حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ بَحْرِ بْنِ سَهْلٍ نا الْحَسَنُ بْنُ الْمُثَنَّى نا بِشْرُ بْنُ آدَمَ نا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ عَامِرٍ الأنصاري عن عتبة بن وديعة ١ عَنِ الشَّمُوسِ بِنْتِ النُّعْمَانِ.
قولُه: يُصْهِرُه إلى بَطْنه أي يُدْنِيه إلى بطنه ٢ رافعًا لَهُ إِلَيْهِ. وفيه لغتان يقال صَهَره وأصْهَرهُ بمعنى قَرَّبهُ وأَدْناه. ومِنْهُ مُصاهرَةُ النّكاح وهي المُواصَلة والمُقارَبة.
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً﴾ ٣. قَالَ: بَعضُ العُلماء أراد بالنَّسَب قرابة النَّسَب وبالصِّهْر قرابة النِّكاح. قَالَ: وَالصَّهْرُ في لُغَة العَرب بمعنى القرابة. يُقالُ: فُلانٌ مُصْهِرٌ ببني فُلانٍ إذَا قَاربَهُم في النّسب واحتجّ بقول زهيرٍ:
قَوْدُ الجياد وإصهار الملوك وصب ... ر في مواطن لو كانوا بها سَئِمُوا ٤
قَالَ: لم يُرِدْ ختُونَة الملوك إنما أراد القرابة منهم. ورواه بَعْضُهُم فيَهْصِرُه إلى بَطْنِهِ أي يَجْذِبُه.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أنا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قوله: "إنّ الكَرْم الرَّجلُ المُسْلُم" يُريدُ الكريم وقد يُنْعت الفاعل بالمصدر كقولهم رَجُل عَدْل ورجل صَوْم بمعنى صائم ونوم بمعنى نائم ١ وقد يُنْعَتُ بِهِ المفعول أيضًا كقولك رَجُل رِضًا وهذا دِرْهَمٌ ضَرْبُ الأَمِير.
وجاءني الخَلْقُ يُريد المخلوقين فإذا نَعتَّ الفاعلَ بالمصْدر كَانَ الواحِدُ والجَمِيعُ والمذكَّر والمُؤَنَّث فيه سَواء
يُقال رَجُلٌ كَرْمٌ وقَومٌ كَرْمٌ ٢ وامرأة كَرْم ونِساءٌ كَرْمٌ ٢ قَالَ الشَّاعر:
وأن يَعْرَينَ إنْ كُسِي الجَوارِي ... فتَنْبُو العَيْنُ عَنْ كَرْمٍ عجافِ ٣
أي عن نساء كرائم.
والمعْنَى في تَغْيَيره ﵇ هذا الاسْم إلى غيره أَنَّ الكَرْمَ عندهم اسمٌ مُشْتَقٌّ من الكَرَم واسمُهُ التَّلِيدُ عندهم إنّما هُوَ الجَفْنَة والحَبْلَةُ وهما أَصْلُ شجر الكَرْم قَالَ الأصمعي الحَبَلَة بفتح الباء وجوّز غَيرهُ الحبْلَة ساكنة الباء ٤ والأسْماء عَلَى ضَرْبيْن اسمٌ مُشتَقٌّ واسمٌ مَوضُوع وإنما لقَّبوه كَرْمًا لأَنَّ شارِبَ الخَمْر التّي تُتَّخذُ من عَصِيره يتعاطى الكَرْمَ إذَا شَرِبها كما سمَّوْها رَاحًا لأَنَّ شارِبها يَرْتاحُ لِلنَّدى وَيَنْبَسِطُ ٥ لِلجُود والسَّخاء وقد قال بعض الشعراء:
стр. 992
والكَرْمُ مُشْتقَّةُ المَعْنَى منَ الكَرَمِ ١
وقال آخرُ يَمْدَحُ رَجُلًا بمعاقَرَةِ الخَمْر ويَزْعمُ أنّها كَرَمٌ:
حُمَيْدُ الَّذِي أَمَجٌ دارُهُ ... أخُو الخَمْرِ ذُو الشَّيْبَةِ الأَصْلعُ
أتاهُ المَشِيبُ عَلَى شُربِها ... فكان كِريمًا فلم يَنْزع ٢
وقال حسّان بْن ثابت:
لا تنْفِري يا ناقُ منه فإنَّه ... شَرّابُ خَمْرٍ مِسْعَرٌ لِحُرُوبِ ٣
ومثل هذا في الشِّعْر كثير.
