← Акыда

Акыда · id 12039

عقيدة محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي

صالح بن عبد الله العبود

Полный текст (1 147 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الأولى: قوله: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً﴾ السؤال عن معنى الآلهة فإنها جمع إله وهو أعلى الغايات عند المسلم والكافر فكيف يتخذ جمادا، وهذا أعجب وأبعد عن العقل من جعل الحمار قاضيا، لأن الحيوان أكمل من الجماد فإذا كان هذا من خشب أو حجر لم يعص الله، فكيف بمن اتخذ فاسقا إلها مثل نمرود وفرعون، فإن كان اتخذه بعد موته فأعجب وأعجب.

стр. 562

الثانية: القدح فى حجتهم لأن السواد الأعظم ليس لهم حجة إلا هي، فيدل على الرسوخ فى مخالفتهم بالأدلة اليقينية لقوله: ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ . الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فإن ذلك من أعظم الأدلة على المسألة ببديهة العقل، لأن من رأى نخلاً كثيراً لا يخالجه شك أن المدبر له ليس نخلة واحدة منه. فكيف بملكوت السموات والأرض؟ الرابعة: أَن هذا النفي إنما نفي لأجل الاثبات. الخامسة: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ فلم يكمل غيره حتى كمل. السادسة: عظم مرتبة اليقين عند الله لجعله التعليم علة لإيصاله إليه. السابعة: براءته من شركهم نفى أولا كونها: تستحق. ونفى ثانيا عن نفسه الالتفات إليها. الثامنة: نفي النقائص عن ربه. التاسعة: ذكر توجهه الذي هو العمل. العاشرة: ذكر الدليل الذي دله على النفي والاثبات. الحادية عشرة: تحقيقه ذلك بكونه حنيفا، وهذه المسألة التي قال الله فى ضدها ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (يوسف: ١٠٦) . الثانية عشرة: تصريحه لهم بما ذكرولم يدار مع كثرتهم ووحدته.

стр. 563

الثالثة عشرة: تصريحه بالبراءة منهم بقوله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ . الرابعة عشرة: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ ولم يذكرحجتهم، لأن كلامه كاف عن كل ما يقولون. الخامسة عشرة: أنهم لما خصموا رجعوا إلى التخويف كفعل أمثالهم، فذكر أنه لا يخاف إلا الله، لتفرده بالضر والنفع بخلاف آلهتهم فذكر النفى والاثبات. السادسة عشرة: سعة العلم وما قبله سعة القدرة، وهاتان هما اللتان خلق العالم العلوى والسفلى لأجل معرفتنا بهما. السابعة عشرة: أن من ادعى معرفتهما وأشكل عليه التوحيد فعجب، ولذلك قال: ﴿أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ . الثامنة عشرة: قوله: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ﴾ إلى آخره يدل على أنها حجة عقلية تعرفها عقولهم. التاسعة عشرة: قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يدل على أن من أشكلت عليه هذه الحجة فليس له علم. العشرون: البشارة العظيمة والخوف الكثير فى فصل الله هذه الخصومة، إذا عرف ما جرى للصحابة، وما فسرها لهم به النبى ﷺ . الحادية والعشرون: تعظيمه سبحانه هذه الحجة باضافتها إلى نفسه، وأنه الذي أعطاها إبراهيم ﵇ عليهم.

стр. 564

الثانية والعشرون: أن العلم بدلائل التوحيد وبطلان الشبه فيه يرفع الله به المؤ من درجات. الثالثة والعشرون: معرفة أن الرب ﵎ حكيم يضع الأشياء فى مواضعها. الرابعة والعشرون: كونه عليم بمن هو أهل لها كما قال تعالى: ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ (الفتح: ٢٦) . الخامسة والعشرون: ذكر نعمته على إبراهيم بذريته التى أنعم عليهم بالهداية. السادسة والعشرون: أن العلم والهداية أفضل النعم لقوله: ﴿وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ . السابعة والعشرون: هداية المذكورين أصولهم وفروعهم ومن فى درجتهم. الثامنة والعشرون: ذكره الذي هداهم الله إليه. وهو الصراط المستقيم، وهو المقصود من القصة. التاسعة والعشرون: التنبيه على الإستقامة. الثلاثون: القاعدة الكلية أن هذا الطريق هو هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ليس للجنة طريق إلا هو. الحادية والثلاثون: التنبيه على أن الهداية إليه بمشيئته ليظهر العجب وتشكر النعمة.

стр. 565

الثانية والثلاثون: العظيمة التى لم يعرفها أكثر من يدعي الدين، وهي مسألة تكفير من أشرك وحبوط عمله، ولو كان أعبد الناس وأزهدهم. الثالثة والثلاثون: ذكره أنه أعطاهم ثلاثة أشياء: الكتاب، والحكم، والنبوة، فلا يرغب عن طريقهم إلا من سفه نفسه. الرابعة والثلاثون: ما فى قوله ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ﴾ إلى آخره من العبر والتحريض على الحرص على طلب العلم من طريقهم وما فيه من النفور من الجهل وتقسيمه. الخامسة والثلاثون: قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ أن دينهم واحد وأن شرعهم شرع لنا. السادسة والثلاثون: النهى عن البدع فان فى التحريض عليه نهى عن ضده. السابعة والثلاثون: كون النذير البشير مع مقاساة الشدائد فى ذلك لم يطلب منا أجرا عليه. الثامنة والثلاثون: كونه ذكرى، ففيه الرد على من يقرأ بلا تدبر. التاسعة والثلاثون: قوله: ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ فيه تكذيب من قال: لا يعرفه إلا المجتهد. الأربعون: الحصر فيما ذكر، والله سبحانه أعلم١.

