وكذلك رَوَاهُ أَبُو عُبَيْد فِي كِتَابِهِ وفسره, فقال: أما الخُبْث فإنه يعني الشر، وأما الخبائث فإنها الشياطين.
قال أبو سليمان: وإنما هو الخُبُث مضمومة الباء جمع خبيث.
فأما الخبائث: فإنه جمع خبيثة، استعاذ بالله من مردة الجن ذكورهم وإناثهم.
فأما الخُبْث: ساكنة الباء, فهو مصدر خبث الشيء يخبث خُبْثا، وقد يجعل اسما.
قال ابن الأعرابي: أصل الخُبْث في كلام العرب المكروه، فإن كان من الكلام فهو الشتم، وإن كان من الملل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار, [فأما] ١ الخَبَث، مفتوحة الخاء والباء، فهو ما تنفيه النار من رديء الفضة والحديد ونحوهما.
وأما الخِبْثَة فالريبة والتهمة, يقال: هو ولد الخِبْثَة إذا كان لغير رِشْدَة.
ويقال: بِعْ، وقل: لا خِبْثَة: أي لا تهمة فيه من غصب أو سرقة, ونحوهما ٢.
* وقوله في الاستنجاء: "وأعدوا النُّبَل ٣".
стр. 2312
يروى بضم النون وفتحها، وأكثر المحدثين يرويه النَّبَل مفتوحة النون، وأجودهما الضمة.
قال الأصمعي: إنما هو النُّبَل، بضم النون وفتح الباء، واحدها نُبْلَة, قال غيره: إنما سميت نُبْلَة بالتناول من الأرض, يقال: انتبلت حجرًا من الأرض: إذا أنت أخذته، وأنبلت غيري حجرًا، ونَبَّلْتُهُ إذا أنت أعطيته إياه، واسم الشيء الذي تتناوله نُبْلة, كما تقول: اغترفت بيدي ماء، واسم ما في كفك غُرْفَة ١.
* قوله لأم سلمة حين حاضت: "أَنَفِسْتِ ٢؟ "، إنما هو بفتح النون وكسر الفاء، معناه حضت.
يقال: نَفِسَت المرأة إذا حاضت، ونُفِسَت: مضمومة النون من النَّفَاس ٣.
٢٨٠ * وحديثه الذي يرويه علي في المذي ٤, العامة يقولون: المّذِيُّ، مكسورة الذال مثقلة، وإنما هو المَذْيُ، ساكنة الذال, وهو ما يخرج من قبل الإنسان عند نشاط، أو ملاعبة أهل, أو نحوهما.
والوَدْيُ، ساكنة الدال غير معجمة، ما يخرج عقب البول.
فأما المَنِيُّ ثقيلة الياء: فالماء الدافق الذي يكون منه الولد, ويجب فيه الاغتسال.
стр. 2313
يقال: وَدَى الرجل وَمَذَى بغير ألف، وأَمْنَى بالألف, قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ ١.
* قول عائشة: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أملككم لأَرَبِهِ"٢.
أكثر الرواة يقولون: لِإِرْبِهِ، والإِرْب: العضو, وإنما هو الأَرَب -مفتوحة الألف والراء- وهو الوَطَر وحاجة النفس، وقد يكون الإِرْب الحاجة أيضًا, والأول أبين.
* قوله صلى الله عليه: "من توضأ للجمعة فبها ونِعْمَت" ٣ - مكسورة النون ساكنة التاء- أي نِعْمَت الخلة، والعوام يروونه، ونَعِمَت: يفتحون النون ويكسرون العين وليس بالوجه، ورواه بعضهم ونَعِمْتَ: أي نعمك الله.
* قوله في الجمعة: "من غسل واغتسل ٤".
يرويه بعضهم بتشديد السين، من غسل واغتسل وليس هو بجيد، إنما هو غسل واغتسل بالتخفيف، ويتأول عَلَى وَجْهَين: أحدهما أن يكون أراد به إتباع ٥ اللفظ, والمعنى واحد، كما قال في هذا الحديث: واستمع وأنصت، ومشى ولم يركب.
стр. 2314
والوجه الآخر: أن يكون قوله: غسل، إنما أراد غسل الرأس، وخص الرأس بالغسل لما على رؤوسهم من الشعر، ولحاجتهم إلى معالجته وتنظيفه, وأما الاغتسال فإنه عام للبدن كله.
* قوله: في حديث لقيط بن صبرة ١ وافد بني المنتفق: "أراح الراعي غنمه ومعه سَخْلَة تَيْعَر, فَقَالَ ﷺ : "ما وَلَّدْت يا غلام؟ " فقال: بَهْمَة, قال: "فاذبح لنا مكانها شاة"، ثم قال: "لا تحسبن أنا من أجلك ذبحناها". ٢
الرواية: ما وَلَّدْتَ؟ بتشديد اللام على وزن فَعَّلْتَ خطاب المواجه، وأكثر المحدثين يقولون: ما وَلَدَت، يريدون ما وَلَدَت الشاة، وهو غلط.
تقول العرب: وَلَّدْتُ الشاة إذا نتجت عندك، أنشدني أبو عُمَر، أنشدنا أبو العباس ثعلب:
إذا ما وَلَّدُوا يوما تنادوا ... أَجَدْيٌ تحت شاتك أم غُلَام؟ ٣
ويقال: وَلَدَت الغنم وِلَادا, وفي الآدميات: وَلَدَت المرأة وِلَادة, ومن الناس من يجعلهما شيئًا واحدًا.
وقوله: لا تحسبن أنا ذبحناها من أجلك: معناه نفى الرياء, وترك الاعتداد بالقرى على الضيف.
стр. 2315
*حديث ابن أم مكتوم: "إن لي قائدا لا يلاومني ١".
هكذا يرويه المحدثون، وهو خطأ، والصواب: لا يلائمني: أي لا يوافقني, ولا يساعدني على حضور الجماعة, قال أبو ذؤيب:
أم ما لجنبك لا يلائم مضجعا ... إلا أقض عليك ذاك المضجعُ ٢
فأما الملاوَمَة فإنما تكون من اللوم, ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ ٣.
* حديث زيد بن ثابت: قال: "رأيت رسول ﷺ يقرأ في المغرب بطُولَى الطولَيَيْن ٤"، يعني سورة الأعراف.
