ضُرَيْسٍ ١ ثنا عُثْمَانُ بْنُ طَالُوتَ ثنا عَبَّادُ بْنُ اللَّيْثِ صَاحِبُ الْكَرَابِيسِ ثنا عَبْدُ الْمَجِيدِ أَبُو وَهْبٍ عَنِ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ
قوله: لا داءَ يريد أن المَبيع بريءٌ من داءِ في بدنه أو عيبٍ يُرَدُّبِهِ وقوله: لا غائلةَ فإنها كلُّ شيءٍ يُقصَد به الخداع والتَّدليس وأصل ذَلِكَ من قولهم غالَتْه غولٌ إذا أذهبتْه فهي غائلته ولذلك قيل الغَضَب غُولُ العقل قَالَ ذو الرُّمَّة:
أعاذلُ قد جَرَّبتُ في الدّهر ما كَفَى ... ونظَّرتُ في أَعقابِ حَقٌ وباطلِ
فأيْقَنَ قلبي أنني تابعٌ أبي ... وغائلتي غَوْلُ الرِّجالِ الأوائلِ ٢
فالغائلة في البيع كلّ ما أَدَّى إلى تلَف الحقِّ وذهابه
وَأَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْكَرَانِيُّ ثنا عَبْد الله بن شَبِيب ثنا زكريا بن يحيى المِنْقَريّ عَنِ الأَصْمَعي قَالَ سألتُ سعيدَ بن أبي عَروُبة عن الغائلة فَقَالَ الإباقُ والسَّرَقُ والزِّنا
وقال قتادةُ الإباق قَالَ الأصمعي وسألته عن الخِبْثَةِ فَقَالَ بيع أهل عهد المسلمين يريد سبي من أعطى عهدًا أو أمانًا وسمَّاه خبْثةً لحُرمته وكلُّ مُحرّمٍ خبيث. ويقال سَبْيٌ خِبْثَةٌ: أي خبيث وسَبْيٌ طِيبَةٌ وهو ما طاب ملكه وحل ٣
стр. 319
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُوزَنَ "١
حَدَّثَنَاهُ خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَيَّامُ ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَعْقِلٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ نا آدَمُ نا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي الْبَخْتَريِّ الطَّائِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قوله: حتى تُوزَن الثمار لا تُوزنُ إنما تُكال ومعنى تُوزن تُخرصُ وسماه وزنًا لأن الخارص يَحزرُها ويقدِّرها فيحُلّ ذَلِكَ مَحَلّ الوزْن لها والمعنى في النَّهي عن بَيْعها قَبْل الخرصِ شيئان أحدهما تحصين الأموال وذلك أنها في الغالب لا تأمنُ العاهةَ إلا بعد الإدراك وهو أوان الخرْص والمعنى الآخر أنّه إذا باعها قَبْل بُدُوِّ الصَّلاح عَلَى القَطْع سقط حقوقُ الفقراء لأنّ الله تعالى أوجب إخراجها وقت الحصاد
فهذا إفراط وقد عِيبَ به.
والعُطْبوُل أيضًا الطَّويلُ العُنُق وهو العيطل والبكرة العَنَطْنَطة مثل العيطاءِ سواء ويقال عُنُق عَنَطْنَطٌ قَالَ الشاعر:
تَمطُو السُّرَى بعُنُقِ عَنَطْنَطِ ١
وقوله: قد بُسَّ منه أي قد نَالَ منه البِلَى فَرقَّ ونَهِك ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً﴾ ٢, قَالُوا: معناه فُتَّت ٣ ودُقَّت ومنه البَسِيسَةُ وهي السُّوِيقُ ونحوُه وقال الأصمعي: هي كل شيءٍ خَلطَته بغيره مثل السَّوِيق والأَقِط ثُمَّ تبلُّه أو مثل الشَّعير بالنَّوى للإبل يقال: بَسَسْت أَبُسُّ بَسًّا قَالَ الراجز:
لا تَخْبِزَا خُبْزًا وبُسَّابَسَّا ... ولا تُطِيلا بمقامٍ حَبْسَا ٤
يقول: تَزوَّدا السَّويق ٥ ولا تَصْنَعا خبزًا لئلا يطول المَكْثُ يأمرهما بالنَّجاء في السَّير ويروى لا تَخْبِزَا خَبْزًا "بفتح الخاء", والخَبز: الدَّفْعُ بالأَيْدي في السَّوْقِ والبَسُّ السَّيرُ أيضًا.
