أُريدَ به بياضُ النَّهارِ وهو أَولُ ما يبدو مُعتَرِضًا في الأُفُق له وشائع كالخُيوطِ قَالَ أبو دُوادٍ الإياديّ:
فلّما أضاءَت لنا سُدْفَةٌ ... ولاحَ من الصُّبْح خيطٌ أَنارَا ١
وأنشدني الحَسَنُ بن خَلاد أنشدني ابن دُرَيْد أنشدنا ابن أخي الأَصْمَعِيّ عن عمه لرجل يصف ليلا:
كأنَّ بقايا الليل في أخرياته ... ملاء تُنَقَّى من طيالِسَةٍ خُضْرِ
بقاياه التي أسأَرَ الدُّجَى ... تَمُدُّ وِشِيعًا فوق أردية الفَجْرِ
فشبّهه بالوَشِيع لما يتراءى في خلاله من خيوط سواد وبياض.
стр. 282
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ عَدِيًّا الْجُذَامِيَّ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَتْ لِي امْرَأَتَانِ اقْتَتَلَتَا فَرَمَيْتُ إِحْدَاهُمَا فَرُمِيَ فِي جِنَازَتِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "اعْقِلْهَا وَلا تَرِثْهَا" ١
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَكِّيِّ أنا الصَّائِغُ نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ نا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ الصَّنْعَانِيُّ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ عَنْ عَدِيٍّ الْجِذَامِيِّ
قَوْلُهُ: رُمِيَ فِي جِنَازَتِهَا يُرِيدُ أَنَّ الرَّمْيَةَ أَصَابَتْهَا فَمَاتَتْ وهي كَلمة للعَرَب تقولها إذا أَخْبَرت عن موتِ الرَّجُل يقال رُمِي في جِنازِته وطُعِن في نَيْطه: أي مات
وقال أبو زيد النَّيْط مفتوحة النون قَالَ وهو اسم من أسماء
стр. 283
المَوْت ويقال إنَّ النَّيْطَ عِرقُ الوَتِين إذا انقطع مات صاحبُه فأمَّا نيَاط القَلْب فهو رِباطُه.
وفي الجنازة لغتان الكسر والفتح ومنهم مَنْ يَفرقُ بينهما فيجعل الجَنازة بفتح الجيم بَدَنَ الميِّت والجِنازة بالكَسْر السَّريرُ أخبرني أبو عمر نا أبو العباس ثعلب عن ابن الأعرابي قَالَ الجنازَة بالكسر السرير ١ وبالفتح المِّيت قَالَ ومنه قول الكُمَيت يذكر النَّبِيّ ﷺ :
كَانَ مَيْتًا جَنازةً خَيْرَ مَيْتٍ ... غَيَّبَتْه حفائِرُ الأقوام ٢
قَالَ: ومَرَّ أعرابيّ بامرأة ثَكْلَى فَقَالَ أَثْكَلتْها الجنائز يريد المَوْتَى وقال صَخْر الغَي:
أَرى أُمَّ صَخْرٍ لا تَمَلُّ عِيَادَتي ... وملَّت سُلَيْمى مَضْجَعي ومَكانِي
وما كنتُ أخشى أن أكون جَنازةً ... عليك ومن يَغْتَرُّ بالحَدَثانِ ٣
وفي الحديث من الفقه أَنَّ قاتِلَ الخطأ لا يَرِث كالعامِد وأن النفس إذا تلفت بالتعزيز والتأديب وما في معناهما مما لا يلزم لُزومَ حُكْم كانت مضمونة.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ عَنْ مَكْحُولٍ.
قوله: أَغَرُّ غُرَّةً فيه وَجْهان أحدهما أن يكون من غُرَّةِ البَياضِ ونُصوع اللون وذلك أنّ الأَيْمَةَ وطُولَ التَّعْنِيس يُحيِلان اللون ويُبْلِيان الجِدَّة والوجه الآخر أن يكونَ من حسن الخُلُق والعِشرة ويَشْهد لذلك قولُه: في رواية أُخْرى: "عليكم بالأَبكار فإنهن أَغرُّ أخلاقًا وأَرضَى باليَسِير" ١
وغُرَّةُ كل شيء خِيارُه يقال هذا غُرَّةُ المَتَاعِ وغُرَّةُ العَبِيد وقد يُكْنى بها عن المحاسن والمكارم ومنه قوله ﷺ : "إيَّاكم ومُشَارَّةَ الناس فإنها تَدفِنُ الغُرَّة وتُظْهِر العُرَّةَ" ٢. ووجه ثالث إن ساعدته الرِّواية وهو أن يقال فإنهن أغَرُّ غِرَّةً بكسر الغَين يريد أَنَّهنّ أبعد من معرفة الشَّرِّ وأَقَلُّ فِطْنَةً له.
فأما حكمه في الجنين بِغُرَّة فإن تِفْسير عامَّةِ العلماء ٣ لها أَنّها عَبْدٌ أو أَمَة من غَيْر تقْييد له بصفة وذهب بعضُهم إلى أَنه أراد الخِيارَ من العَبِيد والإماء دون الأراذل ٤ منهم.