فرأى ﵇ أنّ في تَسْلِيم هذا الاسْم لَهُم تَقْرِيرَ المعْنَى الَّذِي تأوَّلُوه من الكَرمِ فيها وأَشْفقَ أن يكون حُسْنُ اسمِها يَدعُوهم إلى شُرْبِها ويُحَسِّنُ لهم تَناولَ المُحرَّم منها وفي النفُوس من الشَّغَف بها والمَيْل إليها ما لا حاجَةَ مَعَ ذَلِكَ إلى أن تُهزَّ وَتُحرَّكَ بالثناء عليها فلذلك رأى أن يَسْلُبَه هذا الاسْمَ وأَن يُسْقِطَه عَنْ رُتْبَة الكَرَم وجعَله اسْمًا لِلمُسلم الَّذِي يتَّقي شُرْبَها ويَرى الكَرَم في تَرْكِها وكُلُّ ذلك تأكيد لحرمة الخمر وتأبيد لها والله أعلم.
ونحو هذا حديث ابن عُمَر أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أنْ يُقال السَّلَم بمعْنى السلف,
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ وَصَفَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: "أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى ١ كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ" ٢.
حَدَّثَنَاهُ الأَصَمُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ نا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ نا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنْ نَافِعٍ عن ابن عمر.
стр. 995
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ كَانَ هذا الحديث عندي من الواضِح الَّذِي يُسْتَغْنَى بظاهره عَنْ تِفْسِيره. وقد بَقِيتُ زمانًا أحْسِبُه أراد بالعِنَبةِ الطَّافِية الحَبَّةَ من العِنَب تَطْفُو عَلَى مَتْن الماء وذلك لأَنَّ الحَدَقَةَ العَوْراء القائمةَ في المُقْلة النَّاتِئَة من أشبَهِ شيء بها حتّى أخبرني مُخبِرٌ عَنْ أَبِي عُمر صاحبِنا قَالَ سُئِل أبو العَبَّاس ثَعْلَبٌ عَنْ هذا القَوْل ١ فَقَالَ الطَّافيةُ: العِنَبةُ التي خرجَت عَنْ حدِّ نبْتَةِ أَخواتِها فَعَلَتْ ونَتَأَتْ وظهرَتْ. يُقال طَفَا الشّيءُ إذَا علا وظَهَر. ومنه الطَّافي من السَّمك. وأنشَد لبَعْضهم يَهجُو رجلًا ويَعِيبُه بالجَهْل والنَّزَق:
قُبِّحْتَ من سالفَةٍ ومن قفَا شَيْخٌ ... إذَا ما رَسَبَ القَوْمُ طفَا ٢
يُريدُ أنّ الحُلماء إذَا ترزّنُوا في مجالسهم طَفا هُوَ أي عَلا وظَهَر بجَهْله.
قَالَ وقال أبو العَبَّاس: رُوِي في حديث آخر من أَمرِ الدَّجّال: أَنَّهُ وُلِدَ مَقْبورًا ٣.
وذلك أنّ أُمَّهُ وضَعَتْه جِلْدةً مُصْمَتة فقالت القابِلَةُ هذه سِلعةٌ ٤ فقالت: بَل فيها وَلَد وهو مَقبورٌ فيها. وقد كَانَ يَنْقُزُ في بطني فشَقُّوا عَنْهُ فلما رأَى الدّنيا ومَسَّه الهَواء استَهلّ صارِخًا. قَالَ الأصمعيُّ الخِشْعَةُ: الوَلَدُ الَّذِي يُبْقَرُ عَنْهُ بطن أمه إذا ماتت وهو حي.
