الشرك، ولا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (الزمر:٢، ٣) .
فأخبر سبحانه أنه لا يرضى من الدين إلا ما كان خالصا لوجهه وأخبر أن المشركين يدعون الملائكة والأنبياء والصالحين ليقربوهم إلى الله زلفي ويشفعوا لهم عنده، وأخبر أنه لا يهدي من هو كاذب كفَّار فكذبهم في هذه الدعوى وكفرهم فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ١.
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ .
يقول الشيخ: "فلم يؤمروا إلا بما تعرفه العقول، وبما ينبغي للعاقل أن يلتزمه ولا يبتغي به بديلا لحسنه وسهولته ومن حسنه أنه تنزيه لله على المسبة، كما أن من قبح ضده أنه مسبة لله تعالى٢.
وما من شك أن معنى " لا إله إلا الله " هو إِخلاص القصد والنية
стр. 597
والإِرادة في العبادة المشروعة لوجه الله تعالى، وأن المألوه هو المقصود المعتمد عليه١، ولذا كان الإِخلاص شرطا في صلاح التعبد وقبوله، وقد عقد الشيخ- ﵀ في كتاب التوحيد بابين هما: (باب ما جاء في الرياء) و (باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا) يوضح فيهما هذا الجانب الهام.
ووفي هذين البابين بما يناسبهما من أدلة الكتاب والسنة لأنه يعالج بهما القصد والنية والإِرادة لتستقيم على إِخلاصها لله تعالى وما من شك أن إِخلاص القصد والنية والإِرادة في العبادة المشروعة هو شرط صلاحها. وأورد تحت الباب الأول قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ (الكهف: ١١٠) .
وعن أبي هريرة مرفوعا: قال تعالى: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه" رواه مسلم.
وعن أبي سعيد مرفوعا: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى يارسول الله. قال: الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل" رواه أحمد.
قال الشيخ فيه مسائل:
стр. 598
الأولى: تفسير آية الكهف.
الثانية: الأمر العظيم في رد العمل الصالح إذا دخله شيء لغير الله.
الثالثة: ذكر السبب الموجب لذلك وهوكمال الغنى.
الرابعة: أن من الأسباب: أنه تعالى خير الشركاء١.
الخامسة: خوف النبي ﷺ على أصحابه من الرياء.
السادسة: أنه فسر ذلك بأن يصلي المرء لله، لكن يزينها لما يرى من نظر رجل إليه٢.
وأورد الشيخ تحت الباب الثاني: قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (هود: ١٥، ١٦) .
وما في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن اعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس. وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إِن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإِن كان في الساقة
стр. 599
كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع" ١.
وقال الشيخ: فيه مسائل:
الأولى: إِرادة الإنسان الدنيا بعمل الآخرة.
الثانية: تفسير آية هود.
الثالثة: تسمية الإنسان المسلم عبد الدينار والدرهم والخميصة.
الرابعة: تفسير ذلك بأنه إِن أعطي رضي، وإِن لم يعط سخط.
الخامسة: قوله: "تعس وانتكس".
السادسة: قوله: "وإذا شيك فلا انتقش" ٢.
السابعة: الثناء على المجاهد الموصوف بتلك الصفات٣.
وقال الشيخ في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (هود: ١٥، ١٦) .
وقد ذكر عن السلف من أهل العلم فيها أنواع مما يفعل الناس اليوم
стр. 600
ولا يعرفون معناه:
الأول: من ذلك العمل الصالح الذي يفعل كثير من الناس ابتغاء وجه الله من صدقة وصلاة واحسان إلى الناس ونحو ذلك، وكذلك ترك ظلم أو كلام في عرض ونحو ذلك مما يفعله الإنسان أو يتركه خالصا لله، لكنه لا يريد ثوابه في الآخرة إنما يريد أن يجازيه بحفظ ماله وتنميته، وحفظ أهله وعياله وادامة النعمة عليهم ونحو ذلك، ولا همة له في طلب الجنة ولا الهرب من النار فهذا يعطي ثواب عمله في الدنيا، وليس له في الآخرة نصيب، وهذا النوع ذكر عن ابن عباس في تفسير الآية.
وقد غلط بعض مشائخنا بسبب عبارة في شرح الإقناع في أول باب النية لما قسم الإِخلاص مراتب وذكر هذا منها ظن أنه يسميه إِخلاصا مدحا له وليس كذلك، وإنما أراد أنه لا يسمى رياء وإلا فهو عمل حابط في الآخرة.
والنوع الثاني: وهو أكبر من الأول وأخوف وهو الذي ذكر مجاهد أن الآية نزلت فيه وهو أن يعمل أعمالا صالحة ونيته رئاء الناس لا طلب ثواب الآخرة، وهو يظهر أنه أراد وجه الله وإنما صلى أو صام أو تصدق أو طلب العلم لأجل أن الناس يمدحونه ويجل في أعينهم، فإِن الجاه من أعظم أنواع الدنيا، ولما ذكر لمعاوية حديث أبي هريرة١ في الثلاثة الذين
стр. 601
هم أول من تسعر بهم النار وهو: الذي تعلم العلم ليقال له عالم حتى قيل، وتصدق ليقال جواد، وجاهد ليقال شجاع، بكى معاوية بكاء شديدا ثم
قرأ هذه الآية.
