ثَعْلَبَةُ ١ بْنُ عَبَّادٍ الْعَبْدِيُّ ثُمَّ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قوله: بأَزَزٍ يريد بجمع كثير ضاق عنهم المَسْجِد يقال الفضاء منهم أزز والبيتُ منهم أَزَزٌ إذا غَصَّ بهم وقال أبو النجم:
واجتمع الأَقْدام في ضَيْقٍ أزَزْ ٢
وفي غير هذه الرواية: فإذا المسجد يتأزَّزُ وهو يَتَفَعَّل من الأَزِيز تَمثيلًا له بأزِيزِ المرجَل وهو صَوتُ الغَلَيان وما أُراه محفوظًا
وقوله: يُؤزَلُونَ معناه يُقْحَطُون قَالَ الأصمعي الأَزْل الشِّدَّةُ يقال أَزَلَه يأْزِلُه أَزْلًا إذا ضَيَّق عليه قَالَ زُهَيْر:
وإن أَفْسد المالَ الجماعات والأزل ٣
стр. 180
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّهُ اهْتَمَّ لِلصَّلاةِ كَيْفَ يَجْمَعُ النَّاسَ لَهَا فَذُكِرَ لَهُ الْقُنْعُ فَلَمْ يُعْجِبْهُ ذَلِكَ ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ رُؤْيَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فِي الأَذَانِ"١
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ وَابْنُ دَاسَةَ قَالا ثنا أَبُو دَاوُدَ نا عَبَّادُ بْنُ مُوسَى الْخُتَّلِيُّ قَالَ أنا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ وَحَدِيثُ عَبَّادٍ أَتَمُّ قَالا نا هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ أَبِي عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنَ الأَنْصَارِ.
قَالَ أبو سليمان قد أكثرت السؤال عن هذا الحرف والنشدة له فلم أجد
стр. 181
فيه إلا دون ما يُقْنِع وقد ذكر في الحديث أَنَّه الشَّبُّور واختلفت الروايات فيه فَقَالَ ابن الأعرابي القُنْع وسمعتُه مرةً أخرى يقول القُنَع.
وأخبرني مُحَمَّدُ بْنُ الْمَكِّيِّ نا الصَّائِغُ نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ نا هُشَيم نا أبو بِشر أخبرني أبو عُمَير بن أنس أخبرني عُمومةٌ لي من الأنصار وذَكَر الحَدِيثَ فَقَالَ فيه القَتَع بالتاء التي هي أخت الطاء.
فأما القُنْع وتفسير الراوي أنه أراد الشَّبُّورَ فإنَّ الروايةَ إذا صَحَّتْ به أمكن أن يقال عَلَى بُعدٍ فيه إنَّما سُمِّي قُنْعًا لإقناع الصَّوت بِه وهو رَفْعُه قَالَ الراعي:
فإذا تعرَّضت المفازَةُ غادرت ... رَبِذًا يُبَغِّل خَلْفَها تَبْغِيلا
زَجِلَ الحُداءِ كأنَّ في حَيْزَومِه ... قضبا ومُقْنِعَةَ الحَنِين عَجُولًا ١
يريد الناقة ترفع صوتها بالحنين.
ورواه عُمارَةُ بن عَقِيل وَمقْنَعة الحَنِين بفتح النون وقال هي النَّأْيُ.
وفيه وجه آخر وهو أن يكون إنّما سمي قُنْعًا لأنه أُقْنِع أَطرافُه إلى داخله قَالَ الأصْمَعيُّ: المُقْنَع: الْفَمُ الَّذِي يكون عَطْفُ أسنانِه إلى داخل الفَمِ ويقال: إن الطَّبقَ الَّذِي يُؤكَل عليه الطَّعامُ إنما سُمِّي قُنْعًا لأنه تُقْنَع أَطرافُه إلى داخله.
وإن كانت الرِّواية القُبَع فالوجه في تَخْرِيجه وإن كان في البُعدِ مثلَ الأول أو أشَدّ أن يكون الشَّبُّورُ إنما سُمِّي قُبَعًا إما لأنه يَقْبَع فَا صاحِبِه: أي يُوارِيه إذا نَفَخ فيه يقال قَبَع الرجلُ رأسَه إذا أدخله في قميصه وقبع
стр. 182
وراء الجِدارِ إذا تَوَارَى أو لأنه قد ضَمَّ أطرافَه إلى داخله يقال قبعت لجراب والجُوالِقَ ونحوَه إذا ثَنيْتَ أطرافَه فجمعتَها إلى داخل وقد يُسَمَّى لشيء ذو القَعر قُبَاعًا أخبرني ابن الفارسي ١ أخبرني محمد بن خَلَف نا عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ حَدَّثَنِي عَبْد الله بن محمد الطّائيّ نا خالد بن سعيد قَالَ استعمل ابن الزّبير الحارثَ بن عَبْد الله بن أبي ربيعة المخزوميّ عَلَى البصرة فأتَوْه بمكيال لهم فَقَالَ إنَّ مِكيالكُم هذا لَقُباعٌ ٢ وهو ذو القَعْر فسُمِّي قُبَاعًا فَقَالَ أبو الأسود الدؤليُّ فيه:
أميرَ المؤمنين جُزِيتَ عنا ... أَرِحْنا من قُبَاعِ بَنِي المُغِيرَه ٣
وقال لي أَبُو عُمَر إنما هُوَ القَثَع بالثَّاء المثَلَّثة وهو البُوقُ وهذا عَلَى ما ذكره أَصَحُّ الوجوه ورواية سعيد بن منصور تشهد لذلك غَيرَ أَنِّي لم أسْمَعْ هذا الحرفَ من غيره
فأما القَتَع بالتاء فهو دود يكون في الخشب والواحدة قَتَعَةٌ
ومدار هذا الحديث عَلَى هُشَيْم وكان كثيرَ اللحن والتّحريف عَلَى جلالة مَحَلِّه في الحديث ﵀.