стр. 286
وأخبرني أبو محمد الكُرانيّ ثنا عَبْد الله بن شَبِيب ثنا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْمِنْقَرِيُّ نا الأصمعيّ قَالَ قَالَ أبو عمرو بن العلاء قول رَسُول الله ﷺ : "فِي الجِنَيِن غُرَّة عَبْد أو أَمَة" لولا أن رَسُولَ الله أراد بالغُرَّةِ مَعْنى لقال في الجنين عَبْد أو أَمَة ولكنه عَنى البياضَ حتّى لا يُقْبَل في الدِّيَة إلا غلام أبيضُ أو جارية بيضاء ولا يُقبَل فيها أسود ولا سوداء.
قَالَ أبو سليمان وهذا شَبِيه بالمعنى الأول لأنّ البَياض مما يُبْتَغَى في الرَّقيِق ويُزادُ له في القِيمة وكانت العرب تَقْتَني الحَبَش والنُّوبة والبياضُ فيهم عَزِيز فمن أَراد البياضَ في الجِنْس كالرّوم والصَّقَالِبَة لم يقدر عليه إلا بأن يرفَعَ في الثَّمَنِ.
يَرْوِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ عَنْ دَاوُدَ بْنِ مَهْرَانَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ سَيَّارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ بِلالٍ
قوله: كَبَدُهم البَردُ معناه غلبهم وشَقَّ عليهم ومنه قولُهم فلان يكابِدُ مَعِيشَتَه أي يقاسي مَشَقَّتَها ومنه قولهُ تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ ١ يقال في شِدَّةِ مُقاساة ومكابدةٍ لأمور الدنيا والآخرة وقد يكون قولُهم كبَدَهم بمعنى أصاب أكبادهم وذلك في أشد ما يكون من البَرْد لأنّ الكَبِد مَعدِنُ الحرارة والدَّم ولا يَخلُص إليها من البرد إلا الشديدُ المجحفُ والضَّحاءُ ممدودًا قريبٌ من نصف النهار والضُّحَى إذا تعالى النهار والضَّحْو عند ارتفاع النهار قَالَ بشر بن أبي خَارَم:
هُدُوًّا ثم لأْيًا ما استَقَلُّوا ... لوِجْهَتِهم وقد تَلع الضَّحاءُ ٢
وإنما صاروا يتروَّحُون لحرِّ الهواء يريد أنّ رَسُولَ الله دَعَا لهم فانكشف البردُ عنهم.
الحائل: المتغَيِّر من البِلَى وكلُّ مُتغيِّر اللّونِ حائِل يقال: حال لَونُه يَحولُ إذا تَغَيَّر فإذا أردتَ أنه قد أَتَى عَلَى الشيء حَولٌ كامِلٌ قلت قد أَحالَ الشيءُ ويقال: دارٌ مُحِيلَة إذا لم تُسكَن حولًا وربما رُدّ إلى الأصل فِقيلَ أَحولَ فهو مُحِول كقَوْل عُمرَ بن أبي ربيعة:
عُوجَا نُحَيِّ الطَّللَ المُحْوِلا ... والرَّبعَ من أَسماءَ والمنزلا ١
وَهَذَا كَحَدِيثِهِ الآخَرِ: "أَنَّهُ نَهَى عَنِ الاسْتِنْجَاءِ بِالرَّوَثِ وَالرِّمَّةِ"٢. والرِّمَّةُ العظام البالية
وَرَوَى عَوْفٌ الأَعْرَابِيُّ عَنْ أَبِي الْقَمُوصِ قَالَ: "بَلَغَنِي أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَنْ يَتَمَشَّعَ الرَّجُلُ بِرَوْثِ دَابَّةٍ أَوْ بِعَظْمٍ" قَالَ والتَمَشُّع الاستِنجاء.٣
ويقال إنه إنما مَنَع الاستنجاء بالرَّميم لأنه إذا أصاب المكانَ عَلِق به بعض أَجزائِه ولهذا كُرِه الاستنجاء بفتات المدر ونحوه
يَا سَيِّدَ النَّاسِ وَدَيَّانَ الْعَرَبْ ... إِلَيْكَ أَشْكُو ذِربَةً مِنَ الذِّرَبْ
كَالذِّئْبَةِ الْغَبْسَاءِ فِي ظِلِّ السَّرَبْ ... خَرَجْتُ أَبْغِيهَا الطَّعَامَ فِي رَجَبْ
فَخَلَفَتْنِي بِنِزَاعٍ وَحَرَبْ ١ ... أَخْلَفَتِ الْوَعْدَ ولطت بالذنب
وقذفتني بَيْنَ عِيصٍ مُؤْتَشَبْ ... وَهُنَّ شَرُّ غَالِبٍ لِمَنْ غَلَبْ ٢
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَهُنَّ شَرُّ غَالِبٍ لِمَنْ غَلَبَ".