النوع الثالث: أن يعمل الأعمال الصالحة ومقصده بها مالا مثل أن يحج لمال يأخذه لا لله، أو يهاجر لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، أو يجاهد لأجل المغنم فقد ذكر هذا النوع أيضا في تفسير هذه الآية كما في الصحيح عن النبي ﷺ قال: "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة"١ ٠ الخ. وكما يتعلم العلم لأجل مدارسة أهله أو مكسبهم أو رياستهم، أو يقرأ القرآن ويواظب على الصلاة لأجل وظيفة المسجد كما هو واقع كثيرا، وهؤلاء أعقل من الذين قبلهم لأنهم عملوا لمصلحة يحصلونها، والذين قبلهم عملوا لأجل المدح والجلالة في أعين الناس ولا يحصل لهم طائل، والنوع الأول أعقل من هؤلاء كلهم لأنهم عملوا لله وحده لا شريك له، لكن لم يطلبوا منه الخير العظيم وهو الجنة ولم يهربوا من الشر العظيم وهو العذاب في الآخرة.
النوع الرابع: أن يعمل الإنسان بطاعة الله مخلصا في ذلك لله وحده لا شريك له، لكنه على عمل يكفره كفرا يخرجه عن الإسلام مثل اليهود والنصارى إذا عبدوا الله وتصدقوا أو صاموا ابتغاء وجه الله والدار
стр. 602
الأخرة، ومثل كثير من هذه الأمة الذين فيهم شرك أكبر أو كفر أكبر يخرجهم عن الإسلام بالكلية إذا أطاعوا الله طاعة خالصة يريدون بها ثواب الله في الدار الآخرة، لكنهم على أعمال تخرجهم من الإسلام، وتمنع قبول أعمالهم، فهذا النوع أيضا قد ذكر في الآية عن أنس بن مالك وغيره، وكان السلف يخافون منه كما قال بعضهم: لو أعلم أن الله تقبل مني سجدة واحدة لتمنيت الموت لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (المائدة: ٢٧) - فهذا قصد وجه الله والدار الآخرة، لكن فيه من حب الدنيا والرياسة والمال ما حمله على ترك كثير من أمر الله ورسوله أو أكثره فصارت الدنيا أكبر قصده، فلذلك قيل قصد الدنيا وصار ذلك القليل كأنه لم يكن كقوله ﷺ : "صل فإِنك لم تصل" ١.
والأول أطاع الله ابتغاء وجهه لكن أراد من الله الثواب في الدنيا، وخاف على الحظ والعيال مثل ما يقر- الفسقة فصح أن يقال: قصد الدنيا والثاني والثالث واضح.
لكن بقي أن يقال إذا عمل الرجل الصلوات الخمس والزكاة والصوم والحج ابتغاء وجه الله طالبا ثواب الآخرة، ثم بعد ذلك عمل
стр. 603
ِِِ أعمالا كثيرة أو قليلة قاصدا بها الدنيا مثل أن يحج فرضه لله ثم يحج بعده لأجل الدنيا كما هو الواقع كثيرا فالجواب أن هذا عمل للدنيا والآخرة ولا ندري ما يفعل الله في خلقه، والظاهرأن الحسنات والسيئات تدافعا وهو لما غلب عليه منهما. وقد قال بعضهم: إن القرآن كثيرا ما يذكر أهل الجنة الخلص وأهل النار الخلص، ويسكت عن صاحب الشائبتين، وهو هذا وأمثاله، ولهذا خاف السلف من حبوط الأعمال١.
فلابد من الإِخلاص، إِخلاص القصد والإِرادة والنية لله تعالى وفق ما شرعه الله من شريعة رسوله محمد بن عبد الله ﷺ بجميع القربات التي بينها رسول الله ﷺ كلها ولم يترك منها قربة تقرب إلى الله وإلى ما عنده من الخير إلا ووضحها، كما لم يترك شيئا يبعد عن الله ويوقع في الشر إلا وبينها وحذر منها حتى تركنا على المحجة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا هالك. ولذا كانت المتابعة لرسول الله ﷺ في العبادة وعدم عبادة الله بغير ما شرع رسوله ﷺ شرط في قبول الأعمال- قال الشيخ- ﵀ إذا كان عملك صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، وإذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، فلابد أن يكون خالصا صوابا على شريعة محمد ﷺ . ولذا قال سبحانه في علماء أهل الكتاب وعبادهم وقرائهم ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ﴾
стр. 604
أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً﴾ وهذه الآيات ليست في أهل الكتاب خاصة بل كل من اجتهد في علم أو عمل أو قراءة وليس موافقا لشريعة محمد ﷺ فهو من الاخسرين أعمالا الذين ذكرهم الله تعالى في محكم كتابه العزيز وإِن كان له ذكاء وفطنة، وفيه زهد وأخلاق فهذا العذر لا يوجب السعادة والنجاة من العذاب إلا باتباع الكتاب والسنة، وإنما قوة الذكاء بمنزلة قوة البدن وقوة الإِرادة فالذي يؤتى فضائل علمية وإِرادة قوية وليس موافقا للشريعة بمنزلة من يؤتى قوة في جسمه وبدنه. وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وعلمكم مع علمهم، يقرؤن القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" الحديث.
