وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَشْرَفَ عَلَى بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ قَالَ: "وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّكُمْ لَتَكْثُرُونَ عِنْدَ الْفَزَعِ وَتَقِلُّونَ عِنْدَ الطَّمَعِ " ١.
يَرْوِيهِ الْوَاقِدِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي حَبِيبَةَ عَنْ دَاوُدِ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ.
الفَزَعُ في كلامهم عَلَى وجْهَيْن أَحدهما بمعنى الرُّعب. يقالُ فَزِع الرجلُ إذَا رعب وأفزعته أي رعَّبْتُه. والآخر بمعنى النُّصَرة والإِنْجاد يُقال فزِعتُ إلى فُلانٍ أي التجأتُ إِلَيْهِ فأفزعَنِي أي نَصَرني ويقال أيضًا فزَعَني قَالَ الشاعر:
فقُلْتُ لَكَأْسٍ أَلجِميها فإنّما ... حَلَلْنا الكَثِيبَ مِنْ زَرودَ لنَفْزَعا ٢
أي لنغيث.
стр. 1020
ويُقالُ فَزِعَ الرَّجلُ من نَوْمه أي انتَبَه وأَفْزَعْته إذَا أَنْبَهْتَه. وَمنه الحَدِيثُ أن رَسُولَ الله ﷺ فَزِع من نَوْمه مُحمرًّا وَجْهُه ١.
وفي حديثٍ لَهُ آخر: "ألا أَفْزَعْتُموني" ٢ يريد ألا أنبهتموني.
стр. 1021
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: "سَلِ اللَّهَ الْهُدَى وَأَنْتَ تَعْنِي بِهُدَاكَ هِدَايَةَ الطُّرُقِ وَسَلِ اللَّهَ السَّدَادَ وَأَنْتَ تَعْنِي بِذَلِكَ سَدَادَ السَّهْمِ" ١.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا الزَّعْفَرَانِيُّ نا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى عَنْ عَلِيٍّ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: "وَأَنْتَ تَذْكُرُ ٢ مَكَانَ قَوْلِكَ وَأَنْتَ تعْنِي".
معنى هذا الكلام أنّ الرامي لا يَرْمي إلا بالسّهْم الَّذِي قد سُوِّي قِدْحُه وأُصْلِحَ رِيشُه وفُوقُه حتّى يَعْتَدل ويتسَدّد وأنّه مهما قَصّرَ عَنْ شيء من هذا لم يتسدَّد رَمْيُه ولم يَمْض نحو الغرض سَهْمُه فأُمِر الدَّاعي إذَا سأل الله السَّداد أن يُخْطِرَ بباله صِفَةَ هذا السَّهْم المُسَدَّد وأن يُحضرها لِذكْره ليكون ما يسْأل اللهَ منه عَلَى شكلِه ومِثاله وكذلك هذا المعنى في طلب الهُدى جعل هِدايةَ الطُرُق مثَلًا لَهُ إذْ كَانَ الهُداةُ لا يَجُورُون عَنِ القَصْد, ولا يَعْدِلُون عَنِ المحجَّة إنّما يَرْكَبُون الجادَّة ويَلْزَمُون نَهجَها. يَقُولُ فلْيَكُن ما تَؤُمُّه من الهُدى وتَسْلكُه من طرقه كذلك.
стр. 1022
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لا يَنَامُ وَلا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَ طَبَقَهَا أَحْرَقَ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ كُلَّ شَيْءٍ أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ وَاضِعٌ يَدَهُ لِمُسِيءِ اللَّيْلِ لِيَتُوبَ بِالنَّهَارِ وَلِمُسِيءِ النَّهَارِ لِيَتُوبَ بِاللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا" ١.
حَدَّثَنِيهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ نا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى نا جَرِيرٌ عَنِ الْعَلاءِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي مُوسَى.