قَالَ أبو زَيْد: البَسُّ والبَشْكُ جميعًا: السَّيرُ الرَّقِيق يقال بَسَسْتُ أَبُسُّ وبَشَكْتُ أَبْشُك وأنشد:
لا تَخْبِزا خَبْزًا وبُسَّابسَّا
стр. 323
ويُروى أيضًا: ونُسَّانَسَّا "بالنون" والنَّسُّ: السَّوقُ
وقوله: غير مَفْنُوخ: أي غَير مَنْهوك. ويقال للرجل الضعيف: إنه لفَنِيخٌ ومنه قيل: فَنَخْتُ رأسَه إذا شَدخْتَه, قَالَ العَجّاج:
لَعَلِم الجُهال أَنّيَ مِفْنَخُ ١
وقد استَدلَّ بعضُ أهل العلم بقوله: "أَذِنَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ فِي المُتْعة عامَ الفتَح" عَلَى أَنّ حَظرًا قد كان تَقَدّمه واحتج بخبر عليّ بن أبي طالب
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى نا الْحُمَيْدِيُّ نا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ الْحَسَنِ وَعَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنَاهُ أَنَّ أَبَاهُمَا أَخْبَرَهُمَا أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ زَمَنَ خَيْبَرَ ٢
وذهب آخرون إلى أن حَظْرًا لم يكن تَقدمَّه وإنما كان النَّهي عنه عامَ الفَتْح وتأوّلوا الخبَر عَلَى أنَّ ذِكْر خَيْبَر ليس عَلَى التَّوقيت للنَّهي عن المُتعة لكنه على التوقيت له في لحوم الحُمُر وإنما أدرجه الراوي إدراجًا كأنه قَالَ نهى رسول الله عن نكاح المتعة ثُمَّ قَالَ ونهى عن لُحومِ الحُمُر الأَهلية زَمنَ خَيْبَر فكان التَّوقيتُ مُنصِرفًا إلى حُرْمَةِ الحُمُر لا إلى المُتعة قَالُوا ومما يدل عَلَى صِحَّة ذَلِكَ أَنَّ المُتْعَة لم يكن لها زمَن خَيْبر سببٌ فيجب تحريمها له وكان السببُ في تحريم لحوم الحمر معلوما يوم خَيْبر وذلك أنهم أسرعوا فيها وأَغْلَوْا بها القُدور قَالَ الراوي فنهانا رَسُول الله عنها فأكفَأْنَا القُدورَ وهي تَغْلِي بها.
стр. 324
ومَّما احتجوا به أَنْ قَالُوا: ليس في الشَّريعة أمرٌ تَوالَى عليه التَّحريمُ مرتين. ويروى هذا القولُ عن أبي بكر الأَثْرم ورأيتُ ابنَ أبي هُرَيرة يَنْصُره ويَمِيل إليه وقد روى مالِكٌ هذا الخبر فذكر النَّهي عن المُتْعة يوم خَيْبر, فجرَّده من غير تَضْمينٍ له بالنَّهي عن لُحومِ الحُمُر الأَهْلِية
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ نا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْهَاشِمِيُّ نا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيَّ نا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ الْحَسَنَ وعبد الله أخبراه أَنَّ أَبَاهُمَا أَخْبَرَهُمَا أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: "حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ مُتْعَةَ النِّسَاءِ يَوْمَ خيبر"١.
стр. 325
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ فَكَنَفَهَا فَضَرَبَ بِالْمَاءِ وَجْهَهُ "١
مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ نا أَبُو جَعْفَرٍ الْخَطْمِيُّ نا عُمَارَةُ بْنُ خُزَيْمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي قُرَادٍ وَلَهُ صُحْبَةٌ
قوله: كنَفَها معناه جَمَع كَفّه لِيَصير كِنْفًا للماءِ والكِنْفُ الوِعاء ومنه قولهُ: ﵇ ٢ في عبد الله: "كنيف ملئ علمًا" ٢ المعنى أنه أَسبغَ الوُضُوء وأَخذ الماءَ له غَرْفًا بِمِلْءِ كَفِّه.
