← Акыда

Акыда · id 12039

عقيدة محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي

صالح بن عبد الله العبود

Полный текст (1 147 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وإن مما يخاف منه على المؤمن الاتكال على سعة رحمة الله من قوله ﷺ لمعاذ: "لا تبشرهم فيتكلوا" متفق عليه١. ولابد من لزوم الخوف من الله وعدم الأمن حتى البشرى عند الموت من الملائكة٢. فإن إبراهيم وإسماعيل طلبا من الله أن يرزقهما الإسلام في قوله تعالى عنهما: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ (البقرة: ١٢٨) ، والغفلة عن هذا من العجائب، وطلبا من الله أن يتوب عليهما وهما هما ففى ذلك خوفهما من الذنوب٣. ودليل الرجاء- قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ (الكهف: ١١٠) ٤. ومن أنواع العبادة الهجرة والتوبة٥. والدليل على أن الهجرة فريضة على هذه الأمة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام وأنها باقية إلى أن تقوم الساعة- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ

стр. 632

الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ (النساء: ٩٧-٩٩) . وقوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ (العنكبوت:٥٦) . يقول الشيخ: قال البغوى- رحمه الله تعالى- سبب نزول هذه الآية في المسلمين الذين بمكة لم يهاجروا ناداهم الله باسم الإيمان. والدليل على الهجرة من السنة قوله ﷺ : " لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها" ١. والجهاد في سبيل الله من أفضل العبادة، وذروة سنام الإسلام وفق منهج رسول الله ﷺ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . (البقرة: ٢١٨) ٢.

стр. 633

ومن أنواع العبادة زيارة قبر النبي ﷺ قال ما معناه: "وزيارة قبر النبي ﷺ حسب المشروع من أفضل الأعمال" ١. وعلى العموم فالشيخ يرى أن زيارة القبور مستحبة ويعني بها الزيارة المشروعة ومن غير شد رحل لذلك وهي: التى شرعها رسول الله ﷺ وفعلها فكان رسول الله ﷺ يزور قبور أصحابه للدعاء لهم والاستغفار لهم وهذه هى الزيارة التى سنها رسول الله ﷺ وأمرهم إذا زاروها أن يقولوا: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية"، وكان يقول ﷺ ويفعل عند زيارتها من جنس ما يقوله عند الصلاة على الميت وأمر بزيارة القبور من أجل تذكر الآخرة ودعاء للميت وهذا هدي رسول الله ﷺ هدي توحيد وإيمان وإحسان إلى الميت، فأبى المشركون إلا دعاء الميت والإشراك به وسؤاله الحوائج والاستعانة به والتوجه إليه تحريا للإجابة عنده مما هو عكس هديه ﷺ ٢. ودليل الإنابة قوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ ٣ (الزمر: ٥٤) . ودليل الرغبة والرهبة والخشوع قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي

стр. 634

الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (الأنبياء:٩٠) . وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ (آل عمران: ١٩٩) . ودليل الخشية قوله تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ (البقرة: ١٥٠) . وقوله تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ (المائدة: ٤٤) ١- وخشية الله جامعة للدين كله٢. ودليل التأله قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة: ١٦٣) . ودليل الركوع والسجود- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٣ (الحج: ٧٧) . وغير ذلك من أنواع العبادة التي شرع الله ورسوله ﷺ . وهي كثيرة لكن يجمعها شرع الله لرسوله ﷺ فشرع الله جامع مانع. جامع: لكل أنواع العبادة الموصلة إلى رضوان الله تعالى.

стр. 635

مانع: من دخول شيء خارج عن الشريعة مما يحبه الله ويرضاه فالعبادة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين في تعريف العبادة في الشرع اختلفت عباراتهم والمعنى واحد، فعرفها طائفة- بقولهم: هي ما أمر به شرعا من غير اطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي، وعرفها طائافة بأنها كمال الحب مع كمال الخضوع. وقال أبو العباس- رحمه الله تعالى: "هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فالصلاة والزكاة والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وجهاد الكفار والمنافقين والإِحسان إلى الجار واليتيم والمسكين والمملوك من الآدميين والبهائم والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة، وكذلك حب الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه وإِخلاص الدين له والصبر لحكمه والشكر لنعمته والرضا بقضائه والتوكل عليه والرجاء لرحمته والخوف من عذابه وأمثال ذلك فالدين كله داخل في العبادة. انتهى١.

стр. 636

الخلاصة أن جميع أنواع العبادة وأَفرادها موضحة في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ لا تحتاج إلى زيادة ولا نقصان، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ . فكل اعتقاد أو قول أو عمل ثبت أنه مأمور به من الشارع، أو مدحه الشارع أو أثنى علىمن قام به فهو عبادة وقربة، وكل أمر ثبت النهي عنه من الشارع، أو ذمه الشارع أو ذم من قام به فإِن الانتهاء عنه وتركه، والبعد عنه عبادة أيضا وقربة، وطاعة الله في جميع ذلك هي توحيد وإيمان وعبادة واخلاص، وصرفه أو صرف نوع منه أو فرد من أفراده لغير الله شرك وكفر١، فإِن الجامع لعبادة الله وحده طاعته بامتثال أوامره واجتناب مناهيه وهي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة وهي حق الله تعالى على عباده يختص بها دون غيره ولا يجوز أن يشاركه فيها لا ملك مقرب ولا نبي مرسل فضلا عن غيرهما. فمن صرف شيثا من أنواع العبادة لغير الله تعالى فقد اتخذه ربا وإلها وأشرك مع الله غيره، وصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله كصرف