يرويه المحدثون بطِوَل الطوليين وهو خطأ فاحش، والطِوَل: ٢٨١
الحبل، وإنما هو بطُوْلَى تأنيث أطول, والطُّولَيَان تثنية الطُّولىَ.
يريد أنه كان يقرأ فيها بأطول السورتين، يريد الأنعام والأعراف.
قال الشاعر:
فأعضضته الطُّولَى سناما وخيرها ... بلاء وخير الخير ما يتخيرُ
стр. 2316
* نهيه ﷺ عن الحِلَق قبل الصلاة يوم الجمعة, وعن التَّحَلُّق أيضًا ١", يرويه كثير من المحدثين: "عن الحَلْقِ قبل الصلاة"، ويتأولونه على حِلَاق الشعر, وقال لي بعض مشايخنا: لم أحلق رأسي قبل الصلاة نحوًا من أربعين سنة بعدما سمعت هذا الحديث.
قال أبو سليمان: وإنما هو الحِلَق-مكسورة الحاء مفتوحة اللام- جمع حَلْقَة.
يقال: حَلْقَة وحِلَق تقديره: بَدْرَة وبِدَر، وقَصْعَة وقِصَع.
نهاهم عن التحلق والاجتماع على المذاكرة والعلم قبل الصلاة، واستحب أن يكون ذلك منهم بعد الصلاة.
* وفي حديثه الذى يرويه ذو اليدين قال: "فخرج سَرَعَان الناس ٢".
يرويه العامة سِرْعَان الناس -مكسورة السين, ساكنة الراء- وهو غلط.
والصواب: سَرَعَان الناس -بنصب السين, وفتح الراء- هكذا يقول الكسائي.
وقال غيره: سَرْعَان -ساكنة الراء-, والأول أجود.
وأما قولهم: سَرْعَان ما فَعَلْت، ففيه ثلاث لغات، يقال: سَرْعَان
стр. 2317
وسِرْعان وسُرْعان، والراء فيها ساكنة والنون نصب أبدًا.
* ومما يكثر فيه تصحيف الرواة حديث سمرة بن جندب في قصة كسوف الشمس والصلاة لها, يقال: "فَدُفِعْنَا إِلَى الْمَسْجِدِ فَإِذَا هُوَ بَأْزَز ١": أي بجمع كثير غص بهم المسجد.
رواه غير واحد من المشهورين بالرواية: فإذا هو بارز من البروز, وهو خطأ.
ورواه بعضهم: فإذا هو يَأْرِز، وقد فسرته في موضعه من الكتاب، وأعدت لك ذكره ليكون منك ببال.
* وفي حديث أبي ذر: "أنه سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عن الصلاة فقال: "خيرٌ موضوعٌ, فاستكثر منه" ٢.
يُروَى عَلَى وجْهَيْن: أحدهُما أن يكون "موضوع" نعتًا لما قبله، يريد أنها خير حاضر, فاستكثر منه.
والوجه الآخر: أن يكون الخير مضافًا إلى الموضوع، يريد أنها أفضل ما وضع من الطاعات, وشرع من العبادات.
* ومما يروى من هذا الباب أيضًا على وجهين حديث ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى على قبر منبوذ ٣".
стр. 2318
فمن رواه أنه نعت للقبر, أراد قبرا منتبذًا من القبور، ومن رواه على الإضافة أراد بالمنبوذ اللقيط، يريد أنه صلى على قبر لقيط.
* ومثل هذا قوله ﵇: "ليس لعرقِ ظالمٍ حق من الناس" ١.
من يرويه على إضافة العرق إلى الظالم, وهو الغارس الذي غرس في غير حقه, ومنهم من يجعل الظالم من نعت العرق، يريد الغراس والشجر، وجعله ظالما؛ لأنه نبت في غير حقه.
* وَفِي حَدِيثِهِ ﷺ : "أنه صلى إلى جدار، فَجَاءَتْ بَهْمَةٌ تَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فما زال يُدَارِئُها حتى لصق بطنه بالجدار ٢".
٢٨٢ قوله: يُدَارئها، مهموز من الدَّرْء ومعناه يدافعها, ومنه قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ ٣.
ومن رواه يُدَارِيها غير مهموز، أحال المعنى؛ لأنه لا وجه ها هنا للمداراة التي تجري مجرى المساهلة في الأمور, وأصل المداراة من قولك: دريت الصيد إذا ختلته, لتصطاده.
* قال أبو سليمان: ومما سبيله أن يهمز لرفع الإشكال، وعوام الرواة
стр. 2319
يتركون الهمز فيه قوله ﷺ في الضحايا: "كلوا, وادخروا وأْتَجِروا": أي تصدقوا؛ طلب الأجر فيه, والمحدثون يقولون: "واتَّجِروا"، فينقلب المعنى فيه عن الصدقة إلى التجارة، وبيع لحوم الأضاحي فاسد غير جائز.
ولولا موضع الإشكال, وما يعرض من الوهم في تأويله, لكان جائزا أن يقول: "واتَّجروا" بالادغام، كما قيل من الأمانة: اتَّمن، إلا أن الإظهار هاهنا واجب، وهو مذهب الحجازيين.
يقال: ائتزر فهو مؤتزر، وائْتدع هو مؤتدع، وائتجر فهو مؤتجر.
قال أبو دهبل:
يا ليت أني بأثوابي وراحلتي ... عبد لأهلك هذا الشهر مؤتجر ٢
* ومن هذا الباب قول عمر: "لو تمالأ عليه أهل صنعاء, لقتلتهم به"٣.
مهموز من الملأ: أي لو صاروا كلهم ملأً واحدا في قتله, ويقال: مالأت الرجل على الشيء إذا واطاته عليه، والمحدثون يقولون: "لو تمالا عليه" غير مهموز، والصواب أن يهمز، والملا مقصور غير مهموز: الفضاء الواسع, قال الشاعر:
стр. 2320
ألا غنِّياني, وارْفَعا الصَّوْتَ بالمَلا ... فإنَّ المَلا عِنْدي يَزِيدُ المَدَى بعدا ١
* ومن هذا أيضا حديث ثوبان: "استقاء رسول الله عامدًا فأفطر ٢".