ويقال: كنف الكَيَّال يَكْنُفُ كَنْفًا وهو أن يجعل عَلَى يديه رأس القفيز يُمسِك بهما الطعام ٣
стр. 326
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قِصَّةِ جُوَيْرِيَّةَ بِنْتِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُصْطَلِقِ قَالَ: "وَكَانَتِ امْرَأَةً مُلاحَةً " ١
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى أَبُو الأَصْبَغِ الْحَرَّانِيُّ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابن إسحاق عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ
قوله: مُلاحة هي الموصوفة بالمَلاحة يقال مَلِيح ومُلاح وكَرِيمٌ وكُرامٌ قَالَ أبو عُبَيْدة العرب تحوّل لفظ فَعِيل إلى فُعَال ليكون أشدَّ مبالغةً في النَّعت قَالَ غيره فإذا أرادوا التأكيد شَدَّدُوا فقالوا كُرَّام وحُسَّانٌ قَالَ الشَّمّاخُ:
دارُ الفتاةِ التي كنّا نَقُول لها ... يا ظَبْيَةً عُطُلًا حَسَّانَةَ الجِيدِ ٢
ويقال: رجل أُمَّان أي أَمِين ثِقَة قَالَ الأعشى:
ولقد شَهِدتُ التَّاجِرَ الأُمَّانَ مَوْرودًا شَرابُه ٣
وقال الفَرَّاء يقال رجل وُضَّاء مُشَدَّدٌ من وَضَاءَةِ الوَجْه ورجل قراء للقارئ قَالَ وأنشدني أبو صَدَقَةَ النُّميْريّ:٤
بيضاءَ تَصْطادُ العَفِيفَ وتَسْتَبِي ... بالحُسْنِ قلب المسلم القراء ٥
стр. 327
وفي هذه القصيدة:
والمرءُ يُلحِقُه بفِتْيان النَّدى ... خُلُقُ الكَريم وليس بالوُضَّاءِ
ويُحكى عن الأصمعيّ أنه قَالَ قُلتُ لجارية من الأَعراب أين أبوك؟ فقال عند الكُبَّار وأشارت إلى جَبَل قريب منها ومن هذا قولُه تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً﴾ ١
стр. 328
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ زَوَّجَ فَاطِمَةَ مِنْ عَلِيٍّ فَلَمَّا أَصْبَحَ دَعَاهَا فَجَاءَتْ خَرِقَةً مِنَ الْحَيَاءِ فَقَالَ لَهَا: "اسْكُنِي فَقَدْ زَوَّجْتُكِ أَحَبَّ أَهْلِ بَيْتِي ودعا لهما" ١
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا أَبُو مُسْلِمٍ الْكَشِّيِّ نا صَالِحُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ وَرْدَانَ حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنِي أَيُّوبُ عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْمَدَنِيِّ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ
قوله: خَرِقة معناه خَجِلة من فَرْط الحَياء. أخبرني أبو عمر عن أبي العَبّاس ثعلب قَالَ يقال خَرِقَ الرجلُ وبَعِل وبَحِر وبَقِر إذا نزل به أَمرٌ فَبِقي مُتحَيِّرا
وفي حديث آخر: أنّها أَتَتْه تَعثر في مِرْطِها من الخَجِل ٢ وقال أبو دواد الإيادي
стр. 329
والجُونُ في ألجائها خُرُقٌ ... والطَّيرُ في الأوكار قد خَرِقَت
أي تحيرت من الفزع فبقيت في أماكنها لا تَتحرَّك يعني بالجون هنا الحُمُر والإلجاء مواضعها قد تحيرت فيها لا تدري أين تذهب ١
стр. 330
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "تَيَاسَرُوا فِي الصَّدَاقِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيُعْطِي الْمَرْأَةَ حَتَّى يَبْقَى ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ عَلَيْهَا حَسِيكَةً" ١
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ ثنا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي حُسَيْنٍ بِذَلِكَ.
