وهذا هو معْنى شهادة أن لا إله إلا الله للحديث الذي رواه البخاري عن ابن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار " - قال الشيخ: فيه تفسير "لا إله إلا الله " كما ذكره البخاري ٢. فإن هذه الكلمة "لا إله إلا الله " نفي وإثبات: نفي الإِلهية عما سوى الله من المخلوقات، حتى من المرسلين البشر وخاتمهم محمد ﷺ وحتى من الملائكة وجبريل "عليهم وعلى جميع المرسلين الصلاة والسلام " فضلاً عن غيرهم، من الأنبياء والصالحين وسائر المخلوقات، وإثباتها بجميع أنواعها كلها وحده لا شريك له٣. فإن "لا" في قولك "لا إله إلا الله" هي النافية للجنس تنفي جميع الآلهة.

стр. 530

و"إلا " حرف إستثناء يفيد حصر جميع العبادة على الله ، كما أنه لا شريك له في ملكه. و"الله " هو المعبود - هذا هو تفسير هذه اللفظة بإجماع أهل العلم - وهو المقصود المدعو المرجو المخوف. ف "الإله " اسم صفة لكل معبود بحق أو باطل ثم غلب على المعبود بحق وهو الله تعالى الذي لا تصلح العبادة إلا له. ومعنى "التأله ": التعبد. و"الإلهية ": العبودية. وإلهية الله: هي مجموع عبادته على مراده نفياً وإثباتاً علماً وعملاً جملة وتفضيلاً ١. وتوحيد الإلهية: هو إخلاص جميع العبادة لله من المحبة والخوف والرجاء والتوكل والدعاء وجميع العبادات، ظاهرها وباطنها لله تعالى وحده لا شريك له، وأن لا يجعل شيء من العبادات لغير الله لا ملك مقرب ولا نبي مرسل فضلاً عن غيرهما ٢.

стр. 531

قال الشيخ: "اعلم رحمك الله أن معنى لا إله إلا الله نفي وإثبات، لا إله نفي، إلا الله إثبات. تنفي أربعة أنواع وتثبت أربعة أنواع، المنفي: الآلهة والطواغيت، والأنداد، والأرباب - فالإله ما قصدته بشيء من جلب خير أو دفع ضر، وما قصدته كذلك فأنت متخذه إلها. والطواغيت من عبد وهو راض أو ترشح للعبادة. والأنداد ما جذبك عن دين الإسلام من أهل أو مسكن أو عشيرة أو مال، فهو ند لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ - والأرباب من أفتاك بمخالفة الحق وأطعته، لقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . وتثبت أربعة أنواع: (القصد) كونك ما تقصد إلا الله، والتعظيم والمحبة لقوله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ والخوف والرجاء لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ، والبراءة من الشرك وأهله كما فعل إبراهيم كسر الأصنام وتبرء من عبادها. قال الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ ... ﴾ الآية (الممتحنة: ٤) . هذا ما تنفيه وتثبته كلمة لا إله إلا الله ١.

стр. 532

فلا إله إلا الله تجمع الدين كله، والأعمال الصالحة الخالصة كلها من لا إله إلا الله ١. ولذا كانت: "لا إله إلا الله " كلمة التوحيد، وكلمة الفرقان، الفارقة بين الكفر والإيمان وكلمة التقوى، والعروة الوثقى، وشعار الحنيفية ملة إبراهيم، وهي الكلمة التي جعلها إبراهيم ﵇ كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون، والتي خلقت لأجلها المخلوقات وبها قامت الأرض والسموات، ولأجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب. فمن قالها لا بد أن يأتي بحقها، وهو العمل بمقتضاها، ومعاداة من خالفها وإن كانوا من القرابة، فإن أبا طالب لم يمتنع من قول "لا إله إلا الله " إلا من أجل ملة عبد المطلب، لأنه لو قالها، لكان معنى ذلك البراءة من آبائه. ولذا يقول الشيخ في المسائل من باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ... ﴾ من كتاب التوحيد، فيه "المسألة الكبرى: وهي تفسير قوله: (قل لا إله إلا الله) بخلاف ما عليه من يدعي العلم " ٢ يشير بذلك إلى أن يدعي العلم وهو ليس عالماً يرى أن قول لا إله إلا الله، ولاء

стр. 533

من غير براء وهذا خلاف مراد النبي ﷺ منها وفهم أبي طالب لها. ولذا كان أصل ديننا وأوله وآخره وأسه ورأسه هو "شهادة أن لا إله إلا الله " ومعرفة معناها ومحبة أهلها وجعلهم إخواننا ولو كانوا بعيدين، والكفر بالطواغيت (وهم الذين يناقضونها) ومعاداتهم وبغضهم، وبغض من أحبهم، أو جادل عنهم، أو لم يكفرهم، أو قال ما علي منهم، أو قال ما كلفني الله بهم، فقد كذب هذا على الله وافترى، لأن الله تعالى كلفه بهم، وافترض عليه الكفر بهم، والبراءة منهم، ولو كانوا إخوانهم وأولادهم ١. نعم. فليس المراد من قوله: (لا إله إلا الله) قولها باللسان مع الجهل بمعناها، فالمنافقون يقولنها، وهم تحت الكفار، في الدرك الأسفل من النار، مع كونهم يصلون ويتصدقون، ولكن المراد قولها مع معرفتها بالقلب، ومحبة أهلها وبغض من خالفها ومعاداته، كما قال النبي ﷺ : "من قال لا إله إلا الله مخلصاً " ٢ وفي رواية "خالصاً من قلبه " ٣ وفي رواية