ويقال ضَفَزْتُ البعيرُ إذا علفْتَه الضَفائِزَ وهي اللُّقَمُ الكبِارُ واحدتها ضَفِيزَة وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِوَادِي ثَمُودَ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ بِوَادٍ مَلْعُونٍ مَنْ كَانَ اعْتَجَنَ بِمَائِهِ فَلْيَضْفِزْهُ بَعِيرَهُ" ١
وَأَخْبَرَنَا ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ الشَّيْبَانِيُّ نا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى نا خُنَيْسُ بْنُ بَكْرِ بْنِ خُنَيْسٍ ثنا سَوَّارُ بْنُ مُصْعَبٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي عَوْفٍ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ عَلِيٍّ عن فاطمة الكبرى عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِعَلِيٍّ: "أَلا إِنَّ قَوْمًا مِمَّنْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُحِبُّونَكَ يُضْفَزُونَ الإِسْلامَ ثُمَّ يَلْفِظُونَهُ ثُمَّ يُضْفَزُونَهُ ثُمَّ يَلْفِظُونَهُ ثَلاثًا يُقَالُ لَهُمُ الرَّافِضَةُ" ٢
قوله: يُضْفَزُونه معناه يُلقَّنونَه فيَلْفِظُونَه ولا يَقْبَلُونَه ويقال ضَفَزْتُ الفَرسَ لِجامَه إذا أدخلْتَه في فِيهِ
والضَّفْزُ أيضًا بمعنى الجِماع وهو قريب من الأول وفي بعض الكلام: ضَفَزْتُه النَّصِيحةَ فقاءها أي لم يَقبَلْها ٣ ولولا أَنَّ حقَّ السّماع الاتّباعُ لقُلتُ: إنَّه الصفير إلا أنَّ الصَّفِيرَ بالشَّفَتَيْن
وقد رُوِي في هذا الحديث أَنَّه نام حتى سُمِع فَخِيخُه وحتى سُمِع غَطِيطُه وهُما من الحَلْق إلا أَنَّ الفَخِيخَ أَخَفُّ من الغَطِيط ويُروى عن علي بن أبي طالب أنه كان يقول:
стр. 188
طُوبَى لمن كانت له مِزَخَّهْ ... يزخها ثُمَّ ينام الفَخَّهْ ١
وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا سُلَيْمَانُ بْنُ الأَشْعَثِ نا ابن المثنى نا ابن أبي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ .. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ٢ قَالَ: وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ أَوْ خَطِيطَهُ ٣ فَأَحَدُهُمَا قَرِيبٌ مِنَ الآخَرِ وَالْخاءُ وَالْغَيْنُ أُخْتَانِ في قرب المخرج
وكان مَعْصُومًا فِي نَوْمِهِ مِنَ الْحَدَثِ وَكَانَ يَقُولُ: "تَنَامُ عَيْنِي وَلا يَنَامُ قَلْبِي" ٤ وفي ذَلِكَ دليل عَلَى أنّ النَّومَ عَينَه لَيْس بحدث إذ لا فرق بين رَسُول الله وبين أُمَّتِه في الأحداث وإنما النَّومَ مَظِنَّةٌ للحَدَث لأن النائِمَ قد يُوجَد في الأغلب منه الحَدَثُ فَحُمِل عَلَى حكم الأحداثَ وحقيقة النوم هو الغَشْيَةُ الثَّقِيلَةُ التي تَهْجِم عَلَى القلب فتَقْطَعه عن معرفة الأمور الظاهرة والناعِسُ هُوَ الَّذِي رَهِقه ثِقلٌ قطعه عن معرفة الأحوال الباطنة وقد فَصَل الشاعرُ بينهما فَقَالَ:
وَسْنَانُ أقصده النُّعَاسُ فرَنَّقَتْ ... في عَيْنِه سِنَةٌ وليس بنائم ٥
قَالَ المُفَضَّل السِّنَةُ في الرَّأْسِ والنَّومُ في القَلْب قَالَ ومنه قَولُ الله تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ ٦
стр. 189
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَيْسَ لابْنِ آدَمَ حَقٌّ فِيمَا سِوَى هَذِهِ الْخِصَالِ بَيْتٍ يُكِنُّهُ وَثَوْبٍ يُوَارِي عَوْرَتَهُ وَجِرَفِ الْخُبْزِ وَالْمَاءِ" ١
حَدَّثَنِيهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا نا الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ ثنا أَبُو دَاوُدَ نا النَّضْرُ أنا الْحُرَيْثُ بْنُ السَّائِبِ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ حُمْرَانَ ٢ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ
وَرَوَاهُ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ حُرَيْثِ بْنِ السَّائِبِ فَقَالَ: "جِلَفُ الخُبْزِ وَالْمَاءِ".