ممدود مهموز: أي تعمد القيء, ومن قال: استقى على وزن اشتكى, فقد وهم.
* وكذلك قوله ﵇: "العائد في هبته, كالعائد في قيئه" ٣.
مهموز، والعامة تثقله, ولا تهمزه.
* ومن هذا قوله: "يقاتلكم فِئَام الروم" ٤.
يريد جماعات الروم، مهموزة بكسر الفاء، وأصحاب الحديث يقولون: فَيَّام الروم، مفتوحة الفاء مثقلة الياء، وهو غلط، وإنما هو الفِئَام مهموز, قال الشاعر:
كأن مواضع الربلات منها ... فِئَام ينظرون إلى فِئَامِ ٥
* وَفِي حَدِيثِهِ ﷺ حين قال لنسائه: "أيتكن تنبحها
стр. 2321
كلاب الحوءب" ١.
أصحاب الحديث يقولون: الحُوَّب - مضمومة الحاء مثقلة الواو - وإنما هو الحوءب - مفتوحة الحاء مهموزة - اسم بعض المياه, أنشدني الغنوي، قال أنشدني ثعلب:
ما هو إلا شربة بالحوءبِ ... فصعدي من بعدها أو صوبي ٢
والحوءب: الوادي الواسع.
قال بعض رجاز الهذليين يصف حافر الفرس:
يلتهم الأرض بوأب حوءب ... كالقمعل المنكب فوق الأثلب ٣
الوأب: الخفيف، والقمعل: القدح الضخم بلغة هديل.
* قوله ﷺ : "الكمأة من المن, وماؤها شفاء للعين" ٤.
الكمأة: مهموزة, والعامة يقولون: الكماة, بلا همز. ٢٨٣
* قوله: "رفع الخطأ والنيسان عن أمتي" ٥.
стр. 2322
العامة تقول: النَّسَيَان على وزن الغَلَيَان، وإنما هو النِّسْيَان، بكسر النون ساكنة السين.
والخطأ مهموز غير ممدود, يقال: أخطأ الرجل خطأ: إذا لم يصب الصواب أو جرى منه الذنب, وهو غير عامد، وخَطِئَ خَطِيئة إذا تعمد الذنب, قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾ ١.
* قوله ﷺ : "لا صدقة في أقل من خمس أواقيَّ" ٢.
الأواقيُّ: مفتوحة الألف, مشددة الياء غير مصروفة، جمع أُوقِيَّة مثل: أضحية وأضاحي، وبختية وبخاتي.
والعامة تقول: خمس أَوَاقٍ، ممدودة الألف بغير تاء, والآواق: جمع أَوْق.
* ومما يجب أن يثقل وهم يخففونه, قوله ﷺ : "العَارِيَّة مردودة" ٣، مشددة الياء، وتجمع على العواريِّ مشددة كذلك، وهي في اللغة العالية, ويقال أيضا: هذه عَارِيَّة وَعَارَة.
* ومن ذلك حديثه الآخر: لما أتاه نَعِيُّ جعفر, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اصنعوا لآل جعفر طعامًا" ٤.
стр. 2323
النَّعِيُّ: بتشديد الياء الاسم, فأما النَّعِيُّ، فهو مصدر نَعَيتُ الميت أَنْعَاه.
* ومن هذا الباب: "نهيه ﷺ عن لبس القَسِّيِّ"١.
وأصحاب الحديث يقولون: القِسِيُّ، مكسورة القاف، خفيفة السين -وهو غلط-؛ لأن القِسِيَّ جمع قوس، وإنما هو القَسِّيُّ، مفتوحة القاف مثقلة السين، وهي ثياب تنسب إلى بلاد يقال لها القَسُّ, ويقال: إنها ثياب فيها حرير يؤتي بها من مصر.
فأما الدراهم القَسِيَّة فإنها الرديئة, يقال: درهم قَسِيٌّ -محففة السين مشددة الياء على وزن شَقِيٌّ، وأراه مشتقا من قولهم: في فلان قَسْوَة: أي جفاء وغلظة، وإنما سمي الدرهم الزائف قَسْيًا لجفائه وصلابته، وذلك أن الجيد من الدراهم يلين وينثني.
* قول عمر: "إن قريشًا تريد أن تكون مُغَوَّيات لمال الله ٢".
مشددة الواو مفتوحتها جمع مُغَوَّاة وهي كالحفيرة، والوهدة تكون في الأرض, وعوام الرواة يقولون: مُغْوِيَات، ساكنة الغين مكسورة الواو، وهو خطأ، والصواب هو الأول.
* ومما سبيله أن يخفف وهم يثقلونه, قوله ﵇ في دعائه: "وأعوذ بك من شرِّ المسيح الدَّجَّال" ٣.
стр. 2324
قد أولعت العامة بتشديد السين وكسر الميم؛ ليكون، زعموا، فصلًا بين مسيح الضلالة وبين عيسى ﵇، وليس ما ادعوه بشيء، وكلاهما مسيح, مفتوحة الميم خفيفة السين، فعيسى مسيح بمعنى ماسح، فعيل بمعنى فاعل؛ لأنه كان إذا مسح ذا عاهة عوفي, والدجال مسيح، فعيل بمعنى مفعول؛ لأنه ممسوح إحدى العينين.
* ومن هذا الباب في حديث الزكاة: "امْرِ الدم بما شئت" ١.
من قولك: مَرَاهُ يَمْرِيْهِ مَرْيًا، إذا أساله، ومريت عيني في البكاء، ومريت الناقة إذا حلبتها، وناقة مَرِيَّة, وأصحاب الحديث يقولون: أَمِرَّ الدم، مشددة، يجعلونه من الإمرار، وهو غلط، والصواب ما قلته لك.
ومنه قوله: "المُعوَل عليه يعذب ببكاء أهله" ٢.
٢٨٤ ساكنة العين خفيفة الواو, ومن أعول يعول، إذا رفع صوته بالبكاء, والعامة ترويه المُعَوَّلُ عليه، يشددون الواو وليس بالجيد، إنما المُعَوَّل من التعويل بمعني الاعتماد, يقال: ما على فلان مُعَوَّل أي محمل, وقال بعضهم: عَوَّلَ بمعني أعول.