стр. 534

"صادقاً من قلبه " ١ وفي حديث آخر "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله " ٢. إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على المراد منها رغم جهالة أكثر الناس بذلك ٣. والعجب أن الكفار الجهال على زمن رسول الله ﷺ يعلمون أن مراد النبي ﷺ بهذه الكلمة هو إفراد الله تعالى بالتعلق، والكفر بما يعبد من دون الله والبراءة منه واتباع رسول الله ﷺ بذلك فإنه لما قال لهم قولوا لا إله إلا الله - قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص: ٥) . والإله عندهم هو الذي يقصد لأجل الدعاء أو النذر أو الذبح أو الاستغاثة، أو غير ذلك من أنواع العبادة يريدون بذلك شفاعة المقصود والتقرب إلى الله بهذا العمل التعبدي، فالإله عند هؤلاء العرب هو الَّذي

стр. 535

يقصد لأجل هذه الأمور سواء كان ملكا أو نبيا أو وليا أو شجرة أو قبرا أو جنيا، ولم يريدوا أن الإله هو الخالق الرازق المدبر فإنهم يعلمون أن ذلك لله وحده كما تقدم. وأعجب العجب ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار، بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب لشيء من المعاني والحاذق منهم يظن أن معناها لايخلق ولا يرزق إلا الله ولا يدبر الأمر إلا الله فلا خير في رجل جهال الكفار أعلم منه بمعنى "لا إله إلا الله" ١ وتقدم قبل قليل إشارة إلى هذا. يقول الشيخ بعد أن ذكر قصة موت أبي طالب على ملة عبد المطلب وحضور أبي جهل ذلك: أن أبا جهل ومن معه يعرفون مراد النبي ﷺ إذ قَال للرجل: " قل: لا إله إلا الله" فقبح الله من أبو جهل أعلم منه بأصل الإسلام٢. ويعقد الشيخ بابا كبيرا في كتاب التوحيد ترجمته:" باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله" أورد تحته نصوصا من الوحي يفسر بها ترجمة الباب ثم قَال وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب، فجعل ما

стр. 536

بعده من أبواب وتبلغ واحدا وستين بابا هي في بيان شيء من أَفْرادِ التوحيد، وبيان ضده، وشيء من أفراد ضده أو ضد كماله، وبراهين بطلان الشرك وإمكان وقوعه وأسبابه. شرحا لهذه الترجمة. ومن النصوص المفسرة للتوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله التي أوردها الشيخ تحت هذا الباب قول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ (الاسراء: ٥٧) . وفي هذه الآية بين الله تعالى فيها الرد على المشركين الذين يدعون الصالحين بأن دعاءهم إياهم هذا هوالشرك الأكبر حيث قال سبحانه قبلها: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ الآية. (الاسراء: ٥٦، ٥٧) . وأورد الشيخ تحت ذلك الباب قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الزخرف: ٢٦-٢٨) . وقال الشيخ: قول الخليل للكفار: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ فيه أنه استثنى من المعبودين الله ربه وذكر الله سبحانه أن هذه البراءة، وهذه الموالاة هي تفسير شهادة أن لا إله إلا الله فقال: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ .

стр. 537

وأورد الشيخ تحت الباب أيضا قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ (التوبة: ٣١) . ثم يقول: في هذه الآية: "بين فيها أن أهل الكتاب اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، وبين أنهم لم يؤمروا إلا بأن يعبدوا إلها واحدا مع أن تفسيرها الذي لا اشكال فيه: طاعة العلماء والعباد في المعصية، لا دعاؤهم إياهم. وكذلك أورد الشيخ في تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ (البقرة:١٦٥) . قال الشيخ: إن هذه في الكفار الذين قال الله فيهم ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله. فدل على أنهم يحبون الله حبا عظيما ولم يدخلهم في الإسلام، فكيف بمن أحب الند أكبر من حب الله؟ فكيف بمن لم يحب إلا الند وحده ولم يحب الله؟ وأورد الشيخ من نصوص تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله ما في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه. وحسابه على الله " صحيح مسلم، كتاب الإيمان ج١، ص ٥٣. قال الشيخ قوله ﷺ : "من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون

стр. 538

الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله " هذا من أعظم ما يبين معنى "لا إله إلا الله" فانه لم يجعل التلفظ بها عاصما للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله. فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ودمه، فيالها من مسألة ما أعظمها وأجلها، ويا له من بيان ما أوضحه وحجة ما أقطعها للمنازع" ١. انتهى. وفي ثلاثة الأصول أصناف في تفسير "لا إله إلا الله " قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ٢ (آل عمران: ٦٤) . ومن عبد شيئا غير الله فقد اتخذ إلها من دون الله. فإنَّ بني إسرائيل، لما اعتقدوا في عيسى بن مريم وأمه - قال الله

стр. 539

تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ ففي هذا دليل على أن من اعتقد في مخلوق لجلب منفعة أو دفع مضرة فقد اتخذه إلها، فاذا كان الاعتقاد في الأنبياء هذا حكمه فما دونهم أولى، وأيضا فان من تبرك بحجر أو شجرة أو مسح على قبر أو قبة يتبرك بأصحابها أو بالحجر والشجر، فقد اتخذها آلهة والدليل على ذلك أن الصحابة لما قالوا للنبي ﷺ : اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط يريدون بذلك التبرك قال: "الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ فمثل قول الصحابة في ذات أنواط بقول بني إسرائيل وسماه إلها، ففي هذا دليل على أن من فعل شيئا مما ذكرفقد اتخذه إلها، وجميع ذلك باطل إلا إله واحد وهو الله وحده ﵎ علوا كبيرا كما هو معنى لا إله إلا الله١. وقال الشيخ: "إذا فهمت ذلك فتأمل الألوهية التي أثبتها الله لنفسه