قَوْلُهُ: جِرَفُ الْخُبْزِ: يُرِيدُ كِسَرَ الْخُبْزِ وَاحِدَتُهَا جِرْفَةٌ وَكَذَلِكَ الْجِلَفُ وَاحِدَتُهَا جِلْفَةٌ وَهِيَ قِطَعُ الْخُبْزِ الْيَابِسِ ٣ الَّذِي لَيْسَ بلَيِّنٍ وَلا مَأْدُومٍ قَالَ ابنُ الأعرابيّ: وهو مأخوذ من جرفتُ الشيءَ أجرِفُه إذا قَشَرْتَه ٤ ويقال جَرَفْتَه السَّنَةُ وجَلَفَتْه إذا أَذهبَتْ ماله ٥ قَالَ أبو عُبَيدة المُجَلَّف والمُعَصَّبُ هُوَ الَّذِي أَتى الدَّهرُ عَلَى ماله يقال جَلَّفَتْه السِّنُون وَعَصَّبَتْهُ ٦ السُّنُون إذا أكلتْ مالَه وقال غيره المُجَرَّفُ مَنْ بقى له شيء قليل والمجلف المستأصل الحوادثُ جَرَّفَتْني فلم أَرَ هالِكًا كابْنَي زيادِ هما رُمْحان خَطِّيَّانِ كانا من السُّمْر المُثَقَّفَةِ الصِعادِ وقال أبو عُبَيْدةَ يقال أتانا بخُبزٍ كِسَفٍ أي قِطَعٍ ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِنَ السَّمَاءِ﴾ قال واحدتها كسفة وقال رجل من طيءٍ يرثي الرَّبيعَ وعمارةَ ابني زياد العَبْسِيَّيْن ٧:
стр. 190
وإن تكن الحوادثُ جَرَّفَتْني ... فلم أَرَ هالِكًا كابْنَي زيادِ
هما رُمْحان خَطِّيَّانِ كانا ... من السُّمْر المُثَقَّفَةِ الصعاد ١
وقال أبو عبيد: يقال: أتانا بخبر كِسَفٍ: أي قِطَعٍ, ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِنَ السَّمَاءِ﴾ ٢ قال: ويقال أصابتهم جَلِيفَةٌ عظيمة إذا اجْتَلَفت أموالَهم ويُجمَع عَلَى الجَلائِف قَالَ الشاعر:
وإذا تَتَبَّعَتِ الجَلائِفُ مالَنا ... خُلِطَت صَحِيحَتُنَا إلى جَرْبَائِه ٣
ومنه قَولُ الفرزدق:
وعَضُّ زمانٍ يا بْنَ مَرْوان لم يَدَعْ ... من المال إلا مُسْحَتًا أو مُجُلَّفُ ٤
ويروى إلا مُسحَتٌ أو مُجَلَّف فمن روى إلا مُسحتًا بالنصب جعل معنى لم يدع لم يترك ورفع مجلف بإضمار كأنه قال أو هو مجلف ٥
قَالَ مِنْ أَسْلَمَ قَالَ لأَبِي بَكْرٍ: "سَلِمْنَا" ثُمَّ قَالَ: "مِمَّنْ" قَالَ مِنْ بَنِي سَهْمٍ قَالَ: "خَرَجَ سَهْمُكَ" ١
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدَوَيْهِ أنا ابْنُ الْجُنَيْدِ ثنا الحسين بن حريث ثنا أَوْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بن بريدة حدثني الحسين بن واقد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عن أبيه.
قوله: رد أَمْرُنَا فِيهِ قَوْلانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ سَهُلٌ أَمْرُنَا وَمِنْهُ قوله ﷺ : "الصَّوْمُ فِي الشِّتَاءِ الْغَنِيمَةُ الْبَارِدَةُ" ٢ ويقال عيش باردٌ أي ناعم سَهْل ومن هذا قولهم في الدعاء للمَيِّت اللهُمَّ بَرِّد عليه مَضْجَعَه وأَنشد الباهليُّ:
قليلة لحم النَّاظِرَيْن يَزِينُها ... شَبابٌ ومَخْفوضٌ من العيش باردُ ٣
والوجه الآخر أن يكون مَعْناه ثَبَتَ أمرُنا واستقام من قولهم بَرَد لي عَلَى فلان حَقٌّ أي وجب وثَبَتَ قَالَ الأصمعيّ ما بَرَد لَكَ عَلَى فلان شيء وكذلك ما ذابَ لك عليه شيءٌ ويقال إن أصحابك لا يبالون ما بردوا عليَكَ أي ما ثَبَتُوا عليك قَالَ الشاعر:
اليومَ يومٌ باردٌ سَمُومُه ... مَنْ جَزِع اليومَ فلا نَلُومُه ٤
أي ثابت سَمُومُه.