* قول عمر: "لا ينكحن أحدكم إلا لُمَتَه من النساء ٣": أي مثله في السن.
стр. 2325
اللُّمَةُ خفيفة, ومن الرواة من يثقله وهو خطأ, قال الشاعر:
فدع ذكر اللُّمَات, فقد تفانوا ... ونفسك, فابكها قبل المماتِ ١
فأما لِمَّةُ الشعر, فمكسورة اللام مثقلة الميم.
* وأما قوله: "إن للملك لَمَّة وللشيطان لَمَّة ٢"، فإنها مفتوحة اللام مثقلة الميم.
* وقوله: "إن اللَّبَن يشبه عليه ٣".
قد يثقله الرواة وهو مخفف، أراد أن الطفل الرضيع ربما نزع به الشبه إلى الظئر.
ومما ثقلوه من الأسماء وهي خفيفة: سنة الحُدَيْبِيَة، وعمرة الجِعْرَانة ٤.
*وقوله: "في الحوض ما بين بصرى وعَمَان ٥" مفتوحة خفيفة الميم.
وقال بعضهم: مشددة الميم، فأما عُمَان التي هي فُرضة البحر، فهي
стр. 2326
مضمومة العين خفيفة.
* وقوله: "اختتن إبراهيم بالقّدُوم"١، مخفف, ويقال: إنه اسم موضع، وكذلك القَدُوم الذي يعتمل به خفيف أيضًا, [وأنشد للأعشى:
أطاف به شاهبور الجنو ... دَ حولين يضرب فيه القُدُم] ٢
* ومما يخفف والرواة يثقلونه ما جاء في قصة بني إسرائيل في تفسير قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ إنه السُّمَانَى ٣.
أصحاب الحديث يقولون ٤ بتشديد الميم فيه، وإنما هو السُّمَانَى خفيف: اسم طائر.
* ومن حديثه في الكتاب الذي كتبه أبو بكر في الصدقات أنه قال: "ولا يؤخذ في الصدقة هرمة, ولا ذات عوارٍ, ولا تيس إلا أن يشاء المصَدِّق ٥".
بكسر الدال، يريد العامل الذي يأخذ الصدقة، ومعناه إلا أن يرى العامل في أخذه حظًّا لأهل الصدقة، فيأخذ ذلك على النظر لهم.
وأخبرني الحسن بن صالح، عن ابنِ المُنذِر قَالَ: كان أبو عبيد ينكر
стр. 2327
قوله: إلا أن يشاء المُصَدِّق, يقول: هكذا يقول المحدثون, وأراه المُصَدَّق يعني رب الماشية ١.
* وفي حديثه الذي يرويه جبير بن مطعم في سهم ذي القربى قَالَ: "قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ما بال إخواننا بني المطلب أعطيتهم وتركتنا وقرابتنا واحدة؟ فقال: "إنا وبنو المطلب لا نفترق في جاهلية ولا إسلام، إنما نحن وهم شيء واحد، وشبك بين أصابعه".
هكذا يقول أكثر المحدثين.
ورواه لنا ابن صالح، عن ابن المنذر فقال: إنما نحن وهم سِيٌّ واحد ٢: أي مثل سواء، وهذا أجود, يقال: هذا سي فلان: أي مثله.
أخبرني الغَنَوِيّ، أنا أبو العباس ثعلب, قال: يقال: وقع فلان في سِيِّ
стр. 2328
رأسه من النعيم: أي في مثل رأسه, وأنشدنا للحطيئة:
فإياكم وحيةَ بطن وادٍ ... هَمُوزِ النَّاب ليس لكم بِسِيِّ ١
* في حديث ابن عمر: "يطرق الرجل فحله, فيبقى حِيْرِيَّ الدهر ٢".
يصحفون فيه فيقولون: حَيْر الدهر.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ، نا عَبَّاسٌ الدوري قال: رواه فلان, ونحن عند يحيى بن معين: "فيبقى حير الدهر".
٢٨٥ قال: وكان أبو خيثمة حاضرًا فقال: قال لنا عبد الرحمن بن مهدي: حِينَ الدهر.
قال أبو سليمان: والصواب حِيرِيَّ الدهر، وهي كلمة تقولها العرب في
стр. 2329
التأبيد, يقول ١: إن أجره يبقى ما بقي الدهر.
ويقال أيضًا: حيريَّ الدهر, وحاريَّ الدهر، وهو بكسر الحاء أشهر.
* قوله: ["لا صيام لمن لم يَبُتَّ الصيام من الليل" ٢.
ورواه العامة: يُبِتّ، مضمومة الياء, واللغة العالية: يَبُتّ، من بَتَّ يَبُتّ: إذا قطع, ومن رواه يَبِتّ فقد وهم، إنما يَبِتّ من بات يبيت، وقد روى أيضا: "لمن لم يُبَيِّتِ الصيامَ من الليل" ٣.
* ونظير هذا من رواية العامة قولهم في حديث العباس: "لا يُفْضِضِ الله فاك".
هكذا يقولون: مضمومة الياء، وإنما هو: لا يَفْضُضِ الله فاك، مفتوحة الياء من فَضَّ يَفُضُّ] ٤.
* قوله: "لَخُلُوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" ٥.
أصحاب الحديث يقولون خَلُوف ٦: بفتح الخاء، وإنما هو خُلُوف، مضمومة الخاء، مصدر خَلَف فمه يخلف خُلُوفا: إذا تغير.
стр. 2330
فأما الخَلُوف: فهو الذي يعد ثم يُخْلِف, قال النمر بن تولب:
جزى الله عني جمرة ابنة وائل ... جزاء خَلُوف بالخلالة كاذبِ ١
* قوله ﷺ : "صيام عاشوراء كَفَّارة سنة" ٢.
عاشوراء: ممدودة والعامة تقصره.
ويقال: ليس في الكلام فاعولاء ممدود إلا عاشوراء, هكذا قال بعض البصريين، وهو اسم إسلامي, لم يعرف في الجاهلية.