قوله: يَخْفِضُ القِسْطَ ويرفَعُه يريد بالقِسْط والله أعلم الرِّزقَ الَّذِي هُوَ قسْطُ كلّ أحدٍ وقسْمُه من قُوتِه ومعاشه. فالخَفْضُ تَقْتِيرُهُ وتَضْيِيقُه. والرَّفْعُ بَسْطُه وتَوْسِعَتُه ٢ يُرِيدُ أنّه مُقدِّر الرّزْق وقاسِمُه عَلَى الحِكمة فيه والمصلحة في مقداره.
وفيه وَجْهٌ آخر وهو أن يكون أراد بالقِسْط الميزانَ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ٣ الآية وسُمّي الميزانُ قِسْطًا لأنّ القِسْطَ العَدْل وبالميزان يقَعُ العَدْلُ في القِسمَة فلذلك سُمِّي الميزانُ قسطا وإنما هذا مثل فيما يُدبِّرهُ من أمرِ الخَلْق ويُنْشِئُه من حكمه ويمضيه من
стр. 1023
مَشِيئَتِه فيهم يَرفعُ قَوْمًا ويضَعُ آخرِين وهو الخافِضُ الرافِعُ العَدْلُ الحكيمُ تَبارك الله ربُّ العالَمِينَ وسُبُحاتُ وَجْهه جَلاله ونُورُه هكذا فسّرُوهُ واللهُ أعلمُ بمعناه.
فأمّا اشتِقاقُه من اللُّغَة ١ فمن قولك سبَّحْتُ اللهَ أي نزّهْتُهُ من كُلّ عَيْبٍ وبرّأتُه من كل آفةٍ ونَقْص ويقال إنّ أصلَ التَسْبيح التّبعيد من قولك سَبَّحت في الأرض إذَا تباعدتَ فيها ومنه قوله تَعَالَى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ٢ قَالَ الأعشى:
أقُولُ لمّا جاءَني فَخرُهُ ... سُبْحانَ من عَلْقَمةَ الفَاخِر ٣
يَقُولُ مَا أبْعَدَ الفَخْرَ من عَلْقمة.
ومعْنى الكلام أَنَّهُ لم يُطِلْع الخلْقَ من جلال عَظمَته إلا عَلَى مِقْدار ما تُطِيقُه قُلوبُهم وتحتَمله قُواهم ولو أَطْلعَهم على كنه عظمته لانخلعت أَفْئِدتُهم وزهقَتْ أنْفُسهم ولو سَلَّط نُورَه عَلَى الأرض والجبال لاحْترقَتْ وذابت كقوله تَعَالَى في قِصّةِ مُوسَى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً﴾ ٤
وقوله: واضِعٌ يدَهُ لمُسيء النهار يُريدُ أَنَّهُ لا يعاجلُه بالعُقُوبة بل يُمْهلهُ ليَتُوبَ ويرجِع. يقال وضع فُلانٌ يَدَه عَنْ فُلانٍ أي كف عنه.
стр. 1024
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ هِنْدًا بِنْتَ عُتْبَةَ لَمَّا أَسْلَمَتْ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِجَدْيَيْنِ مَرْضُوفَيْنِ وَقَدٍّ ١.
يَرْوِيهِ الْوَاقِدِيُّ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْهُذَلِيُّ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ الْهُذَلِيِّ.
المَرضُوفُ والرّضيفُ من اللَّحم المَشْويّ عَلَى الرِّضاف وهي الحجارةُ تُوقَدُ عليها النّار حتى إذَا حَمِيت أَلْقَى عليها اللّحمَ لِيَنْشَوِي وهو الحَنِيذُ وأراد بالقَدّ سِقاءً صَغِيرًا من لَبَن. قَالَ ابنُ السِّكَّيت القَدُّ جِلْدُ السَّخْلةِ الماعزة يقال ما تَجعَل قدك إلى أديمك.
стр. 1025
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ نَعْلَهُ كَانَتْ مُعَقَّبَةً مُخَصَّرَةً مُلَسَّنَةً ١.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا أَبُو رَوْقٍ ٢ نا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نا هَمَّامٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ.