стр. 637

جميعها، لأنه سبحانه أغنى الشركاء عن الشرك ولا يقبل من العبادة ما لم يكن خالصا له- كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ . وبذلك ينتهى هذا الفصل، الذي هو تفصيل للركن الأول، وهو الإيمان بالله تعالى، من أركان الإيمان الستة. وقد ذكرنا مجمل اعتقاد الشيخ في تلك الأركان في الفصل الذي قبله. ويلاحظ أن كثرة ما كتبناه من عقيدة الشيخ هو في التوحيد لاسيما توحيد الألوهية حتى إِننا نرى في كل آثار الشيخ وإِن تطرقت إلى سائر فنون العلم ترابطا ينظمه توحيد الألوهية وتنبثق هذه الآثار من توحيد الألوهية، المبني على الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح. وذلك أن الشيخ قد تفاعل مع حاجة أهل عصره، ولبى ما يقتضيه الواجب الإِلهي نحو مجتمعه، فهو عالم رباني، وطبيب داء الجهل الذي أصيب به الناس في زمانه فسارع بمهارة في تشخيص دائه وتركيب دوائه، وأجاد- ﵀ في ذلك وحاز مقام الرباني- كما قال الإمام ابن قيم الجوزية: فالوحي كاف للذي يعنى به ... شاف لداء جهالة الإنسان وتفاوت العلماء في أفهامهم ... للوحي فوق تفاوت الأبدان والجهل داء قاتل وشفاؤه ... أمران في التركيب متفقان

стр. 638

نص من القرآن أو من سنة ... وطبيب ذاك العالم الرباني١ ولذا فقد وجدنا تفصيلا من عقيدته في التوحيد خصوصا توحيد الألوهية، وهو داخل في الإِيمان بالله، الركن الأول من أركان الإيمان، أما بقية أركان الإيمان ومباحثه، فلم نجد للشيخ تفصيلا فيه كما وجدناه له في التوحيد، ولذلك نكتفي بما تقدم ذكره في مجمل عقيدته في ذلك. وننتقل من عرض العقيدة إلى جانب الدفاع عنها والتحذير من نواقضها وهو ما يتضمنه الفصل التالي: في التحذير من نواقض عقيدة السلف الصالح أو نواقض كمالها فإلى ذلك وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا به.

стр. 639

المجلد الثاني تابع (الباب الأول) : خلاصة كتاب عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية الفصل الرابع: في التحذير من نقيض عقيدة السلف الصالح أو نقيض كمالها ... الفصل الرابع: في التحذير من نقيض عقيدة السلف الصالح أو نقيض كمالها لما كانت الفصول المتقدمة، هي في عقيدة الشيخ، التي هي عقيدة السلف الصالح، ناسب أن نتبعها بفصل يتضمن التحذير من ما يناقض عقيدتهم، أو يناقض كمالها وينقصه، ببيان ذلك المناقض. وهذا أمر عظيم يستحق الاهتمام، ولذا كان جانبا بنَّاءً من عقيدة الشيخ- رحمه الله تعالى- كيف لا؟. وهو بيان ما ينقض البنيان من أساسه للحذر منه والتحرز عنه قال الله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً ... ﴾ الآية (النحل:٩٢) . وما من شك أن بيان النواقض للإيمان أو لكماله للحذر منها من الأمور البناءة لأنها حماية للبناء أن ينهدم، قال حذيفة بن اليمان ﵁: "كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني"١. ولذا فالشيخ يحذر من نواقض الإيمان ومبطلاته ويبينها ويبعدها عن

стр. 640

المسلمين ويبعد المسلمين عنها بكل ما استطاع. ولقد اهتم بذلك أيما اهتمام، حتى كاد أن يستأثر هذا الجانب بكل همته، كما كاد أن يستأثر بالواقع، في بداية الإِصلاح، ولأن مشكلة العالم الإسلامي تكمن في هذه الناحية، وكيد الشيطان يتركز على هذا الجانب، حيث يكيد للمسلم، ويزين له ما يحبط عمله ويفسده، ثم بعد ذلك يصل الشيطان إلى غرضه، فلا يضيره كثرة عمل المسلم وضخامته مادام أنه على شيء يناقضه ويفسده، ولذا فالشيخ ﵀ كرس جهودا عظيمة في بيان هذه النقطة التي هي مفرق الطريق، ومنها يتميزالمسلم المستقيم الثابت من الذي ينقض دينه، سواء علم أو لم يعلم. ولئن كان أبو حيان قد أصاب في مدحه ابن تيمية بقوله: لما أتانا تقيُّ الدينِ لاحَ لنَا ... داعٍ إلى اللهِ فَرْدٌ ما له وَزَرُ عَلى محياه منْ سيما الأُلى صَحِبوا ... خيرَ البريَّةِ نُورٌ دونهُ القَمَرُ حَبْر تَسربل مِنه دهْرهُ حِبر ... بحرٌ تقاذفُ منْ أَمواجهِ الدُّررُ قامَ ابن تَيمية في نصْر شِرعتِنَا ... مقامَ سَيدِ تَيمٍ إذْ عصتْ مُضَرُ وأَظهرَ الحقَّ إذ آثارهُ اندرَستْ ... وأخمدَ الشرَّ إذْ طارتْ لَهُ شَررُ١ فإن من يصف الشيخ محمد بن عبد الوهاب بهذا الوصف، يصيب أيما إصابة حيث إِنه ﵀ قد أظهر الحق، اذ اندرست آثاره، وأخمد

стр. 641

الشر بعد أن طار شرره، وقام مقام سيد تيم، أبي بكر ﵁ لما ارتد غالب العرب، وعصوا من بعد ما سمعوا، ونقضوا غزلهم، وأفسدوا صلاحهم وأبطلوا أعمالهم، ففسدت قوتهم العلمية والعملية. كما سبق أن بينا ذلك في وصف البيئة التي ظهر عليها الشيخ رحمه الله١. فكان الشيخ يركز دفاعه على الاحتراز من إِفساد هاتين القوتين، القوة العلمية والقوة العملية. يقول- ﵀ في استنباطه من قول الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (يوسف: ١٠٥،١٠٦) يقول فيها: أن الذي أتاهم من الآيات ليست هذه وحدها (يعني قصة يوسف) بل كم وكم من آية من الآيات السماوية والأرضية يمرون عليها، ويعرضون عن الانتفاع بها، وليس هذا قصورا في البيان، فانه مشاهد، بل القلوب غير قابلة. وفيها: المسألة العظيمة، وهي إِخباره ﵎ أن أكثر هذا الخلق، لو آمن أفسد إيمانه بالشرك، فهذه فساد القوة العملية، والتي قبلها فساد القوة العلمية. وفيها: التنبيه على الاحتراز من اجتماع الإيمان مع الشرك المفسد له خصوصا لما ذكر أن هذا حال الجمهور٢. هذا وقد بلغت آيات القرآن الكريم التي فيها لفظة الشرك وما