وساق الشيخ أحاديث في شأن الخوارج وعبادتهم وجدالهم، وأحاديث في قيام طائفة على الحق- إلى أن قال: "وقد تبين أن الواجب طلب علم ما أنزل الله على رسوله ﷺ من الكتاب والحكمة ومعرفة ما أراد بذلك كما كان عليه الصحابة والتابعون ومن سلك سبيلهم، فكلما يحتاج إليه الناس فقد بينه الله ورسوله بيانا شافيا كافيا فكيف أصول التوحيد والإيمان؟! ثم إذا عرف ما بينه الرسول نظر في أقوال الناس وما أرادوا بها فعرضت على الكتاب والسنة والعقل الصريح الذي هو موافق
стр. 605
للرسول ﷺ فانه في الميزان مع الكتاب فهذا سبيل الهدى".
ثم بين الشيخ- سبيل الضلال والبدع والجهل والأدلة على أنها تكون في هذه الأمة كما كانت في الأمم السابقة، وأحاديث في التحذير من التشدد والتعمق ومجاوزة السنة واتباع المتشابه وأحاديث في الحث على التمسك بالسنة وترك الاختلاف وأحاديث في فضل الغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من السنة إلى أن قال: "وإذا كانت سعادة الأولين والآخرين هي باتباع المرسلين فمن المعلوم أن أحق الناس بذلك أعلمهم بآثار المرسلين، وأتبعهم لذلك فالعالمون بأقوالهم وأفعالهم المتبعون لها هم أهل السعادة في كل زمان ومكان، وهم الطائفة الناجية من أهل كل ملة، وهم أهل السنة والحديث من هذه الأمة، والرسل عليهم البلاغ المبين، وقد بلغوا البلاغ المبين، وخاتم الرسل محمد ﷺ أنزل الله عليه كتابه مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه، فهو المهيمن على جميع الكتب، وقد بين أبين بلاغ وأتمه وأكمله، وكان أنصح الخلق لعباد الله، وكان بالمؤمنين رؤوفاً رحيما، بلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاهد في الله حق جهاده وعبد الله حتى أتاه اليقين، فأسعد الخلق وأعظمهم نعيما وأعلاهم درجة أعظمهم اتباعا له، وموافقة علما وعملا"١.
стр. 606
يقول الشيخ: فان قيل فما الجامع لعبادة الله وحده؟! قلت: طاعته بامتثال أوامره واجتناب نواهيه١، مع كمال المحبة وكمال الخضوع والخوف والذل٢ والجمع بين الخوف والرجاء في العبادة٣.
وجميع العبادة بكل أنواعها مبناها على الأمر٤ الشرعي الذي هو أمر رسول الله ﷺ وسنته- قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ (الأحزاب: ٢١) . وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (الشورى: ١٣) .
وللبخاري ومسلم عن أنس ﵁ قال: "جاء ثلاثة رهط إلى أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا: أين نحن من النبي ﷺ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟! فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبداً، وقال الآخر أنا أصوم النهار أبداً ولا أفطر، وقال الآخر أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء النبي ﷺ
стр. 607
إليهم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟! أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني" ١.
وفي حديث العرباض بن سارية قال ﷺ : "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" رواه أبو داود والترمذي وصححه. وابن ماجه وفي رواية له "تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا"، ثم ذكره بمعناه، ولمسلم عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أما بعد: فخير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة".
وللبخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: ومن أبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به" رواه البغوي في شرح السنة وصححه النووي٢.
стр. 608
وعن أبي ثعلبة الخشني ﵁ مرفوعا: "أن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها" حديث حسن رواه الدارقطني وغيره.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوا، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم فانمإِ هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم" ١.
وهذا ما توضحه سورة الفاتحة فإِنها قد اشتملت على أركان العبادة، والاخلاص فيها والمتابعة والرد على المبتدعين.
وأركان العبادة ثلاثة هي: المحبة والرجاء والخوف، فمن زعم أنه يعبد الله تعالى بالمحبة وحدها فهو لم يعبده كما هو شأن منحرفي الصوفية. ومن عبد الله بالرجاء وحده على زعمه فهو لم يعبد الله كما هو شأن المرجئة. ومن عبد الله بالخوف وحده على وهمه فهو لم يعبده كما هو شأن الخوارج.