стр. 540

ونفاها عن محمد ﷺ وجبريل وغيرهما أن يكون لهم منها مثقال ذرة من خردل فاعلم أن هذه الألوهية هي التي تسميها العامة في زماننا السر والولاية، والإله معناه الولي الذي فيه السر، وهو الذي يسمونه الفقير والشيخ تسميه العامة السيد وأشباه هذا. وذلك أنهم يظنون أن الله جعل لخواص الخلق عنده منزلة يرضى أن يلتجىء الإنسان إليهم ويرجوهم ويستغيث بهم ويجعلهم واسطة بينه وبين الله، فالذين يزعم أهل الشرك في زماننا أنهم وسائطهم هم الذين يسميهم الأولون الألهة والواسطة هو الإله، فقول الرجل: لا إله إلا الله، إبطال للوسائط. إذا عرفت هذا عرفت معنى: "لا إله إلا الله " وعرفت أن من دعا نبيا أوملكا أو جنيا أو ندبه أو استغاث به أو نذر له أو ذبح فقد خرج من الإسلام، وهذا هو الكفر الذي قاتلهم عليه رسول الله ﷺ " ١. ويفسر الشيخ قوله: والإله معناه الولي الذي فيه السر، فيقول في جواب له عن سؤال وجه إليه رحمه الله تعالى: إن الإله الذي فيه السر فمعلوم أن اللغات تختلف فالمعبود عند العرب والإله الذي يسميه عوامنا السر لأن السر عندهم هو القدرة على النفع والضر، وكونه يصلح أن

стр. 541

يدعى ويرجى ويخاف ويتوكل عليه، فإذا قال رسول الله ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " وسأل بعض العامة ما فاتحة الكتاب؟ ما فسرت له إلا بلغة بلده، فتارة تقول هي فاتحة الكتاب وتارة تقول هي أم القرآن، وتارة تقول هي الحمد، وأشباه هذه العبارات التي معناها واحد، ولكن إن كان السر في لغة عوامنا ليس هذا، وأن هذا ليس هو الإله في كلام أهل العلم فهذا وجه الإنكار فبينوا لنا١. ويقول- ﵀: "ومن أفرض عبادته عليك معرفة لا إله إلا الله علما وقولا وعملا والجامع لذلك قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ وقوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ - فاعلم أن وصية الله لعباده هي كلمة التوحيد الفارقة بين الكفر والإسلام، فعند ذلك افترق الناس سواء جهلا أو بغيا أو عنادا، والجامع لذلك اجتماع الأمة على وفق قول الله ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ وقوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ . فالواجب على كل أحد إذا عرف التوحيد وأقر به أن يحبه بقلبه، وينصره بيده ولسانه وينصر من نصره ووالاه- وإذا عرف الشرك وأقر به أن يبغضه بقلبه، ويخذله بلسانه ويخذل من نصره ووالاه، باليد واللسان

стр. 542

والقلب، هذه حقيقة الأمرين، فعند ذلك يدخل في سلك من قال الله فيهم: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ . وفيما قدمنا يتبين أن المراد من قول (لا إله إلا الله) هو قولها باللسان وبالقلب وبالأركان تطبيقا لمعناها، وعملا بمقتضاها، وهذا ما يقرره الشيخ١. ويقرر الشيخ أن الخلاف بين الرسل وأعدائهم ليس في أصل العبادة ولكن في توحيد العبادة وذلك في مثل قولهم: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ ٢ ولذلك عادى المشركون رسول الله ﷺ كما هي سنة الله تعالى الحكيمة. قال الشيخ: "اعلم أن الله سبحانه من حكمته لم يبعث نبيا بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ (الأنعام: ١١٢) . وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة، وكتب. وحجج كما قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ (غافر:٨٣) .

стр. 543

إذا عرفت ذلك، وعرفت أن الطريق إلى الله لابد له من أعداء قاعدين عليه، أهل فصاحة وعلم وحجج. فالواجب عليك أن تتعلم من دين الله ما يصير سلاحا لك تقاتل به هؤلاء الشياطين الذين قال إمامهم ومقدمهم لربك عزوجل: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (الأعراف: ٦ ا-١٧) . ولكن إذا أقبلت على الله وأصغيت إلى حججه وبيناته فلا تخف ولا تحزن: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾ (النساء: ٧٥) . والعامي من الموحدين يغلب ألفاً من علماء هؤلاء المشركين. كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (الصافات: ١٧٣) . فجند الله هم الغالبون بالحجة واللسان، كما أنهم الغالبون بالسيف والسنان. وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح، وقد منَّ الله تعالى علينا بكتابه الذي جعله: ﴿تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى﴾ (النحل: ٨٩) . فلا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما ينقضها ويبين بطلانها، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ (الفرقان: ٣٣) . قال بعض المفسرين هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة١.