стр. 642

تصرف منها في الحكم على الشرك وأهله حسب استقرائي ما يقارب مائة وخمسا وستين آية ما عدا الآيات الأخرى التي فيها ذم له بغير لفظه، أما الأحاديث الصحيحة من سنة رسول الله ﷺ فكثيرة جداً. إذاً فلا غرابة إذا كثرت ألفاظ الشرك في التحذير عنه وذمه وذم أهله، والبراءة منه ومن أهله في أعمال الشيخ ومؤلفاته١. ذلك أن الشرك أعظم مفسد للعلم والعمل المبتغى بهما رضوان الله والسعادة وليس أضر على الإنسان من إِفساد عمله وعلمه، ولذا كان من أشد الناس خسرانا من اتصف بالناصية الكاذبة الخاطئة. ويقول الشيخ: قوله تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ فيه الجمع بين الكذب والخطأ في وصف هذه الناصية فدل على وصفه بفساد القول والعمل٢. فما من شك أن الاهتمام بهذا الجانب لاجتناب الفساد حق. فلنبدأ بنواقض الإسلام نبينها لتعرف فتجنب. يقول الشيخ: اعلم أن نواقض الإسلام عشرة نواقض: الأول: الشرك في عبادة الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ

стр. 643

ِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء. رقم ٤٨ ورقم ١١٦) . وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (المائدة: ٧٢) . ومنه الذبح لغير الله كمن يذبح للجن أو للقبر. وفي كتاب التوحيد عقد الشيخ بابا في ذلك: هو باب ما جاء في الذبح لغير الله تعالى وأورد تحته أدلة منها قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام: ١٦٢-١٦٣) وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (الكوثر: ٢) . وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثا، لعن الله من غير منار الأرض" رواه مسلم من طرق بمعنى ما ذكره المصنف وفيه قصة، ورواه الإمام أحمد كذلك١. وقال الشيخ فيه تفسير: ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ وتفسير ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ والبداء بلعنة من ذبح لغير الله٢.

стр. 644

ويقول الشيخ سليمان في تيسير العزيز الحميد "قال النووي: المراد به أن يذبح باسم غير الله تعالى، كمن يذبح للصنم أو للصليب أو لموسى أو لعيسى صلى الله عليهما وسلم أو للكعبة ونحو ذلك، فكل هذا حرام، ولا تحل هذه الذبيحة سواء كان الذابح مسلما أو نصرانيا أو يهوديا، نص عليه الشافعي، واتفق عليه أصحابنا، فان قصد مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله تعالى والعبادة له، كان ذلك كفرا، فإن كان الذابح مسلما قبل ذلك صار بالذبح مرتدا. ذكره في "شرح مسلم"١ ونقله غير واحد من الشافعية وغيرهم٢. قال الشيخ: وقال أبو العباس ﵀ في كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم" في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ ظاهره: أنه ما ذبح لغير الله سواء لفظ به أو لم يلفظ وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه النصراني للحم وقال فيه باسم المسيح ونحوه، كما أن ما ذبحناه نحن متقربين به إلى الله سبحانه كان أزكى مما ذبحناه للحم وقلنا عليه بسم الله فإن عبادة الله سبحانه بالصلاة له والنسك له أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور. والعبادة لغير الله أعظم كفرا من الاستعانة بغير الله. فلو ذبح لغير الله متقربا به إليه لحرم، وإن قال فيه بسم الله كما قد يفعله

стр. 645

طائفة من منافقي هذه الأمة وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبائحهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان، ومن هذا ما يفعل بمكة وغيرها من الذبح للجن١ انتهى. قال الشيخ معلقا: فانظر أرشدك الله إلى تكفيره من ذبح لغير الله من هذه الأمة وتصريحه أن المنافق يصير مرتدا بذلك، وهذا في المعين، إذ لا يتصور أن تحرم إلا ذبيحة معين٢. ويذكر الشيخ في جوابه لمن سأله عن الذبح للجن، أن العلماء صرحوا أن الذبح للجن ردة تخرج من الملة، وقالوا: الذبيحة حرام ولو سمى عليها، قالوا: لأنها يجتمع فيها مانعان: الأول: أنها مما أهل به لغير الله. والثاني: أنها ذبيحة مرتد، والمرتد لا تحل ذبيحته وإن ذبحها للأكل وسمى الله عليها، وقول العلماء إنه منهي عنها أو حرام أو مكروهة أو لا تنبغي، ألفاظ عامة، تستعمل في المكفرات والمحرمات التي هي دون الكفر وفي المكروهات كراهة التنزيه التي هي دون الحرام، ومثال استعمالها في المكفرات- قوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ وقولهم: "لا تنبغي العبادة إلا لله وحده"، وقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ . قال الشيخ: " وكلام العلماء لا ينحصر في قولهم: " يحرم كذا " لما

стр. 646

صرحوا في مواضع أخرى أنه كفر، وقولهم: "يكره " لما هو كفركقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (الإسراء ٢٣) إلى قوله: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ (الإسراء: ٣٨) . وأما كلام الإمام أحمد في قوله: "أكره كذا" فهو عند أصحابه على التحريم. والمقصود من هذا هو إزالة شبهة أو ردها السائل وهي أن قول العلماء: الذبح للجن منهي عنه أو محرم هل يفهم من قولهم هذا أنه دون الكفروالشرك الأكبر لأن هذا القول ليس صريحا بأنه شرك؟. وقد جادل بهذه الشبهة على أقوال العلماء تلك مجادلون رد عليهم الشيخ بمثل ما قدمت عنه وكشف الشبهة وبين حكم الذبح لغير الله وأنه شرك أكبر. الثاني: من نواقض الإسلام: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم كفر إجماعا. وسئل الشيخ عن قوله في الإقناع باب حكم المرتد: "أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم كفر إجماعا"١. فأجاب بقوله: وكذلك أي يكفر من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم ويتوكل عليهم إجماعا، وذكروا أن هذا بعينه هو الذي يفعله أهل زمانهم عند القبور، فكيف بزماننا؟ يبينه لك قول الشارح، لما