قوله: تَياسَرُوا يريد تَراضْوا بما استَيْسَر منه ولا تُغَالُوا به ٢ والحَسِيكَةُ العداوة يقال فلان حَسِكُ ٣ الصّدرِ عليَّ إذا كان مُضمِرًا لك عَلَى حِقْدٍ وقال الكِسائيّ المِئْرةُ الذّحْلُ وجمعها مِئَرٌ والضَّمَد الحِقْد والكَتِيفَةُ الضَّغِينَةُ ومثله الحَسِيفَةُ والحَسِيكَة والسَّخِيمَةُ قَالَ الأُموِيّ الحِشْنَةُ الحِقْد وأنشد:
أَلا لا أَرَى ذا حِشْنَةٍ في فؤاده ... يجمجمها إلا سيبدوا دَفينُها ٤
يقال جمجم الرجلُ إذا لم يبيّن كلامه من غيْر عي ٥
стр. 331
ومنه الوَحَر والوغَر والوَغْم الذّحْلُ قَالَ الأعشى:
يَقُوم عَلَى الوَغْم في قومه ... فيعفو إذا شَاءَ أو ينتَقِم ١
قَالَ أبو عبيدة معناه يطلب لقومه الوِتْر وهو من قَولِه تعالى: ﴿لَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً﴾ ٢ أي طالبًا.
وَنَحْوَ هَذَا حَدِيثُ عُمَرَ: "أَلا لا تُغَالُوا بِصُدُقِ النِّسَاءِ فَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُغَالِي بِصَدَاقِ الْمَرْأَةِ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ لَهَا فِي قَلْبِهِ عَدَاوَةً"٣
يقول جَشِمتُ إليك عَلَقَ القِرْبَةِ أو عَرَق القربَةِ وقد فسّره أبو عُبَيْد في كتابه ٤
стр. 332
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "كُلُّ غُلامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ " ١
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمِرِيُّ ثنا هَمَّامٌ نا قَتَادَةُ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ تأوله أحمدُ بن حَنْبل علي الشَّفاعة يقول إن مات الغُلام ولم يُعَقَّ عنه لم يُشَفَّع في والديه
وقال غيره معنى قوله: كلُّ غلام رهينةٌ بَعَقيقَتِه أي بأَذَى شَعَره واستدل بقوله: "فأميطوا عنه الأذى"
стр. 333
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: "أَمِيطُوا عَنْهُ الأَذَى" أَيْ مَا عَلِقَ بِرَأْسِهِ مِنْ دَمِ الرَّحِمِ ١
والرَّهِينَة الرَّهْنُ ١ فعيل بمعنى مفعول أي مرهون والهاء في هذا وفيما أشبهه للمبالغة يقال فلان كريمةُ قومه أي يَحُلُّ مَحَلُ العقدة الكريمة عندهم وهذا عَقِيلَةُ المتَاع أي غُرَّتُه قَالَ المُبَّرد وروى فُصحاءُ أصحاب الحديث في قِصَّة جَرِير: "إذا أتاكم كَريمةُ قوم فأكرمُوه" ٢ وقال صَخْر بن الشَّريد يذكر أخاه معاوية:
أَبَى الشَّتْمَ أَنّي قد أصابُوا كَرِيمَتي ... وأن لَيْس إهداءُ الخَنَى من شِمَالِيَا ٣
والعَقِيقةُ: شَعَر الصَّبِيّ كما يُولَد من أُمِّه قَالَ الشاعر:
أيا هِنْدُ لا تَنْكَحِي بُوهَةً ... عليه عَقِيقَتُه أَحْسَبَا
ويقال بل العَقِيقَةُ الشَّاةُ التي تُذبَح عنه وأصل العَقِّ القَطْع ٤ قَالَ الشاعر:
بلادٌ بها عَقَّ الشّبابُ تَمِيمَتِي ... وأولُ أرضٍ مسَّ جلدي تُرابُها ٥
ومنه قولهم: عقَّ الرجلُ والدَه إذا قطعه ويقال قد انعق البرق إذا
стр. 334
تَبَسَّم وانْشَقَّ والسُّيوفُ تُشَبَّه به فيقال: سَيفٌ كأنه عَقِيقَةُ بَرْقٍ أي لَمعَةُ بَرْق قَالَ الصَّلَتَانُ:
ألا يا اصْبِحَاني قبل عَوْق العَوائِق ... وقبل اخْتِراط القوم مثل العقائقِ
ولهذا سُمِّي الوادي الَّذِي بالمدينة عَقِيقًا وذلك لانْشِقاقه في الأرض طُولًا فإذا كان أَصلُ العَقِّ القطع والشّقّ صَلُحَ أن تكون العقيقةُ اسمًا للذَّبيحة لأنها تُعَقُّ أي تُقطَع مذابِحُها وتُشَقّ وأن تكون اسمًا للشَّعر لأنه يُقْطَع عن الصّبي فيُحذفُ عنه.