стр. 996
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا انْصَرَفُوا مِنْ بَدْرٍ إِلَى الْمَدِينَةِ اسْتَقْبَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ يُهَنِّئُونَهُمْ بِالْفَتْحِ وَيَسْأَلُونَهُمْ عَمَّنْ قُتِلَ فَقَالَ سَلامَةُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ وَقْشٍ ١: مَا قَتَلْنَا أَحَدًا بِهِ طُعْمٌ مَا قَتَلْنَا إِلا عَجَائِزَ صُلْعًا فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ الله وقال: "أولئك يا ابن سَلَمَةَ الْمَلأُ" ٢.
حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الشَّيْبَانِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّائِغُ نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عن ابن شهاب.
والملا الرُّؤساءُ والأَشْرافُ. يقالُ هَؤُلَاءِ ملأُ بني فُلانٍ أي ساداتهم. ومن هذا قولُ النَّبِيّ ﵇: "اللهمَّ عليك المَلأُ من قُرَيْش" ٣ يريدُ الرُّؤساءَ منهُم وهم المَلأُ بالقَصْر والهَمْز فأَمّا المَلا مقصورًا غير مهموز فالمُتَّسعُ من الأرض قَالَ الشاعر:
ألا غنِّياني وارْفَعا الصَّوْتَ بالمَلا ... فإنَّ المَلا عِنْدي يزيد المدى بعدا ٤
стр. 997
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ زِيَادَ بْنَ عِلاقَةَ قَالَ: كَانَ بَيْنَ رَجُلٍ مِنَّا وَرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ شَيْءٌ فَشَجَّهُ فَأَتَى النَّبِيَّ ﵇ فَقَالَ:
يَا خَيْرَ مَنْ يَمْشِي بِنَعْلٍ فَرْدِ ... أَوْهَبَهُ لِنَهْدَةٍ وَنَهْدِ
لا يُسْبَيَنَّ سَلَبِي وَجِلْدِي ١
فَقَالَ النَّبِيُّ ﵇: "لا" ٢.
حَدَّثَنَاه جَعْفَرُ بْنُ نُصَيْرٍ الْخُلْدِيُّ نا الْحَضْرَمِيُّ نا ابْنُ نُمَيْرٍ نا ابْنُ إِدْرِيسَ سمعت مسعرا يذكره عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلاقَةَ إِلا أَنَّهُ قَالَ:
أَوْهِبَةٍ لِنَهْدَةٍ وَنَهْدِ ٣
وَقَالَ: غَيْرُهُ أَوْهَبَهُ مِنَ الْهِبَةِ وَهُوَ أَصْوَبُ.
قَوله: بنَعْلٍ فرْد فيه وجْهان أحَدُهما أن يُجعَلَ الفَرْدُ من نعْت النَّعْل وذلك جائزٌ مَعَ سقوط هاء التأنيث لأَنَّ كُلّ اسْمٍ لَيْسَ فيه عَلم التأنيث فتذكيره جَائز كالسَّماء والأَرضِ والشَّمْسِ والنَّارِ والبِئْر والحَرْبِ ونحوِها.