стр. 566

ومن ذلك ما قرره من مسائل على آيات من سورة يوسف- قال تعالى: ﴿قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ؟ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الآيات: ٣٧- ٤٠) . يقول ﵇ إني عليم بتعبير الرؤيا هذه وغيرها ﴿قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ قبل إِتيانه فكيف بغير ذلك؟ ففيه مسائل: الأولى: ذكر العالم أنه من أهل العلم عند الحاجة ولا يكون من تزكية النفس. الثانية: إِضافة هذه النعمة العظيمة إلى معطيها سبحانه لا إلى فهم الإنسان واجتهاده. الثالثة: ذكر سبب اكرام الله له بهذا الفضل وهو الترك والفعل فترك الشرك الذي هو مسلك الجاهلين واتبع التوحيد الذي هو سبيل أهل العلم من الأنبياء وأتباعهم. الرابعة: ذكره أنه من هؤلاء الأكرمين فانتسب إلى البيت التي هو

стр. 567

أشرف بيوت أهل الأرض، وهذا جائز على غير سبيل الافتخار خصوصاً عند الحاجة. الخامسة: أنه صرح لهم بأنهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب. السادسة: أن الجد يسمى أباً كما ذكر ابن عباس واحتج بالآية على زيد بن ثابت. السابعة: قوله: ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ قيل معناه أن الله عصمنا، وهذه الفائدة من أكبر الفوائد وأنفعها لمن عقلها، والجهل بها أضر الأشيا وأخطرها. الثامنة: قوله: "من شيء" عام كل ما سوى الله، وهذه المسألة هي التي غلط أذكياء العالم وعقلاء بني آدم، كما قَال تعالى: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ (الشورى: ١٣) . التاسعة: ذكر سبب معرفتهم بالمسألة وعلمهم بها وثباتهم عليها، وهو مجرد فضل الله فقط عليهم. العاشرة: أن فضله سبحانه ليس مخصوصاً بنا بل عام للناس كلهم لكن منهم من قبله ومنهم من رده، وذلك أنه أعطى الفطرة ثم العقول، ثم بعث الرسل وأنزل الكتب. الحادية عشرة: إزالة الشبهات عن المسألة التي هي أكبر الشبه، وذلك أن الله إذا تفضل بهذا كله خصوصا البيان فما بال الأكثر لم يفهم ولم يتبع فما أكثر الجاهلين بهذا وما أكثر الشاكين فيه، فقد ذكر تعالى

стр. 568

أن السبب أن جمهور الناس لم يشكر فأما من عرف النعمة فلم يلتفت إليها فلا إشكال فيه. وأما من لم يعرف فذلك لإعراضه ومن أعرض فلم يطلب معرفة دينه فلم يشكر. الثانية عشرة: دعوته إياهما ﵇ إلى التوحيد في تلك الحال فلم تشغله عن النصيحة والدعوة إلى الله فدعاهما أولا بالعقل، ثم بالنقل: وهي الثالثة عشرة. الرابعة عشرة: قوله: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ فهذه حجة عقلية شرحها في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً﴾ الآية (الزمر: ٢٩) . الخامسة عشرة: أن الَّذي في الجانب الآخر هو الَّذي جبلت القلوب وأقرت الفطر أنه ليس كفو. السادسة عشرة: أنه هو القهار مع كونه واحدا، وما سواه لايحصيهم إلا هو فهذا قوله، وهذا عجزهم فكيف يعدل به واحد منهم، أو عشرة أو مائة. السابعة عشرة: بيان بطلان ما عبدوا من دونه بأنها أسماء لا حقيقة لها. الثامنة عشرة: التنبيه على بطلانها بكونها بدعة ابتدعها من قبلكم فتبعتموهم.

стр. 569

التاسعة عشرة: بيان الواجب على العبد في الأديان السؤال عما أمر الله به ونهى عنه، وهو السلطان المنزل من السماء لايعبد بالظن وما تهوى الأنفس. العشرون: القاعدة الكلية التي تفرع عنها تلك الجزئية وهي أن أحكام الدين والدنيا إلى الله لا إلى آراء الرجال - كما قَال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (الشورى:١٠) . الحادية والعشرون: إذا ثبت أن الحكم له وحده دون الظن وما تهوى الأنفس فإنه سبحانه حكم بأن العبادة كلها محصورة عليه ليس لأحد من أهل السماء وأهل الأرض منها شيء. الثانية والعشرون: أن هذه المسألة هي الدين القيم وكلما خالفها أو ليس منها فليس بقيم بل أعوج، فعلامة الحق أن العقول السليمة تعرف اعوجاج غيره بالفطرة، ومع هذا أنزل الله السلطان من السماء بتحقيق هذا والإلزام به، وتبطيل ذلك وتغليظ الوعيد عليه. الثالثة والعشرون: المسألة الكبيرة العظيمة التي لو تجعلها نصب عينيك ليلا ونهارا لم يكن كثيرا، وأيضا تبين لك كثيرا من المسائل التي أشكلت على الناس وهي أن الله بين لنا بيانا واضحا أن الأكثر والجمهور الَّذي يضيقون الديار ويغلون الأسعار من أهل الكتاب والأميين لا يعلمون هذه المسألة: مع إيضاحها بالعقل والنقل والفطرة، والآيات النفسية

стр. 570

والأفقية ١. وفي استنباطات الشيخ من سورة النحل الآيات (١-٢٢) يشير إلى الأدلة والمدلول عليه قَال الله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ. يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاتَّقُونِ. خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ. خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ. وَالأنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ. وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ. وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ. وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ. هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ. يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ. وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ. وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ. وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ. أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ. وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ

стр. 571

اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ. وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ. وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ. أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ. إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ قال الشيخ: فيها ذكر الحكمة في إنزال الروح وهو إنذار الخلق عن الشرك، وفيها الاستدلال بخلق السموات والأرض وأنه بالحق، والاستدلال بخلق الإنسان، فذكر أولا: الخلق العام ثم الخاص وفيها الاستدلال بخلق الأنعام على اختلافها وأن ذلك لنا، وذكر الخيل والبغال والحمير في الاستدلال، والتنبيه على خلق ما لا نعلم، وفيها اللاستدلال بانزال المطر والاستدلال بخلق الليل والنهار والعلويات وتسخيرها لنا بأمره وأنها آيات مخصوصة بالذين يعقلون، وفيها الاستدلال بخلق ما في الأرض لنا على اختلافه وكثرته والآيات في ذلك وتخصيص المتفكرين بفهمها، وتسخير الله البحر وأنه الذي فعله لا غيره، والاستدلال بخلق الجبال وفي قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ الدليل القاطع البديهي الفطري الضروري، وأن الذين يدعون من دون الله ليس لهم قدرة ولا لهم علم فلا يخلقون شيئا ولا يدرون متى يبعثون، وأنهم أموات غير أحياء وذكر المدلول عليه وهو توحيد الإِلهية وأنه مع تكاثر هذه الأدلة ووضوحها أنكرته قلوب هؤلاء وسببه عدم الإيمان بالآخرة لاخفاء الأدلة وأن الشرك

стр. 572

وعدم الإيمان بالآخرة متلازمان١. ومن ذلك أيضا ما ورد في سورة الزمر- قال الله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ (الزمر: ١-٨) . قال الشيخ في مسائله المستنبطة من هذه السورة: الآية الأولى: فيها منته بالكتاب.

стр. 573

الثانية: إنزاله من السماء. الثالثة: منه سبحانه. الرابعة: ذكر عزته في هذا الموضع. الخامسة: ذكر حكمته فيه. والآية الثانية: فيها الأولى والثانية (يعنى منته بالكتاب، وإنزاله من السماء) . الثالثة: إنزاله بالحق، فيفيد الرد على أكثر الناس في مسائل كثيرة. الرابعة: تخصيصه الرسول ﷺ بإنزاله فالنعقة عليه أكبر، وعليه من الشكر أكثر، وكذلك من خص بما يشابه ذلك. الخامسة: نتيجة إِنزاله بالحق ونتيجة الإِنعام به وهي عبادة الله بالإِخلاص- وهذه الخامسة هي الدين كله، وجعلها بين الرابعة والسادسة وهي أن الدين الخالص لله، وغير الخالص ليس له وهما قاعدتان عظيمتان. الآية الثالثة: فيها إِبطال اتخاذ الأولياء من دونه. والثانية: إِبطال ما غرَّهم به الشيطان أن قصدهم وجه الله لا غير، وما أجلها من مسألة. الثالثة: الوعيد الشديد على ذلك. الرابعة: ذكره تكفير من فعل ذلك. الخامسة: تكذيبه. السادسة: ذكره أنه لا يهدي هذا، وهي من مسائل الصفات. الآية الرابعة: فيها نفي اتخاذ الولد على سبيل الاصطفاء.

стр. 574

الثانية: ذكر خطئهم في القياس لأنه لو يفعله لم يكن مما قالوا. الثالثة: أنه مسبة لله بقوله سبحانه. الرابعة: ذكره الوحدانية في هذا. الخامسة: ذكره القهر فيه. السادسة: الاستدلال بالأسماء والصفات على النفي والاثبات، وهي مسائل كبيرة عظيمة. الآية الخامسة: فيها ذكر البراهين على ما تقدم من الدين الحق وضده وهذه البراهين هي: الأولى: خلق السموات والأرض. الثانية: أنه بالحق. الثالثة: تكوير المكورين. الرابعة: تسخير النير ين. الخامسة: ذكر عزته في هذا. السادسة: ذكر مغفرته. الآية السادسة: في البراهين أيضا: الأولى: خلقنا من نفس واحدة مع هذه الكثرة. الثانية: خلقه منها زوجها. الثالثة: إِنزاله لنا من الأنعام هذه النعم العظيمة. الرابعة: خلقنا في البطون.

стр. 575

الخامسة: أنه خلق من بعد خلق. السادسة: أنه في الظلمات الثلاث. السابعة: كلمة الإِخلاص. الثامنة: التعجب من الغلط في هذا مع كثرة هذه البراهين ووضوحها. الآية السابعة: فيها سبع جمل كل واحدة مستقلة. الآية الثامنة: فيها ذكر حال الإنسان مع ربه. والثانية: هذه المسألة العجيبة من حاله. الثالثة: برهان التوحيد. الرابعة: حِلْمهُ سبحانه. الخامسة: أن الكافر مقر بتوحيد الربوبية. السادسة: أنه يخلص لله وينيب في الضر. السابعة: أن الإِجابة في هذا لا تدل على المحبة. الثامنة: تدل على أن الحق عليه أكبر. التاسعة: ومعرفة قدر الدنيا. العاشرة: شدة الوعيد على هذا. الحادية عشرة: أن الحجة عليه أكبر. الثانية عشرة: ما ابتدع قوم بدعة إلا نزع عنهم من السنة مثلها. الثالثة عشرة: ما كفاه النسيان حتى جعل الشكرجعل الأنداد.