стр. 335
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "عَلَمُ الإِيمَانِ الصَّلاةُ فَمَنْ فَرَّغَ لَهَا قَلْبَهُ وَحَاذَ عَلَيْهَا بِحُدُودِهَا فَهُوَ مُؤْمِنٌ " ١
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ الشَّافِعِيُّ ثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحَرَشِيُّ نا بَكْرُ بْنُ بَكَّارٍ نا حَمْزَةُ الزَّيَّاتُ ٢ نا أَبُو سُفْيَانَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
المشهور من هذا حافظ عليها فإن صحّ قولُه: حاذَ فمعناه ومعنى الأَوَّل سواء
يقال حاذ عَلَى الشيء إذا حافظ عليه ومنه قَولُه تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ ٣ قال حميد بن ثور:
стр. 336
عَلَى أَحْوَذِيَّيْن استَقَلَّت عليهما ... نَجاةٌ تراها لَمعةً فَتَغِيبُ ١
يريد جَناحَي القطاة.
وقد وصفت عائشَةُ عُمَر بذلك فقالت: "كان أَحوَذِيًّا نَسِيجَ وحدِه ٢", ويروى: "أحْوَزِيًّا" قَالَ: بعض أهل اللغة: الأَحوَذِيُّ: القَطَّاعُ للأُمور والأَحْوَزِيُّ: الجامِعُ لِمَا شَذَّ.
وأخبرنا ابْنُ الأَعْرَابِيِّ ثنا عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الأسود ٣ أنا وَهْب بن جَرِير قَالَ: سألتُ أعرابيًّا عن قَولِ عائشةَ في عُمَر بن الخَطَّاب: كان أَحوزِيًّا قلت: ما الأَحَوزِيُّ؟ قَالَ: الَّذِي يَحتَازُ بالأمر دون الناسِ ومّما جاء عَلَى وزنه من النّعوت الأَلْمَعيّ: الَّذِي يَظن الظن فلا يخطئ قَالُوا: واشتِقاقه من لَمعان النَّار وتوقُّدها ومثله اللَّوذَعِيّ وهو المُتوقِّد واشتقاقه من لذع النار
стр. 337
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الضِّبْنَةِ فِي السَّفَرِ وَالْكَآبَةِ فِي الْمُنْقَلَبِ " ١
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ السَّدُوسِيُّ نا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كان رسول الله يقول ذلك.
стр. 338
الضِّبْنَةُ: عِيال الرجل ومَنْ تلزمُه نَفَقَتُه وسُمُّوا ضِبْنَةً لأنهم في ضِبْنِ مَنْ يعولهم والضِّبْنُ ما بَيْن الكَشْح والإِبِط تَعَوَّذَ بالله من كثرة العيال وخصَّ به السَّفَر لأنه مَظنَّة الإِقواء
وقد قَالَ ﷺ : "كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ" ١
وفيه وجه آخر وهو أن يكون إنَّما تَعَوَّذَ من صُحْبَةِ مَنْ لا غَناءَ عنده ولا كِفاية إنما هُوَ كَلٌّ وعيال عليه وقال بعضهم: إنما هو الضّمْنَة بالميم وهي العلَّة المزمِنة وهذا وجه إلا أن الرّواية جاءت بالباء
فَأَمَّا حَدِيثُهُ الآخَرُ: "أَنَّهُ كَانَ يَتَعَوَّذُ بِاللَّهِ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الشِّطَّةِ وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ"٢
حَدَّثَنِيهِ مُحَدِّثٌ نا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُحَيْرَةَ نا سُلَيْمَانُ ٣ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ نا ابْنُ وَهْبٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّ عَلِيًّا ٤ الأَسَدِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَلَّمَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ.