* ومما يمد وهم يقصرونه، قوله ﵇: "اثْبُت حِرَاءُ". ٣
سمعت أبا عمر يقول: أصحاب الحديث يخطئون في هذا الاسم، وهو ثلاثة أحرف في ثلاثة مواضع: يفتحون الحاء، وهي مكسورة، ويكسرون الراء وهي مفتوحة، ويقصرون الألف وهي ممدودة, قال: وإنما هي
стр. 2331
حِرَاء, قال الشاعر:
وراقٍ لبر في حِرَاء ونازلِ
وكذلك قِبَاء لمسجد رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ممدود.
* وَقَوْلُهُ ﷺ : "الذهب بالذهب ربا, إلا هاءَ وهاءَ" ١.
ممدودان.
والعامة ترويهما: "ها, وها" مقصورين، ومعنى هاء: خذ.
يقال: للرجل هاء، وللمرأة هائي, وللاثنين من الرجال والنساء هاؤما، وللرجال هاؤم، والنساء هاؤُمْنَ, وهذا يستعمل في الأمر, ولا يستعمل في النهي, فإذا قلت: هَاكِ، قصرت، وإذا حذفت الكاف مددت, فكانت المدة بدلًا من كاف المخاطبة.
* وَفِي حَدِيثِهِ ﷺ : "أنه ركب ناقته القصواء يوم عرفة"٢.
القصواء: مفتوحة القاف ممدودة الألف، هي المقطوعة طرف الأذن, يقال: قصوت البعير فهو مقصوٌّ، وناقة قصواء, ولا يقال: جمل أقصى.
وأكثر أصحاب الحديث يقولون: القُصْوَى, وهو خطأ فاحش، إنما القصوى نعت، تأنيث الأقصى كالسفلى في نعت تأنيث الأسفل.
* حديث أبي رزين العقيلي أنه قال: "يا رسول الله، أين كان
стр. 2332
ربنا قبل أن يخلق السماوات؟ , قال: "كان في عَمَاء تحته هواء, وفوقه هواء" ١. ٢٨٦
يرويه بعض المحدثين في عمًى مقصور على وزن عصى, وقفا، يريد أنه كان في عَمًى عن الخلق، وليس هذا بشيء وإنما هو في عماء ممدوداً.
هكذا رواه أبو عبيد ٢, وغيره من العلماء.
قال: والعَمَاء: السحاب, قال غيره: الرقيق من السحاب, ورواه بعضهم: "في غمام"، وليس بمحفوظ.
وقال بعض أهل العلم قوله: أين كان ربنا؟ , يريد أين كان عرش ربنا؟ , فحذف اتساعًا واختصارًا كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ٣, يريد: أهل القرية, وكقوله: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ ٤, أي حب العجل.
قال: وَيَدُّلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا قَوْلُهُ: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ ٥, قال: وذلك أن السحاب محل الماء, فكنى به عنه.
* ومما يمد, وهم يقصرونه, فيفسد معناه, حديث الشارفين، وأن القينة غَنَّتْ حمزة, فقالت:
стр. 2333
أَلا يَا حَمْزُ ذَا الشُّرُفِ النِّواءِ ١
عوام الرواة يقولون: ذا الشَّرَف النَّوَى, يفتحون الشين ويقصرون النوى.
وفسره محمد بن جرير الطبرى, فقال: النَّوَى جمع نَوَاة، يريد الحاجة، وهذا وهم وتصحيف، وإنما هو الشُّرُفُ النِّوَاء جمع شارف, والنِّوَاء: جمع ناوية، وهي السمينة.
* ويصحفون أيضًا في قوله: "أناخ بكم الشُّرُف الجُونُ"٢.
يروونه: الشُّرُف الجَوْن، وإنما هو الشُّرُف الجُون، مضمومة الشين والراء، جمع شَارِف، والجيم من الجُون مضمومة أيضًا، يريد الإبل المَسَانَّ، والجون: السود، شبه بها الفتن.
وقد يروى أيضا الشُّرُقُ الجُون، بالقاف، أي الجائية من قبل المشرق.
* فأما ما سبيله أن يقتصر, وهم يمدونه، فكقوله في الحرم: "لا يُخْتَلَى خَلَاها" ٣.
والخَلَا مقصور: الحشيش، والمِخْلَى: الحديدة التي يحتش بها من الأرض، وبه سميت المِخْلَاة.
стр. 2334
فأما الخلاء ممدودًا, فهو المكان الخالي.
* وقوله: "لا ثِنَى في الصدقة" ١.
مقصورة مكسورة الثاء: أي لا تؤخذ في السنة مرتين.
قاله الأصمعي, ومن رواه: "لا ثناء في الصدقة" ممدودًا يذهب إلى أن من تَصَدَّقَ على فقير؛ طلب المدح والثناء، فقد بطل أجره, فقد أبعد الوهم.
* وقوله: "المؤمن يأكل في مِعًى واحد" ٢.
مكسور ٣ الميم مقصور لا يمد المِعَى، والمعنى أنه يتناول دون شبعه, ويؤثر على نفسه، ويبقى من زاده لغيره.
* ومن هذا الباب حديثه الذي يروى: "أن جبريل أَتَى النَّبِيَّ ﷺ , عند أضاة بنى غفار"٤.
أَضَاة: على وزن قَطَاة, يقال: أَضَاة وأَضًا، كما قالوا: قَطَاة وقَطًا.
والعامة يقولون: أَضَاءَة بني غفار، ممدودة الألف، وهو خَطَأ.
* قوله صلى الله صلى عليه وسلم: "خمس لا جناج على من قتلهن في الحل والحرم، فذكر الحِدَأَة، والعامة يقولون: الحَدَاة، مفتوحة الحاء ساكنة
стр. 2335
الألف، وإنما هي الحِدَأَة مكسورة الحاء مهموزة.
* قول عائشة: "طيبت رسول الله لحرمه حين أحرم"١.
مضمومة الحاء، والحرم: الإحرام, فأما الحرم: بكسر الحاء, فهو بمعنى الحرام, يقال: حرم وحرام، كما قيل: حل وحلال.
* وقوله: "لا يعضد شجرها, ولا يخبط إلا الإِذْخِر".
مكسورة الأول ٢.
والعامة تقول: "الأَذخَر"، مفتوح الألف، وإنما هو "الإذخِر".
* ومثله: الإثمد, في قوله: "عليكم بالإِثْمِد, فإنه يجلو ٢٨٧ البصر" ٣.