المُعقَّبَةُ التي لها عقِبٌ. والمُخصَّرة التي قد قُطِع خَصْراها. والملسَّنةُ يقالُ هي الّتي قد تُركَ لها لِسانٌ. ولِسانُها الهُنَيَّةُ الناتِئَة من مُقَدَّمِهَا. قَالَ الشاعر:
إليكَ امْتَطيْنا الحَضْرَميَّ المُلسَّنَا
وحكى بن ابنُ دُريْدٍ عَنْ يُونُس قَالَ: خَرْثَمةُ ٣ النَّعْل رأْسُها فإذا لم
стр. 1026
يكن لها خَرْثَمةٌ فهي لَسِنَة ومُلسَّنَة فإذا عَرُضَ رأسُها فهي المُخثَّمة وقال غيره إنّما هي الخِثْرمَةُ. والخِثْرمَةُ أيضًا الدائرة التي عند الأنف وسط الشفة العليا ورواه أبو عُبَيْد عَنِ الأحمر بالحاء غير معجمة ١
ومّما جاء في الحديث من نُعُوت أدَاته حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ فِضَّةً ٢.
وقَبِيعَةُ السَيْف وهي التي عَلَى رأس القائِم. ويُقالُ لها الثُّومَةُ أيضًا.
وفي حديث آخر أنَّ رَوُثةَ سيفِه كانت فِضَّةً ٣.
وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْعَلاءِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ قِمَاعُ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ وَرِقًا ٤.
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بن جناح نا إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ نا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْجُمَحِيُّ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ حَدَّثَنِي أَبُو الْبَخْتَرِيِّ وَهْبُ بْنُ وَهْبٍ عَنْ رِجَالٍ ذَكَرَهُمْ قالوا كان لرسول الله سَيْفٌ يُسَمَّى ذَا الْفَقَارِ وَآخَرُ يُقالُ لَهُ الْمِخْذَمُ وَآخَرُ يُقَالُ: لَهُ الرَّسُوبُ ٥.
المِخْذَمُ القَاطِعُ والخَذْمُ القطع. قال الشاعر:
стр. 1027
ولا يَأكُلُون اللّحْمَ إلا تَخذُّمَا
والرَّسُوبُ الماضي أُخِذَ مِن رُسُوب الشيء في الماء إذَا غاب فذهبَ سُفْلًا يُريد أَنَّهُ يَرْسُب في الضَّرِيبة فيغيب فيها قَالَ الهُذَليُّ يَصفُ سَيْفًا:
أبْيَضُ كالرَّجْع رَسُوبٌ إذَا ... ما ثاخ في مُحْتَفَلٍ يَخْتَلِي ١
وأراد بالرَّجْع الماء ومن هذا قول الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ ٢ أي ذات المَطَر وكان لبَعضِ الصَّحابَةِ سَيفٌ يُقال لَهُ المِرْسبُ ٣.
стр. 1028
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: "أحلوا لِلَّهِ يَغْفِرْ لَكُمْ " ١.
يَرْوِيهِ مُوسَى بْنُ دَاوُدَ الضَّبِّيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ عن عمير بن هانئ عَنْ أَبِي الْعَذْرَاءِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ ابْنُ ثَوْبَانَ أَحِلُّوا يُرِيدُ أَسْلِمُوا.