وفيه وجه آخر وهو أن يكون بَرَد بمعنى ضَعُفَ وفَتَر يريد به أمر
стр. 193
قُريش والخارِجِين في أثَره من الطَّلب يقال جدَّ فلان في الأمر ثُمَّ بَرد أي فَتَر واستَرْخَى قَالَ الراجز:
الأبيضان أَبرَدا عِظَامِي ... الفَثُّ والماءُ بلا إدامِ ١
ويقال: ضَرَبَه بالسّيف حتى بَرَد أي مات وسَكَن
وأخبرني أبو عُمَرَ أنا أَبُو الْعَبَّاسِ ثَعْلَبٌ عن ابن الأعرابي قَالَ سمعتُ أبا المكارم قَالَ كان مِنَّا فَتى يقال له في الحَيَّ عَلَق ٢ وكان عفيفَ الخَلْوةِ فجاءنا يومًا وهي في بيتها فَدخَل ٣ يتَحدَّثُ إليها فأسرع الخروج فقلنا له ما لك قَالَ منعني البَردُ قَالَ فدخلنا فإذا الجارية مَيِّتَةٌ ومن هذا حديث عمر بن الخطاب أنه شَرِب النّبيذَ بعد ما بَرَد غَلْيُه أي سكن وقد يجوز أن يكون النَّومُ إنما سُمِّيَ بَرْدًا لهذا المعنى ذَلِكَ لأنه يُرخي المفاصِلَ ويُسَكِّنُها وزعم بعضهم أنه إنما سُمِّي بَرْدًا لأنه يُبرِّد حرارةَ العطش ويسكِّنها.
وقوله: خَرجَ سَهمُك معناه الفَلْجُ والظَّفَر وأصله في الشيء يتداعاه الجَماعةُ فيستهمون عليه أي يُجيلون السِّهامُ فمن خرج سهمهُ منهم حَازَه دون أصحابه قَالَ الله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ ٤ وقال: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ ٥.
стр. 194
وفي الحديث من الفقه استحبابُ الفَأْلِ والتيَمّن بالاسْم الحَسَن وكان رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبّ الفأْل ويكره التَّطَيُّر ١
أخبرني أبو محمد الكُراني ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ نا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْمِنْقَرِيُّ نا الأصمعي قَالَ سُئِل ابنُ عَوْن عن الفأل فَقَالَ هُوَ أن يكون مَريضًا فيسمع يا سَالِم أو يكون باغيًا فيَسْمَع يا واجد
والفرق بين الفأل والطِّيَرة أَنَّ الفَألَ إنما هُوَ من طَريق حُسن الظَّنِّ بالله والطِّيَرَة إنما هي من طريق الاتّكال عَلَى شيء سِواه وفي هذه القِصة أَنَّ بُرَيْدَةَ أَسلَم ومعه سَبْعُون راكِبًا من أهل بيته ثُمَّ قَالَ الحمد لله إذا أَسلَمتْ بَنُو سَهْم طائِعين غير مُكْرَهِين ودعا لهم رَسُول الله فَقَالَ: "أسلَمُ سالَمها اللهُ" ٢ وذلك لأن إسلامهم كان سلما ععن غير حَرْب
وأما قوله: "غِفَارُ غَفَر اللهُ لها" ٣ فَنُرى -والله أعلم- أَنَّه إنّما خَصَّهم بالدُّعاء بالمغْفِرَة لمُبادرتهم إلى الإسلام وقد أَسلَم أبو ذَرٍّ في أول أَيّامِ رَسُول الله وهو بمكة غير ظاهر وَفِي قِصَّةِ إِسْلامِهِ أَنَّهُ قَالَ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ فَأَسْلَمْتُ فَرَأَيْتُ الاسْتِبْشَارَ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ: "مَنْ أَنْتَ" قُلْتُ أَنَا جُنْدَبٌ ٤ رَجُلٌ مِنْ غِفَارٍ فَكَأَنَّهُ ارْتَدَعَ وَوَدَّ أَنِّي كُنْتُ مِنْ غَيْرِ قَبِيلَتِي وَذَلِكَ لِمَا كَانُوا يُقْرَفُونَ ٥ بِهِ مِنَ الشَّرِّ وَكَانُوا يَسْتَحِلُّونَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ
стр. 195
وَيَسْرِقُونَ الْحَجِيجَ فَيُشْبه أن يكون والله أعلم إنما دعا لهم بالمَغْفِرة ليمحوَ تلك السُّبَّةَ ويُزِيلَها عنهم ثُمَّ حَسُنَ بَلاءُ هاتَين القبيلتين في الإسلام.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى نا الصَّائِغُ نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُلَيْحٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ وَيُقَالُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ مِنْ أَسْلَمَ أَرْبَعُ مِائَةٍ وَمِنْ غِفَارٍ مِثْلُ ذَلِكَ.