فَشَكَا امْرَأَتَهُ وَمَا صَنَعَتْ بِهِ وَأَنَّهَا عِنْدَ مُطَرِّفَ بْنِ بُهْصُلٍ فَكَتَبَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى مُطَرِّفٍ: "انْظُرِ امْرَأَةَ هَذَا مُعَاذَةً فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ"٣
حَدَّثَنِيهِ ابْنُ الْفَارِسِيِّ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنُ مُكْرَمٍ نا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الْفَلاسُ نا عُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُبَيْدٍ الْحَنَفِيُّ حَدَّثَنِي الْجُنَيْدُ بْنُ أُمَيْنِ بْنِ ذَرْوَةَ بْنِ نَضْلَةَ بْنِ طَرِيفِ بْنِ بُهْصُلٍ الحِرْمَازِيُّ حَدَّثَنِي أَبِي أُمَيْنُ بْنُ ذِرْوَةَ حَدَّثَنِي أَبِي ذِرْوَةُ بْنُ نَضْلَةَ عَنْ أَبِيهِ نَضْلَةَ بْنِ طَرِيفٍ
الدَّيَّانُ: الملِكُ المُطاع وهو الَّذِي يَدِين النَّاسَ: أي يَقْهَرهُم عَلَى الطاعة. يقال: دَانَ الرجلُ القومَ إذا قهرهم فَدانُوا له إذا انْقَادوا اللازِم والمُتعدِّي فيه سَواء والدَّيَّانُ الَّذِي يَلي المُجازاةَ والدِّينُ الجَزاء والله مالك يوم الدين أي يوم الجزاء, ولذلك للحاكم الدَّيَّان وفي بعض الكلام مَنْ دَيَّانُ أَرْضِكم؟ أي مَن الحاكم بين أَهلِها وأنشدني الرُّهَنيّ أنشدني ابنُ كَيْسَان أو غيره:
стр. 295
لاهِ ابنُ عَمِّكَ لا أَفْضَلْتَ في حَسَبٍ ... عَنّي ولا أنت دَيَّاني فَتَخْزُوني ١
يقال خَزَاه يَخْزُوه إذا ساسَه ومنه قَولُ زيَاد قد خَزَوْنا وخزانا الخَازُون أي وَلِينَا الناس وَوُليَ علينا فَعلِمْنَا ٢ ما يُصلِح الرَّاعي والمَرْعَى وقوله: ذِرْبَة من الذِّرَب يُرِيد السَّلِيطَةَ والذَّرَبُ والذَّرابةُ حِدَّةُ الِّلسان يقال سِنَان ذَرِبٌ أي حدِيد وسَيفٌ ذَرِبٌ أي ماضٍ قَالَ الأصمعي الذَّرِبُ فَسادُ الِّلسان وسُوءُ لَفْظِه وهو من قولهم ذَرِبتْ مَعِدتُه إذا فَسدت وأنشد:
ولقد طويتُكُم عَلَى بُلَلاتِكم ... وعلِمتُ ما فِيكم من الأَذْراب ٣
وحُكِي عن أَبي عُبَيدة أَنُّه سُئِل عن الذَّرَب فَقَالَ: هُوَ سُرعةُ اللِّسان بكلامه حتى لا يَثْبُتَ الكلام فيه كَذَرَب المَعِدة إذا فَسَدت فصار الغِذاءُ لا يَثْبُت فيها فهو مَعنى واحد يُحمَد في الِّلسان ويُذَمُّ في المَعِدة والذئبة الغَبساءُ هي التي في لَوْنِها طُلسَة وكذلك ألوان الذِّئاب والفعل منه اغباسَّ وكذلك هُوَ في كل لون مُتَمَيِّل بين لونين كالصُّهْبَة والصحرة ونحوهما يقال اصهاب واصحار فأما اللون الخالص كالحمرة والبياض ونحوهما فالفِعْل منه احَمَّر وابيضَّ هذا إذا أردتَ أنه قد تَمَكَّن واستقرّ فإذا أردتَ التَّغَيُّرَ والاستحالةَ قُلتَ احْمارَّ واصْفَارَّ كقولك ما زال يَحمارُّ وَجْهُه ويصفارُّ فمن هذا حديثُ عَبْد الله قَالَ أَتيتُ رسولَ الله وهو نائِمٌ في ظل
стр. 296
الكعبة, فاستيقظ مُحمارًّا وجَهُه ١ وفي رواية أخرى: فاحمار وجهُه حتى صار كأنه الصِّرْف ٢, وهو شَيءٌ أَحمرُ يُصْبَغُ به الأديمُ قَالَ الشاعر:
كَلَوْن الصِّرْفِ عُلَّ به الأديم ٣
والعامة تجعل الصَّرفَ من أسماء الخَمْر وإنَما هُوَ نَعتُ لونِها ومعنى قولهم شَرِب الخَمرَ صِرْفًا أي شربها بلونِها لم يُغيِّره بمزَاج وكذلك قولهم في الجِرْيَالِ يجعلونَه من أَسْماءِ الخمر وإنما هُوَ لونها قَالَ الأعشى:
وسَبِيئةٍ مِمَّا تُعتِّق بابلٌ ... كَدَمِ الذَّبِيح سلبتُها جِريالَها ٤