وذلك في أولها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ هذه
стр. 609
الأركان الثلاثة:
فالآية الأولى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فيها المحبة لأن الله منعم، والمنعم يحب على قدر انعامه.
والآية الثانية: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فيها الرجاء لأن الله ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ .
والآية الثالثة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فيها الخوف، لأن الله مالك يوم الدين، يوم الجزاء والحساب وحده لا شريك له، ولا شفيع، ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ .
وقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أي أعبدك يارب بهذه الثلاثة بمحبتك ورجائك
وخوفك وهذا هو توحيد الألوهية، أو العبادة بأركانه.
ومعنى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أَنك تعاهد ربك أن لا تشرك به في عبادته أحدا، لا ملكا ولا نبيا ولا غيرهما.
﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ، فيها توحيد الربوبية وفيها توحيد طلب الإِعانة مع التوكل والتبري من الحول والقوة إلا بالله.
وقدم المفعول، وهو إياك وكرر، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ للاهتمام والحصر أي لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة، والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين:
فالأول: التبرء من الشرك، والثاني: التبرء من الحول والقوة.
стр. 610
وقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ هو الدعاء الصريح الذي هو حظ العبد من الله، وهو التضرع والإِلحاح عليه أن يرزقه هذا المطلب العظيم، الذي لم يعط أحد في الدنيا والآخرة أفضل منه، فليتأمل العبد ضرورته له والهداية المطلوبة هنا التوفيق والارشاد، وتتضمن العلم النافع والعمل الصالح على وجه الاستقامة والكمال والثبات على ذلك إلى أن يَلْقى الله تعالى.
والصراط: الطريق الواضح المستقيم: الذي لا عوج فيه والمراد بذلك الدين الذي أنزله الله على رسوله ﷺ وهو صراط الذين أنعم الله عليهم وهم رسول الله ﷺ وأصحابه وكل ما خالفه من طريق أو علم أو عبادة، فليس بمستقيم بل معوج. وفي ذلك الرد على المبتدعين. وهذه أول الواجبات من هذه الآية وهو إعتقاد ذلك بالقلب اجمالا وتفصيلا والحذر من خداع الشيطان، وهو اعتقاد ذلك مجملا، وتركه مفصلا، فإِن أكفر الناس من المرتدين يعتقدون أن رسول الله ﷺ على الحق وأن ما خالفه باطل، لكن كذبوا وبغوا بما لا تهوى أنفسهم مما جاء به كما قال تعالى: ﴿فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ﴾ (المائدة:٧٠) .
وقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ المغضوب عليهم: العلماء الذين لم يعملوا بعلمهم، والضالون: العاملون بلا علم، فالأول: صفة اليهود.
والثاني: صفة النصارى. ومعنى هذا الدعاء هو الإقرار بفرضيته دائما في الصلاة حذرا من طريقي أهل هذه الصفات على الداعي.
стр. 611
وكل هذا مع استصحاب أركان العبادة والدين وهي: الحب
والرجاء والخوف١ في كل نوع من العبادة.
ويرى الشيخ أن المحبة لله مدار الولاء والبراء لأنها أعظم أعمال القلب، بل هي أصل أعمال القلب الأربع التي لا تنال ولاية الله إلا بها، ولا يجد أحد طعم الإيمان إلا بها. وقد عقد الشيخ لها بابا في كتاب التوحيد هو باب قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ ، الآيات (البقرة: ١٦٥) . وأورد الشيخ تحت هذا الباب قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ (التوبة: ٢٤) .
وما رواه البخاري ومسلم عن أنس: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب اليه من ولده ووالده والناس أجمعين".
وللبخاري ومسلم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه
стр. 612
الله منه كما يكره أن يقذف في النار ". وفي رواية " لا يجد أحد حلاوة
الإيمان حتى" إلى آخره.
وعن ابن عباس ﵄ قال: "من أحب في الله، وأبغض في الله ووالى في الله وعادى في الله، فإِنما تنال ولاية الله بذلك. ولن يجد عبد طعم الإيمان وإِن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك. وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئا" رواه ابن جرير.
وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: "المودة".
قال الشيخ: فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية البقرة.
الثانية: تفسير آية براءة.
الثالثة: وجوب محبته ﷺ وتقديمها على النفس والأهل والمال.
الرابعة: نفي الإيمان لا يدل على الخروج من الإسلام.
الخامسة: أن للإيمان حلاوة قد يجدها الإنسان وقد لا يجدها.
السادسة: أعمال القلب الأربع التي لا تنال ولاية الله إلا بها، ولا يجد أحد طعم الإيمان إلا بها.
السابعة: فهم الصحابي للواقع: أن عامة المؤاخاة على أمر الدنيا.
الثامنة: تفسير ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ .
التاسعة: أن من المشركين من يحب الله حبا شديدا.
стр. 613
العاشرة: الوعيد على من كان الثمانية أحب إليه من دينه.