стр. 544

ويقرر الشيخ أن هذا التوحيد لا يدرك إلا بالتعلم والتفقه في الدين عن طريق الرسول محمد بن عبد الله ﷺ المتصل بالتواتر أو بالرواية الصحيحة والحجة، فهو من العلم الذي لا يدرك إلا بالوحي من الله تعالى إلى رسوله ﷺ ، والبصيرة في ذلك من أعظم الفرائض، كما قال الله تعالى لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف: ١٠٨) ١. ولا بد من التحرز العظيم من ضده لأن فائدة ذلك تصحيح التوحيد، ولذا فإن رسول الله ﷺ كان يحقق التوحيد ويعلمه أمته، وجاء بحماية جناب التوحيد وسد كل طريق يوصل إلى الشرك بالأدب والعلم والتحفظ في الأقوال والأعمال والاعتقاد حتى أبعد أمته عن هذا الحمى غاية البعد، ونهاهم عن كل قول يفضي إلى الغلو كما في حديث عبد الله بن الشخير ﵁، قال: "إنطلقت في وفد بني عامر إلى رسول- الله ﷺ ، فقلنا: أنت سيدنا. فقال: السيد الله ﵎. قلنا: وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولا، فقال: قولوا بقولكم، أو ببعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان" رواه أبو داود بسند جيد. وعن أنس ﵁: "أن ناسا قالوا: يا رسول الله، يا خيرنا، وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا. فقال: يا أيها الناس، قولوا بقولكم، ولا

стр. 545

يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعونى فوق منزلتي التي أنزلني الله " رواه النسائي بسند جيد١. ونهى ﷺ أن يقول قائل: عبدي وأمتي- كما في الصحيح عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وضىء ربك. وليقل سيدي ومولاي، ولا يقل أحدكم عبدي وأمتي وليقل فتاي وفتاتي وغلامي" وهذا من تحقيق التوحيد حتى في الألفاظ٢. وقال ﷺ لرجل قال له: ما شاء الله وشئت،: "أجعلتني لله ندا" بل ما شاء الله وحده. رواه النسائي. وقد أمر النبي ﷺ من أراد أن يحلف أن يقول ورب الكعبة بدلا من الحلف بها وأن يقول ما شاء الله ثم شئت بدلا من أن يقول: ما شاء الله وشئت - رواه النسائي وصححه. ونهى عن الحلف بغير الله. وقال: " من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك " رواه الترمذي

стр. 546

وحسنه، وصححه الحاكم١. ونهى رسول الله ﷺ عن الأعمال التي تفضي إلى الشرك مثل ما رواه أبو داود باسناد حسن- قال الشيخ: ورواته ثقات- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي فإِن صلاتكم تبلغني حيث كنتم ". وهذا من تحقيق التوحيد في الأعمال. وقال ﷺ في مرض موته: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، يحذر ما صنعوا، وقال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد". وقال الشيخ فيما ينقله عن ابن تيمية:"ولهذا اتفق العلماء على أنه من سلم على النبي ﷺ عند قبره أنه لا يتمسح بحجرته ولا يقبلها لأنه إنما يكون ذلك لأركان بيت الله فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق، كل هذا لتحقيق التوحيد الذي هو أصل الدين ورأسه الذي لا يقبل الله عملا إلا به ويغفر لصاحبه ولا يغفر لمن تركه كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية. ولهذا كانت كلمة التوحيد أفضل الكلام وأعظمه، وأعظم آية في القرآن

стр. 547

آية الكرسي ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ... ﴾ وقال ﷺ من كان آخركلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة- والإله هو الذي تألهه القلوب عبادة له واستغاثة به ورجاء له وخشية وإِجلالا ١. ويقرر الشيخ أن من عرف أحوال المشركين القدامى٢ والأمر الذي صاروا به مشركين وهو دعاؤهم غير الله طلبا للزلفى والشفاعة عند الله، وعرف حالة أكثر الناس تبين له صفة الإسلام الذي دعا إليه نبينا محمد ﷺ وتبين له أن كثيرا من الناس عنه بمعزل، وتبين معنى قوله ﷺ : "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ". لذلك كان تعلم هذه المسألة العظيمة، من أعظم واجبات الشريعة كيف لا؟ وهي حق الله على العبيد، أهم الأمور، والصحابة رضى الله عنهم لم يعرفوها إلا بعد التعلم، ومن الشرك أشياء ما عرفوها إلا بعد سنين. بل إن الأنبياء لم يعرفوا هذا إلا بعد أن علمهم الله تعالى- قال الله تعالى لأعلم الخلق محمد ﷺ ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ - وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ

стр. 548

عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ فإِذا كان هذا نبينا ﷺ فكيف بمن دونه؟ وما بال الخليل صاحب الملة الحنيفية، وما كان من المشركين يخاف على نفسه وعلى بنيه وهم أنبياء حيث قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ . وها هو يوصي أولاده وهم أنبياء- قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١. وهذا موسى ﵇ لما قال يارب علمنى شيئا أذكرك وأدعوك به قال: "قل ياموسى "لا إله إلا الله" قال: يارب كل عبادك يقولون هذا.- قال: يا موسى لو أن السموات السبع وعامرهن غيرى، والأرضين السبع في كفة- ولا إله إلا الله في كفة، مالت بهن لا إله إلا الله " رواه ابن حبان والحاكم وصححه. قال الشيخ: فيه أن الأنبياء يحتاجون للتنبيه على فضل لا إله إلا الله والتنبيه لرجحانها بجميع المخلوقات مع أن كثيرا ممن يقولها يخف ميزانه"٢. لأنه لم يعمل بمقتضاها، وعمل بنقيضها.