стр. 647

ذكر هذا وذكر بعده أنواعا من الكفر المخرج عن الملة، قال: وقد عمت البلوى بهذه الفرق، وأفسدوا كثيرا من عقائد أهل التوحيد، نسأل الله العفو والعافية.. انتهى كلامه في شرح الإقناع١،٢. الثالث: من نواقض الإسلام: من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر. الرابع: من نواقض الإسلام: من اعتقد أن غير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر. الخامس: من نواقض الإسلام: من أبغض شيئا مما جاء به الرسول ﷺ ولو عمل به كفر إجماعا والدليل- قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ . وقد سئل الشيخ عن معنى قوله في باب حكم المرتد من كتاب الإقناع، في الفقه الحنبلي: "أو كان مبغضا لما جاء به الرسول اتفاقا"٣.

стр. 648

فأجاب الشيخ: إن معناه إذا كان مبغضا لما جاء به الرسول ﷺ وإن لم يشرك بالله، لكن أبغض السؤال عنه ودعوة الناس إليه، كما هوحال من يدعي العلم ويقرر أنه دين الله ورسوله ﷺ ، ويبغضونه أكثر من بغض دين اليهود والنصارى، بل يعادون من التفت إليه، ويحلون دمه وماله، ويرمونه عند الحكام. وكذلك يقرون أن الرسول ﷺ أتى بالإنذار عن الشرك، بل هو أول من أنذر عنه وأعظم ما أنذر عنه، ثم يقولون: "خلق الله ما يتيهون، وينصرون الشرك بالقلب واللسان واليد". والتكفير بالاتفاق فيمن أبغض النهي عن الشرك وأبغض الأمر بمعاداة أهله، ولو لم يتكلم ولم ينصر، فكيف إذا فعل ما فعل١. السادس: من نواقض الإسلام: من استهزأ بشيء من دين الرسول ﷺ ، أو ثواب الله، أو عقابه، كفر - والدليل- قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ (التوبة: ٦٦) . وقال الشيخ في كتاب التوحيد، باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول ﷺ . وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ (التوبة: ٦٥) .

стр. 649

وعن ابن عمر، ومحمد بن كعب، وزيد بن أسلم، وقتادة- دخل حديث بعضهم في بعض- أنه قال رجل في غزوة تبوك: "ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء، يعني رسول الله ﷺ وأصحابه القراء. فقال عوف بن مالك: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ . فذهب عوف إلى رسول الله ﷺ ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه. فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله ﷺ ، وقد ارتحل وركب ناقته، فقال يارسول الله، إنما كنا نخوض ونتحدث حديث الركب، نقطع به عنا الطريق. قال ابن عمر: كأني أنظر إليه، متعلقا بنسعة ناقة رسول الله ﷺ ، وإن الحجارة تنكب رجليه، وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب فيقول له رسول الله ﷺ : ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ما يلتفت إليه، وما يزيده عليه". يقول الشيخ سليمان في تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد: "هذا الأثر ذكره المصنف مجموعا من رواية ابن عمر، ومحمد بن كعب، وزيد بن أسلم، وقتادة وقد ذكره قبله كذلك شيخ الإسلام. فأما أثر ابن عمر فرواه ابن جرير١، وابن أبي حاتم، وغيرهما بنحو مما ذكر المصنف. وأما أثر محمد بن كعب، وزيد بن أسلم وقتادة فهي معروفة

стр. 650

لكن بغير هذا اللفظ"١. قال الشيخ: فيه مسائل: الأولى: وهي العظيمة- أن من هزل بهذا: أَنه كافر. الثانية: أن هذا هو تفسير الآية فيمن فعل ذلك كائنا من كان٢. وقد سئل الشيخ عن قول مؤلف الإقناع في الفقه الحنبلي في باب حكم المرتد "أو استهزأ بالله أو كتبه أو رسله أو أتى بقول أو فعل صريح في الاستهزاء بالدين.. كفر"٣ ما وصف هذا الاستهزاء المكفر؟ فأجاب: بأن العلماء استدلوا عليها بقوله تعالى في حق بعض الناس في غزوة تبوك ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ (التوبة: ٦٥) . قال الشيخ: فذكر السلف والخلف أن معناها عام إلى يوم القيامة فيمن استهزأ بالله أو القرآن أو الرسول ﷺ . وصفة كلامهم: أنهم قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء. يعنون بذلك رسول الله والعلماء من أصحابه، فلما نقل الكلام عوف بن مالك، أتى القائل يعتذر، أنه قاله على وجه اللعب كما يفعل المسافرون فنزل الوحي أن هذا كفر بعد الإيمان، ولو كان على وجه المزح. والذي يعتذر يظن أن الكفر إذا قاله

стр. 651

جادا لا لاعبا. وهذا قول صريح في الاستهزاء بالدين. إذا فهمت أن هذا هو الاستهزاء فكثير من الناس يتكلم في الله ، بالكلام الفاحش عند وقوع المصائب، على وجه الجد وأنه لا يستحق هذا، وأنه ليس بأكبر الناس ذنبا. وكذلك من يدعي العلم والفقه- إذ أستدللنا عليه بآيات الله- أظهر الإستهزاء١ وأما صفة الاستهزاء الفعلي فمثل مد الشفة واخراج اللسان أورمز العين، مما يفعله كثير من الناس، عندما يؤمر بالصلاة والزكاة، فكيف بالتوحيد٢. ويقول الشيخ في ملخصه عن ابن تيمية في الآية: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ (التوبة: ٦٥) : "الآية تدل على أن الاستهزاء بالله كفر، وبآياته كفر، وبالرسول كفر، من جهة الاستهزاء بالله وحده كفر بالضرورة فلم يكن ذكر الآيات والرسول شرطا، فعلم أن الاستهزاء بالرسول كفر، وإلا لم يكن لذكره فائدة، وكذلك الآيات، وأيضا فالاستهزاء بهذه الأمور متلازم"٣.