أخبرني أبو عُمَر أنا ثَعْلب عن سَلَمَةَ عن الفَرَّاء قَالَ العَربُ: تجْتَرئ عَلَى تَذْكِير كلِّ مؤنَّث لَيْسَ فيها عَلَمُ التأنيث وأنشد:
فلا مُزْنَةٌ ودَقَتْ وَدْقَها ... ولا أَرْضَ أبْقَلَ إبْقَالَها
وأرادَ بالنَّعل الفَرْد السُّمُط ٤ التي لم تُخصف ولم تُطارَقْ. والعَربُ تمدحُ برِقّةِ النِّعال وتَجْعَلها من لِباسِ المُلُوك وزِيِّ أَهْلِ النِّعْمة قال النابغة:
стр. 998
رِقاقُ النِّعالِ طَيِّبٌ حُجزاتُهُم ... يُحيَّوْنَ بالرِّيحان يوْمَ السَّباسِب ١
والوَجْه الآخرُ أن يُجْعَل النَّعل مُضافةً إلى الفَرْد كأنّه قَالَ يا مَنْ هُوَ فَرْدٌ في النَّاس واحِدٌ لا نظِيرَ لَهُ عَلَى مذهب قَوْلِ الأعْشَى:
يا خَيْرَ مَن يركَبُ المَطيَّ ولا ... يَشْرَبُ يومًا بِكَفّ مَنْ بَخِلا ٢
يقولُ: إنّما تشرَبُ بِكَفِّك ولسْتَ بِبَخِيل ولُبْسُ النِّعَالِ من خَاصّ زِيِّ العرب وكذلك لُبْسُ العمائِم وكانت ٣ الفُرْسُ تَلْبَسُ الخِفافَ والقَلانِس. والنهْدُ الفَرسُ المُطهَّمُ والأُنْثَى نَهْدَةٌ وكُلَ ضَخْمٍ نَهْدٌ. قَالَ عُبَيْدُ بْنُ الأبْرص:
فذاك عَصْرٌ وقد أرَاني ... تَحْمِلُني نَهْدَةٌ سُرْحُوبُ ٤
والسُّرحُوبُ: الخفيفةُ. يُقال: فَرسٌ سُرْحُوبٌ. والسُّرْحُوبُ الطويلُ أيضًا.
وأخبرني الكُراني أنا عَبْد الله بْنُ شَبِيبٍ نا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى المِنْقَريّ سَمِعْتُ الأصمعيّ يَقُولُ سمعت بعض الأعْراب ٥ يَقُولُ, السُّرحُوبُ: ابنُ آوَى والسرعوب ابن عرس.
يَرْوِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَبِي عَوْنٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ لَهُ صُحْبَةٌ.
وَأَخْبَرَنَاهُ أَبُو بَكْرٍ الإِسْمَاعِيلِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَوْنٍ النَّسَوِيُّ نا يَعْقُوبُ ١ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ لِصُحْبَةٍ إِلا أَنَّهُ قَالَ وَيَنْطِقُ أَحْسَنَ الْمَنْطِقِ ٢.
قوله: يَضْحَكُ أَرادَ أَنَّهُ ينجلي عَنِ البَرْق كما يَفْترُّ الضَّاحِكُ عَنِ الثَّغْر وهو من كلام الاسْتِعارة. قَالَ الشّاعر:
إِذَا لاحَ بَرْقُ الغَور غَوْرِ تِهامَةٍ ... تَجدَّدَ من شَوْقٍ عليِّ ضُروبُ
فطَورًا تراه ضاحكًا في ابتسامةٍ ... وطَوْرًا تَراه قد عَلاه قُطوبُ
وهذا كقولهم: ضَحِكت الأَرَضُ إذَا أخرجَتْ نَباتَها وزَهرَتها. قَالَ ابن مُطَيْر:
كُلَّ يَومٍ بأُقْحُوانٍ جَديدٍ ... تَضْحَكُ الأَرْضُ من بكاء السَّماءِ
وقال الأعْشَى يَصْفُ رَوْضةً:
يُضاحِكُ الشَمْسَ منها كَوكبٌ شَرِقٌ ... مُؤزَّرٌ بعَميم النَبْت مُكْتَهِلُ ٣
جعل مُطالعةَ الشَّمْس نباتَها ومقابلته إياها مُضَاحكةً لأنّه إنّما يَنْمى بطلوعها عَلَيْهِ وتتفتّق أَنْوارهُ بما يؤثِّر فيه من حرِّها وقُوَّتها والكوكبُ معظم النبات.
стр. 1001
والشرق الريان الممتلئ. وفي نحو هذا قَولُهُم بَكتِ السَّماءُ وبكت السَّحابُ إذَا جادت بالمطر. قال الشاعريصف سحابًا:
إذَا ما هَبطْنَ الأَرْضَ قد ماتَ عُودُه ... بَكيْنَ لها حتى يَعِيش هَشِيمُ ١
ومثْلُ هذا كثيرٌ في الكلام والشِّعْر.