стр. 549

وهؤلاء أهل الكتاب يدعون أول ما يدعون إلى أن يوحدوا الله- وفي رواية إلى شهادة أن لا إله إلا الله- كما في الصحيحين عن ابن عباس وسهل بن سعد رضى الله عنهم- وهذا يدل على أنهم وهم. أهل الكتاب لا يعرفونها أو يعرفونها ولا يعملون بها١. كل هذا يؤكد أهمية تعلم التوحيد لاسيما وأن التوحيد له أعداء من الشياطين يصدون عنه ويجادلون كما تقدم بيانه. وهذا كله يؤكد أهمية تعلم التوحيد وضده والعمل بالتوحيد وترك ضده، أهمية بالغة وبالنسبة لكل إنسان مهما كان، ويؤكد عدم الالتفات لقول من يقول التوحيد عرفناه وفهمناه وأمره سهل وليس للشرك وجود ولا خطر٢. بل إذا عرف الإنسان أن الله أمر بهذا التوحيد ونهى عن ضده..

стр. 550

وجب عليه أن يعلم المأمور به ويسأل إلى أن يعرفه، وأن يعلم المنهى عليه ويسأل إلى أن يعرفه وأن يحبه ويعزم ويعمل، ولو تغيرت دنياه أو عارضه أحد من المعظمين، وأن يخلص ذلك لله وأن يجعله صوابا علي سنة رسول الله ﷺ وأن يخشى من محبطات عمله وأن يثبت عليه ويخاف من سوء الخاتمة١. وبعد أن بينا تفسير التوحيد عند الشيخ والمراد من قوله "لا إله إلا الله" وفرضه ومكانته وأهميته وفضله نبين: أن الشيخ ﵀ يستدل على التوحيد وتفسيره. وعلى أن هذا التوحيد هو المطلوب الذي يرضاه الله ولا يرضى ضده بالبراهين العظيمة التى احتج الله بها على خلقه واستدل بها رسل الله ومن تبعهم على الأمم المخالفة، فاستدل بربوبية الله العامة للعالمين، وبآثار صفات الوحدانية لله تعالى بالقدرة والغنى والعلم على وجه الكمال فى مخلوقاته واستدل بنبوة محمد ﷺ ورسالته وبالوحي المنزل عليه المعجز، وبسنته الصحيحة من أقواله وأفعاله وتقريره. واستدل بمخلوقات الله تعالى وعبوديتها له وفقرها وحاجتها إليه طوعا وكرها. ويقرر الشيخ تقريب الله التوحيد بالعقل، والنقل، والأئمة، والأدلة

стр. 551

المصرفة يقول الشيخ: "فأما العقل فكون الإنسان الذي فى عقله: أنك تلجأ إلى الحى ولا تلجأ إلى الميت، وتطلب الحاضر ولا تطلب الغائب، وتطلب الغنى ولا تطلب الفقير. وأما النقل ففي القرآن أكثر من أربعين مثلا. وأما الأئمة فمثل ما يعرف أن الناس متعلقة قلوبهم بالعلماء، ويقال من أكبر الأئمة؟ ومعلوم أنه محمد وإبراهيم ﵉. فأما إبراهيم فكما قال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ (البقرة: ١٢٤) . ولما جعله الله إماما معلوم أنه فى التوحيد، وما جرى عليه من قومه أوقدوا له نارا إذا مر الطير من فوقها سقط فيها. ومحمد ﷺ ، فأي شىء هو مرسل به دعوة الصالحين هو مرسل يهدمها أو يقيمها؟ أو ساكت عنها لا قال شينة ولا زينة؟ ومعلوم أنه ما تفارق هو وقومه إلا عندها. وأما الأدلة المصرفة فبحر لا ساحل له كل ما رأيت فهو يدل على الوحدانية١. وكم كان استدلال الشيخ بربوبية الله تعالى وصفاته على التوحيد، فلقد قرر وأكد الاستدلال بالآيات والبراهين الكثيرة فى مواضع شتى من

стр. 552

آثاره ومؤلفاته- ﵀ ولا أدل على ذلك من المبحث المتقدم فى الربوبية والأسماء والصفات الذي هو توحيد المعرفة والاثبات فهو توحيد العلم وقدمناه لأنه برهان توحيد الطلب فليراجع. ونزيد ذلك إيضاحا بما نذكره هنا من الإشارة إلى وجه الاستدلال فنقول: إن الشيخ ﵀ يرى أن توحيد الربوبية هو الإقرار بربوبية الله والإقرار بصفاته صفات الكمال دليل عظيم وبرهان ساطع على توحيد الإلهية. فربوبية الله للعالمين من أخص صفاته ، وهذا أمر مسلم به حتى من الكفار، فإن الكفار الذين كانوا على زمن رسول الله ﷺ يقرون بتوحيد الربوبية. قال الشيخ: "توحيد الربوبية هو الذي أقر به الكفاركما فى قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ (يونس: ٣١) . هذا الإقرار بتوحيد الربوبية يلزم منه أن يقروا بتوحيد الإلهية وأن لا يعبدوا إلا الله تعالى ولكنهم لم يقروا باللازم بل نازعوا فيه وأعلنوا استنكارهم له فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ - يعنون رسول الله ﷺ حين قال لهم قولوا: "لا إله إلا الله ". لأن الإله فى كلام العرب هو الذي يقصد للعبادة، وكانوا يقولون: إن الله سبحانه هو إله الآلهة، لكن يجعلون معه آلهة أخرى، مثل الصالحين