стр. 652

السابع: من نواقض الإسلام: السحر، ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به كفر. والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ (البقرة: ١٠٢) . الثامن: من نواقض الإسلام: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين- والدليل- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (المائدة: ٥١) . التاسع: من نواقض الإسلام: من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد ﷺ كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى ﵇ فهو كافر. العاشر: من نواقض الإسلام: الإعراض عن دين الله تعالى لا يتعلمه ولا يعمل به- والدليل- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ (السجدة: ٢٢) . وهذه النواقض التي ذكرها الشيخ هي مسألة التكفير لخصها الشيخ من كلام العلماء، قال الشيخ: "وذكر (أي الشيخ أبو النجا مؤلف الإقناع) في الإقناع إجماع المذاهب كلها على ذلك"١.

стр. 653

ثم قال: "فإن كان عند أحد كلمة تخالف ما ذكروه في مذهب من المذاهب فيذكرها وجزاه الله خيرا"١ والغالب أنه ليس عند أحد علم يخالف ما ذكروه وإنما العناد. فيقول الشيخ: "وإن كان يبغي يعاند كلام الله، وكلام رسوله ﷺ ، وكلام العلماء، ولا يصغي لهذا أبدا فاعرفوا أن هذا الرجل معاند ما هو بطالب حق، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ٨٠) . ثم يبين الشيخ أن هؤلاء الذين يعتذرون بالتكفير ليس لأنه مشكل عليهم تكفير أناس بأعيانهم قد اشتبه أمرهم بل إذا تأمل المتأمل أحوالهم يجد أن هؤلاء أعداء للموحدين، يبغضونهم ويستثقلونهم، والمشركين والمنافقين هم ربعهم الذين يستأنسون إليهم كما جرى من رجال في الدرعية وفي العيينة الذين ارتدوا وأبغضوا الدين٢. ثم يقول الشيخ بعد أن أورد النواقض العشرة: "ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف، إلا المكره. وكلها من أعظم ما يكون خطرا، ومن أكثر ما يكون وقوعا. فينبغى للمسلم أن يحذرها ويخاف منها على نفسه"٣.

стр. 654

ويقرر الشيخ أنها تقع من المعينين وممكن أن يرتد المسلم ويكفر بعد إسلامه والعياذ بالله من ذلك، فقد عرف المرتد في باب حكم المرتد بأنه المسلم الذي يكفر بعد إسلامه١، فهذا يفيد الحذر والخوف والاستعاذة بالله. وقد بين الشيخ لرجل من أهل الإحساء استشكل تكفير المعين لأنه يقول لا إله إلا الله وإن عبد الأوثان مع هذا عبادة أكبر من عبادة اللات والعزى وسب دين الرسول ﷺ بعدما شهد به مثل سب أبي جهل. فالشيخ يبين له أحكام هذه المسألة من كلام أهل العلم المتقدمين والمتأخرين فيقول مخاطبا هذا المستشكل: "فأول ما أنصحك به أنك تفكر هل هذا الشرك الذي عندكم هو الشرك الذي ظهر نبيك ﷺ ينهى عنه أهل مكة، أو شرك أهل مكة نوع آخر أغلظ منه أم هذا أغلظ؟ فإذا أحكمت المسألة، وعرفت أن غالب من عندكم سمع الآيات، وسمع كلام أهل العلم، من المتقدمين والمتأخرين، وأقر به، وقال أشهد أن هذا هو الحق ونعرفه قبل ابن عبد الوهاب، ثم بعد ذلك يصرح بمسبة ما شهد أنه الحق، ويصرح بحسن الشرك واتباعه وعدم البراءة من أهله، فتفكر هل هذه المسألة إلا مسألة الردة الصريحة التي

стр. 655

ذكرها أهل العلم في الردة؟ ولكن العجب من دلائلك التي ذكرت كأنها أتت ممن لايسمع ولا يبصر. أما استدلالك بترك النبي ﷺ ومن بعده تكفير المنافقين وقتلهم فقد عرفه الخاص والعام ببديهة العقل أنهم لو يظهرون بكلمة واحدة أو فعلا واحدا من عبادة الأوثان أو مسبة التوحيد الذي جاء به الرسول ﷺ أنهم يقتلون شر قتلة، فإن كنت تزعم أن الذين عندكم أظهروا اتباع الدين الذي تشهد أنه دين الرسول ﷺ ، وتبرؤا من الشرك بالقول والفعل، ولم يبق إلا أشياء خفية تظهر على صفحات الوجه أو فلتة لسان في السر، وقد تابوا من دينهم الأول، وقتلوا الطواغيت وهدموا البيوت المعبودة فقل لي، وإن كنت تزعم أن الشرك الذي خرج عليه الرسول ﷺ أكبر من هذا فقل لي؟ وان كنت تزعم أن الإنسان إذا أظهر الإسلام لا يكفرإذا أظهرعبادة الأوثان، وزعم أنها الدين وأظهر سب دين الأنبياء وسماه دين أهل العارض وأفتى بقتل من أخلص لله الدين واحراقه وحل ماله فهذه مسألتك، وقد قررتها وذكرت أن من زمن النبي ﷺ إلى يومنا هذا لم يقتلوا أحدا ولم يكفروه من أهل الملة، أما ذكرت قول الله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ... ﴾ إلى قوله: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً﴾ (الأحزاب: ٦٠، ٦١) . وقوله: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا ... ﴾ الآية (النساء: ٩١) . واذكر قوله في