стр. 576

الرابعة عشرة: أمر المؤمن أن يعظ الفاعل١. ويستدل الشيخ بعبودية ما سوى الله طوعا وكرها وفقر المخلوقات مهما كانت إلى الله تعالى ويبين أن كل ما سوى الله عبد مربوب مخلوق محتاج للإله الحق وليس له في الألوهية حق. كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ . وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً﴾ . وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ ٢ الآية (النحل: ١١١) . وإذا كان الله قد أنكر عبادة من لا يملك لعابده نفعا ولا ضرا كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (يونس:١٨) . وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ . فمعلوم أن هذا يستلزم علمه بحاجة العباد ناطقها وبهيمها، ويستلزم

стр. 577

القدرة على قضاء حوائجهم، ويستلزم الرحمة الكامنة واللطف الكامل وغير ذلك من صفات الكمال ونعوت الجلال١. وهذا معنى الإله، والإله هو الجامع لصفات الكمال، فهو أعلى الغايات المعبود المحبوب المطلوب لهذه المخلوقات. ويرى الشيخ أن مخلوقات الله من أظهر الآيات الدالة على التوحيد٢- ويقول: إذا قيل لك: من ربك؟ - فقل ربى الله الذي رباني وربى جميع العالمين بنعمه وهو معبودي ليس لى معبود سواه والدليل قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وكل ما سوى الله عالم وأنا واحد من ذلك العالم. فإذا قيل لك: بم عرفت ربك؟ فقل بآياته ومخلوقاته٣، ومن آياته أن خلق وصور وشق السمع والبصر ووهب جميع الحواس٤. والخلق أظهر آياته سبحانه، خاصة خلقه للإنسان، ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ ٥.

стр. 578

ومن آياته المخلوقة التى خلقها وسخرها وهي دالة عليه الليل والنهار والشمس والقمر والسموات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهما١. والدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (فصلت: ٣٧) . وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢ (الأعراف: ٥٤) . ويستدل الشيخ بمثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢١،٢٢) . قال ابن كثير- ﵀ الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة٣.

стр. 579

ويقول الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ . يقول الشيخ: بعد أن أورد هذه الآية- ثم ذكر الدليل فقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ ١ (البقرة: ١٦٣-١٦٥) . هذا وقد عقد الشيخ بابا في كتاب التوحيد ترجم له بقوله: باب قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ أورد فيه من براهين التوحيد بيان عجز المخلوقات وكل ما سوى الله عن الخلق، وفقر العالمين جميعا إلى الله تعالى بالعقل والشرع- كما وردت في النصوص الموحى بها إلى رسول الله ﷺ مثل قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ (الأعراف: ١٩١، ١٩٢) . ومثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ . وفي الصحيح عن أنس، قال: "شج النبى ﷺ يوم أحد، وكسرت رباعيته فقال: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ فنزلت: ﴿ليس لك من الأمرشىء﴾

стр. 580

(آل عمران: ١٢٨) . وفيه عن ابن عمر رضى الله عنهما: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: "اللهم العن فلانا وفلانا، بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد " فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية. وفي رواية: "يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام فنزلت ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ . وفيه عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: "قام رسول الله ﷺ حين أنزل عليه ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٤) فقال: يا معشر قريش (أو كلمة نحوها) اشتروا أنفسكم، لا أغنى عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغنى عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله ﷺ لا أغنى عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا". قال الشيخ في مسألة: قوله للأبعد والأقرب "لا أغني عنك من الله شيئا" فإذا صرح وهو سيد المرسلين بأنه لا يغني شيئا عن سيدة نساء العالمين، وآمن الإنسان أنه ﷺ لا يقول إلا الحق ثم نظر فيما وقع في قلوب خواص الناس اليوم تبين له التوحيد وغربة الدين١.

стр. 581

قال الشيخ ابن سعدي- ﵀ في القول السديد الذي علق به على كتاب التوحيد تحت هذه الترجمة باب قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ - هذا شروع في براهين التوحيد وأدلته فالتوحيد له من البراهين النقلية والعقلية ما ليس لغيره، فتقدم أن التوحيدين توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات من أكبر براهينه وأضخمها، فالمتفرد بالخلق والتدبير، والمتوحد في الكمال المطلق من جميع الوجوه هو الذي لا يستحق العبادة سواه. وكذلك من براهين التوحيد معرفة أوصاف المخلوقين ومن عبد مع الله فان جميع ما يعبد من دون الله من ملك وبشر ومن شجر وحجر وغيرها كلهم فقراء إلى الله عاجزون ليس بيدهم من النفع مثقال ذرة، ولا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون ضراً ولا نفعاً ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، والله تعالى هو الخالق لكل مخلوق وهو الرازق لكل مرزوق المدبر للأمور كلها الضار النافع المعطى المانع الذي بيده ملكوت كل شىء وإليه يرجع كل شىء وله يقصد ويصمد ويخضع كل شىء. فأي برهان أعظم من هذا البرهان الذي أعاده الله وأبداه في مواضع كثيرة من كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ، فهو دليل عقلي فطري كما أنه دليل سمعي نقلي على وجوب توحيد الله وأنه الحق وعلى بطلان الشرك. وإذا كان أشرف الخلق على الإِطلاق لا يملك نفع أقرب الخلق إليه وأمسهم به رحما فكيف بغيره؟ فتباً لمن أشرك بالله وساوى به أحدا من