وأما قوله: يتحدّثُ أحْسنَ الحديث ففي الخَبَر أنّ حديثَه الرَّعْدُ وذلك أنّه شَبَّهه بالحديث من المتكلّم لأنه ينبئ عَنِ المطر ويُخبِر عَنْ وقوعه وقُرْب مجيئه فصار كالمُحدِّث بِهِ وهذا كقولهم نعْم المحدّثُ الدَّفتر وفي نحو من هذا قولُ نُصَيْبٍ:
فَعاجُوا فأَثْنَوا بالذي أنْت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب ٢
стр. 1002
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ أَذِنَ فِي قَطْعِ الْمَسَدِ وَالْقَائِمَتَيْنِ وَالْمِنْجَدَةَ ١.
حَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا الْحَسَنُ بْنِ زِيَادٍ السُّرِّيُّ ثنا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ حَدَّثَنِي كُثَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ.
هذا في الحرَم وشَجَره وإنّما أَذِن في قَطْعها لأنها تُرفِقُ المارَّة والمسافرين. ولا تَضُرّ بأُصول ٢ الشّجَر. والمَسَدُ: أصْله اللِّيفُ ولا أُراه عَنَى اللِّيفَ بعَيْنه خصوصا ٣ دُونَ غيره وإنّما هُوَ كُلُّ ما يُمْسَد بِهِ حبل من
стр. 1003
نباتٍ ولحاءِ شَجَر ونحوه. يُقالُ: مَسَدْتُ الحبْلَ إذَا أَجدْتَ فَتْلَه ورَجُلٌ مَمْسُودٌ إذَا كَانَ مَجْدُولَ الخَلْق وقد يكون المَسَدُ من جُلُودِ الإبل ومن اللِّيف ومن الخُوصِ قَالَ الراجز:
يا مَسَد الخُوصِ تعوَّذْ منّي ... إن تَكُ لَدْنًا ليّنًا فإنّي
ما شِئتَ منْ أشمط مُقْسَئِنّ ١
والمِنْجَدةُ يُقال إنها عصًا خَفِيفة يُساقُ بها الدَّوابّ ويَرْتَفِق بها المُسافرُ وهي أيضًا القَضِيبُ الَّذِي يكون مَعَ النَّجادِين يُصْلحُون بِهِ حَشْوَ الثِّياب ويجوزُ أن يكون أَرادَ بها العُودَ الَّذِي تُحْشَى بِهِ حَقِيبةُ الرَّحْل وأحْناؤْه لِيتَنَجَّد ويرتفع.
قَالَ ثَعْلَب: إنّما سُمِّي النَّجَّادُ نَجَّادًا لأنه يرفَعُ الثِّيابَ ويَزِيد فيها والنّجْدُ ما ارتفع من الأرض. وأنشد:
حتّى كأنّ بِلادَ القُفِّ أَلْبَسها ... من وَشْي عَبْقَر تَجِليلٌ وتنجيد ٢
يَرْوِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ ١ نا أَبُو حَازِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ رِفَاعَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ.
قوله: خَبُتَ هكذا يُروى بالتاء التي هي أُخت الطَّاء يُقالُ: رَجُل خَبِيتٌ وهو الفاسِدُ الرّديءُ كالخَبِيث سواء ٢ وليس هذا من الإخبات في شيء إنّما الإخباتُ من الخُشوع يُقالُ منه رجلٌ مُخبِتٌ. وقال اللحياني: رَجُل خَبِيتٌ نبيت أي خسيس حقير ٣.