قَالَ أبو سُليمان: هكذا سِمعْتُه يُرْوَى بالحاء فإن كَانَ محفُوظًا فمعْناه الخُروجُ من خَطر الشِّركِ إلى حِلِّ الإسلام من قولهم أَحلَّ الرجلُ إذَا خرج من الحَرَم إلى الحِلِّ وأحَلَّ في يمينه إذا خرج من عُهْدَتِها بِبّر أو كفَّارة أو استِثْناء أو نحوها وكذلك أَحَلَّ في نَذْرِه قَالَ ذُو الرُّمّة:
أرشّتْ بها عَيْناك حتّى كأنّما ... تُحِلان من سفْح الدُّمُوع بها نذرا ٢
стр. 1029
وكُلُّ من خرج من حَظْرٍ إلى إباحة فهو مُحِلٌّ وكان عَبْد الله بْن الزُّبَير يُدْعَى المُحِلّ لاستباحته القِتالَ في الحَرَم. قَالَ الشاعرُ يُشَبِّبُ بابنة الزُبَيْر:
ألا مَنْ لِقَلْبٍ مُعَنًّى غَزِلْ ... بذِكْر المُحِلّةِ أُخْتِ المُحِلّ
وقد جاء في بعض الحديث: "مَنْ أحالَ دَخَلَ الجنَّة" ١.
أخبرني أبُو عُمَر أَخْبَرَنَا أبو العَبَّاس ثَعْلَب عَنِ ابن الأعْرابي قَالَ أحالَ يُريدُ أسْلَم. قَالَ أبو سُليمان وليس هذا من الإِحْلال هذا من الإحالة. يُقالُ أحالَ الرجُلُ إذَا تحوَّل من شيء إلى غيره يُريد والله أعلم الانْتِقالَ من دِينِ الكُفْر إلى مِلّةِ الإسلام.
وروى هذا الحديث محمد بْن إسماعيل البُخاريّ عَنْ محمد بْن المُثنّى. عَنْ موسى بْن داود بإسناده سَواء. فَقَالَ: "أَجِلُّوا اللهَ يَغْفرْ لكْم" ٢. بالجيم أي أَسْلِمُوا. والتّفسير مَوْصُولٌ بالحديث واللهُ أعلم أيّهُما الصَّحِيح. وقال بَعْضُ أصحابنا يُريدُ بقَوله: أَجِلُّوا اللهَ أي قولوا يا ذا الجلالِ أو آمنوا بالله ذِي الجلال وهذا كما رُوي: "ألِظُّوا بَيا ذا الجلال" ٣.
стр. 1030
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: "المؤمن مكفر " ١.
стр. 1031
حَدَّثَنَاهُ النَّجَّادُ أنا أَبُو قِلابَةَ الرَّقَاشِيُّ نا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ ثنا الْحَسَنُ بْنُ عُثْمَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ.
قوله: "المؤمن ١ مُكَفَّر" معناه أنَّهُ مُرَزَّأ في نفسه وأهْلِه وأنّهُ لا يزالُ يُنْكَبُ وتُصِيبُه المكاره فتكون كفّارةً لذنُوبِه.
سَلامٌ في الصّحِيفَةِ من لقيطٍ ... إلى مَنْ بالجزيرة من إيادِ
بأنَّ اللّيْثَ كِسْرَى قد أتاكُم ... فلا يَحْبِسْكُمُ سُوقُ النِّقَاد ١
وكقول بعض الأعْراب لابنه وقد بعث بِهِ إلى بعض الأمراء يستميحهُ:
إذَا جِئتَ الأميرَ فقُلْ سَلامٌ ... عليكَ ورحْمَةُ اللهِ الرَحِيم
وهكذا هُوَ في كلّ دُعَاء بخَيْر وبه نطق كتاب الله جل وعز فَقَالَ: ﴿سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ ٢ ﴿سَلامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ ٣. وقال في قصَّة إبراهيم: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ ٤. فأما الدُّعَاء بالشَّرّ فقد جَرتْ عادتُهم فيه بتقديم اسمِ المَدعُوِّ ٥ عَلَيْهِ غالبًا ٦ كقولك: عَلَيْهِ لَعْنَةُ الله وعليه غضَبُ الله. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ ٧. وقال في قصّة المُلاعَنةِ: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ٨ قال ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ ٩ وقال زُهَيْر بْن أَبِي سُلْمى:
تحمَّل أهْلُها عنها فبادوا ... عَلَى آثار ما ذهب العفاء ١٠
стр. 1037
ومِثْلُ هذا في الكلام كثير.