стр. 656

الاعتقاد في الأنبياء: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ٨٠) . واذكر ما صح عن رسول الله ﷺ أنه أشخص رجلاً معه الراية إلى من تزوج امرأة أبيه ليقتله ويأخذ ماله فأي هذين أعظم؟ تزوج امرأة الأب أو سب دين الأنبياء بعد معرفته، واذكر أنه هم بغزو بني المصطلق لما قيل انهم منعوا الزكاة حتى كذب الله من نقل ذلك. واذكر قوله في أعبد هذه الأمة وأشدهم اجتهادا "لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة". واذكر قتال الصديق وأصحابه مانعي الزكاة وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم. واذكر إِجماع الصحابة على قتل أهل مسجد الكوفة وكفرهم وردتهم لما قالوا كلمة في تقرير نبوة مسيلمة، ولكن الصحابة اختلفوا في قبول توبتهم لما تابوا والمسألة في صحيح البخاري وشرحه في الكفالة١. واذكر إِجماع الصحابة لما استفتاهم عمر على أن من زعم أن الخمر تحل للخواص مستدلا بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ (المائدة: ٩٣) مع كونه من أهل بدر، وأجمع الصحابة على كفر من اعتقد في علي مثل اعتقاد هؤلاء في عبد القادر وردتههم وقتلهم، فأحرقهم علي بن أبي طالب ﵁ وهم أحياء فخالفه ابن عباس

стр. 657

في الإِحراق وقال: يقتلون بالسيف، مع كونهم من أهل القرن الأول أخذوا العلم عن الصحابة. واذكر إِجماع أهل العلم من التابعين وغيرهم على قتل الجعد بن درهم، قال ابن القيم: شكر الضحية كل صاحب سنة لله درك من أخي قربان قال الشيخ: ولو ذهبنا نعدد من كفره العلماء مع ادعائه الإسلام وأفتوا بردته وقتله لطال الكلام، لكن من آخرما جرى قصة بني عبيد ملوك مصر، وطائفتهم وهم يدعون أنهم من أهل البيت، ويصلون الجمعة والجماعة ونصبوا القضاة والمفتين، أجمع العلماء على كفرهم وردتهم وقتالهم وأن بلادهم بلاد حرب يجب قتالهم. واذكر كلامه في الإقناع وشرحه في الردة كيف ذكروا أنواعا كثيرة موجودة عندكم، ثم قال منصور: وقد عمت البلوى بهذه الفرق وأفسدوا كثيراً من عقائد أهل التوحيد نسأل الله العفو والعافية. هذا لفظه بحروفه، ثم ذكر قتل الواحد منهم وحكم ماله١. هل قال واحد من هؤلاء الصحابه (أو أحد من العلماء) إلى زمن منصور إن هؤلاء يكفر أنواعهم لا أعيانهم؟.

стр. 658

ثم أخذ الشيخ يبين عبارة شيخ الإسلام ابن تيمية في تكفير المعين فيقول: "وأما عبارة الشيخ التي لبسوا بها عليك فهي أغلظ من هذا كله ولو نقول بها لكفرنا كثيرا من المشاهير بأعيانهم فإنه صرح فيها بأن المعين لا يكفر إلا إذا قامت عليه الحجة. ثم أخذ الشيخ يقرر معنى قيام الحجة وأن معناها أن المعين إن عرف الحق وخالف كفر بعينه، وإلا لم يكفر- ثم أخذ الشيخ يذكر له من كلام شيخ الاسلام ابن تيمية ما يصدق هذا من اقتضاء الصراط المستقيم وغيره١. وكما بينا في منهج الشيخ أنه يعتبر قيام الحجة وبلوغها فمن لم تبلغه الحجة وتقوم عليه فإنه لا يكفره٢. وقد سئل الشيخ عن قوله في الإقناع: "أو نطق بكلمة كفر ولم يعلم معناها فلا يكفر بذلك" ٣. هل المعنى: نطق بها ولم يعرف شرحها أو نطق بها ولم يعلم أنها تكفره؟. فأجاب الشيخ: بأنه إذا نطق بكلمة الكفر ولم يعلم معناها صريح واضح أنه يكون نطق بما لا يعرف معناه، أي فلا يكفر- وأما كونه لا

стр. 659

يعرف أنها تكفره يعني إذا نطق بكلمة الكفر التي يعرف أنها كفر، لكن يظن أنه إذا نطق بالكفر، هازلا أو مازحا أو يريد مصلحة من المصالح الدنيوية أن هذا لا يكفره. قال الشيخ: فيكفي فيه قوله: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ، فهم يعتذرون للنبي ﷺ ظانين أنهم حين يقولونها على وجه اللعب أنها لا تكفرهم- ثم أورد الشيخ أدلة توضح هذه النقطة وهي قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ (الكهف: ١٠٤) . وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأعراف: ٣٥) . وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الزخرف: ٣٧) ١. وهؤلاء الذين ذكرهم الله في هذه الآيات الكريمة كفار مع أنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ويحسبون أنهم مهتدون. وكما ذكرنا في منهج الشيخ- أن الشيخ يفرق بين الكفر المخرج من الملة والكفر الذي لا يخرج من الملة. وقد سئل الشيخ عن قولهم: "ومن أطلق الشارع كفره كدعواهم لغير أبيهم إلى آخره، فللعلماء فيه أقوال أيها أقرب إلى الصواب؟ فأجاب: أن من أطلق الشارع كفره بالذنوب فالراجح فيها قولان: أحدهما: ما عليه الجمهور أنه لا يخرج من الملة. والثاني: الوقف كما قال الإمام أحمد: أمروها كما جاءت يعني لا

стр. 660

يقال يخرج ولا ما يخرج وما سوى هذين القولين غير صحيح١. وإذا تأملنا هذه النواقض نجد أَنها تدور على الشهادتين شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن من ارتكب ناقضا منها فهو إما لأنه جنى على الألوهية فأشرك بالله تعالى وإما لأنه جنى على النبوة، وإما لأنه جنى عليهما معا غير أن المشكلة التي واجهها الشيخ محمد بن عبد الوهاب هي الجناية على الألوهية بالشرك، لذا فسيكون بيان الشرك أهم ما في هذا الفصل وأوسعه. أما تعريف الشرك ما هو؟ فيعرفه الشيخ ﵀ بقوله: "هو أن يدعو مع الله غيره، أو يقصده بغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها". فمن صرف شيئا من أنواع العبادة لغير الله تعالى أو قصد غير الله بشيء من أنواع العبادة فقد اتخذ هذا الغير رباً وإلها من دون الله تعالى وأشرك مع الله غيره الشرك الأكبر الذي نهى عنه وأنكره على المشركين وأخبر أنه لا يغفره فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء: ٤٨، ١١٦) . وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (المائدة: ٧٢) ٢.