أخبرني ابن الزِّئْبَقيّ نا الحسين بن حميد اللّخْمي نا التَّوَّزيّ ٥ نا الحِرمازي نا شعبة عن سِماك بن حرب عن أبيه حرب قَالَ لقيتُ الأعشى في الجاهلية فقلتُ له ما عَنَيْتَ بقولك سَلبتُها جِريالَها قَالَ شربتُها حمراءَ وبُلتُها بيضاءَ
وقوله: أَبْغِيها الطّعامَ معناه أَمتارُه وابْغِيه لها كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ ٦ المعنى كالوا لهم, كقولهم: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ ٧: أي من قومِه قال الشاعر:
стр. 297
أمرتُك الخَيَر فافعَل ما أُمِرْتَ به ... فقد تركْتُك ذا مالٍ وذا نَشَب ١
فحذف حرفَ الصِّفة يريد أمرتُك بالخَيْر وقال حُميدُ بن ثور:
أنتَ الَّذِي اخْتَارَه الرحمن أُمَّتَه ... فذاكَ غَيظٌ عَلَى مَنْ قلبُه حَسِك ٢
وأكثر ما يقال البَغْي في طلب الشرّ وأقَلُّه ما جاء في طلب الخير كقوله ﷺ : "إِذَا جَاءَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَقِيلَ يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ" ٣
وكقول زيد بن عمرو بن نُفَيْل وكان رَغِب في الجاهلية عن عِبادةِ الأوثان وطَلب الدِّين فتنصَّر فكان يقول:
البِرَّ أَبِغي لا الخَالْ ... وهل مُهجِّرٌ كَمن قَالْ
وقوله: لَطَّت بالذَّنَب يريد أنها تَوارَت عنه وأَخْفَت شَخصَها دونَه يقال: لَطَّ الغَرِيمُ دُوني إذا استَخْفَى عنك وغَيَّب شَخصَه وأصلُه من قولهم: لَطَّت الناقةُ بذنَبِها إذا ألزقتْه بحيائها
وفيه وجه آخر وهو أن يكون أراد أنها قد نَشَزت عليه وامتنعت عن التّمكين من نفسها كما تمتنع الناقة عَلَى الفحل إذا حملت بأن تلصق ذنبها بحيائها ٤
стр. 298
قَالَ أبو عبيدة يقال لَطِطْتُ به أَلَطُّ لَطًّا وأَلَظَّ به إلظاظًا بمعنى واحد وهو لزوم الشَّيء.
قَالَ الشاعر:
أَلا إنّ قومي لا تُلَطُّ قدورُهم ... ولكنها تُوقَدْنَ بالعَذِرات
أي لا تُسْتَر قُدورُهم لكنها تُنْصَب بالأَفْنِية
وقوله: قذفَتْني بين عِيصٍ مُؤتَشِب فالعِيصُ أُصولُ الشَّجَر والمُؤتَشِب الملتَفُّ المُلْتَبس قَالَ جرير:
فَما شَجَراتُ عِيصِكَ من قُرَيْشٍ ... بعَشَّاتِ الفُروعِ ولا ضَوَاحي ١
وضَربَ الشّجَر وإئتشابه مَثَلًا في التِبَاس أمره عليه ورواه لنا المحدِّثُ: بَين غِيضٍ مُؤْتَشِب والرّواية بين عِيصٍ عَلَى ما فَسَّرناه وقَولُه: لمن غَلَب فإنما وحَّد الفِعلَ وذكَّره لأنّه ردّه إلى غالبٍ فكأَنَّه قَالَ وهُنّ شَرُّ شيءٍ غالبٍ لِمَنْ غَلَب.
وقوله: سَجَع ذَلِكَ المَسْجَع معناه سَلَك ذَلِكَ المَسْلَك أو ذَهَب ذَلِكَ المذهب أو نحو هذا من الكلام وأصلُ السَّجْع القَصدُ لجهةٍ واحدة قَالَ ذو الرُّمَّة:
قَطعتُ بها أَرضا تَرَى وجه رَكْبها ... إذا ما علَوْها مُكفَأ غيرَ ساجِعِ ١
أي غير قاصِد ومنه سَجْع الكَلامِ وهو أن تَأتَلِفَ أواخِرُه عَلَى نَسقٍ واحد وكذلك سَجْعُ الحمامة إذا صَدحَت وهو مُوالاة الصّوت عَلَى نَمَط واحد ومثله سَجْع الإِبِل إذا حَنَّت قَالَ متِّمم بن نُوَيْرَة:
فَما وَجْد أَظآر ثلاثٍ رَوائمٍ ... رأيْن مَجَرًّا من حُوارٍ ومَصْرعَا
يذكِّرن ذا البَثِّ الحَزينَ بِبَثِّه ... إذا حَنَّت الأولى سَجَعْن لَهَا مَعَا ٢
-وفي الحديث من الفِقْه كَراهَةُ وَطْءِ الحَبالي من السَّبْي وَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ: "لا يَسْقِيَنَّ أَحَدُكُمُ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ" ٣: أَيْ يَطَأَنَّ حَامِلا مِنْ غَيْرِهِ
وفيه أيضًا من الفقه أَنَّ الحملَ في الآدميات عَيبٌ تُردُّ به الجاريةُ وأَنَّها مخالِفَة للمَواشي والدوابِّ