الحادية عشرة: أن من اتخذ ندا يساوي محبته محبة الله فهو الشرك الأكبر١.
وهكذا يستدل الشيخ على أن المحبة من العبادة بقول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ الآية (من سورة البقرة) ٢.
ولأن المنعم يحب على قدر إِنعامه والله هو المنعم على الإِطلاق فيجب أن يحب على الإِطلاق ولا يعادل حبه شيء آخر.
كما في الآية الأولى من سورة الفاتحة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، ففيها أن الله رب العالمين وفيها استغراق الحمد له لأنه رب العالمين٣.
ومما يزرع حب الله في القلب مع معرفة صفاته معرفة نعمه على الإنسان ومن هذه النعم وهي أعظمها على الاطلاق ما جرى ذكره من قصة آدم وإبليس، وذلك من صنعه سبحانه بالإنسان وتشريفه، وتفضيله إياه على الملائكة وفعله بإبليس ما فعل لما أبى أن يسجد له، وخلقه إياه
стр. 614
بيده ونفخه فيه من روحه، وإِسكانه جنته وقد خاطب الله سبحانه بني إسرائيل الموجودين في زمن النبي ﷺ بما فعل مع آبائهم وذكرهم بذلك واستدعاهم به وذكرهم أنه فعله لهم كقوله: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (البقرة: ٥٠) - وغير ذلك، وذكر النعم التي هي أصل الشكر الذي هو الدين، لأن شكرها مبني على معرفتها وذكرها فمعرفة النعم من الشكر بل هي أم الشكر كما في الحديث "من أسدي إليه معروف فذكره فقد شكره فان كتم فقد كفره "- هذا في الأشياء التي تصدر من بني آدم فكيف بنعم المنعم على الحقيقة والكمال؟
واجتمع الصحابة يوما في دار يتذاكرون ما من الله عليهم به من بعثة محمد ﷺ .
وقوله في الحديث: (من أسدى إليه معروف ... الخ) روى بمعناه عن ابن عباس ورواه أحمد في مسنده بمعناه عن عائشة١.
ويرى الشيخ أن برهان محبة الله الصحيحة هي اتباع رسول الله ﷺ وشرعه كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢ (آل عمران:٣١) . كما قدمنا قبل قليل٣.
стр. 615
ويقسم الشيخ المحبة فيقول:
"والمحبة تنقسم إلى أربعة أنواع: محبة شركية وهم الذين قال الله فيهم:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ .
المحبة الثانية: حب الباطل وأهله وبغض الحق وأهله، وهذه صفة المنافقين.
المحبة الثالثة: محبة طبيعية وهي محبة المال والولد وإِذا لم تشغل عن طاعة الله ولم تعن على محارم الله فهي مباحة.
المحبة الرابعة: حب أهل التوحيد وبغض أهل الشرك وهي أوثق عرى الإيمان، وأعظم ما يعبد به العبد ربه١.
وأما ذكر الله تعالى فهو من أفضل العبادات والقرب، والمحب يديم ذكر محبوبه ولله من المحبة أعلاها وهي حب العبادة الذي يصحبه ذل العابد وانقياده له وعدم نسيانه، وأن الذكر بالقلب واللسان أفضل من الذكر بالقلب وحده٢.
وللذكر ودوامه تأثير عجيب في انشراح الصدر٣.
стр. 616
ولكن الشيخ يقتفي في ذلك هدْي رسول الله ﷺ ويقول في ذلك: كان النبي ﷺ أكمل الناس ذكرا لله ، بل كان كلامه كله في ذكر الله وما والاه، وكان أمره ونهيه وتشريعه ذكرا منه لله، وإِخباره عن أسماء الرب وصفاته، وأحكامه وأفعاله، ووعده ووعيده ذكرا منه له، وثناؤه عليه بآلائه وتمجيده وتسبيحه وتحميده ذكرا منه له، وسكوته ذكرا منه له بقلبه، فكان ذكره لله يجري مع أنفاسه قائما وقاعدا وعلى جنبه، وفي مشيه وركوبه، وسيره ونزوله، وظعنه واقامته١. ويحث الشيخ على الإعتبار بأيام الله مثل قصة الفيل٢، وما في قصة موسى وفرعون في سورة القمر والمزمل لهذه الأمة من عبرة٣ والاعتبار بأبي لهب، وأن المال والولد وشرف البيت والسيادة يعطاه من هو أكفر الناس وأن العامة
стр. 617
أشربوا حب دينهم، وصبروا على المشقة فيه مع أنهم لا يعرفون جنة ولا نارا١. والاعتبار بالبيت الحرام وآيات الله فيه وكيف ابتدع أهل الأهواء مقامات تضاهيه، وكيف ترك أهل الكتاب تعظيمه، مع أن الذي بناه إبراهيم٢.