стр. 661

ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن في قرة عيون الموحدين ما مضمونه: إن صرف القصد بالعبادة لغير الله شرك بالله لالتفاته في التعبد إلى غيره تعالى فيما يرغب فيه أو يرهب، وكل هذه الأبواب التي ذكرها المصنف رحمه الله تعالى تدل على أن من أشرك مع الله غيره بالقصد والطلب فقد خالف ما نفته (لا إله إلا الله) وعكس مدلولها فأثبت ما نفته ونفى ما أثبته من التوحيد١. فصرف أي نوع من أنواع العبادة التي أمرالله بها عن طريق رسوله محمد ﷺ يعتبر شركاً بالله تعالى. وصرف شيء من العبادة لغير الله كصرف مجموعها لأن الله سبحانه أغنى الشركاء عن الشرك ولا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا- كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (الزمر: ٢، ٣) . أما صفة إِشراك المشركين فيقول عنها الشيخ٢: واعلم أن

стр. 662

المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ صفة إِشراكهم أنهم يدعون الله ويدعون معه الأصنام والصالحين، مثل عيسى وأمه والملائكة، يقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله وهم يقرون أن الله سبحانه هو النافع الضار المدبر، كما ذكر الله عنهم في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ (يونس: ٣١) . فإذا عرفت هذا- وعرفت أن دعوتهم الصالحين وتعلقهم عليهم أنهم يقولون ما نريد إلا الشفاعة. وأن النبي ﷺ قاتلهم ليخلصوا الدعوة لله ويكون الدين كله لله. وعرفت أن ذلك هو الشرك بالله الذي لا يغفر لمن فعله، وهو عند الله أعظم من الزنا وقتل النفس، مع أن صاحبه يريد به التقرب من الله، ثم مع هذا عرفت أمرا آخر وهو أن أكثر الناس ما عرف هذا، منهم الذين يسمونهم العلماء في سدير والوشم وغيرهم إذا قالوا نحن موحدون الله نعرف ما ينفع ولا يضر إلا الله، وأن الصالحين لا ينفعون ولا يضرون، وعرفت أنهم لا يعرفون إلا توحيد الكفار، توحيد الربوبية، عرفت كبر نعمة الله عليك، خصوصا إذا عرفت أن الذي يواجه الله وهو لا يعرف التوحيد أو عرفه ولم يعمل به أنه خالد في النار ولو كان من أعبد الناس-

стр. 663

كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ١ (المائدة: ٧٢) . وقال الشيخ في تلخيصه عن ابن تيمية: والمشركون يزعمون أن عبادتهم إما واجبة وإما مستحبة، ثم منهم من عبد غير الله فيتقرب به إلى الله، ومنهم من ابتدع دينا عبد به الله كما أحدثه النصارى من العبادات، وأصل الضلال في الأرض إنما نشأ من هذين إما اتخاذ دين لم يشرعه الله أو تحريم ما لم يحرمه، ولهذا كان الأصل الذي بنى عليه أحمد وغيره مذهبهم أن الأعمال عبادات وعادات فالأصل في العبادات أن لا يشرع منها إلا ما شرعه الله، والأصل في العادات أن لا يحظر منها إلا ما حظره الله، وهذه المواسم المحدثة إنما نهى عنها لما أحدث فيها من الدين الذي يتقرب به إلى الله٢. ويذكر الشيخ من مسائل الجاهلية: أنهم يتعبدون بإشراك الصالحين في دعاء الله وعبادته يريدون شفاعتهم عند الله لظنهم أن الله يحب ذلك وأن الصالحين يحبونه- كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وهذه أعظم مسألة خالفهم فيها رسول

стр. 664

الله ﷺ ١. ويقرر الشيخ في القواعد الأربع الأمر الذي صار به الكفار الذين قاتلهم رسول الله ﷺ مشركين مع أنهم مقرون بأن الله تعالى هو الخالق المدبر، ولكن ذلك لم يدخلهم في الإسلام لجحدهم توحيد الله بالألوهية- ويستدل بقول الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ (يونس: ٣١) . وأن هؤلاء المشركين يقولون: ما دعوناهم وتوجهنا إليهم إلا لطلب القربة والشفاعة والدليل على قولهم هذا- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (الزمر: ٣) - هذا دليل القربة، أما دليل الشفاعة فقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (يونس:١٨) . ثم إن هؤلاء المشركين متفرقون في عبادتهم منهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الأنبياء والصالحين، ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار، ومنهم من يعبد الشمس والقمر. وقاتلهم رسول الله ﷺ ولم يفرق بينهم والدليل قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ (البقرة:١٩٣) .