стр. 553

والملائكة وغيرهم يقولون إن الله يرضى هذا ويشفعون لنا عنده، فكذبوا رسول الله ﷺ بأن الله سبحانه يستدل عليهم باقرارهم بتوحيد الربوبية على بطلان مذهبهم هذا، لأنه إذا كان هو المدبر وحده وجميع من سواه لا يملكون مثقال ذرة فكيف يدعون معه غيره مع إقرارهم بهذا؟ ١. وكذلك المنازعون للشيخ فى التوحيد هم يقرون بتوحيد الربوبية لكنهم قد أضافوا على اقتصارهم فى التوحيد على الربوبية دون الإلهية دعوى أنهم إذا قالوا لا يخلق ولا يرزق ولا يضر ولا ينفع إلا الله فقد قالوا بمقتضى لا إله إلا الله كما يقولونها بألسنتهم. ومن هنا صار الشيخ يبين التوحيد، والفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وأنه لا نزاع فى توحيد الربوبية. قال الشيخ مستدلا على منازعيه بما أقروا به: "فإذا قيل لا خالق إلا الله لا يشاركه فى ذلك ملك مقرب ولا نبى مرسل، وإذا قيل لا يرزق إلا الله فكذلك فاذا قيل لا إله إلا الله فكذلك"، ثم قال الشيخ يخاطب بعض من يراسلهم: " فتفكر رحمك الله فى هذا واسأل عن معنى الإله كما تسأل عن معنى الخالق والرازق، واعلم أن معنى الإله هو المعبود، وهذا هو تفسير

стр. 554

هذه اللفظة باجماع أهل العلم فمن عبد شيئا فقد اتخذه إلها من دون الله، وجميع ذلك باطل إلا إله واحد، وهو الله ﵎ علوا كبيرا" ١. ويقول الشيخ فى تفسير قول الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة: ١٣١) فيه أن إبراهيم استجاب لله فيما أمره به وهو الإسلام، الذي هو سبب الكلام والخصومة، وأن إبراهيم وصف ربه سبحانه بما يوضح المسألة، وهو الربوبية للعالم كله، فانظر رحمك الله تعالى إلى هذا التقرير والثناء والتوضيح للإسلام" ٢. وقال الشيخ فى ذكر بعض ما فى قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ ٣ من بيان الحق وإبطال الباطل. الأولى: إذا كانت المحاجة فى الله سبحانه من أقرب ما يكون إليه من المختلفين فى مسألة التوحيد، فإذا كان الله رب الجميع وأنه عدل لا يظلم بإقرار الجميع ثم افترقنا فى كوننا قاصدينه مخلصين له الدين وأنتم قصدتم

стр. 555

غيره فكيف يساوى بيننا وبينكم أو يخص بكرامته من أعرض عنه دون من قصده؟ هذا لا يدخل عقل عاقل. وبيان ذلك بمعرفة الله تعالى فيما اجتمعنا وإياكم عليه، ومعرفة حالنا وحالكم فى المسألة، وذلك أنا مجمعون على استوائنا وإياكم فى العبودية، بخلاف ملوك الدنيا فان بعض الناس يكون أقرب إليهم من بعض بالقرابة وغيرها، ونحن مجمعون أيضا أنه لا يظلم أحدا من عبيده، بل كل نفس ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (البقرة: ٢٨٦) ، بخلاف ملوك الدنيا فانهم يأخذون مال هذا ويعطون هذا، فإذا كان الأمركذلك فكيف تدعون أنكم أولى بالله منا، ونحن له مخلصون وأنتم به مشركون؟ وكيف يظن به أنه يساوى بين من قصده وحده لا شريك له، ومن قصد غيره وأعرض عنه؟ وهل يظن عاقل أو سفيه برجل من بني آدم خصوصا إذا كان كريما، أن من قصده وضاف عنده يكرهه ولا يضيفه، ويخص بالرضا والكرامة والضيافة من أعرض عنه وضاف عند غيره مع استواء الجميع فى القرب منه والبعد؟ هذا لا يظن فى الآدمى فكيف يظن برب العالمين؟ فتبين بقضية العقل أن ما جاءت به الرسل من الإخلاص هو الموافق للعقل، وما فعل المشركون هو العجاب المخالف للعقل، فيالها من حجة ما أعظمها وأبينها، لكن لمن فهمها كما ينبغى١.

стр. 556

ويستدل الشيخ بمفهوم الإله عند العرب وعند أهل العلم وأنه المعبود وأن صفة الله بالإله صفة يختص بها لا يشركه فيها غيره ولذا كان قول: لا إله إلا الله والعمل بمقتضاها هو الدخول فى التوحيد المطلوب والتحقق به. لأن الله تعالى هو الإله الحق الذي لا إله حقيقة إلا هو، ومعنى أنه الإله أى المألوه، والمألوه هو أعلى الغايات عند المسلم والكافر، إلا أن الكافر يزعم أن الله هو الإله الأكبر لكن معه آلهة أخرى تشفع عنده، والمتكلم ممن يدعى الإسلام جنى عليه اعراضه عن الوحى وإقباله على معقولات البشر فضل عن معرفة معنى الإله فظن أن معنى الإله هو القدرة على الخلق. ثم قال التوحيد لا يتم إلا بنفى الصفات فنفاها فصار الكافر أعقل منه، أما المسلمون حقا فأجمعوا مع الأنبياء فى إجماعهم على أن الإله وصف يختص الله به وهو الجامع لصفات الكمال فانه يدل على العلم العظيم والقدرة العظيمة وهاتان الصفتان أصل جميع الصفات- كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ (الطلاق: آخرها) . وقال الشيخ: "فمن أنكر الصفات فهو معطل والمعطل شر من المشرك ولهذا كان السلف يسمون التصانيف فى إثبات الصفات كتب التوحيد وختم البخارى صحيحه بذلك- قال: كتاب التوحيد ثم ذكر الصفات بابا بابا.