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ نا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ نا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ عَنْ مُسْلِمٍ الْمَكِّيِّ عَنْ أَبِي الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ
التِّبْر: جوهَر الذَّهب والفِضَّة يقال للقِطعة منها تبْرة ما لم يُطْبَع فإذا ضَرِبت دراهَم أو دنانير سُمِّيت عَيْنًا حرم التَّفَاضُلَ فيها سواء كان تِبرًا بمضروب أو عَينًا بعَيْن والمُديُ مِكيال لأهلِ الشَّام يقال إنه يَسَع خَمسةَ عَشَر مَكُّوكًا والمَكُّوك صَاعٌ ونِصف والصّاعُ خمسة أرطال وثلث وهو صاع الحَرَمين
أخبرنا ابن الأعرابي نا أبو داود قَالَ قَالَ أحمدُ بن حنبل صاع النبي خمسةُ أرطال وثلث وأما الصّاع في قول أهل العِراق فإن إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ نا قَالَ نا الحسن بن علي بن عَفّان العامِرِيّ عن يحيى بن آدم قَالَ الصَّاعُ عند أصحابِنا ثمانيةُ أَرطال وهذا صاعُ الحَجّاج صَوَّعه لمَّا وُلَّي العراقَ وسَعَّر به عَلَى أهلها وكانت الوُلاةُ يتحمَّدونَ بالزِّيادة في الصِّيعان يُرِيدون به التّوسعةَ عَلَى الناس ولذلك قَالَ بعضُهم في ولاية سَعِيد العراق:
يا ويلنا قد ذَهَبَ الوليد ... وجاءنا مُجوِّعًا سَعِيد
يَنقُص في الصاع ولا يَزِيدُ
قَالَ أبو سليمان فصاعُ: الحَجَّاج صاعُ التَّسعير عَلَى أهل الأسواق لا صاعُ التَّوقيف الَّذِي تُقدُّر به الكَفَّارات وتُخرَجُ به الصدقات
وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ عَبْد الرزاق نا أبو داود نا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خلاد نا مُسدَّد عن أميَّة بن خالد قَالَ لما وَلِي خالدٌ أضعَفَ الصّاعَ فصار الصاعُ سِتَّةَ عشر رِطلًا فهذا تفسير المُدْي.
стр. 305
وأما المدُّ فهو رُبع الصّاع ويقال إنه مُقَدَّر بأن يُمدَّ الرجلُ يَدَيْه فيملأ كفّيه طَعامًا ولذلك سُمِّي مُدًّا وَقَدْ قَالَ ﷺ فِي أَصْحَابِهِ: " لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِلْءَ الأَرْضِ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلا نَصِيفَهُ" ١
والنَّصِيفُ: النّصفُ ورواه بعض أهل اللغة "ما بَلَغ مَدَّ أحدِهم" –بفتح الميم- يُريد الغاية. يقال فلان لا يبلغ مَدَّ ٣ فلان أي لا يلحقُ شَأوَه ولا يدرك غايته
стр. 306
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ قِتَالَ الرُّومِ فَقَالَ: "يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ رُوقَةُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ "
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ السُّرِّيُّ ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ نا كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ
رُوقَةُ القوم: خيارهم وسراتهم يقال رأيتُ رائقةَ بني فُلانٍ أي وجوهَهم وأعيانَهم وأصل هذا في الرَّقيق يقال وصيفٌ رُوقَةٌ وَوُصَفاء رُوقةٌ أي حِسانٌ ويستعار ذَلِكَ في الخيل يقال خَيْل رُوقَةٌ وأُراه مأخوذًا من راقَنِي الشَّيء إذا أعجبك ويقال أيضًا رأيتُ جَبْهة بني فلان إذا رأيتَ سادتَهم وأَعيانَهم ومِثُله رأيتُ نواصِيَ بني فُلان قَالَ الشاعر:
في مجلس من نَواصِي الحَيّ مشهود ١
стр. 307
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَوَّلُ دِينِكُمْ نُبُوَّةٌ وَرَحْمَةٌ ثُمَّ خِلافَةٌ وَرَحْمَةٌ ثُمَّ مُلْكٌ أَعْفَرُ ثُمَّ مُلْكٌ وَجَبْرُوَّةٌ يُسْتَحَلُّ فِيهَا الْفَرْجُ وَالْحَرِيرُ ١".
مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ الأُمَوِيُّ نا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدٍ الْكُلاعِيُّ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشْنِيِّ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ
قوله: مُلك أَعفَر معناه الإِرْبُ والدّهاء أُخِذ من العَفَارَة وهي الشَّيْطَنَة والدَّهاء يقال رجل عَفْرٌ وعِفْرٌ ومنه قيل للشيطان المتمرّد عِفرِيت ويوصَف به الرَّجلُ الدَّاهي الخَبِيث فيقال رجل عِفْريت نِفْريت وعِفْرِيَة نِفْرِيَة والمعنى أَنَّ المُلك يُفْضي إلى قوم يَسُوسُون النّاسَ بالدَّهاء والنُّكْر والجبَرُوَّةَ مَصْدَر يقال جبَّارٌ بيّن الجَبْريَّة والجِبْرِيَّة والجَبَروت والجَبْروَّة وهو الجَبَروتا أيضًا كقولهم رَحَمُوتا ورَهَبُوتا والعرب تقول: "رَهَبُوتا خير من رَحَمُوتا"٢, معناه لأن تُرهَب خير من أن تُرحَم
وَمِنْ هَذَا حَدِيثُهُ الآخَرُ حَدَّثَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا زَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ نا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ حَدَّثَنِي الْعَلاءُ بْنُ الْمِنْهَالِ الْعَبْدِيُّ ثنا مُهَنَّى بْنُ هِشَامٍ الْقَيْسِيُّ حَدَّثَنِي قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ
عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنْتُمُ الْيَوْمَ فِي نُبُوَّةٍ وَرَحْمَةٍ ٣ ثُمَّ يَكُونُ خِلافَةُ رَحْمَةٍ ثُمَّ يَكُونُ كَذَا وَكَذَا ثم يكون ملوكا عضوضا ٤
стр. 308
يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَلْبَسُونَ الْحَرِيرَ وَفِي ذَلِكَ يُنْصَرُونَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ" ١
العُضُوض جمع عضٍّ وهو الرِّجلُ الخَبِيث الشَّرِسُ الخُلُق.
فَأَمَّا حَدِيثُهُ الآخَرُ الَّذِي يَرْوِيهِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فِي صِفَةِ الْخُلَفَاءِ وَالأُمَرَاءِ حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ نا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ نا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الطُّوسِيُّ ثنا كثير بن حفص ثنا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي قَبِيلٍ الْمَعَافِرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَخْبَرَهُ قَالَ بَيْنَا أَنَا وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَسَلْمَانُ ٢ جلوسا ننتظر رسول الله إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا فِي الْهَجِيرِ مَرْعُوبًا وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي صِفَةِ الْخُلَفَاءِ وَالأُمَرَاءِ بَعْدَهُ فَقَالَ: "أَوْهِ لفراخ محمد من خَلِيفَةٍ يُسْتَخْلَفُ عِتْرِيفٍ مُتْرَفٍ يَقْتُلُ خَلَفِي وَخَلَفَ الْخَلَفِ" ٣. فَإِنَّ الْعِتْرِيفَ الْغَاشِمُ يُقَالُ رَجُلٌ عِتْرِيفٌ وعِتْريس أَيْ غاشِمٌ ويقال إنه مقلوب من العِفْرِيت. ورواه بعضهم غِترِيفٍ مترفٍ بالغين المعجمة والغَتْرفَة والغَطْرفَة واحدة ورجل مُتَغَتْرف أي متكبِّر وأنشد عن الأحمر:
فإنك إن عاديتني غضب الحصا ... عليك وذو الجُبُّورَة المُتَغَتْرف ٤
وقوله: يقتُل خلَفي وخَلَف الخَلَف فإنه يُتَأَوّلُ عَلَى ما كان مِنْ يَزِيد في أمر الحسين بن علي وفيما جَرَى منه عَلَى أولادِ المُهاجرين والأَنصار يوم الحَرَّة وهم خَلَف الخلف ﵏
стр. 309
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ " ١
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ النَّجَّادُ نا إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ ثنا عَفَّانُ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَابْنُ عَائِشَةَ قَالُوا ثنا حَمَّادٌ ثنا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِي حُرَّةَ الرَّقَاشِيِّ عَنْ عَمِّهِ.
قوله: استُحْلَلتُم فروجَهن بكلمة الله يريد -والله أعلم- ما شَرَطه لهنّ في كَلِمته وهو قَولُه تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ ٢ وقد تتَصَرَفُ الكلمة عَلَى وجوه جِماعُها ما أمر الله به ودعا النّاسَ إليه قَالَ الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ ٣ ثُمَّ فَسَّر ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ ٣ .. الآية.
وأما قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ ٤. فإن المفسرين يذكرون أنها عَشْر خصال في الطَّهارة أمره الله بهن خَمس في الرأْسِ وخَمسٌ في سائرِ الجَسَد فأما التي في الرأس ففَرْق الرَّأسِ ٥ وقَصُّ الشارب والسِّواكُ والمَضْمَضَةُ والاستِنْشاق وأما التي في الجسد فَتَقْلِيمُ الأظفارِ ونَتْف الإِبِط وحَلْقِ العانةِ والاستِنجاءُ والاختِتانُ
فأَتَّمهن أي وَفَّاهن ثُمَّ قال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ ٦ أي أَدَّى ما فُرِض عليه.