قولُه: يُفْلعُ معناهُ يُشَقُّ. يُقَال: فَلعَ فُلانٌ رأسَ فُلانٍ إذَا شقَّه بحجر أو نحوه. وتَفلَّعَ الشيءُ إذَا تشقّق. والعِتْرَة يُقالُ إنها بقلة إذا قطعت خرج منها لبنٌ. وقال الأصمعيّ العِتْر نبت يَنْبُت مثل المرزَنْجُوش مُتفرّقًا. وأخبرني الرُّهَني عَنْ ثعْلَبٍ قَالَ العِتْرَة شجرة تنبت عند جِحَرة الضِّبَاب فتخرج الضَّبَّة فتتمرَّغ عليها فيقال في الذُلِّ إنّه لأذَلّ من عِتْرَة الضّبّ ورواه بعضُهم يُقْلَعُ رأسي بالقاف وهو تَصْحِيف وإنما يُفْلَعُ بالفاء لأنّ هذه اللَّفْظة بإزاءِ قوله: في الرّواية الأُخرى من هذا الحديث إنّي إن آتِهم بِهِ يُثْلَغُ رأسي كما تُثْلغُ الخُبْزَةُ. والثَّلْغُ: الهَشْمُ.
стр. 1011
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ هَوَازِنَ لَمَّا انْهَزَمُوا دَخَلُوا حِصْنَ ثَقِيفٍ فَتَآمَرُوا فَقَالُوا الرَّأْيُ أَنْ نُدْخِلَ فِي الْحِصْنِ مَا قَدَرْنَا عَلَيْهِ مِنْ فَاشِيَتِنَا وَأَنْ نبعث إلى مَا قَرُبَ مِنْ سَرْحِنَا وَخَيْلِنَا الْجَشَرَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّا لا نَأْمَنُ أَنْ يَأْتُوا بِضُبُورٍ ١ فِي قِصَّةٍ فِيهَا طُولٌ.
يَرْوِيهِ الْوَاقِدِيُّ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي عَاتِكَةَ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ.
الفاشِيَةُ ٢ الإِبِل والغَنَم السائمة المنتشرة في المرعى وسُمّيتْ فاشيةً لأنّها تَفْشُو أي تَظْهُر وتَنْتَشُر ومن هذا فشَا السِّرُّ.
وفي حديث آخر: "إذَا كَانَ اللَيْلُ فَضُمّوا فواشِيَكم" والخَيْل الجَشَرُ ما أُرسِل منها في الرُّطَب أيّامَ الرَّبيع قَالَ الأصمعيُّ يُقالُ مَالٌ جَشَرٌ إذَا كَانَ لا يأوِي إلى أهله وقال غيره الجَشَرُ بُقُولُ الربيع هذا الأصل فيه, فإذا قِيلَ جَشَرْنا الدّوابَّ كَانَ معناه أرسلْناها في الجَشَر. والضُّبُورُ الدّبابات الّتي تُقدَّمُ إلى أصول حِيطان الحُصُون واحدها ضبر.
стр. 1012
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَسِيرَةٍ إِلَى بَدْرٍ: أَنَّهُ مَضَى حَتَّى قَطَعَ الْخُيُوفَ وَجَعَلَهَا يَسَارًا ثُمَّ جَزِعَ الصُّفَيْرَاءَ ثُمَّ صَبَّ فِي دَقْرَانَ ١ حَتَّى أَفْتَقَ مِنَ الصَّدْمَتَيْنِ ٢.
يَرْوِيهِ الْوَاقِدِيُّ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ النُّعْمَانَ الْغِفَارِيُّ عَنْ أَبِيهِ.