وفي التّسْليم لُغتان. يُقالُ سلامٌ عليْكم والسَّلامُ عليكم. وَوُقوعُ الألف واللامِ فيه بمعنى التَّفْخِيم.
أخبرني الرهني أخبرني ابن كيسان قَالَ: دُخول الألف واللام في الأَسماء عَلَى ثلاثة معانٍ للتّعريف والتَّجْنِيس والتَّعْظيم. فالتَعْريفُ كقْولك: الرجلُ والمرأةُ. والتَّجنيسُ. كقولك: الشَّاءُ خَيرٌ من الإبل والذَّهَبُ. خَيْرٌ من الفِضّة. والتّعظيمُ كقولك: حَسنُ بْن علي وعبّاس بْن عَبْد المطّلب. ثُمَّ تَقُول الحَسَن بْن عَليّ والعباس بن عبد المطلب.
فيه لغةٌ ثالثةٌ. قَالَ الفرَّاء تقولُ العربُ سِلْمٌ. بمعنى سَلام كما قَالُوا حِلّ وحلالٌ وحِرْمٌ وَحَرامٌ. قَالَ وأنشدني بَعْضُ العرب:
وقَفْنا فقُلْنا إِيهِ سِلْمًا فَسَلَّمَتْ ... كما انكلَّ بالبْرق الغَمامُ اللوَائحُ ١
وكانوا يستحسنون أن يقولوا في أوّل الكلام سَلامٌ عليك بمعنى التحيّة وفي آخره السَّلام عليك بمعْنى الوَدَاع الأَوّل كقَوْلِ ذِي الرُّمّة:
أمَنْزِلَتَيْ مَيٍّ سَلامٌ عليكما ... هل الأَزْمُن الَّلائي مَضْينَ رواجِعُ ٢
والآخر كقول جَرِير:
يا أُختَ ناجِيةَ السّلامُ عليكمُ ... قبْل الرَّحيل وقبل لَوْم العذَّل ٣
وقال الشافعيُّ: فيما رَوَى الرّبيعُ بْن سُليمان عَنْهُ في تسليم المُصَلّي: أقلُّ ما يكفي المُصَلّي من تسليمه أن يَقُولُ: السَّلامُ عليكم فإن نَقَص من هذا
стр. 1038
حَرفًا عاد فسلَّم. قَالَ أبو سليمان: فيُشبُه عَلَى هذا أن يكون السلامُ في مذهبه اسمًا من أسماء الله تَعَالَى فلذلك لم يَرَ حذف الألف والّلام جَائزًا.
ويَشَهْدُ لِذَلِكَ ١ حَدِيثٌ أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا بِشْرُ بْنُ رَافِعٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ السَّلامَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ فَأَفْشُوهُ بينكم" ٢.
стр. 1039
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِعَليٍّ: "أَنْتَ الذَّائِدُ عَنْ حَوْضِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَذُودُ عَنْهُ الرِّجَالَ كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الصَّادُ " ١.
يَرْوِيهِ سَعِيدُ بْنُ خُثَيْمٍ عَنْ حَرَامِ ٢ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي عَتِيقٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ٣.