هَكَذَا قَالَ: الشِّطَّةُ وَهِيَ بُعدُ المسافة يقال: شط المكان إذا بَعُدَ يَشُطُّ ويَشِطُّ وَيُقَالُ: شَطَّتْ بِهِ النَّوَى أَيْ بَعُدَتْ بِهِ المسافة قال الشاعر:
تشط غدا دَارُ جِيرَانِنَا ... وَلَلدَّارُ بَعْدَ غَدٍ أبعد ٥
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّ مَيْمُونَةَ بِنْتَ كَرْدَمٍ قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ مَعَهُ دِرَّةٌ كَدِرَّةِ الكُتَّابِ فَسَمِعْتُ الأَعْرَابَ وَالنَّاسَ يَقُولُونَ الطَّبْطَبِيَّةَ الطَّبْطَبِيَّةَ"١
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أنا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مِقْسَمٍ الثَّقَفِيُّ مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ حَدَّثَتْنِي سَارَةُ بِنْتُ مِقْسَمٍ أَنَّهَا سَمِعَتْ مَيْمُونَةَ بِنْتَ كَرْدَمٍ
قولها: يقولون الطَّبْطَبِيَّةَ إنما هُوَ حِكاية وَقْع الأَقدام تُريد إقبالَ الناس إليه يسْعون ولأَقْدامهم طَبْطَبَة كقول القائل:
جَرَت الخيلُ فقالت حَبَطِقْطِق .. ٢
يُرِيد حِكايةَ وقعِ سنابكها وكقول آخر:
أصابت رِجلُها الطَّستَ فقالت طَنَنِنَّه ..
وأخبرني أبو عُمَر عن أبي العبَّاس ثَعلَب عن ابن الأعرابي قال قال أبو
стр. 341
المُكارِم مررتُ بقوم وهم تِغٍ تِغٍ أي يَضحكون وفيه وَجْه آخر وهو أن يُرادَ بها الدِّرَّة التي كانت معه سمتها الطَّبْطَبِيَّة لصوتها ومنه طَبْطَابُ اللَّعِب.
стр. 342
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّهُ نَزَلَ الْحُدَيْبِيَةَ وَهِيَ نَزَحٌ "١
مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى أنا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ الربذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَشَيْخٍ مِنْ أَسْلَمَ عَنْ جُنْدَبِ بن ناجية أو ناجية بنت جُنْدَبٍ قَالَ: لَمَّا كُنَّا بِالْغَمِيمِ عَدَلْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ فَأَخَذْتُ بِهِ فِي طَرِيقٍ لَهَا فَدَافِدُ فَاسْتَوَتْ بِيَ الأَرْضُ حَتَّى أَنْزَلْتُهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَهِيَ نَزَحٌ ١
قَالَ الكسائي: يقال بئر نَزَحٌ إذا لم يكن فيها ماء وجمعها أَنْزاح وأنشدنا أبو عُمَر:
لا تَسْتَقي في النَّزَح المَضْفُوفِ ... إلا مُداراتُ الغُروبِ الجُوفِ ٢
مُدارات جمع مُدَارة إذا أُدِيرت فهي مُدارة قَالَ الفراء نزحَتِ البئْرُ ونَزَحتُها اللازم والمتعدي سواء ومثله غاضَ الماءُ وغِضْتُه وهَبَطَ الشيءُ وهَبَطْتُه سواء ٣ فالنَّزَحُ المَنْزوح كما أَنَّ النَّضَح المَنْضُوح ويقال للحوض النَّضَح. قَالَ أَيْمنُ بن خريم:
стр. 343
فاسَتوْرَدْتهم سيوفُ المسلمين عَلَى ... تمام ظِمءٍ كما يُسْتَورَدُ النَّضَح
وقوله: طريق له فَدافِدُ. الفَدْفَدُ المكان المرتفع وفيه صَلابَةٌ وحُزونةٌ.