стр. 196
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ ضَحَّى بِكَبْشٍ أَدْغَمَ ١
مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ ثنا مُحَمَّدُ ٢ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رِزْمَةَ ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ نا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ يُونُسَ بْنِ مَيْسَرَةَ بْنِ حَلْبَسٍ الْجِيلانِيِّ ٣ عَنْ أَبِي سَعْدٍ الزُّرَقِيِّ ٤
الأَدْغَمُ مِنَ الْكِبَاشِ مَا اسْوَدَّتْ أَرْنَبَتُهُ وَمَا تَحْتَ حَنَكِهِ والدُّغْمَةُ السَّواد ويقال إنه إنَّما سُمِّي أدغم لأنه أدغم في السَّوادِ أي أُدخِل ومنه إدغام الحُروفِ قَالَ الهُذَليّ:
بمقربات بأيديهم أعنتها ... خوض إذا فَزِعوا أُدْغِمْن في اللُّجُمِ
أي أدخلن.
стр. 197
وقال أبو زيد إذا اسودَّت نخرة الشاة وحكمتها فهي دغْماء ١ فإن اسودَّ رأْسُها فهي رأساء فإن أبيضٌ رأسُها من بين جَسَدِها فهي رَخْماء ومُرخَّمَة فإن اسودَّت العُنُق فهي دَرْعاء فإن كان بعُرضِ عُنُقِها سَوادٌ فهي لعطاء.
стр. 198
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ " ١
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَدِيٍّ نا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ ثنا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ نا هَمَّامٌ ثنا أَبُو حَمْزَةَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ عَفَّانُ وَكَانَ حَدَّثَنَاهُ هَمَّامٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ إِنَّمَا هُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عِمَارَةَ بْنِ رُوَيْبَةَ.
البَرْدان الغَداةُ والعَشِيُّ وهما الأبردان قَالَ الشَّمَّاخ:
إذا الأَرْطَى تَوسَّد أَبْرَدَيْه ... خدود جوازئ بالرَّمْلِ عِينِ ٢
وإنما قيل أَبردان لِطِيب الهَواء وبَرْدِه في هذين الوَقْتَين.
وأنشدني أبو رَجَاء الغَنَوِيّ أنشدنا أبو العباس ثَعْلَب:
فلا الظِّلُّ من بَرْدِ الضُحَى نَسْتَطِيعُه ... ولا الفَيْءُ من برد العَشِي نَذُوقُ ٣
قَالَ: وقال أبو العباس: أُخْبِرتُ عن أبي عُبَيْدة قَالَ: قَالَ رُؤْبَةُ كُلُّ ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فَيْء وظِلٌّ وما لم تكن عليه الشمس فهو ظل.
стр. 199
فَأَمَّا حَدِيثُهُ الآخَرُ أَنَّهُ قَالَ: "إذا اشْتَدَّ الحَرُّ فأَبرِدوا بالصّلاة" ١ فليس هذا من بَرْدَي النهار ولا من الجائز تأخير الظُّهر إلى ذَلِكَ الوقت وإنما الإبراد انكسار وهَج الشمس بعد الزوال وسُمِّي ذَلِكَ إبرادًا لأنه بالإضافة إلى حَرِّ الهاجرة بَرْدٌ وقد روينا هذا التّفسيرَ عن محمد بن كعب القُرَظِيّ
حَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِسْكِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادٍ نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ الْمُقَوَّمُ نا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو نا أَفْلَحُ ٢ بْنُ سَعِيدٍ شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ قُبَاءٍ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: "أَبْرِدُوا بِالصَّلاةِ" قَالَ كلام العرب إذا كان القَومُ في السَّفر فزالت الشَّمسُ وهَبَّت الأَرْوَاح تَنادَوْا أَبْردتُم فالرَّواح
قَالَ وكان يُعَدُّ إبرادًا حين تزول الشّمسُ.
وَأَمَّا حَدِيثُهُ الآخَرُ أَنَّهُ قَالَ: "حَافِظْ عَلَى الْعَصْرَيْنِ" ٣
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ نا أَبُو دَاوُدَ نا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ نا خَالِدٌ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَضَالَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "حَافِظْ عَلَى الْعَصْرَيْنِ".
وَمَا كَانَتْ مِنْ لُغَتِنَا فَقُلْتُ وَمَا الْعَصْرَانِ؟ قَالَ: "صَلاةٌ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلاةٌ قَبْلَ غُرُوبِهَا".
فإن العَصْرَيْن عند العرب الغَدَاةُ والعَشِيِّ قَالَ حُمَيْد بنُ ثَوْر:
ولن يَلْبَثَ العَصْران يَومٌ ولَيْلَةٌ ... إذا طَلَبا أن يُدْرِكَا ما تَيَمَّمَا ٤
فجعلهما يومًا وليلةٍ.