البعير الصّادُ هُوَ الَّذِي بِهِ الصَّيَدُ وهو داءٌ يأخذ في الرأس لا يقدرُ من أجله أن يَلْوِيَ عُنقَه وبهيشبه ذُو الكِبْر فيقالُ رَجُلٌ أَصْيَدُ إذَا كَانَ من كِبْره لا يلتفِت إلى أحدٍ ويقالُ إنّه داءٌ يأخذ في العينين والشُؤُون ٤ يقالُ بَعِيرٌ أَصْيَدُ وبه صَيَدٌ كما يقال: أجيدُ وأغيدُ من الجيد والغيد
стр. 1040
وقال ابن السكيت الصَّادُ والصَّيَد داء يصيب الإبل في رؤوسها فيسيل من أنوفها مثلُ الزَّبَدِ وتسمو عند ذلك برؤوسها ١
وتقرير قوله: "بَعيرٌ صَادٌ" تقدير قوله: رَجُلٌ مَالٌ أي ذُو مالٍ وكبْشٌ صافٌ أي ذو صوفٍ ومثله يومٌ راحٌ ذو ريحٍ شديدة والأصل رائحٌ ويوم طانٌ أي كثير الطين وكما خَفَّفوا الحائجة فقالوا حاجة ٢ يقال صَادَ البَعيرُ يَصادُ كما قَالُوا عَار بَصرُهُ يعارُ ولغةُ أهل الحجاز صَيِدَ البَعير يَصْيَدُ وعَوِرَ يَعْوَرُ يُثْبتون الألف والياء فهو صايِدٌ بلا هَمْزٍ وعاوِرٌ.
قَالَ المبرّدُ كُلّ فعْلٍ من الثلاثة ممّا عَيْنه ياء أَوْ واو إذَا كانت معتلةً ساكنة نحو قَالَ يقُولُ وباعَ يَبيعُ وخافَ يخافُ وهابَ يُهابُ فإن موضعَ العيْن منه يُهْمَز نحو قائلٍ وخائفٍ وَبائع فإن صحَّت العَيْنُ من الفعل صحَّت من اسم الفاعِل نحو عور فهو عاوِرٌ وصيدَ البعيرُ فهو صايدٌ غدا ٣.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "طَلاقُ الأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ وَقَرْؤُهَا حَيْضَتَانِ " ١
حَدَّثَنَاهُ ابْنُ السَّمَّاكِ نا أَبُو قِلابَةَ الرُّقَاشِيُّ نا أَبُو عَاصِمٍ ثنا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُظَاهِرِ بْنِ أَسْلَمَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَ أَبُو عَاصِمٍ ثُمَّ لَقِيتُ مُظَاهِرًا فَحَدَّثَنِي بِهِ.
قوله: قَرْؤُها حيضتان أَصلُ القَرْءِ الوَقْتُ. قَالَ الأصمعيّ: يقالُ رجع فُلانٌ لِقَرْئه وقارئه أي رجَع لِوقْتِهِ المَعْلُوم قَالَ الشاعر:
كَرهْتُ العقْرَ عَقْرَ بَني شُلَيْلٍ ... إذَا هَبَّتْ لِقَارِئها الّرياحُ ٢
فالقَرءُ زمانُ العِدَّة ولذلك وقع هذا الاسمُ مُشْتَركًا بين الحيْض والطُّهْر لأنّهم إنّما اعتبروا وقت معاودتهما وكلاهما يتعاقبان عَلَى مَرِّ الأيّام لِميقَاتٍ مَعْلوم.
وقد يحتجُّ بهذا الحديث مَنْ يَرَى العِدَّة بالحيض ومن لا يَرَى الطَّلاق معتبرًا بالرجل إلا أنَّ أهْلَ الحديث يُضَعّفُونَه.
стр. 1044
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ قِبْطِيًّا يَتَحَدَّثُ إِلَى مَارِيَةَ فَأَمَرَ عَلِيًّا بِقَتْلِهِ قَالَ عَلِيٌّ: فَأَخَذْتُ السَّيْفَ وَذَهَبْتُ إِلَيْهِ فَلَمَّا رَآنِي رَقِيَ عَلَى شَجَرَةٍ فَرَفَعَتِ الرِّيحُ ثَوْبَهُ فَإِذَا هُوَ حَصُورٌ. فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﵇ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: "إِنَّمَا شِفَاءُ الْعَيِّ السُّؤَالُ" ١.
حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ نا ابْنُ أَبِي قُمَاشٍ نا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ نا الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ.