стр. 310
وأما قولُه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ﴾ ١ فبيان ذلك قوله تعالى: ﴿ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا﴾ ٢ الآية وأما قوله: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾ ٣ فإنها أربعُ كلماتٍ تكلم بها عيسى في المهد صَبِيًّا: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ ٤ إلى قوله: ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ ٥
وأما قولُه: ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ ٦ فكلماته عِلمُه
وأما قوله: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ ٧ فإنه يريد -والله أعلم- أنه أوجدَه بالكلمة وكوَّنَه بها وهي قوله: كُنْ من غير تَوْلِيدٍ من فَحْل أو تَنْسِيلٍ من ذكر وهو معنى قولِه: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾ ٨ ولم يُرِد -واللهُ أَعْلَم- أنَّ عِيسَى هُوَ الكلمةُ نَفسُها ألا تراه يقول اسمُه المَسِيح ولو أَرادَ الكلمةَ لقال اسمُها المسيح.
فأما قَولُ النَّبِيّ ﷺ : "أَعوذُ بكَلماتِ الله التَّامَّات" ٩ فإِنّ كلمتَه القُرآنُ وصَفَةُ بالتّمام تنزيهًا له عن أن يَلحقَه نقصٌ أو عيبٌ كما يوجد ذَلِكَ في كلام الآدمِيِّين.
стр. 311
وقد يَحتَجُّ بهذا الخبر مَنْ يَرَى أَنَّ النِّكاحَ لا ينعَقِد إلا بَلْفظِ النِّكاح أو التِّزويج.
стр. 312
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ ١ لِلرَّجُلِ الَّذِي بَاعَ لَهُ الْقَدَحَ وَالْحِلْسَ فِي مَنْ يَزِيدُ: "انْطَلِقْ إِلَى هَذَا الْوَادِي فَلا تَدَعْ حَاجًا وَلا حَطَبًا وَلا تَأْتِنِي خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا" ٢
حَدَّثَنَاهُ الأَصَمُّ نا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ نا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ نا الأَخْضَرُ بْنُ عَجْلانَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ.
الحاجُ أيضًا جمع حاجَةٍ قَالَ الراعي:
من حَسَكِ التَّلعَةِ أو من حَاجِها
والحاجُ أيضًا: جمع حاجَةٍ قَالَ الراعي:
وحاجَةٍ غيرِ مُزْجاةٍ من الحَاجِ ٣
فأما الحوائج فهي جَمعٌ عَلَى غير قياسٍ إلا أَنَّ من العرب من يقول في الواحدة منها حائِجَة فمن قَالَ ذَلِكَ أصابَ القياسَ في جمعها عَلَى الحَوائج ذكره أَبو عُمَر عن أبي العباس ثَعْلب
فَأَمَّا حَدِيثُهُ الآخَرُ أَنَّهُ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: مَا تَرَكْتُ حَاجَةً ولا داجة إلا أتيتها.
стр. 313
حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتَّابٍ الْعَبْدِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْقُرَشِيُّ ثنا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ ثنا مَسْتُورُ بْنُ عَبَّادٍ الْهُنَائِيُّ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلا جَاءَ رَسُولَ الله فَقَالَ مَا جِئْتُكَ حَتَّى لَمْ أَدَعْ حَاجَةً وَلا دَاجَةً إِلا أَتَيْتُهَا فَقَالَ لَهُ: "أَلَيْسَ تَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ"؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ: "فَإِنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَكَ كُلَّ حَاجَةٍ وَدَاجَةٍ" ١
هكذا رواه ابن قُتَيبَة بالتّخفيف ٢, وفَسِّره فَقَالَ: أَراد أنه لم يَدَعْ شيئًا دعتْه نفسه إليه من المعاصي إلا رَكِبَه ٣, قَالَ وداجة إتباعٌ كقولهم: شَيطانٌ لَيْطانٌ وأخواتها
وقد روي هذا الحرف من غير هذا الطريق مُثقَّلًا وفُسِّر عَلَى غير هذا المعنى
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الْمَوْصِلِيُّ نا أَبُو نَشِيطٍ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الْمَرْوَزِيُّ أنا أَبُو الْمُغِيرَةَ حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ٤, عَنْ أَبِي الطَّوِيلِ شَطْبِ ٥ الْمَمْدُودِ: أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فقال: يا رسول
стр. 314
اللَّهِ أَرَأَيْتَ رَجُلا عَمِلَ الذُّنُوبَ كُلَّهَا وَهُوَ فِي ذَلِكَ لا يَتْرُكُ حَاجَّةً وَلا دَاجَّةً إِلا اقْتَطَعَهَا بِيَمِينِهِ هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ قَالَ: "هَلْ أَسْلَمْتَ"؟ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: "نَعَمْ نَعَمْ ١ فَاعْمَلِ الْخَيْرَاتِ بِتَرْكِ الشِّرَّاتِ ٢ يَجْعَلُهُنَّ اللَّهُ لَكَ خَيْرَاتٍ كُلَّهَا" ٣
وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ عَنْ أَبِي نَشِيطٍ عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةَ قَالَ سَمِعْتُ مُبَشِّرَ بْنَ عُبَيْدٍ يَقُولُ الحاجة الحجاج إذا أقبلوا والداجة إذا رجعوا وقال غيره الحاجَّةُ القاصدون البيت والدّاجَّةُ من كان في ضمنهم من مُكارٍ وتاجرٍ وتابع
وَمِنْ هَذَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا فِي الْحَجِّ لَهُمْ هَيْئَةٌ أَنْكَرَهَا فَقَالَ: هَؤُلاءِ الدَّاجُّ فَأَيْنَ الْحَاجُّ ٤؟ وَسُمُّوا دَاجًّا لأنَّهُمْ يَدُجُّونَ عَلَى الأرْضِ والدَّجَجَانُ الدبيب في السير أنشدني:
بعضهم عِصابةٌ إن حَجَّ موسى حجُّوا ... وإن أقام بالعراق دَجُّوا
ما هكذا كان يكون الحجّ
يُريد موسى بن عيسى الهاشميّ قَالَ أبو عمر: قَالَ أبو العبَّاس: يقال لهم الحاجُّ والدَّاجُّ والنّاجُّ
فالحاجُّ أصحاب النِّيّاتِ والدَّاجُّ الأتباع والناج المراؤون
стр. 315
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ ظَلَمَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ طَوَّقَهُ اللَّهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ " ١
حَدَّثَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ قَالا ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَيُّوبَ الْمُخَرَّمِيُّ ثنا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ طَلْحَةَ ٢ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ ٣
هذا يفسّر عَلَى وَجْهَين أحدهما أن تُخسَف به الأرضون السَّبعُ فتكون البُقعةُ المغصوبةُ منها في عنقه كالطَّوق والوَجْه الآخر أن يكون ذَلِكَ من طَوْقِ التَّكليف لا من طَوْق التَّقْليد وهو أن يُكلَّف حملها يَومَ القيامة وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ أَخَذَ أَرْضًا بِغَيْرِ حَقِّهَا كُلِّفَ أَنْ يَحْمِلَ تُرْبَتَهَا إِلَى الْمَحْشَرِ" ٤
وفي الحديث من الفِقْه أنّ مَنْ ملك بُقعةً من الأرض ملك أسفلها كما يَملِك أعلاها وأن ليس لأحدٍ أن يتّخِذَ سَرْبًا تحت أرضه وإن كان لا يتضَرّر به كما لَيْس له أن يُشرِع جَناحًا أو ظُلَّة في هواء داره وإن كان لا يتضَرّر به.
ضُرَيْسٍ ١ ثنا عُثْمَانُ بْنُ طَالُوتَ ثنا عَبَّادُ بْنُ اللَّيْثِ صَاحِبُ الْكَرَابِيسِ ثنا عَبْدُ الْمَجِيدِ أَبُو وَهْبٍ عَنِ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ
قوله: لا داءَ يريد أن المَبيع بريءٌ من داءِ في بدنه أو عيبٍ يُرَدُّبِهِ وقوله: لا غائلةَ فإنها كلُّ شيءٍ يُقصَد به الخداع والتَّدليس وأصل ذَلِكَ من قولهم غالَتْه غولٌ إذا أذهبتْه فهي غائلته ولذلك قيل الغَضَب غُولُ العقل قَالَ ذو الرُّمَّة:
أعاذلُ قد جَرَّبتُ في الدّهر ما كَفَى ... ونظَّرتُ في أَعقابِ حَقٌ وباطلِ
فأيْقَنَ قلبي أنني تابعٌ أبي ... وغائلتي غَوْلُ الرِّجالِ الأوائلِ ٢
فالغائلة في البيع كلّ ما أَدَّى إلى تلَف الحقِّ وذهابه
وَأَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْكَرَانِيُّ ثنا عَبْد الله بن شَبِيب ثنا زكريا بن يحيى المِنْقَريّ عَنِ الأَصْمَعي قَالَ سألتُ سعيدَ بن أبي عَروُبة عن الغائلة فَقَالَ الإباقُ والسَّرَقُ والزِّنا
وقال قتادةُ الإباق قَالَ الأصمعي وسألته عن الخِبْثَةِ فَقَالَ بيع أهل عهد المسلمين يريد سبي من أعطى عهدًا أو أمانًا وسمَّاه خبْثةً لحُرمته وكلُّ مُحرّمٍ خبيث. ويقال سَبْيٌ خِبْثَةٌ: أي خبيث وسَبْيٌ طِيبَةٌ وهو ما طاب ملكه وحل ٣
стр. 319
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُوزَنَ "١
حَدَّثَنَاهُ خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَيَّامُ ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَعْقِلٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ نا آدَمُ نا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي الْبَخْتَريِّ الطَّائِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قوله: حتى تُوزَن الثمار لا تُوزنُ إنما تُكال ومعنى تُوزن تُخرصُ وسماه وزنًا لأن الخارص يَحزرُها ويقدِّرها فيحُلّ ذَلِكَ مَحَلّ الوزْن لها والمعنى في النَّهي عن بَيْعها قَبْل الخرصِ شيئان أحدهما تحصين الأموال وذلك أنها في الغالب لا تأمنُ العاهةَ إلا بعد الإدراك وهو أوان الخرْص والمعنى الآخر أنّه إذا باعها قَبْل بُدُوِّ الصَّلاح عَلَى القَطْع سقط حقوقُ الفقراء لأنّ الله تعالى أوجب إخراجها وقت الحصاد