стр. 344
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّ أَصْحَابَ النَّجَاشِيِّ كَلَّمُوا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَسَأَلُوهُ عَنْ عِيسَى فَقَالَ جَعْفَرٌ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ فَقَالَ النَّجَاشِيُّ وَاللَّهِ مَا يَزِيدُ عِيسَى عَلَى مَا يَقُولُ مِثْلَ هَذِهِ النُّفَاثَةِ مِنْ سِوَاكِي هَذَا"١
النُّفَاثَةُ مَا يُنْفَثُ مِنْ شَظَايَا السِّوَاكِ قَالَ أبو زيد تقولُ العرب لو سألتَني نُفاثةً وقصامَةً ٢ وضُوارةً ما أعطيتُك ومعناها ما يبقى في فِيك من السِّواك
وفي هذه القصة: "أَنّ عَمْرو بن العاص دخل عَلَى النَّجاشيِّ وهو إذا ذاك مُشرِك فَقَالَ النَّجاشِيُ نَخِّروا"٣
قَالَ عمير بن إسحاق يريد تَكَلَّموا
حدثنيه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِسْكِيُّ نا إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ نا أَبُو دَاوُدَ نا النَّضْرُ أنا ابن عَوْن عن عُمَيْر بن إسحاق وهذه اللفظة إن كانت من كلام العرب فإني أَحسِبُها من النَّخير ويروى نَجِّروا بالجيم أيضا
стр. 345
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّهُ دُعِيَ إِلَى طَعَامٍ فَإِذَا الْبَيْتُ مُظلَّمٌ مُزَوَّقٌ فَقَامَ بِالْبَابِ ثم انصرف ولم يدخل "١
стр. 346
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ رَجُلٍ سَمَّاهُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُ بِذَلِكَ.
قوله: مُظَلَّم معناهُ مُمَوَّه مُزَوّق مأْخوذ من الظَّلْم وهو مُوهَةُ الذَّهب والفِضَّة ويقال للماء الَّذِي يَجرِي عَلَى الثَّغْر ظلم قال الشاعر:
تجلوا عَوارضَ ذِي ظَلْمٍ إذا ابتَسَمت ... كأَنَّه مُنهَلٌ بالرَّاح مَعْلولُ ١
وقال بِشْرُ بن أبي خَازِم:
لَياليَ تَسْتَبيك بذي غُروبٍ ... يُشَبَّه ظَلْمُه خضل الأقاحي ٢
وقوله: "هل ترك لنا عَقِيلٌ من دارٍ" فإنما قَالَ ذَلِكَ لأنّه قد كان باع دُورَ عَبْدِ المطلب وذلك لأنه وَرِث أبا طالب ولم يَرِثْه عليٌّ لتقدم إسلامه موتَ أبيه فلما ورثه عَقِيلٌ باعها ولم يكن لرسول الله فيها مَورِث لأن أباه عَبْد الله هَلَك وأبوه عَبْد المطلب حَيٌّ وهلك أكثرُ أولاده ولم يُعْقِبوا فحاز رِباعَه أبو طالب وحازها بعد موته عَقِيل وقد كان كُفّارُ قُريش يَعمِدون إلى مَنْ هاجر من المسلمين ولَحِق بالمدينة منهم فيَبِيعون دَارَه وعَقارَه
قَالَ الواقدي هاجرتْ بنو جَحْش حتى لم يَبْقَ منهم بمكةَ أحدٌ فصارت دارُهم خَلاءً تَخْفِق أَبوابُها ١. فَحَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ الْجَحْشِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمَّتِهِ قَالَتْ لَمَّا هَاجَرْنَا عَمَدَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ إِلَى دَارِنَا فَبَاعَهَا مِنْ عمرو بن علقمة بأربعمائة مِثْقَالٍ عَجَّلَ لَهُ مِائَةَ مِثْقَالٍ وَنَجَّمَ عَلَيْهِ سَائِرَهَا فِي ثَلاثِ سِنِينَ قَالَ فَلَمَّا بَلَغَ أَبَا أَحْمَدَ عَبْدَ بْنَ جَحْشٍ ٢ مَشَى وَبَنُو جَحْشٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَذَكَرُوا لَهُ صَنِيعَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يُعْطِيَكُمُ اللَّهُ بِهَا خَيْرًا مِنْهَا دَارًا فِي الْجَنَّةِ"؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ رَضِينَا وَاللَّهِ لا نُقِيلُ وَلا نَسْتَقِيلُ فَمَا ذَكَرُوهَا إِلَى هَذَا الْيَوْمِ ٣ قَالَ وقال الزُّهري فَقَالَ أبو أحمد لأَبي سفيان بن حرب:
دارَ ابنِ عَمِّك بعْتَها ... تَقْضِي بها عنك الغَرَامَهْ ٤
اذْهَب بها اذْهَب بها ... طُوِّقْتَها طوق الحمامه
стр. 349
وفي الحديث من الفِقْه جَوازُ بَيْع دُورِ مكة وكانت مُقاسَمَة قريش عَلَى الكفر أنهم قَالُوا لا نُناكِحُ بَني هاشم ولا نبايِعهم مُعاداةً لهم في رَسُول اللَّهِ ﷺ .