هذا وأنواع العبادة التي أمر الله بها مثل الإسلام والإيمان والإحسان ومنه الدعاء والتوكل، والرغبة والرهبه، والخشوع والخشية، والإنابة والاستعانة، والاستعاذة والاستغاثة، والذبح والنذر٣. ومن أنواع العبادة أيضا الاستعاذة والاستغاثة والخوف، والتأله والركوع والسجود، والهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام٤ والجهاد في سبيل الله تعالى والتذلل والتعظيم الذي هو من خصائص الإلهية٥. وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها وأمر رسوله ﷺ بها كلها لله تعالى وحده لا شريك له، أما
стр. 618
الإسلام فهو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإِقام الصلاة وايتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام.
وهذه هي أركانه الخمسة.
ودليل الشهادة قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران: ١٨) ١.
ودليل شهادة أن محمدا رسول الله قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة: ١٢٨) ٢.
ودليل الصلاة والزكاة قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (البينة: ٥) . ودليل الصيام قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٨٣) ٣.
ودليل الحج قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: ٩٧) ٤.
стр. 619
وأما الإيمان فهو بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان. وهو أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدرخيره وشره. وهذه هى أركانه الستة والدليل عليها قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ ١.
ودليل القدر- قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: ٤٩) .
وأما الاحسان فهو أن تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك- والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (النحل: ١٢٨) . وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (الشعراء: ٢١٧-. ٢٢) . وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِل اَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ (يونس: ٦١) .
والدليل من السنة حديث جبرائيل المشهورعن عمر رضى الله عنه قال: "بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه
стр. 620
وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ قال: "أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا" فقال: صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه! قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره" قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: "أن تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك " قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل" قال: فأخبرني عن أماراتها؟ قال: "أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان" قال: "فمضى فلبثنا مليا، فقال: ياعمر أتدرى من السائل؟ قلت الله ورسوله أعلم، قال: هذا جبرائيل أتاكم يعلمكم أمر دينكم" ١.
أما الدعاء فيعرفه الشيخ فيقول: "وهو الطلب بياء النداء لأنه ينادى به القريب والبعيد وقد يستعمل في الاستغاثة، أو يأخذ أخواتها من حروف النداء، فإن العبادة اسم جنس، فأمر الله تعالى عباده أن يدعوه، ولا يدعوا معه غيره فقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: ٦٠) .
ومن أدوية الهم والغم والحزن، التوسل في الدعاء بأحب الأشياء إلى
стр. 621
الله، وهو أسماؤه وصفاته، ومن أجمعها لمعاني الأسماء والصفات (الحي القيوم) ١.
وقال تعالى في النهي عن دعاء غيره: ﴿وأن المساجدَ لله فلا تَدعوا مَع الله أحْداً﴾ (الجن: ١٨) .
ومن الأدلة أيضا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (المؤمنون: ١١٧) .
وقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ (الرعد: ١٤) .
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ (الأحقاف: ٥، ٦) .
وقال تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٣) .
وقال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (يونس: ١٠٦-١٠٧) .
стр. 622
وعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : "الدعاء هو العبادة" ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ رواه أحمد وأبوداود والترمذي.
قال ابن كثير بعد أن ساق هذا الحديث عن الإمام أحمد: "وهكذا رواه أصحاب السنن الترمذي والنسائي وابن ماجة وابن أبي حاتم وابن جريركلهم من حديث الأعمش به وقال الترمذي حسن صحيح ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير أيضا من حديث شعبة عن منصور والأعمش كلاهما عن زر به وكذا رواه ابن يونس عن أسيد بن عاصم بن مهران حدثنا النعمان بن عبد السلام حدثنا سفيان الثوري عن منصورعن زر: [به] ، ورواه ابن حبان والحاكم في صحيحهما وقال الحاكم صحيح الإسناد١.
وقد روى الترمذي عن أنس أن النبي ﷺ قال: "الدعاء مخ العبادة".
قال الشيخ- قال العلقمي في شرح الجامع الصغير٢ حديث "الدعاء مخ العبادة" قال شيخنا: قال في النهاية مخ الشيء خالصه، وإنما
стр. 623
كان مخها لأمرين: أحدهما: أنه امتثال أمر الله تعالى حيث يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فهو محض العبادة وهو خالصها.
الثاني: أنه إذا رأى نجاح الأمور من الله قطع أمله عما سواه ودعاه لحاجته وحده.
وهذا هو أصل العبادة ولأن الغرض من العبادة الثواب عليها وهو المطلوب بالدعاء١.
وقوله: الدعاء هو العبادة- قال شيخنا- قال: الطيبي- أتى بالخبر المعرف باللام ليدل على الحصر وأن العبادة ليست غير الدعاء- انتهى كلام العلقمي٢.