стр. 557

فبين السلف أن العبادة إذا كانت كلها لله عن جميع المخلوقات فلا تكون إلا بإثبات الصفات والأفعال فتبين أن منكر الصفات منكر لحقيقة الألوهية لكن لا يدرى وتبين لك أن من شهد أن لا إله إلا الله صدقا من قلبه لابد أن يثبت الصفات والأفعال" ١. فنكتة المسألة أن المتكلمين يقولون: التوحيد لا يتم إلا بإنكار الصفات- فقال أهل السنة لا يتم التوحيد إلا بإثبات الصفات وتوحيدكم هو التعطيل ولهذا آل هذا القول ببعضهم إلى إنكار الرب ﵎، ثم يقرر الشيخ: أن أكابر أهل العلم قد يغلطون فى مفهوم الإله ومن ثم يغلطون فى مسمى التوحيد، وينقل عن الشيخ تقى الدين ابن تيمية قوله: قد غلط فى مسمى التوحيد طوائف من أهل النظر والكلام ومن أهل الإرادة والعبادة، حتى قلبوا حقيقته، فطائفة ظنت أنه نفى الصفات وسموا أنفسهم أهل التوحيد، وطائفة ظنت أنه ليس إلا الإقرار بتوحيد الربوبية، وأطالوا الكلام فى تقرير هذا الموضع، إما بدليل أن الاشتراك يوجب نقص القدرة، واستقلال كل من الفاعلين بالفعل محال، وإما بغير ذلك ولم يعلموا أن مشركي العرب مقرون بهذا التوحيد- قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الآيات من سورة المؤمنين من آية ٨٤ إلى آية

стр. 558

٨٩) . وهذا من التوحيد الواجب لكن لا يخلص من الشرك بالله الذي لا يغفره الله، بل لابد أن يخلص لله الدين فيكون دينه لله، والإله هو المألوه وكونه يستحق ذلك مستلزما لصفات الكمال، فلا يستحق أن يكون معبودا ومحبوبا لذاته إلا هو، فكل عمل لا يراد به وجهه فهو باطل وعبادة غيره وحب غيره يوجب الفساد ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (الأنبياء: ٢٢) وقد بينَّا أن الآية لم يقصد بها دليل التمانع فانه يمنع وجود المفعول لإفساده بعد وجوده١. ويستدل الشيخ- ﵀ على التوحيد بنبوة محمد ﷺ أيضا فيقول: "ولما أراد الله سبحانه إِظهار توحيده وإكمال دينه، وأن تكون كلمته هي العليا. وكلمة الذين كفروا هي السفلى، بعث محمدا ﷺ خاتم النبيين وحبيب رب العالمين٢ إلى الناس كافة فأتاهم النبى ﷺ يدعوهم إلى كلمة التوحيد وهي "لا إله إلا الله ". والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرد لفظها٣- كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٤ (الأنبياء:

стр. 559

٢٥) . ففي هذه الآية دليل على أن الله أوحى إلى رسله جميعا أنه مختص بالإلهية. وفى هذه الآية كما فى غيرها من الآيات الخبر عن أكبر المسائل على الإطلاق وهي تفرد الله بالإلهية وهذا هو التوحيد١، وفى الآية التعقيب المباشر بالأمر بلازم التوحيد، وهو إفراد الله بالعبادة، وذلك مثل قوله لموسى عليه وعلى محمد الصلاة والسلام ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ (طه: ١٤) . ذكر الشيخ أن فيه: أَمره بالاستماع لما يوحى وأن أول ذلك أكبر المسائل على الإطلاق وهو تفرده بالإلهية، وأمره بلازم التوحيد وهو إفراده بالعبادة٢. ومثله قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ (الكهف: آخرها) . وينبه الشيخ إلى طريقة القرآن فى الاستدلال والبرهنة على التوحيد وهي الطريقة العقلية الشرعية فهي عقلية حيث أن العقل يشهد بصحتها وشرعية حيث أن الشرع جاء بها ومن ذلك ما قاله الشيخ فى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ

стр. 560

الْعَالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً عَمِينَ﴾ (الأعراف: ٥٩-٦٤) . قال الشيخ فيه: "تعريفهم أن هذا الذي استغربوا ونسبوا من قاله إلى الجهالة والجنون هو الواجب فى العقل وهو أيضا حظهم ونصيبهم من الله، لأنه سبب الرحمة ففى هذا الكلام من أوله إلى آخره من تحقيق الحق وذكر أدلته العقلية على تحقيقه وإبطال الباطل وذكر الأدلة العظيمة على بطلانه ما لا يخفى على من له بصيرة١. ومن ذلك ما نبه إليه الشيخ فى قوله تعالى فى سورة الأنعام عن محاجة إبراهيم لقومه. قال الشيخ- ﵀ فى تفسيره ومن قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ - إلى قوله- ﴿إِنْ هُوَ إلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ ٢- فيه مسائل-:

стр. 561

الأولى: قوله: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً﴾ السؤال عن معنى الآلهة فإنها جمع إله وهو أعلى الغايات عند المسلم والكافر فكيف يتخذ جمادا، وهذا أعجب وأبعد عن العقل من جعل الحمار قاضيا، لأن الحيوان أكمل من الجماد فإذا كان هذا من خشب أو حجر لم يعص الله، فكيف بمن اتخذ فاسقا إلها مثل نمرود وفرعون، فإن كان اتخذه بعد موته فأعجب وأعجب.