الخُيُوفُ جمع خَيْفٍ. قَالَ الأصمعيُّ: هُوَ ما ارْتفَعَ عَنْ موضع المَسِيل وانحدر من غِلَظ الجَبَل. وجَزَع الصُفَيْرَاء أي قَطَعها عرْضًا ٣ ولا يكون الجَزْعُ بمعنى القَطْع إلا عَرْضًا ومنه جِزْعُ الوادِي. قَالَ الأصمعيّ هُوَ مُنْعَرجُه بحيث ينعَطِف. وأفتق مَعْناه خَرَج من مَضِيق الوَادِي إلى فتْقٍ من الأَرْض وهو ما انفرج واتَّسَع منها. ويُقالُ أفْتق السّحابُ إذَا انكشف انكشافةً فكانت منه فرجة بين السحابتَيْن. قَالَ ذو الرُّمَّة:
تُريكَ بَياضَ غُرَّتِها ووَجْهًا ... كقْرن الشَمْسِ أفْتق ثُمَّ زالا ٤
وأراد بالصَّدْمَتْين جانبي الوادي وسُمِّيتَا صَدْمَتيْن لأنّهما لضيق المسلك الَّذِي يَشُقُّهُمَا كأنّهما يتَصَادمان كالجَبَلَيْن المُتَقابلين يُسمَّيان الصَّدَفَيْن ٥ لأنهما يَتَصادفان ويتلاقَيان ويُقال لناحِيَة الوادي العدوة. قال الشاعر:
стр. 1013
سَقَى الإِلَه عُدُواتِ الوَادِي ... وجَوفَه كُلَّ مُلثٍ غَادِي ١
وفي قصّة بَدْرٍ من روايته أنّ رجُلًا من بني غِفارٍ قَالَ أقْبَلتُ وابنُ عَمٍّ لي حتى صَعَدْنا عَلَى حَبْلٍ ونحنُ مُشْرِكان ٢ عَلَى إحْدَى عُجْمَتي بدرٍ العُجْمَة الشامية ننتظر الوَقْعَة ٣.
الحَبْلُ من حِبال الرَّملِ وهو قطعة من الرَّمْل ضخمة ممتدة على وجه الأرْض. والعُجْمَةُ من الرَّمْل الجُمهورُ المُتراكم منه يُشرف عَلَى ما حوله.
стр. 1014
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا هَاجَتْ رِيحٌ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحًا وَلا تَجْعَلْهَا رِيحًا " ١.
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ السَّدُوسِيُّ ثنا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا أَبِي عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الرَّحِبِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قوله: "اجعَلْها رِياحًا" يريدُ اجْعَلْها لِقاحًا للسحاب, ولا تجعَلْها ريحا.
يُريدُ لا تجعلْها عَذابًا. والعرب تقول: لا تلقح السَّحاب إلا من ريَاحٍ. وقال الأصمعيُّ عَنْ بعض الأعراب إذَا كَثُرَت المُؤتَفِكَاتُ زَكَت الأرْضُ. وتَصديقُ هذا في كتاب الله وبَيانه ما ذكر ابنُ عباس.
حَدَّثَنَاهُ الأَصَمُّ نا الرَّبِيعُ ثنا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا مَنْ لا أتهم, نا العلاء
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَشْرَفَ عَلَى بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ قَالَ: "وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّكُمْ لَتَكْثُرُونَ عِنْدَ الْفَزَعِ وَتَقِلُّونَ عِنْدَ الطَّمَعِ " ١.
يَرْوِيهِ الْوَاقِدِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي حَبِيبَةَ عَنْ دَاوُدِ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ.
الفَزَعُ في كلامهم عَلَى وجْهَيْن أَحدهما بمعنى الرُّعب. يقالُ فَزِع الرجلُ إذَا رعب وأفزعته أي رعَّبْتُه. والآخر بمعنى النُّصَرة والإِنْجاد يُقال فزِعتُ إلى فُلانٍ أي التجأتُ إِلَيْهِ فأفزعَنِي أي نَصَرني ويقال أيضًا فزَعَني قَالَ الشاعر:
فقُلْتُ لَكَأْسٍ أَلجِميها فإنّما ... حَلَلْنا الكَثِيبَ مِنْ زَرودَ لنَفْزَعا ٢
أي لنغيث.
стр. 1020
ويُقالُ فَزِعَ الرَّجلُ من نَوْمه أي انتَبَه وأَفْزَعْته إذَا أَنْبَهْتَه. وَمنه الحَدِيثُ أن رَسُولَ الله ﷺ فَزِع من نَوْمه مُحمرًّا وَجْهُه ١.
وفي حديثٍ لَهُ آخر: "ألا أَفْزَعْتُموني" ٢ يريد ألا أنبهتموني.