الحَصُور الَّذِي لا يأتي النساء وهو المْجبوُبُ في هذا الحديث سُمّي حَصُورًا لأنّه حُصِرَ عَنِ الجِماع أي حُبِس عَنْه ومُنِع منه جاء عَلَى وَزْن فَعُولٍ ومعناهُ مفعول كما قَالُوا شاةٌ حَلُوبٌ وفَرسٌ رَكوُبٌ
قَالَ الله تَعَالَى: في قصّة يحيى ﴿وَسَيِّداً وَحَصُوراً﴾ ٢.
قَالَ سفيان بْن عُيَيْنَة خُلِق يحيى من غير شَهْوة فجاء بغير شهوة يُريدُ أنّ خَلْقَه كَانَ آيةً من آيات الله لم يكُنْ عَنْ شهْوة بشريّة ألا تَراه يَقُولُ: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ ٣ الآية.
وقوله: شفاء العِيّ السُؤَالُ فإن العي هاهنا الجَهْلُ. يُقَالُ عَيَّ الرَجُلُ بأَمْرِه يَعْيَا عِيًّا إذَا لم يَهْتَدِ لَهُ قَالَ الشاعر:
عَيُّوا بأَمرهُم كما عيت ... ببيضتها الحمامه ٤
стр. 1045
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ أُخْتَ شَدَّادِ بْنِ قَيْسٍ بَعَثَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ عِنْدَ فِطْرِهِ وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَعَثْتُ بِهِ إِلَيْكَ مَرْثِيةً لَكَ مِنْ طُولِ النَّهَارِ وَشِدَّةِ الْحَرِّ ١.
حَدَّثَنِيهِ ابْنُ مَالِكٍ نا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ نا الْهَيْثَمُ نا الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ.
هكذا قَالَ مَرثِيةً والصّواب مَرثَاةً ٢. يقالُ: رثَيْتُ للحَيّ وهو أن يقع في مكروه فتوجعتُ لَهُ أرثي لَهُ رَثْيًا ومَرْثاةً ورثَيْتُ الميّتَ أرثيه مَرثيةً وهو أن تبكيه وتَذكُرَ محاسنَه.
أخبرني أَبُو رَجَاءٍ الْغَنَوِيُّ نا أَبِي حدثني أبو أيوب سليمان بْن أيوب قَالَ: قِيلَ للِكُمَيت لِمَ لم تَرْثِ أخاك فَقَالَ إنّ مرثيته لا ترد مرزيته.
стр. 1046
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "تَبَقَّه وَتَوَقَّهْ " ١.
حَدَّثَنَاهُ جَعْفَرٌ الْخُلْدِيُّ ٢ نا قَاسِمُ بْنُ محمد بن حماد نا أبو بلال الأَشْعريّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ وَبْرَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.
قوله: "تَبقَّهْ " يُريدُ استبقِ نَفْسك ولا تُعرّضْها للتَّلَف وتوقَّهْ أي تحَّرز من الآفات وتَباعَد من المَهالك والمعاطِب. وهذا خلافُ قول من يزعم أن
стр. 1047
التَّوكَّلَ إنّما هُوَ في الاستسلام وتَركِ الحَذَر والتَّوقّي ولا يرى أنّ للأمور عِلَلًا وأَسْبابًا قد تعبدّنا اللهُ بمراعاتها واستأثر بعلم الغيب فيها وقد مَرَّ النَّبِيّ ﷺ بهدفٍ مائلٍ فأسرع المَشْي وقال: "كَرِهْتُ مَوتَ الفَوات" ١.
وأخبرني العنبَريّ نا ابْنُ أَبِي قُمَاشٍ ثنا ابْنُ عائشة ثنا حَمّاد بْن سَلَمة عَنْ ثابت قَالَ قَالَ مُطرِّفُ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيِّرَ لَيْسَ ينبغي لأحدنا أن يَصْعدَ فوق بَيْتٍ فيتردَّى منه ثُمَّ يَقُولُ هكذا قضي عليّ ولكن يحتَرِز ويَحْتاطُ فإن أصابه شيء علم أنّه من قدَر الله تعالى.