стр. 582

المخلوقين، لقد سلب عقله بعد ما سلب دينه فنعوت البارى تعالى وصفات عظمته وتوحده في الكمال المطلق أكبر برهان على أنه لا يستحق العبادة إلا هو. وكذلك صفات المخلوقات كلها، وما هي عليه من النقص والحاجة والفقر إلى ربها في كل شؤونها، وأنه ليس لها من الكمال إلا ما أعطاها ربها من أعظم البراهين على بطلان إلهية شىء منها. فمن عرف الله وعرف الخلق اضطرته هذه المعرفة إلى عبادة الله وحده وإِخلاص الدين له والثناء عليه، وحمده وشكره بلسانه وقلبه وأركانه، وانصرافه عن التعلق بالمخلوقين خوفا ورجاء وطمعا١. ا. هـ بتصرف قليل. والشيخ ﵀ كثيرا ما يورد النصوص من الوحي الدالة على التوحيد مثل قول الله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (يونس: ١٠٦، ١٠٧) . وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (العنكبوت: ١٧) . وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ

стр. 583

دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ (الأحقاف: ٥، ٦) . وقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ (النمل: ٦٢) ١. هذا ومن الأبواب التى عقدها الشيخ وتعد بيانا لبراهين التوحيد في كتاب التوحيد هي: ١- باب قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ٢ (سبأ: ٢٣) . ٢- باب الشفاعة٣ وفي قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (سبأ: ٢٢، ٢٣) . قال الشيخ فيها الحجة على ابطال الشرك خصوصا ما تعلق على الصالحين وهي الآية التي قيل: إنها تقطع عروق الشرك من القلب. ٣- باب: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾

стр. 584

(القصص: ٥٦) ١. ٤- باب: (لا يستشفع بالله على خلقه) ٢. ٥- باب: في (حماية النبى ﷺ حمى التوحيد) ٣. ٦- باب قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ٤. ٧- باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ ٥ وغير ذلك من الأبواب التى يطرقها الشيخ في مؤلفاته: للدلالة على التوحيد. ومن أدلة الشيخ التاريخية على معنى التوحيد استعراضه لما جرى بين رسول الله ﷺ وبين قومه- فمن ذلك يقول الشيخ: "وجرى بينه وبينهم ما يطول وصفه. وقص الله سبحانه بعضه في كتابه. ومن أشهرذلك: قصة عمه أبى طالب لما حماه بنفسه وماله وعياله وعشيرته. وقاسى في ذلك الشدائد العظيمة. وصبر عليها، ومع ذلك كان مصدقا له، مادحا لدينه محبا لمن اتبعه، معاديا لمن عاداه، لكن لم يدخل فيه، ولم يتبرأ من دين آبائه واعتذر عن ذلك بأنه لا يرضى بمسبة آبائه.

стр. 585

ولولا ذلك لاتبعه. ولما مات- وأراد النبى ﷺ الاستغفارله- أنزل الله عليه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ ١ (براءة:١١٣) . ويذكرالشيخ عن أبى محمد بن قدامة أن أبا طالب كان يقر بنبوة النبى ﷺ وله في ذلك أشعار منها: ألا أبلغا عنى على ذات بيننا ... لؤيا وخصا من لؤى بنى كعب بأنا وجدنا في الكتاب محمداً ... نبياً كموسى خط في أول الكتب وأن عليه في العباد محبة ... ولاخير٢ ممن خصه الله بالحب ومنها: تعلم خيار الناس أن محمدا ... وزيرا لموسى والمسيح ابن مريم فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا ... فإن طريق الحق ليس بمظلم ولكنه أبى أن يدين بذلك خشية العار. ولما حضرته الوفاة دخل عليه رسول الله ﷺ وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أبى أمية- فقال: "ياعم قل: لا إله إلا الله، كلمة: أحاج لك بها عند الله" فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل ﷺ يرددها عليه، وهما يرددان عليه حتى كان آخركلمة قالها: "هو على ملة عبد المطلب" فقال رسول الله ﷺ

стр. 586

"لأستغفرن لك ما لم أنه عنك" فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (التوبة: ١١٣) ، ونزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (القصص: ٥٦) . وقصة وفاة أبى طالب أخرجها البخارى ومسلم عن سعيد بن المسيب عن أبيه، ورواها أحمد ومسلم والترمذى من حديث أبي هريرة١. وقصة أبي طالب يتضمنها الحديث الثاني من عشرين حديثا من صحيح مسلم قام بدراسة أسانيدها وشرح متونها الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد٢. ويعلق الشيخ على هذه القصة فيقول: فيالها من عبرة ما أبينها، ومن عظة ما أبلغها. ومن بيان ما أوضحه٣.

стр. 587

ومن أدلة الشيخ على التوحيد أيضا ما وقع في التاريخ الإسلامى من ذلك قصة الردة المشهورة، وموقف أبى بكر منها، وقصة أناس من بنى حنيفة وموقف ابن مسعود منهم في الكوفة، وموقف علي بن أبي طالب ﵁ ممن اعتقد فيه الإِلهية. وقصة المختار بن أبي عبيد الثقفي لما زعم أنه يوحى إِليه، وموقف عبد الله بن الزبير منه ومن امرأته لما لم تتبرأ منه. وقصة الجعد بن درهم وكان من أشهر الناس بالعلم والعبادة وموقف خالد بن عبد الله القسري منه حين قتله وإِجماع العلماء على استحسان قتله كما ذكر ابن القيم. وقصة بني عبيد القداح وقد كانوا مظهرين لشرائع الإسلام فلما أظهروا كفرهم، أجمع أهل العلم أنهم كفَّار وأن دارهم دار حرب مع إِظهارهم شعائر الإسلام وقصة التتارلما أسلموا ولم يعملوا بما يجب عليهم من شرائعه ومع هذا كفرهم العلماء وغزوهم حتى أزالهم الله عن بلدان المسلمين. قال الشيخ: "وفيما ذكرناه كفاية لمن هداه الله، وأما من أراد الله فتنته: فلو تناطحت الجبال بين يديه لم ينفعه ذلك. ولو ذكرنا ما جرى من السلاطين والقضاة من قتل من أتى بأمور يكفر بها ولو كان يظهر شعائر الإسلام وقامت عليه البينة باستحقاقه للقتل، مع أن في هؤلاء المقتولين من كان أعلم الناس وأزهدهم وأعبدهم في الظاهر مثل الحلاج وأمثاله. ويكتفي الشيخ بذكر هذه الأمثلة ويقول: فلو ذكرنا قصص هؤلاء لاحتمل مجلدات ولا نعرف رجلا واحدا بلغ كفره كفر البدو