* قوله في المدينة: "من أَحْدَثَ حَدَثًا, أَوْ آوَى مُحْدِثًا" ٤.
الوجه أن يقال: مُحْدِثا بكسر الدال، وقد يحتمل أن يقال: مُحْدَثًا بفتحها، والأول أجود.
ونظير هذا قوله: في قصة إبراهيم بن القبطية: "أن له مُرْضِعًا في الجنة" ٥.
стр. 2336
يروى على وجهين: مرضِعًا: من أرضعت المرأة, فهي مرضع، والمرضِع: ذات اللبن, فأما المُرْضِعَة: فهي التى لها ولد.
ويروى أيضا: مَرْضَعًا، مفتوحة الميم: أي رضاعًا.
* قوله: "لبيك, إن الحمد والنعمة لك".
إن مكسورة الألف أحسن من رواية العامة، أن مفتوحة الألف.
أخبرني أبو عمر، عن أبي العباس ثعلب قال: من قال: أن بفتح الألف خص، ومن قال: إن بكسرها عمَّ.
* في قصة سَوْق الهدي: أن الأسلمي قال: "أرأيت إن أُزْحِفَ عليَّ منها شيء؟ قال: "تنحرها، ثم تصبغ نعلها في دمها، ثم اضربها على صفحتها, ولا تأكل منها أنت, ولا أحد من أهل رفقتك" ١.
يرويه المحدثون: أَزْحَفَ، والأجود أن يقال: أُزْحِفَ، مضمومة الألف.
يقال: زَحَف البعير إذا قام من الإعياء، وأَزْحَفَهُ السفر، وإنما منعه وأهل رفقته أن يأكلوا منها؛ لئلا يتخذوه ذريعة إلى نحرها.
* وفي حديث سعد حين قيل له: "إن فلانًا ينهى عن المتعة, قال: تمتعنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفلان كافر بالعُرُش"٢.
يريد بالعُرُش بيوت مكة جمع عريش، يريد أنه كان كافراً, وهو مقيم بمكة.
стр. 2337
وبعضهم يرويه: وهو كافر بالعَرْشِ وهو غلط.
* في حديث أبي بردة بن نيار في الجَذَعة التى أمره أن يضحي بها قال: "ولا تَجْزِي عن أحد بعدك" ١.
تَجْزِي: مفتوحة التاء، من جَزَا عني هذا الأمر، يَجْزِي عني: أي يقضي, يريد أنها لا تقضي الواجب عن أحد بعدك، فأما قولك: أَجْزَأني الشيء مهموزًا، فمعناه كفاني.
* في حديث ابن عمر: "اضْحَ لمن أحرمت له" ٢.
يرويه أكثر المحدثين: أَضْحِ، مقطوعة الألف وهو غلط، والصواب: اضح: أي ابرز للشمس, وأما أضح: فإنما هو أضحى يضحي، كما قيل: أمسى يمسي.
* في قصة صفية بنت حيي حين قيل لرسول الله يوم النفر: إنها قد حاضت، فقال: "عَقْرَى حَلْقَى، ما أراها إلا حابستنا" ٣.
أكثر أصحاب الحديث يقولون: عَقْرَى حَلْْقَى على وزن غَضْبَى وعَطْشَى, قال أبو عبيد ٤: وإنما هو عَقْرًا حَلْقًا على معنى الدعاء.
معناه: عقرها الله وحلقها, فقوله: عقرها: يعني عقر جسدها, وحلقها: أصابها بوجع في حلقها.
стр. 2338
قال أبو سليمان: وقال غيره: العرب تقول: لأمه الحلق والعقر: أي ثكلته أمه, فتحلق شعرها، وهي عاقر لا تلد.
وروى علي بن خشرم، عن وكيع بن الجراح, قال: قوله: حَلقى، هي المشؤومة, والعَقرى: التي لا تلد من العقر, قال الخليل: يقال امرأة حلقى وعقرى, توصف بخلاف وشؤم.
قال الليث صاحبه: إنما اشتقاقها من أنها تحلق قومها وتعقرهم: أي تستأصلهم من شؤمها.
٢٨٨
* قَولُه: "إذا أُتْبِعَ أحدكم عَلَى مَلِيءٍ, فليتبع" ١.
عوام الرواة يقولون: إذا اتِّبِعَ، على وزن افتعل، وإنما هو أُتْبِعَ ساكنة التاء على وزن أُفْعِلَ من الإِتْبَاع، ومعناه: إذا أحيل على مَلِيء, فليحتل.
* قوله: "ثَلاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القيامة، فذكر المُنَفِّقَ سلعته بالحلف الفاجرة" ٢.
المُنَفِّقَ: مشددة الفاء أجود، يريد المُرَوِّجَ لها من النَّفَاق.
فأما المُنْفِق: ساكنة النون، فإنه يوهم معنى الإنفاق.
стр. 2339
* في حديث عثمان: "لا تكلفوا الأمة غير الصَّنَاع كَسْبا، فإنها تَكْسِب بفَرْجِها" ١.
الصَّنَاع: خفيفة النون: التي تصنع بيدها، ضد الخرقاء التي لا تصنع,
يقال: رجل صَنَع وامرأة صَنَاع, قال الحطيئة:
هم صنعوا لجارهم, وليست ... يد الخرقاء مثل يد الصَّنَاعِ ٢
ورواية العامة غير الصنَّاع مثقلة النون لا وجه لها.
* في حديث الحجاج بن عمرو: "ما يذهب عني مَذِمَّة الرَّضَاع؟ , قال: "غُرَّةُ: عبد أو أمة" ٣.
مَذِمَّة: بكسر الذال أجود، من الذِّمَام، ومَذَمَّة بفتحها من الذم.
* قوله: في قصة درة بنت أبي سلمة: "أرضعتني, وأباها ثويبة".
أخبرنا ابن الأعرابي، عن عباس الدوري قال: سألت يحيى بن معين عن حديث أم حبيبة: هل لك في درة بنت أبي سلمة؟ فقال: أرضعتني, وأباها ثويبة، فقلت ليحيى: أرضعتني وإِيَّاهَا ثويبة فأبي, وقال:
стр. 2340
"أرضعتني وأباها ثويبة" ١. يريد أنها ابنة أخيه من الرضاعة.