стр. 200
وقال آخر:
أُمَاطِلُه العَصْرَيْن كيما يَملَّني ... ويرضى بِنصف الدَّينِ والأَنفُ راغم ١
وقد ذهب بعضُ أهلِ اللغة في العَصْرَيْن إلى مجاز تَغْليبِ أحدِ الاسمين عَلَى الآخر كقولهم الأسودان للتَّمرْ والماء وسِيرَةُ العُمَريْن يريدون أبا بكر وعُمَر وهو عند أصحاب المعاني عَلَى حقيقة الاسم والوضع في كل واحد منهما كالبَرْدَين والجَديدَيْن وما أشْبَهَهُما من مُثَنَّى الأَسماء
ويقال والله أعلم إن صلاة العَشِيّ ٢ إنما سُمِّي عصرًا لأن مَدَى وَقْتِها يُقارِب غُروبَ الشمس من قولهم أعصَرت الجاريةُ إذا قاربت الإدراكَ وجارية مُعْصِرٌ قَالَ الشاعر:
جارية بسَفْوان دَارُها ... قد أَعْصَرَتْ أو قد دنا إعصارها ٣
وكذلك هذا المعنى في تسمية صلاة الفجر عَصْرًا وذلك أن الوقت الَّذِي تُصَلَّى فيه قد يمتد إلى طلوع الشمس أو يُقارِبه وقد روي عن النَّبِيّ ﷺ في قوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ ٤ أنه قَالَ: "أَلا وهي العَصْرُ" ٥ وذهب عبد الله بن عمر وابن عباس وعطاء وطاووس في تأويلها إلى أنها صلاة الفجر وتابعهم عَلَى ذَلِكَ من فقهاء الأمصار الشّافعيُّ ولا أراهم توهموه إلا معنى الخبر وهو قوله: "أَلا وهي العَصْرُ" عَلَى أن ضَربًا من الاستنباط قد يشهد لمذهبهم وذلك أَنَّ صَلاةَ الفجر واسِطَةٌ
стр. 201
بين صلاتين قبلها تُجْمَعَان في السفر وهما المغرب والعشاء وبين صلاتين بعدها وتجمعان كذلك وهما الظُّهر والعَصْر وصلاة الفجر لا تُجمَع إليها صلاة فهي واسطة بين الصَّلَوات الخمس.
стр. 202
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ الْقِثَّاءَ أَوِ الْقَثَدَ بِالْمُجَاجِ "١
حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ فراس نا جعفر السُّوسِيُّ نا أَبُو بَكْرٍ الأَدَمِيُّ ٢ نا شَاذُ بْنُ فَيَّاضٍ نا عَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ
المُجاج فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدُ شَيْئَيْنِ إِمَّا الْعَسَلُ أَوِ اللَّبَنُ ويُسَمّى العَسَلُ مُجاجًا لأن النَّحلَ يَمُجُّها وكذلك اللبن إنما يُسَمَّى مُجَاجًا لأَنَّ الضَّرْع يَمُجُّه عند الحَلْب وكُلُّ ما تَحَلَّب من شيءٍ فهو مُجاجُه ولذلك قيل للريق مُجاجٌ قَالَ طرفة:
شَهِيَّةُ طَعْم الرِّيق يجري سِواكُها ... عَلَى بَرَدٍ عذب المُجاجَةِ أَشْنَب ٣
وقال آخر:
وماءٍ قَدِيمِ العَهْدِ أَجْنٍ كأنَّه ... مُجاجُ دَبى لاقى بهاجرةٍ دَبَى ٤
وللجراد لُعابٌ يسيل من أفواهها. قَالَ أبو ثَروان العُكْلِيُّ في كلام له أقويتُ فلم أَطْعَم ثلاثًا إلا لَثا الإِذخِر ومُجاجَةَ صَمْغ الشَّجَر أي ما يتحلب من الصمغ
стр. 203
وخُبزُ مُجَاجًا خُبزُ الذُّرة يُفَتُّ فيُروَّى بالَّلبن ثُمَّ يُؤكلُ ولذلك يقول قائلُهم:
أَطْيبُ شيءٍ باليَمَنْ ... خُبزُ مُجاجَا بالّلبن
стр. 204
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّهُ ذَكَرَ قِصَّةَ مُوسَى مَعَ الْخَضِرِ وَأَنَّهُمَا لَمَّا رَكِبَا السَّفِينَةَ حَمَلُوهُمْ بِغَيْرِ نَوْلٍ "١
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا بِشْرٌ نا الْحُمَيْدِيُّ نا سُفْيَانُ نا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ حَدَّثَنِي سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ
قوله: بغير نَوْل يريد بغير جُعْلٍ والنَّوْلُ والنَّالُ المَنالةُ وأما النَّيْلُ والنَّوال فإنهما العطاء ابتداءً يقال رجل نَالٌ إذا كان كثيرَ النَّوال ورجلان نالان وقوم أَنوالٌ كما قَالُوا رجلٌ مالٌ أي كثيرُ المال وكبشٌ صافٌ كثيرُ الصُّوف ويقال نُلتُ الرَّجلَ أَنُولُه نَوْلًا ونِلْتُ الشيءَ أَنالُه نيلا.