قال الشيخ: "إذا تقرر هذا، فنحن نعلم بالضرورة، أن النبي ﷺ لم يشرع لأمته أن يدعوا أحدا من الأموات، لا الأنبياء ولا الصالحين، ولا غيرهم بل نعلم أنه نهى عن هذه الأمور كلها وأن ذلك من الشرك الأكبر الذي حرمه الله ورسوله ﷺ وأورد الشيخ بعض الأدلة المتقدمة من القرآن ثم قال: وهذا من معنى: "لا إله إلا الله"٣. ومن ذلك طلب الشفاعة، فلا
стр. 624
تطلب الشفاعة من غير الله تعالى، لأن الشفاعة كلها له سبحانه- قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ (الزمر: ٤٤) - ولا يشفع أحد في أحد إلا من بعد أن يأذن الله تعالى كما قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (البقرة: ٢٥٥) ، وكما قال: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (الأنبياء: ٢٨) ، والله لا يرتضى غير التوحيد لله بالعبادة.
وحقيقة الشفاعة: أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع، ليكرمه وينال المقام المحمود١.
ودليل الاستعانة قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .
وفى الحديث: "إذا استعنت فاستعن بالله"٢.
ومعنى الاستعانة في قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ هو سؤال الإعانة من الله وهو التوكل والتبري من الحول والقوة فهي من نصف العبد، لأن الفاتحة
стр. 625
سبع آيات ثلاث ونصف لله، وثلاث ونصف للعبد، كما ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله: حمدني عبدي- فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله: أثنى علي عبدي- فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال الله: مجدني عبدني، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال الله: هذا بيني وبين عبد ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل- انتهى الحديث١.
وفعل السبب مع الاستعانة بالله من أكبر الأسباب في حصول المقصود ففى البسملة إذا قلت بسم الله فمعناها أدخل في هذا الأمر من قراءة أو دعاء أو غير ذلك باسم الله لا بحويى ولا بقوتي بل أفعل هذا الأمر مستعينا بالله متبركا باسمه ﵎، هذا في كل أمر تسمي في أوله من أمر الدين أو أمر الدنيا فإذا أحضرت في نفسك أن دخولك في القراءة بالله مستعينا به متبرءا من الحول والقوة كان هذا أكبر الأسباب في حضور القلب، وطرد الموانع من كل خير ولذا كان أول اقرأ فيه الاستعانة
стр. 626
وأول المدثر فيه العبادة١. والاستعانة بالله من أدوية الكرب والهم والحزن٢.
ودليل التوكل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (المائدة: ٢٣)
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (الطلاق: ٣) .
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (الأنفال: ٢) .
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأنفال: ٦٤) .
وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: "حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم ﷺ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا له: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (آل عمران: ١٧٣) - رواه البخاري والنسائي.
وهذه الأدلة قد عقد لها الشيخ باباً في كتاب التوحيد- وقال فيه مسائل:
الأولى: أن التوكل من الفرائض.
الثانية: أنه من شروط الإيمان.
стр. 627
الثالثة: تفسير آية الأنفال.
الرابعة: تفسير الآية في آخرها.
الخامسة: تفسير آية الطلاق.
السادسة: عظم شأن هذه الكلمة أنها قول إبراهيم ومحمد ﷺ في الشدائد١.
والله حقيق أن يتوكل عليه كل عاقل والتوكل لا يستقيم إلا خالصا٢، والتوكل واليقين لا ينافي السبب وفعله، وقد غلط طائفتان في التوكل:
إِحداهما: زعمت أن التوكل سبب مستقل، فعطلت الأسباب التى اقتضتها حكمة الله تعالى.
والثانية: قامت بالأسباب وأعرضت عن التوكل٣.
ودليل الاستعاذة قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ إلى آخر السورة
стр. 628
و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ إلى آخر السورة.
وعن خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من نزل منزلا، فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شرما خلق. لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك) رواه مسلم.
قال الشيخ: "إِن العلماء يستدلون بالحديث على أن كلمات الله غير مخلوقة لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك"١.
ودليل الاستغاثة- قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ (الأنفال: ٩) ٢.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (يونس: ١٠٧) . وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (النمل: ٦٢) .
стр. 629
يقول الشيخ: إن الدعاء عام والاستغاثة خاصة١- أي أن الاستغاثة دعاء لكن عند الاضطرار والشدة.
ويفعل السبب مع الاستغاثة بالله كما فعل موسى فيما ذكرالله عنه- فقال تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ٢ (القصص:٢١) .
ودليل الذبح قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: ١٦٣) .
وقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ .
ومن السنة: "لعن الله من ذبح لغير الله" ٣.
ودليل النذر قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ (الإنسان: ٧) ٤.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ (البقرة:٢٧٠) .
стр. 630
وفى الصحيح عن عائشة رضى الله عنها: أن رسول الله ﷺ قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه".
قال الشيخ: "فيه وجوب الوفاء بالنذر، وإذا ثبت كونه عبادة لله فصرفه إلى غيره شرك وقد ثبت أنه عبادة بمقتضى مشروعية الوفاء به- وقد بوب الشيخ لهذا بقوله: (باب من الشرك النذر لغير الله) ١.