* حديث عَبْد اللَّه بن عمرو في إِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ، فَقَالَ: "تلك اللُّوْطِيَّةُ الصغرى" ٢.
رواه بعض أصحابنا: تلك الوَطِيَّة الصغرى، وفيه خطأ فاحش، وفيه ما يوهم إباحة ذلك الفعل، وإنما هو تلك اللُّوْطِيَّة الصغرى على التشبيه له بعمل قوم لوط.
* حديث ابن المسيب: "وَهَمَ ابنُ عباس في تزويج ميمونة"٣.
يقال: وَهَمَ الرجل إذا ذهب وهمه إلى الشيء, ووَهِمَ: مكسورة الهاء إذا غلط، وأوهم إذا أسقط.
* فأما قول عائشة، وذكر لها قول ابن عمر في قتلى بدر: "وَهَلَ ابن عمر"٤.
فمعناه غلط، يقال: وَهَلَ الرجل يهل وهلا، إذا غلط.
ويقال: ذهب وَهْلِي إلى كذا: أي وهمي.
فأما وَهِلَ بكسر الهاء, فمعناه فزع, يقال: وَهِلَ يوهل وهلًا.
стр. 2341
* حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَجُلا قال له: ما هذه الفتوى التي شَعَبَت الناس؟ "١.
أي فرقتهم.
كان شعبة يرويه: شَغَبَت، بالغين معجمة، وهو غلط, والصواب شَعَبَت بالعين غير معجمة.
* قوله: "من قتل نفسًا معاهدة, لم يَرَح رائحة الجنة" ٢.
أكثر المحدثين يرويه: لم يَرِحْ مكسورة الراء، ورواه بعضهم لم يُرِح، وأجودها لم يَرَح، مفتوحة الراء، من رَحْتُ أَرَاح إذا وجدت الريح.
* في حديث الجنين: "كيف أعقل من لا شرب ولا أكل ولا صاح ولا استهل, فمثل ذلك يُطَلُّ"٣.
عامة المحدثين يقولون: بَطَل من البطلان، ورواه بعضهم يُطَلُّ: أي يُهْدر، وهو جيد في هذا الموضع.
стр. 2342
يقال: طُلَّ دم الرجل: إذا ذهب هدرًا، ودم مطلول, قال الشنفرى:
٢٨٩ / إن بالشعب الذي دون سلع ... لقتيلا دمه ما يُطَلّ ١
* في قصة بني قريظة أنه قال لسعد: "لقد حكمت فيهم بحكم المَلِِك" ٢.
يرويه بعضهم بحكم المَلَك، والأول أجود؛ لأن المَلِك هو الله والحكم له، ومن قال: المَلَك, أراد الحكم الذي أوحاه إليه الملك: أي أداه عن الله .
* وفي هذه القصة قوله: "لقد حكمت بحكم الله فوق سبعة أرقِعَة" ٣، بالقاف, يريد السماوات, ومن قال: أرفعة، بالفاء، فهو غلط ٤.
* حديث يزيد بن طارق: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "ما من أحد إلا وله شيطان، فقيل: وَلَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: وَلِيَ، إِلا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عليه فَأَسْلَمُ" ٥.
стр. 2343
عامة الرواة يقولون: فأسْلَمَ على مذهب الفعل الماضي، يريدون أن الشيطان قد أسلمَ إلا سفيان بن عيينة, فإنه يقول: فأسلمُ: أي أسلمُ من شره، وكان يقول: الشيطان لا يُسْلِمُ.
* في قصة موت أبي طالب أنه قَالَ: "لَوْلا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ، فتقول: أدركه الجزع, لأقررت بها عينك"١.
كان أبو العباس ثعلب يقول: إنما هو الخَرَع، يعني الضعف والخور.
* قوله: "إن من عباد الله لأناسًا ما من أنبياء, ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء"، قالوا: ومن هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "قوم تحابوا برُوح الله" ٢.
الراء من الرُّوح مضمومة، يريد القرآن, ومنه قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾ ٣.
* وقوله: "فينبتون, كما تنبت الحِبَّة في حميل السيل" ٤.
الحِبَّة: مكسورة الحاء, بزور البقل والنبات، فأما الحِنْطة ونحوها, فهو الحَبُّ لا غير.
стр. 2344
* قول ابن عباس: "حُرِّمت الخمر بعينها, والسَّكَر من كل شراب" ١.
يرويه عوام المحدثين، والسُّكْر من كل شراب -مضمومة السين-, فيبيحون به قليل المسكر، والصواب أن يقال: والسَّكَر من كل شراب -مفتوحة السين والكاف-, كذلك رواه أحمد بن حنبل، ومعناه المُسْكِر من كل شراب, قال الشاعر:
بئس الصُّحاة, وبئس الشرب شربهم ... إذا جرى فيهم المزاء والسَّكَر ٢
* حديث جرير قال: "سألت رسول الله عن نظر الفجاءة، فأمرني أن أَطْرِق بصري"٣.
هكذا يرويه أكثر الناس، وأخبرنا ابن الأعرابي، عن عبَّاسٌ الدُّورِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ معين، قال: إنما هو "أمرني أن أصرف ٤ بصري".
* فِي الْحَدِيثِ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لبني ساعدة: "من سيدكم؟ " قالوا: جد بن قيس, وإنا لنَرَنَّه على ذلك بشيئ من البخل, فقال: "وأي داء أدوى من البخل" ٥.
стр. 2345
هكذا يرويه أصحاب الحديث: لا يهمزونه, والصواب أن يهمز.
فيقال: أدوأ؛ لأن الداء أصله من تأليف دال وواو وهمزة.
يقال: داء, وفي الجمع أدواء, والفعل منه داء يداء دوءًا, تقديره: نام ينام نومًا, ودَوَّأَه المرض مثل نَوَّمَه, أنشدني أبو عمر، أنشدني أبو العبّاس، عن ابن الأعرابي لرجل عقه ابناه:
وكنت أُرَجِّي بعد عثمان جابرًا ... فدَوَّأَ بالعينين والأنف جابر ١
ويقال: دوي الرجل يدوى دوًى, إذا كان به مرض باطن, ٢٩٠
فأما الداء، ممدود مهموز، فاسم جامع لكل مرض ظاهر وباطن,
وقال عيسى بن عمر: سمعت رجلًا يقول: برئت إليك من كل داء تداؤه الإبل.