стр. 588

الذين يقول عنهم من يزعم إسلامهم- إِنه ليس معهم من الإسلام شعرة إلا قول: "لا إله إلا الله". أي باللسان فقط مع اظهارهم نقيضها فهم لم يقولوها في الحقيقة ولم يعتقدوا التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، ولم يعملوا بمقتضاها بل أظهروا كما يقول الشيخ إنكارهم للإسلام واستهزأوا به على عمد، وأظهروا كفرهم بالقرآن ودين الرسول ﷺ كله وكذبوا بالبعث وأنكروا الشرع الذي شرعه الله وزعموا أن شرعهم الباطل الذي أحدثه لهم آباؤهم هو حق الله. ويتعجب الشيخ من بعض من يدعي العلم والكتب بأيديهم والتي يزعمون أنهم يعرفونها ويعملون بها وفيها مسائل الردة يفتون بمحاربة التوحيد الذي أقروا أنه دين الله ورسوله ﷺ وبمناصرة الشرك وهم يقرون بأنه الشرك ولكن يقول إِنها من أكبر آيات الله١. ولا يقتصر استدلال الشيخ- ﵀ على التوحيد بما ذكرنا، بل إِنه يستدل بكلام أهل العلم من جميع المذاهب الأربعة فيقول: "وها أنا أذكر مستندي في ذلك، من كلام أهل العلم من جميع الطوائف فرحم الله من تدبرها بعين البصيرة، ثم نصر الله ورسوله وكتابه ودينه، ولم تأخذه في ذلك لومة لائم. فأما كلام الحنابلة فقال الشيخ تقي الدين- ﵀ لما ذكر

стр. 589

حديث الخوارج: فإذا كان في زمن النبي ﷺ وخلفائه ممن قد انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة، فيعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة قد يمرق أيضا وذلك بأمور منها: الغلو الذي ذمه الله تعالى كالغلو في بعض المشائخ كالشيخ عدي بل الغلو في علي بن أبي طالب بل الغلو في المسيح ونحوه، فكل من غلا في نبي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الإِلهية، مثل أن يدعوه من دون الله بأن يقول: ياسيدي فلان أغثني، أو أجرني، أو أنت حسبي، أو أنا في حسبك، فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل، فإِن الله أرسل الرسل ليعبد وحده، لا يجعل معه إله آخر، والذين يجعلون مع الله آلهة أخرى مثل الملائكة أو المسيح أو العزير أو الصالحين أو غيرهم، لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق وترزق، وإنما كانوا يدعونهم، يقولون: "هؤلاء شفعاؤنا عند الله" فبعث الله الرسل تنهى أن يدعى أحد من دون الله، لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة انتهى، وقال في الاقناع أول باب حكم المرتد: إن من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم فهو كافر إِجماعاً. وأما كلام الحنفية فقال الشيخ قاسم: في شرح (درر البحار) النذر الذي يقع من أكثر العوام بأن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء قائلا: ياسيدي إِن رد غائبي أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي فلك من الذهب أو الطعام أو الشمع كذا وكذا باطل إِجماعا بوجوه: منها: أن النذر للمخلوق لا يجوز.

стр. 590

ومنها: أنه ظن الميت يتصرف في الأمر واعتقاد هذا كفر إلى أن قال: وقد ابتلي الناس بذلك ولاسيما في مولد الشيخ أحمد البدوي. وقال الإمام البزازاي في (فتاويه) : إِذا رأى رقص صوفية زماننا هذا في المساجد مختلطا بهم جهال العوام، الذين لا يعرفون القرآن والحلال والحرام بل لا يعرفون الإسلام والإيمان، لهم نهيق يشبه نهيق الحمير، يقول: هؤلاء لا محالة اتخذوا دينهم لهوا ولعبا، فويل للقضاة والحكام حيث لا يغيرون هذا مع قدرتهم. وأما كلام الشافعية: فقال الإمام محدث الشام أبو شامة (أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم) : في كتاب (الباعث على إنكار البدع والحوادث) : لكن نبين من هذا ما وقع فيه جماعة من جهال العوام، النابذين لشريعة الإسلام، وهو ما يفعله الطوائف من المنتسبين إلى الفقر الذي حقيقته الافتقار من الإيمان من مؤاخات النساء والأجانب واعتقادهم في مشائخ لهم، وأطال- ﵀ الكلام- إلى أن قال:- وبهذه الطرق وأمثالها كان مبادىء ظهور الكفر من عبادة الأصنام وغيرها، ومن هذا ما قد عم الابتلاء به من تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد وسرج مواضع مخصوصة في كل بلد يحكي لهم حاك أنه رأى في منامه بها أحدا ممن شهر بالصلاح ثم يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم، ويرجون الشفاء لمرضاهم وقضاء حوائجهم بالنذر لها وهي ما بين عيون وشجر وحائط، وفي مدينة دمشق صانها الله من ذلك مواضع متعددة ثم ذكر