ورواه سفيان عن الزهري فقال: وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ فِي حُجْرَتِهَا لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ بَعْدُ ١ حَدَّثُونَا بِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ بِإِسْنَادِهِ
وقال محمد بن إسحاق: لم يَظْهر أي لم يَغِلب الفَيْءُ عَلَى الشّمس في حجرتها وليس هذا عندي بالوَجْه لأن الفَيْءَ وَقْتَ العَصْر في الأبنية لا محالةَ أَغلبُ من الشمس وإنما معناه لم يصعد الفَيْءُ بعد إلى أعالي الحيطان
فأما قَولُه: إنه كان يُصَلِّي والشَّمسُ حَيَّةٌ ٢ فإِنَّ حَياتَها صَفاءُ لونِها قبل أن تَصْفَرَّ أو تَتغَيَّر قَالَ ذو الرُّمَّة:
يُرِيك نُجومَ الَّليل والشمسُ حيَّةٌ ... زِحامٌ ببابِ الحارِثِ بنِ عُبادِ ٣
وقوله: بَوَادِرُ تَحمِي صَفْوَهُ أَنْ يُكَدَّرَا فإنها جمع بادِرَة وهي الكلمة تكون من الإنسان في حال الغضب. يقول إنَّ الحليمَ إذا لم تكن منه بادرةٌ يَقمَع بها السَّفِيهَ استُضْعِف واستُذِلَ كقول الشاعر:
إذا أنتَ لم تَخْشِفُ مع الحِلْمِ خَشْفَةً ... من الجَهْلِ لم يَعْزِز أَخٌ أنتَ ناصِرُه
وقوله: لا يَفْضُضِ اللهُ فَاكَ أَخْبَرَنِي أَبُو عُمَرَ أنا أَبُو العباس ثَعْلب عن ابن الأعرابي قَالَ معناه لا يكسِر اللهُ أسنانَك التي في فيك ثُمَّ حُذِف لعلم المخاطب كما يقال يا خَيلَ الله اركبي أي يا رُكَّابَ خيل الله ومثل هذا في الاختصار قوله: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ ٤ أي حب
стр. 208
العجل وقال: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ١ أي: أهلَ القَريَة: وأنشدنا أبو عُمَر ٢:
حَسِبتَ بُغامَ راحِلَتِي عَنَاقًا ... وما هيَ وَيْبَ غَيرِك بالعَناقِ ٣
يريد بُغَامَ عَناقٍ
وفيه لغتان لا يَفْضُضِ اللهُ فاك ولا يُفضِ اللهُ فَاكَ فَمنَ قَالَ يَفْضُض فمعناه يكسر ويَفُلُّ ومن قَالَ يُفْضِي أَراد لا يجعل الله فَاكَ فَضاءً لا سِنّ فيه والبَرَد المُنْهَلُّ هُوَ الَّذِي سَقط لوقْتِه وفيه بَيَاضُه ورونَقُه يقال هَلَّ السَّماءُ بالمَطرِ هَلا وانهل انهلالا وهو شِدَّة انْصبابه
وقوله: تَرِفُّ غُروبهُ معناه تَبرُق وتَلأْلأُ يقال رفَّ الثَّغْرُ يَرفُّ قَالَ عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
يَرِفّ إذا تَفْتَرُّ عنه كأنّه ... حَصَا بَرَدٍ أو أُقْحوانٌ مُنَوَّرُ ٤
وقال نَصْرُ بنُ حَجَّاج وقد حَلَقَه عُمرُ بن الخطاب:
فَصَلَّع رأْسًا لم يُصَلِّعْه رَبُّه ... يَرِفُّ رفيفًا بعد أسودَ جاثلِ ٥
وغُروبُه ماؤُهُ وأشره قال المرؤ القيس:
فتور القيام قطيع الكلا ... م تَفْتَرُّ عن ذي غُرُوبٍ خَصِرْ ٦
وقوله: فَغَرت يُرِيد طَلَعت ويقال فَغَر الوردُ إذا تَفَتَّق ومنه فغر
стр. 209
الفم وهو فَتْحُه ويجوز أن يكون ثغَرتْ أي طَلَع ثَغْرُه والفاءُ تُبدَل من الثّاء في لغة كثير من العرب كقولهم جَدَثٌ وجَدَفٌ وثُومٌ وفُومٌ.