стр. 665

والدليل على عبادتهم الشمس والقمر قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (فصلت: ٣٧) . والدليل على عبادتهم الملائكة قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً﴾ (آل عمران: ٨٠) . ودليل عبادتهم الأنبياء- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (المائدة: ١١٦) . ودليل عبادتهم الصالحين- قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ (الإِسراء: ٥٧) . ودليل عبادتهم الأشجار والأحجار- قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ . وحديث أبي واقد الليثي ﵁ قال: "خرجنا مع النبي ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يارسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط " الحديث، قال

стр. 666

الشيخ: رواه الترمذي وصححه وهو كما قال١. ويقول الشيخ في تفسير كلمة التوحيد: "ولنختم الكلام بآية ذكرها الله تعالى في كتابه تبين لك أن كفر المشركين من أهل زماننا أعظم من كفر الذين قاتلهم رسول الله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُوراً﴾ (الإِسراء: ٦٧) . فقد ذكر الله عن الكفار أنهم إذا مسهم الضر تركوا السادة والمشائخ فلم يدعوا أحدا منهم ولم يستغيثوا به، بل يخلصون لله وحده لا شريك له ويستغيثون به وحده فإذا جاء الرخاء أشركوا وأنت ترى المشركين من أهل زماننا- ولعل بعضهم- يدعي أنه من أهل العلم وفيه زهد واجتهاد وعبادة- إذا مسه الضر قام يستغيث بغير الله مثل معروف أوعبد القادر الجيلاني وأجل من هؤلاء مثل زيد بن الخطاب والزبير وأجل من هؤلاء مثل رسول الله ﷺ فالله المستعان، وأعظم من ذلك وأطم أنهم يستغيثون بالطواغيت والكفرة والمردة٢. وبعد مقارنة أحوال مشركي زمان الشيخ بأحوال مشركي الجاهلية الأولى يقول الشيخ: "إن مشركي زماننا أغلظ شركا من الأولين، لأن الأولين يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة، ومشركو زماننا شركهم

стр. 667

دائم في الرخاء والشدة". ويدلل أيضا على أن شرك الأولين أخف- بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ (العنكبوت: ٦٥) أما المشركون في زمان الشيخ فشركهم يكون دائما في الرخاء والشدة ودليله الواقع المشهود١. والذين قاتلهم الرسول ﷺ أصح عقولا وأخف شركا من هؤلاء٢. وخلاصة ما تقدم من تعريف للشرك هو: أن يصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله تعالى طلبا للزلفى عند الله. وهذه نظرة المشركين إلى شركهم أنه عبادة لله تعالى وقربة إليه، ولذا كان أشبه بهم أهل البدع الذين يتعبدون لله بالبدع، والشرك أكبر البدع في العبادة. أما حكم الشرك فإنه أعظم ما نهى الله عنه في مثل قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ (النساء: ٣٦) . وغير ذلك من الآيات الكثيرة. والشرك أول المحرمات كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ الآيات (الأنعام: ١٥١-١٥٣) ٣.

стр. 668

والله سبحانه يقرن بين الشرك والكذب كما يقرن بين الصدق والاخلاص ولهذا في الصحيح عدلت شهادة الزور الاشراك بالله ثم قرأ قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ (الحج:٣٠- ٣١) . وقال: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (القصص: ٧٤، ٧٥) إلى قوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ . وقوله: ﴿أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ (الصافات: ٨٧) . وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (الزمر: ٣) . وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ الآية (الاعراف: ١٥٢) . قال أبو قلابه: هي لكل مبتدع من هذه الأمة إلى يوم القيامة، وكل من كان أقرب إلى الشرك كان أقرب إلى الكذب كالرافضة الذين هم أكذب طوائف أهل الأهواء وأعظمهم شركا١. وينقسم الشرك إلى: أكبر وأصغر. فالأكبر مخرج من الملة- والأصغر لا يخرج من الملة٢. وقد مثل الشيخ للشرك الأصغر فقال: كيسير الرياء والحلف بغير الله

стр. 669

وقول هذا من الله ومنك وأنا بالله وبك وما لى إلا الله وأنت وأنا متوكل على الله وعليك ولولا أنت لم يكن كذا وكذا. قال الشيخ: وقد يكون هذا شركا أكبر بحسب حال قائله ومقصده١. ويمثل الشيخ للشرك الأكبر بطلب الحوائج من الموتى ودعائهم لذلك، والنذر لهم ليشفعوا عند الله لداعيهم والناذرلهم. ويقول الشيخ: عن هذا إنه الشرك الأكبر الذي بعث الله النبي محمدا ﷺ بالنهي عنه فكفر من لم يتب منه وقاتله وعاداه ثم يشير إلى ما ذكر في الإقناع عن الشيخ تقي الدين أن من دعا علي بن أبي طالب فهو كافر، وأن من شك في كفره فهو كافر. ويقول الشيخ: "فإذا كان هذا حال من شك في كفره مع عداوته له ومقته له فكيف بمن يعتقد أنه مسلم ولم يعاده؟ فكيف بمن أحبه؟ فكيف بمن جادل عنه وعن طريقته وتعذر أنا لا نقدر على التجارة أوطلب الرزق إلا بذلك٢. ويقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي- رحمه الله تعالى- في كتابه "القول السديد على مقاصد التوحيد": "حد الشرك الأكبر وتفسيره الذي يجمع أنواعه وأفراده أن يصرف العبد نوعا أو فردا من أفراد العبادة

стр. 670

لغير الله " فكل اعتقاد أو قول أو عمل ثبت أنه مأمور به من الشارع فصرفه لله وحده توحيد وإيمان وإخلاص وصرفه لغيره شرك وكفر، فعليك بهذا الضابط للشرك الأكبر الذي لا يشذ عنه شيء. كما أن حد الشرك الأصغر هو: كل وسيلة وذريعة يتطرق منها إلى الشرك الأكبر من الإرادات والأقوال والأفعال التي لم تبلغ رتبة العبادة، فعليك بهذين الضابطين للشرك الأكبر والأصغر، فإنه مما يعينك على فهم الأبواب السابقة واللاحقة من هذا الكتاب١٠ "يعني كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب". وفي كتاب التوحيد عقد الشيخ أبوابا كثيرة في بيان أشياء من أفراد الشرك بنوعيه الأكبر والأصغر مما ينافي التوحيد أو ينافي كماله وهي كما يلي: باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه٢. وباب ما جاء في الرقى والتمائم٣. وباب من تبرك بشجرة أوحجر ونحوهما٤. وباب ما جاء في الذبح لغير الله ٥.
следующие страницы →