стр. 591

رحمه الله الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ لما قال له بعض من معه اجعل لنا ذات أنواط قال: "الله أكبر قلتم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة" انتهى كلامه ﵀، ويعلق الشيخ بقوله: وقال: أي شيخ الإسلام ابن تيمية في "اقتضاء الصراط المستقيم" إِذا كان هذا كلامه ﷺ في مجرد قصد شجرة لتعليق الأسلحة والعكوف عندها فكيف بما هو أعظم منها الشرك بعينه بالقبور ونحوها؟ وأما كلام المالكية: فقال أبو بكر (الطرطوشي) في كتاب (الحوادث والبدع) لما ذكر حديث الشجرة ذات أنواط فانظروا رحمكم الله أين ما وجدتم سدرة أو شجرة، يقصدها الناس ويعظمون من شأنها، ويرجون البرء والشفاء لمرضاهم من قبلها، فهي ذات أنواط فاقطعوها، وذكر حديث العرباض بن سارية الصحيح، وفيه قوله ﷺ : "إِنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإِن كل بدعة ضلالة" قال في البخاري: عن أبي الدرداء أنه قال: والله ما أعرف من أمر محمد شيئا إلا أنهم يصلون جميعا، وروى مالك في الموطأ عن بعض الصحابة أنه قال: ما أعرف شيئا مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة، قال الزهري: دخلت على أنس بدمشق وهو يبكي.. فقال: ما أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة وهذه الصلاة قد ضيعت، قال الطرطوشي ﵀: فانظروا رحمكم الله إذا كان في ذلك الزمن طمس الحق، وظهر الباطل،

стр. 592

حتى ما يعرف من الأمر القديم إلا القبلة فما ظنك بزمانك هذا والله المستعان. قال الشيخ: "وليعلم الواقف على هذا الكلام من أهل العلم أعزهم الله أن الكلام في مسألتين: الأولى: أن الله سبحانه بعث محمدا ﷺ لإِخلاص الدين لله لا يجعل معه أحد في العبادة والتأله، لا ملك ولا نبي ولا قبر ولا حجر ولا شجر ولا غير ذلك وأن من عظم الصالحين بالشرك بالله فهو يشبه النصارى، وعيسى ﵇ بريء منهم. الثانية: وجوب اتباع سنة رسول الله ﷺ وترك البدع، وإِن اشتهرت بين أكثر العوام، وليعلم أن العوام محتاجون إلى كلام أهل العلم من تحقيق هذه المسائل، ونقل كلام العلماء، فرحم الله من نصر الله ورسوله ودينه ولم تأخذه في الله لومة لائم١. وهكذا فالشيخ ﵀ ينقل كلام العلماء من أهل المذاهب الأربعة مما يدل على أن الشيخ في كل أمره خصوصا مسألة التوحيد، لم يخرج عن إِجماعهم فضلا عن أن يخرج عن مذهب أي أحد منهم، وهي التي اعتبره الناس فيها مبتدعاً مذهباً خامساً فاعجب لذلك إِنْ تعجب والله

стр. 593

المستعان. والمقصود بيان أن الشيخ ﵀ سلك مسالك متعددة في البرهنة على التوحيد والاستدلال عليه يمكن أن نجمل بعضها فيما يلي: ١- أنه يستدل بالدليل ويورده ثم يعقب على ذلك بذكر المدلول عليه كالدليل الذي أورده من سورة النمل١: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ (النمل: ٦٢) . وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٢ ونحو ذلك من الأدلة. ومن هذا الباب استدلال الشيخ بربوبية الله وأسمائه وصفاته على التوحيد فانظر مثلا تفسير سورة الفاتحة٣، وانظر مبحث توحيد المعرفة والاثبات٤. ٢- أنه يذكر المدلول عليه ثم يعقب بذكر دليله كالدليل الذي أورده من سورة البقرة وهو قول الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ

стр. 594

الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١ (البقرة: ١٦٣-١٦٤) . ٣- الاكتفاء بذكرعجز وفقر العالمين وهم كل ما سوى الله وأنه ليس من صفاتهم شيء من الألوهية ولا لهم شيء من الملك ولا النفع ولا الضركالدليل الذي أورده الشيخ في باب قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ (الأعراف: ١٩١، ١٩٢) ٢. والحاصل أن الشيخ طرق المسالك الثلاثة التي وردت في القرآن للدلالة على التوحيد ولم يقتصر الشيخ على واحد منها. وهكذا يقرر الشيخ التوحيد ويبين لازمه ويستدل عليه بما استدل به الله ورسله وأتباع رسله من البراهين اليقينية الظاهرة الجلية، بمثل ربوبية الله للعالمين، واختصاصه بها سبحانه، وبصفات الكمال، والتي تجمعها صفة الألوهية، وبمثل عبودية جميع من سوى الله من العالمين، وفقرها وحاجتها عبودية عامة وخاصة طوعا وكرها. وبمثل نبوة رسول الله ﷺ والوحي المنزل عليه الذي أعجز الله به من خاصم وفجر، إلى يوم القيامة. بكل ذلك وبنحوه يستدل الشيخ على أن حق الله على العبيد أن