* في الحديث: "تَنَفَّل رسول الله ذا الفَقَار يوم بدر"٢.
الفاء مفتوحة, والعامة تكسرها.
стр. 2346
* قوله: "أنا سيد ولد آدم, ولا فَخْر" ١.
ساكنة الخاء، يريد أنه إنما يذكر ذلك على مذهب الشكر, والتحدث بنعمة الله, دون مذهب الفخر والكبر.
وسمعت قومًا من العامة يقولون: ولا فَخَر، مفتوحة الخاء، وهذا خطأ, ينقلب به المعنى, ويستحيل إلى ضد معنى الأول.
أخبرني أبو عمر، أنا ثعلب، عن ابن الأعرابي قَالَ: يقال: فَخَر الرجل بآبائه يفخر فخْرًا، فإذا قلت: فَخِرَ -مكسورة الخاء- فَخَرًا مفتوحها, كان معناه أنف, وأنشد:
وتراه يفخر أن تحل بيوته ... بمحلة الزمر القصير عنانا ٢
أي يأنف منه.
قال أبو العباس: ويقال: فخز الرجل -بالزاي معجمة- وفايش: إذا افتخر بالباطل, وأنشد:
ولا تفخروا إن الفياش بكم مُزر
* قوله: "ما أذن الله لشيء كَأَذَنِهِ لنبيٍّ يتغني بالقرآن"٣.
الألف والذال مفتوحتان, مصدر أذنت للشيء أَذَنًا، إذا استمعت له.
ومن قال كإذنه, فقد وهم.
стр. 2347
* في قصة أبي عامر الذي يلقب بالراهب: "أنه كان يدين الحنيفية, ويدعو إليها، فلما بلغه أن الأنصار بايعوا رسول الله تغير, وخَبُت ١, وعاب الحنيفية"٢.
الرواية: خَبُتَ بالتاء التي هي أخت الطاء, والعامة ترويه: خبث بالثاء, وهما قريبان في المعنى، إلا أن المحفوظ إنما هو خبت بالتاء لا غير.
* وفي الحديث الذي يرويه عياض بن حماد، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "أنه لما أمر بتبليغ الوحي, قال: "اللهم إِنْ آتِهِم بِهِ, يُفْلَع رَأْسِي كما تفلع العترة" ٣.
أي يشق رأسي من الفَلَع وهو الشق, ومن قال: يُقْلَع، فقد صَحَّفَ,
فأما قوله: "يُثْلَغُ رأسه" ٤, فإنه من حديث آخر.
* وقوله: "حين رأى الملك, "فجُئِثْتُ فرقًا" ٥.
صحفه بعضهم فقال: فجَبُنْت من الجبن، وإنما هو فجئثت: أي فرقت, ويقال: رجل مَجْؤُوث.
* وقوله: "لا تحرم المَلْجَة والمَلْجَتَان" ٦, وقد رويناه أيضا الملحة والملحتان, وفسرناه في كتابنا هذا.
стр. 2348
* ومما يقارب فيه الروايات, ولا تختلف لها المعاني:
* "إن شدة الحر من فيح جهنم" ١.
* وقيل لخباب: "أكان رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يقرأ في الظهر والعصر؟ , فقال: نعم, قيل له: بم كنتم تعرفون ذلك؟ قال: باضطراب لحيته"٢.
ويروى: لحييه ٣، وكلاهما قريب.
* ومن هذا النحو قوله: "لا ينبغي لامرأة أن تحد على ميت فوق ثلاثة أيام إلا على زوج" ٤، ويروى: تَحُدّ، وتُحِدّ
стр. 2349
بالضم ١ أجود، والله أعلم.
* وقوله: "لا يترك في الإسلام مُفرَح ومُفرَج" ٢، وأكثرهما في الرواية بالجيم، وأعرفهما في الكلام بالحاء, وهو المثقل بالدين.
* قوله: "ثلاثٌ لا يُغِلُّ علَيْهنَ قَلْبُ مؤمن" ٣, يروى: لا يَغِلُّ ولا يُغِلُّ.
قال أبو عبيدة: فمن قَالَ: يَغِل بالفَتْح، فإنه يجْعَلُه من الغِلّ, وهو الضِّغْنُ والشّحْناء, ومَنْ قَالَ: يُغِل -بضمّ الياء- جعله من الخِيانَة، من الإغلال.
قال أبو سليمان: وكان أبو أُسامة حَمَّادُ بْن أسامة القرشي يرويه: يَغِلُّ، يجعله من وغل يغل وغولًا.
* قوله: "لا تضارون في رؤيته" ٤، يروى بالتخفيف: أي لا يصيبكم ضير، ويضارُّون مشددة من الضرار: أي لا يضار بعضكم بعضًا بأن تتنازعوا, فتختلفوا فيه, فيقع بينكم الضرار.
стр. 2350
مثله: "تضامُون في رؤيته، وتضامُّون" ١، الأول خفيفة من الضيم، والآخر مشددة من التَّضَام والتداخل.
* قوله: "من ترك مالًا فلأهله، ومن ترك ضيَاعًا فإليَّ" ٢.
ضَيَاعًا: بفتح الضاد، مصدر ضاع الشيء يضيع ضَيَاعًا: أي ما هو مؤذن بأن يضيع من عيال وذرية, ومن كسر الضاد, أراد جمع ضائع وضِيَاع، كما قيل: جائع وجِيَاع, والمحفوظ هو الأول.
* قوله: "عجب ربكم من أَلِّكُم وقنوطكم" ٣.
يرويه المحدثون: من إِلِّكُم -بكسر الألف-, والصواب ألكم بفتحها، يريد رفع الصوت بالدعاء.
* حديث عبادة: "البُر بالبُر، مُدْي بمُدْي" ٤.
المُدْيُ: غير المد, المُدْي: مكيال ضخم لأهل الشام، والمُدُّ: ربع الصاع.
* في قصة تزويج فاطمة: "أنها لما بنى بها علي، فلما أصبحت دعا