стр. 210
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ صَلَّى فَجَاءَ رَجُلٌ وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ فَلَمَّا قَضَى صَلاتَهُ قَالَ: "أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ" فَأَرَمَّ الْقَوْمُ وَيُرْوَى فَأَزَمَّ الْقَوْمُ ١
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا عَيَّاشُ بْنُ تَمِيمٍ السُّكَّرِيُّ نا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ نا ثَابِتٌ وَقَتَادَةُ وَحُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ
قوله: حَفَزَه: أي جَهَده النَّفَس وعَلاه البُهر وأصل الحَفْز الحَثُّ والاستِعْجالُ يقال احْتَفَزتُ للأمر إذا انزعَجْتَ له قَالَ الشاعر:
وقد أَغدُو غَداةَ الرَّوْع هَشًّا ... بمُنكَفِت الثَّمِيلَة ذي احتَفازِ
وقوله: فأَرمَّ القومُ معناه سَكَتُوا ولم يُجيبوا يقال للساكت المُطرِق مُرِمٌّ قَالَ ذو الرُّمَّة:
مُرِمِّين من لَيْثٍ عليه مهابَةٌ ... تَفَادى الأُسُودُ الغُلبُ منه تَفادِيًا ٢
وقال آخر:
يَردْنَ واللَّيلُ مُرِمٌّ طائِره ... مُرْخى رِواقَاهُ هُجُودٌ سامِرُهْ ٣
فأما قولُه: أَزَمَ فمعناه راجع إلى الأول والأَزْمُ: الإمساك عن الكلام وعن الطعام ولذلك سُمّيَت الحمْية أَزْما وقيل للحارث بن كَلَدة ما الطِّبُّ؟
стр. 211
قَالَ الأزم يريد الحِمْيَة ويقال إن الأصلَ في الأزم العَضّ وذلك أن العَاضَّ عَلَى الشّيء يَشُدّ أحد لِحْيَيه عَلَى الآخر فَشُبِّه المُمْسِك عن الطعام به
فَأَمَّا الْحَدِيثُ الآخَرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلا الْقُرْآنَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَهُوَ زَامٌّ لا يتكلم ١
فمعناه أنه رافع رأسه لا يُقْبِل عليه ولا يستِمع إليه يقال حَمَل الذِّئبُ السّخْلَةَ زامًّا بها أي رافِعًا بها رأسه.
وضرب الكلبَ مثلا إذْ كان من طَبْعه أن يَهِرّ دون أهله ويَذُبَّ عنهم
وقوله: لَيْسَت لهما بِعَدْل أي بِمِثْل قَالَ الفَرّاء ما كان من جِنْس الشيء فهو عِدْلُه وما كان من غيرِ جِنْسِه فهو عَدْله يقال عندي عِدْل غُلامِك أي عندي غُلامٌ مِثلُه وعَدْل غُلامِك أي قيمته من الدراهم والدَّنانِير.
стр. 214
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ عَادَ سَعْدًا فَوَصَفَ لَهُ الْوَجِيئَةَ ١.
حَدَّثَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ نا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ سَعْدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَادَهُ فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ وَقَالَ: "إِنَّكَ رَجُلٌ مَفْئُودٌ فَأْتِ الْحَارِثَ بْنَ كَلْدَةَ أَخَا ثَقِيفٍ فَإِنَّهُ يَتَطَبَّبُ فَلْيَأْخُذْ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِنْ عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ فَلْيَجَأْهُنَّ ثُمَّ لِيَلُدَّكَ بِهِنَّ"
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَةَ رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ وَصَفَ لَهُ الْفَرِيقَةَ.
قوله: فَلْيَجأْهُنَّ الوَجيئَةُ التّمرُ يُبَلّ بلبَن أو سَمْن حتى يلزَمَ بعضُه بعضا ويؤكل واللدود كلّ ما يوجَرُه الإنسان من أَحدِ شِقَّيه ومنه قيل لجانبي الوادي اللَّدِيدان يقال لَدَّه لدًّا ولَدُودًا والاسم اللِّداد ويُجمَع أَلِدَّة قَالَ ابن أحمر:
شَرِبْتُ الشُّكَاعَى والتَدَدتُ أَلِدَّةً ... وأَقْبلتُ أَفواهَ العُروقَ المكاوِيَا ٢
والفَرِيقَةُ نَحوٌ من الوَجيئة قال ذو الرمة ٣:
стр. 215
ولقد وردتَ الماءَ لونُ جمامِه ... لون الفريقة صفيت للمُدْنَفِ
وقوله: مَفْئُود يريد أنه أُصيبَ بداءٍ في فؤاده يقال منه فُئِد الرَّجلُ إذا أُصيبَ فُؤادُه وصُدِر إذا أُصِيبَ صَدرُه ومنه المَثَل لا بد للمَصْدُور من أَنْ يَنْفِثَ ١ ومثلُه جُنِب وبُطِن فهو مَجْنُوبٌ ومَبْطون قَالَ الشاعر:
إذا ضَرَبتَ موُقَرًا فابطُنْ لَهْ ... بَيْنَ قُصَيْراه وبَيْن الجُلَّهْ ٢
وزعم بعضهم أن الفؤادَ غِشاءُ القلب وأن القَلْبَ حَبَّتُه وسُوَيْداؤه وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَلْيَنُ قُلُوبًا وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً" ٣
فَأَمَّا الْحَدِيثُ الآخَرُ: أَنَّ فَتًى مِنَ الأَنْصَارِ دَخَلَتْهُ خَشْيَةٌ مِنَ النَّارِ فَحَبَسَتْهُ فِي الْبَيْتِ حَتَّى مَاتَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ الْفَرَقَ مِنَ النَّارِ فَلَذَ كَبِدَهُ" ٤
فإنه يريد أنَّ الخَوفَ قد خَلَع كَبِدَه وقَطَعَها والفِلْذَةُ القِطْعَةُ منها ويقال فَلَذ له من العَطاءِ أي قَطَع له قَالَ الشاعر, وهو كُثَيِّر ٥:
إذا المالُ لم يوُجِبْ عليك عَطاءَه ... صَنيِعَةُ تَقْوَى أو صديق توامقه