стр. 595

يفردوه بجميع أنواع العبادة وأن يوحدوه بها فهي حقه الخاص لا شريك له على الإِطلاق ولو غلط في ذلك من غلط، وأعرض عن تعلمه من أعرض. فتبين من هذه الأدلة والبراهين أن التوحيد هو إِفراد الله بالعبادة، وأن العبادة هي التوحيد فمن لم يأت بالتوحيد لم يعبد الله كما قال تعالى ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ . العبادة وأنواعها: والعبادة اسم جنس لها أنواع١، وهي ما أمر به شرعا من غير اطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي٢، ومعنى التوحيد أن تصرف جميع العبادات من الأقوال والأفعال لله وحده لا يجعل فيها شيء لا لملك مقرب ولا نبي مرسل٣. والعبادة لا تسمى عبادة لله إلا مع توحيده بجميع أنواع العبادة، كما أن الصلاة لا تسمى صلاة إلا مع الطهارة٤، وصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله كصرف جميعها لأنه سبحانه أغنى الشركاء عن

стр. 596

الشرك، ولا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (الزمر:٢، ٣) . فأخبر سبحانه أنه لا يرضى من الدين إلا ما كان خالصا لوجهه وأخبر أن المشركين يدعون الملائكة والأنبياء والصالحين ليقربوهم إلى الله زلفي ويشفعوا لهم عنده، وأخبر أنه لا يهدي من هو كاذب كفَّار فكذبهم في هذه الدعوى وكفرهم فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ١. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ . يقول الشيخ: "فلم يؤمروا إلا بما تعرفه العقول، وبما ينبغي للعاقل أن يلتزمه ولا يبتغي به بديلا لحسنه وسهولته ومن حسنه أنه تنزيه لله على المسبة، كما أن من قبح ضده أنه مسبة لله تعالى٢. وما من شك أن معنى " لا إله إلا الله " هو إِخلاص القصد والنية

стр. 597

والإِرادة في العبادة المشروعة لوجه الله تعالى، وأن المألوه هو المقصود المعتمد عليه١، ولذا كان الإِخلاص شرطا في صلاح التعبد وقبوله، وقد عقد الشيخ- ﵀ في كتاب التوحيد بابين هما: (باب ما جاء في الرياء) و (باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا) يوضح فيهما هذا الجانب الهام. ووفي هذين البابين بما يناسبهما من أدلة الكتاب والسنة لأنه يعالج بهما القصد والنية والإِرادة لتستقيم على إِخلاصها لله تعالى وما من شك أن إِخلاص القصد والنية والإِرادة في العبادة المشروعة هو شرط صلاحها. وأورد تحت الباب الأول قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ (الكهف: ١١٠) . وعن أبي هريرة مرفوعا: قال تعالى: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه" رواه مسلم. وعن أبي سعيد مرفوعا: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى يارسول الله. قال: الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل" رواه أحمد. قال الشيخ فيه مسائل:

стр. 598

الأولى: تفسير آية الكهف. الثانية: الأمر العظيم في رد العمل الصالح إذا دخله شيء لغير الله. الثالثة: ذكر السبب الموجب لذلك وهوكمال الغنى. الرابعة: أن من الأسباب: أنه تعالى خير الشركاء١. الخامسة: خوف النبي ﷺ على أصحابه من الرياء. السادسة: أنه فسر ذلك بأن يصلي المرء لله، لكن يزينها لما يرى من نظر رجل إليه٢. وأورد الشيخ تحت الباب الثاني: قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (هود: ١٥، ١٦) . وما في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن اعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس. وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إِن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإِن كان في الساقة

стр. 599

كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع" ١. وقال الشيخ: فيه مسائل: الأولى: إِرادة الإنسان الدنيا بعمل الآخرة. الثانية: تفسير آية هود. الثالثة: تسمية الإنسان المسلم عبد الدينار والدرهم والخميصة. الرابعة: تفسير ذلك بأنه إِن أعطي رضي، وإِن لم يعط سخط. الخامسة: قوله: "تعس وانتكس". السادسة: قوله: "وإذا شيك فلا انتقش" ٢. السابعة: الثناء على المجاهد الموصوف بتلك الصفات٣. وقال الشيخ في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (هود: ١٥، ١٦) . وقد ذكر عن السلف من أهل العلم فيها أنواع مما يفعل الناس اليوم

стр. 600

ولا يعرفون معناه: الأول: من ذلك العمل الصالح الذي يفعل كثير من الناس ابتغاء وجه الله من صدقة وصلاة واحسان إلى الناس ونحو ذلك، وكذلك ترك ظلم أو كلام في عرض ونحو ذلك مما يفعله الإنسان أو يتركه خالصا لله، لكنه لا يريد ثوابه في الآخرة إنما يريد أن يجازيه بحفظ ماله وتنميته، وحفظ أهله وعياله وادامة النعمة عليهم ونحو ذلك، ولا همة له في طلب الجنة ولا الهرب من النار فهذا يعطي ثواب عمله في الدنيا، وليس له في الآخرة نصيب، وهذا النوع ذكر عن ابن عباس في تفسير الآية. وقد غلط بعض مشائخنا بسبب عبارة في شرح الإقناع في أول باب النية لما قسم الإِخلاص مراتب وذكر هذا منها ظن أنه يسميه إِخلاصا مدحا له وليس كذلك، وإنما أراد أنه لا يسمى رياء وإلا فهو عمل حابط في الآخرة. والنوع الثاني: وهو أكبر من الأول وأخوف وهو الذي ذكر مجاهد أن الآية نزلت فيه وهو أن يعمل أعمالا صالحة ونيته رئاء الناس لا طلب ثواب الآخرة، وهو يظهر أنه أراد وجه الله وإنما صلى أو صام أو تصدق أو طلب العلم لأجل أن الناس يمدحونه ويجل في أعينهم، فإِن الجاه من أعظم أنواع الدنيا، ولما ذكر لمعاوية حديث أبي هريرة١ في الثلاثة الذين
следующие страницы →