стр. 562

الثانية: القدح فى حجتهم لأن السواد الأعظم ليس لهم حجة إلا هي، فيدل على الرسوخ فى مخالفتهم بالأدلة اليقينية لقوله: ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ . الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فإن ذلك من أعظم الأدلة على المسألة ببديهة العقل، لأن من رأى نخلاً كثيراً لا يخالجه شك أن المدبر له ليس نخلة واحدة منه. فكيف بملكوت السموات والأرض؟ الرابعة: أَن هذا النفي إنما نفي لأجل الاثبات. الخامسة: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ فلم يكمل غيره حتى كمل. السادسة: عظم مرتبة اليقين عند الله لجعله التعليم علة لإيصاله إليه. السابعة: براءته من شركهم نفى أولا كونها: تستحق. ونفى ثانيا عن نفسه الالتفات إليها. الثامنة: نفي النقائص عن ربه. التاسعة: ذكر توجهه الذي هو العمل. العاشرة: ذكر الدليل الذي دله على النفي والاثبات. الحادية عشرة: تحقيقه ذلك بكونه حنيفا، وهذه المسألة التي قال الله فى ضدها ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (يوسف: ١٠٦) . الثانية عشرة: تصريحه لهم بما ذكرولم يدار مع كثرتهم ووحدته.

стр. 563

الثالثة عشرة: تصريحه بالبراءة منهم بقوله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ . الرابعة عشرة: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ ولم يذكرحجتهم، لأن كلامه كاف عن كل ما يقولون. الخامسة عشرة: أنهم لما خصموا رجعوا إلى التخويف كفعل أمثالهم، فذكر أنه لا يخاف إلا الله، لتفرده بالضر والنفع بخلاف آلهتهم فذكر النفى والاثبات. السادسة عشرة: سعة العلم وما قبله سعة القدرة، وهاتان هما اللتان خلق العالم العلوى والسفلى لأجل معرفتنا بهما. السابعة عشرة: أن من ادعى معرفتهما وأشكل عليه التوحيد فعجب، ولذلك قال: ﴿أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ . الثامنة عشرة: قوله: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ﴾ إلى آخره يدل على أنها حجة عقلية تعرفها عقولهم. التاسعة عشرة: قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يدل على أن من أشكلت عليه هذه الحجة فليس له علم. العشرون: البشارة العظيمة والخوف الكثير فى فصل الله هذه الخصومة، إذا عرف ما جرى للصحابة، وما فسرها لهم به النبى ﷺ . الحادية والعشرون: تعظيمه سبحانه هذه الحجة باضافتها إلى نفسه، وأنه الذي أعطاها إبراهيم ﵇ عليهم.

стр. 564

الثانية والعشرون: أن العلم بدلائل التوحيد وبطلان الشبه فيه يرفع الله به المؤ من درجات. الثالثة والعشرون: معرفة أن الرب ﵎ حكيم يضع الأشياء فى مواضعها. الرابعة والعشرون: كونه عليم بمن هو أهل لها كما قال تعالى: ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ (الفتح: ٢٦) . الخامسة والعشرون: ذكر نعمته على إبراهيم بذريته التى أنعم عليهم بالهداية. السادسة والعشرون: أن العلم والهداية أفضل النعم لقوله: ﴿وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ . السابعة والعشرون: هداية المذكورين أصولهم وفروعهم ومن فى درجتهم. الثامنة والعشرون: ذكره الذي هداهم الله إليه. وهو الصراط المستقيم، وهو المقصود من القصة. التاسعة والعشرون: التنبيه على الإستقامة. الثلاثون: القاعدة الكلية أن هذا الطريق هو هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ليس للجنة طريق إلا هو. الحادية والثلاثون: التنبيه على أن الهداية إليه بمشيئته ليظهر العجب وتشكر النعمة.

стр. 565

الثانية والثلاثون: العظيمة التى لم يعرفها أكثر من يدعي الدين، وهي مسألة تكفير من أشرك وحبوط عمله، ولو كان أعبد الناس وأزهدهم. الثالثة والثلاثون: ذكره أنه أعطاهم ثلاثة أشياء: الكتاب، والحكم، والنبوة، فلا يرغب عن طريقهم إلا من سفه نفسه. الرابعة والثلاثون: ما فى قوله ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ﴾ إلى آخره من العبر والتحريض على الحرص على طلب العلم من طريقهم وما فيه من النفور من الجهل وتقسيمه. الخامسة والثلاثون: قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ أن دينهم واحد وأن شرعهم شرع لنا. السادسة والثلاثون: النهى عن البدع فان فى التحريض عليه نهى عن ضده. السابعة والثلاثون: كون النذير البشير مع مقاساة الشدائد فى ذلك لم يطلب منا أجرا عليه. الثامنة والثلاثون: كونه ذكرى، ففيه الرد على من يقرأ بلا تدبر. التاسعة والثلاثون: قوله: ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ فيه تكذيب من قال: لا يعرفه إلا المجتهد. الأربعون: الحصر فيما ذكر، والله سبحانه أعلم١.
следующие страницы →