стр. 350
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الاخْتِصَارُ فِي الصَّلاةِ رَاحَةُ أَهْلِ النَّارِ " ١
يَرْوِيهِ عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
الاختِصار: وَضْع اليدِ عَلَى الخَاصِرة والمعنى أَنَّه فِعْلُ اليهود في صلاتهم وهم أَهلُ النار ليس عَلَى أَنَّ لأَهْل النّار الذين هم أَهلُها خالدِين فيها راحةً قَالَ الله تعالى: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ ٢ فأما قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ﴾ ٣ فمعناه إلا ما شَاءَ رَبُّك من زِيادة التَّأْبِيد بعد زَوالِهِما والله أعلم
أَخْبَرَنَا ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ ثنا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ صُبَيْحٍ الْحَنَفِيِّ قَالَ صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى خَاصِرَتِي فَلَمَّا صَلَّى قَالَ هَذَا الصَّلْبُ فِي الصَّلاةِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْهُ ٤
وقد يُفَسَّر الاخُتِصَار في الصّلاة تَفسِيرًا آخر وهو أن يأخُذَ بيده عصا يتكئ عليها ٥
стр. 351
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : ١ أَنَّ أُصَيْلا الْغِفَارِيَّ قَدِمَ عَلَيْهِ مِنْ مَكَّةَ فَقَالَ: "يَا أُصَيْلُ كَيْفَ عَهِدْتَ مَكَّةَ" فَقَالَ عَهِدْتُهَا وَاللَّهِ قَدْ أَخْصَبَ جِنَابُهَا وَأَعْذَقَ إِذْخِرُهَا وَأَسْلَبَ ثُمَامُهَا وَأَمَشَّ ٢ سَلَمُهَا فَقَالَ: "حَسْبُكَ يَا أُصَيْلُ" ٣
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ نَافِعٍ نا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ الْخُزَاعِيُّ نا أَبُو الْوَلِيدِ الأَزْرَقِيُّ حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَعْقُوبَ الزُّهْرِيُّ نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ
قَالَ أبو سليمان قوله: أَعذَق إذخِرُها أي صارت له أَفْنان كالعُذوق.
يقال أَعْذَقَت النخلة إذا كثر أغذاقها وهي جمع عِذْق وأَعْذَقَ الرجلُ إذا كَثُر عُذوقُه أي نَخْله وهي جمع عَذْق ٤ وأَسْلبَ ثُمامُها أي أَخْوَص والسَّلَبُ: خُوصُ الثُّمامِ
وقوله: أَمشَّ سَلَمُها هكذا قَالَ الخزاعي قال يُرِيدُ أَنَّه قد أَخرج مُشَاشَه وهو ما يخرج في أطرافه ناعما رخصا كالمشاس وهو غَلَط وإنما هُوَ أَمْشَر سَلَمُها أي أورق واخُضَرَّ روى أبو عُبَيْد عن أبي زياد والأَحْمَر قالا أَمشَر الشَّجرُ وأمشرت الأَرضُ إذا خرج نَبتُها ويقال ما أحسن
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "بُعِثْتُ وَالسَّاعَةُ هَكَذَا " وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى ١
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ نا عَاصِمٌ ٢ نا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ وَقَتَادَةَ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ.
وهذا يُفَسر عَلَى وجهين:
أحدُهما وهو قول قتادة أنه أراد الوُسطَى عَلَى السَّبَّابة يقول سبَقْتُ السّاعةَ بقدر ما بينهما من الفضل والمعنى تَقْريب مُدَّة مَجِيء الساعة
والوجه الآخر أن يكون أَرادَ انْقِطاع النُّبُوة بعدَه وأَلا نَبِيَّ بينَه وبين السَّاعة كما لا حائل بين الوُسْطَى والسَّبَّابة