ودليل الخوف قوله تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٢ (آل عمران: ١٧٥) . فإِخلاص الخوف لله من الفرائض، ومن فعله له ثواب عظيم، ومن تركه له عقاب كبير- كما في حديث عائشة رضى الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: "من التمس رضى الله بسخط الناس رضى الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأَسخط عليه الناس" رواه ابن حبان في صحيحه.
ذكر الشيخ هذا الحديث تحت باب قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٣ لكن هناك خوف غير مذموم
مثل ما حكاه الله عن موسى: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ .
стр. 631
وإن مما يخاف منه على المؤمن الاتكال على سعة رحمة الله من قوله ﷺ لمعاذ: "لا تبشرهم فيتكلوا" متفق عليه١.
ولابد من لزوم الخوف من الله وعدم الأمن حتى البشرى عند الموت من الملائكة٢. فإن إبراهيم وإسماعيل طلبا من الله أن يرزقهما الإسلام في قوله تعالى عنهما: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ (البقرة: ١٢٨) ، والغفلة عن هذا من العجائب، وطلبا من الله أن يتوب عليهما وهما هما ففى ذلك خوفهما من الذنوب٣.
ودليل الرجاء- قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ (الكهف: ١١٠) ٤.
ومن أنواع العبادة الهجرة والتوبة٥.
والدليل على أن الهجرة فريضة على هذه الأمة من بلد الشرك إلى
بلد الإسلام وأنها باقية إلى أن تقوم الساعة- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ
стр. 632
الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ (النساء: ٩٧-٩٩) .
وقوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ (العنكبوت:٥٦) .
يقول الشيخ: قال البغوى- رحمه الله تعالى- سبب نزول هذه الآية في المسلمين الذين بمكة لم يهاجروا ناداهم الله باسم الإيمان.
والدليل على الهجرة من السنة قوله ﷺ : " لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها" ١.
والجهاد في سبيل الله من أفضل العبادة، وذروة سنام الإسلام وفق منهج رسول الله ﷺ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . (البقرة: ٢١٨) ٢.
стр. 633
ومن أنواع العبادة زيارة قبر النبي ﷺ قال ما معناه: "وزيارة قبر النبي ﷺ حسب المشروع من أفضل الأعمال" ١.
وعلى العموم فالشيخ يرى أن زيارة القبور مستحبة ويعني بها الزيارة المشروعة ومن غير شد رحل لذلك وهي: التى شرعها رسول الله ﷺ وفعلها فكان رسول الله ﷺ يزور قبور أصحابه للدعاء لهم والاستغفار لهم وهذه هى الزيارة التى سنها رسول الله ﷺ وأمرهم إذا زاروها أن يقولوا: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية"، وكان يقول ﷺ ويفعل عند زيارتها من جنس ما يقوله عند الصلاة على الميت وأمر بزيارة القبور من أجل تذكر الآخرة ودعاء للميت وهذا هدي رسول الله ﷺ هدي توحيد وإيمان وإحسان إلى الميت، فأبى المشركون إلا دعاء الميت والإشراك به وسؤاله الحوائج والاستعانة به والتوجه إليه تحريا للإجابة عنده مما هو عكس هديه ﷺ ٢.
ودليل الإنابة قوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ ٣ (الزمر: ٥٤) .
ودليل الرغبة والرهبة والخشوع قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي
стр. 634
الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (الأنبياء:٩٠) . وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ (آل عمران: ١٩٩) .
ودليل الخشية قوله تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ (البقرة: ١٥٠) .
وقوله تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ (المائدة: ٤٤) ١- وخشية الله جامعة للدين كله٢.
ودليل التأله قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة: ١٦٣) .
ودليل الركوع والسجود- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٣ (الحج: ٧٧) .
وغير ذلك من أنواع العبادة التي شرع الله ورسوله ﷺ . وهي كثيرة لكن يجمعها شرع الله لرسوله ﷺ فشرع الله جامع مانع.
جامع: لكل أنواع العبادة الموصلة إلى رضوان الله تعالى.
стр. 635
مانع: من دخول شيء خارج عن الشريعة مما يحبه الله ويرضاه فالعبادة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين في تعريف العبادة في الشرع اختلفت عباراتهم والمعنى واحد، فعرفها طائفة- بقولهم: هي ما أمر به شرعا من غير اطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي، وعرفها طائافة بأنها كمال الحب مع كمال الخضوع.
وقال أبو العباس- رحمه الله تعالى: "هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فالصلاة والزكاة والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وجهاد الكفار والمنافقين والإِحسان إلى الجار واليتيم والمسكين والمملوك من الآدميين والبهائم والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة، وكذلك حب الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه وإِخلاص الدين له والصبر لحكمه والشكر لنعمته والرضا بقضائه والتوكل عليه والرجاء لرحمته والخوف من عذابه وأمثال ذلك فالدين كله داخل في العبادة. انتهى١.