وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : ١ أَنَّ أُصَيْلا الْغِفَارِيَّ قَدِمَ عَلَيْهِ مِنْ مَكَّةَ فَقَالَ: "يَا أُصَيْلُ كَيْفَ عَهِدْتَ مَكَّةَ" فَقَالَ عَهِدْتُهَا وَاللَّهِ قَدْ أَخْصَبَ جِنَابُهَا وَأَعْذَقَ إِذْخِرُهَا وَأَسْلَبَ ثُمَامُهَا وَأَمَشَّ ٢ سَلَمُهَا فَقَالَ: "حَسْبُكَ يَا أُصَيْلُ" ٣
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ نَافِعٍ نا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ الْخُزَاعِيُّ نا أَبُو الْوَلِيدِ الأَزْرَقِيُّ حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَعْقُوبَ الزُّهْرِيُّ نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ
قَالَ أبو سليمان قوله: أَعذَق إذخِرُها أي صارت له أَفْنان كالعُذوق.
يقال أَعْذَقَت النخلة إذا كثر أغذاقها وهي جمع عِذْق وأَعْذَقَ الرجلُ إذا كَثُر عُذوقُه أي نَخْله وهي جمع عَذْق ٤ وأَسْلبَ ثُمامُها أي أَخْوَص والسَّلَبُ: خُوصُ الثُّمامِ
وقوله: أَمشَّ سَلَمُها هكذا قَالَ الخزاعي قال يُرِيدُ أَنَّه قد أَخرج مُشَاشَه وهو ما يخرج في أطرافه ناعما رخصا كالمشاس وهو غَلَط وإنما هُوَ أَمْشَر سَلَمُها أي أورق واخُضَرَّ روى أبو عُبَيْد عن أبي زياد والأَحْمَر قالا أَمشَر الشَّجرُ وأمشرت الأَرضُ إذا خرج نَبتُها ويقال ما أحسن
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "بُعِثْتُ وَالسَّاعَةُ هَكَذَا " وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى ١
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ نا عَاصِمٌ ٢ نا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ وَقَتَادَةَ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ.
وهذا يُفَسر عَلَى وجهين:
أحدُهما وهو قول قتادة أنه أراد الوُسطَى عَلَى السَّبَّابة يقول سبَقْتُ السّاعةَ بقدر ما بينهما من الفضل والمعنى تَقْريب مُدَّة مَجِيء الساعة
والوجه الآخر أن يكون أَرادَ انْقِطاع النُّبُوة بعدَه وأَلا نَبِيَّ بينَه وبين السَّاعة كما لا حائل بين الوُسْطَى والسَّبَّابة
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ أَخْرَجَ إِلَيْنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ دَاوُدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ كتابًا فِي أَدَمٍ ذَكَرَ أَنَّهُ كِتَابٌ كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ لِجَدِّهِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ إِمْلاءً عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَقَالَ قَلَّدَنِي أَبِي هَذَا الْكِتَابَ عِنْدَ مَوْتِهِ وَقَالَ يَا بُنَيَّ تَوَاصَيْنَا بِهَذَا الْكِتَابِ كُبْرًا عَنْ كُبْرٍ حَتَّى صَارَ إِلَيَّ.
الأَرْواع جمع الرَّائع مثل شَاهِد وأَشْهاد ونَاصِر وأَنْصار يُرِيد ذَوِي المناظر والهَيئات منهم وهم الرؤساء والعظماء الذين يَرُوعُون بِجمَالهم وبَهائِهم يقال جَمالٌ رائِع وأصلُه من قولك راعَني رَوْعًا أي أفزعَنِي وهو أن يُفرِط حتى يَرُوعَ
قَالَ الله تعالى: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ ١ والمَشَابِيب واحدهم مَشْبوبٌ وهو الزَّاهر المتوقد اللون من قولك شببت النَّارَ إذا أَوقَدْتَها قَالَ العَجَّاج:
ومن قُريشٍ كلَّ مَشْبوبٍ أغَرّ ... حُلوِ المُساهَاةِ وإن عَادَى أَمَرّ ٢
وَمِنْ هَذَا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ثنا ابْنُ وَهْبٍ أنا مَخْرَمَةُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ الضَّحَّاكِ يَقُولُ أَخْبَرَتْنِي أُمُّ حَكِيمَةَ ٣ بِنْتُ أَسِيدٍ عَنْ أُمِّهَا عَنْ مَوْلًى لَهَا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ جَعَلْتُ عَلَيَّ صَبِرًا حِينَ تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ فَقَالَ النَّبِيِّ ﷺ : "إِنَّهُ يَشُبُّ الْوَجْهَ فَلا تَجْعَلِيهِ إلا بالليل وتنزعيه بالنهار" ٤
стр. 356
يُرِيدُ أَنَّهُ يُوَقِّدُهُ وَيُلَوِّنُهُ وَرَوَى قَتَادَةُ عَنْ مُطَرِّفٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ائْتَزَرَ بِبُرْدَةٍ سَوْدَاءَ فَجَعَلَ سَوَادُهَا يَشُبُّ بَيَاضَهُ وَجَعَلَ بَيَاضُهُ يَشُبُّ سَوَادَهَا"١ أَيْ يَزْهَاهُ ويَجْلُوهُ ٢
والتِّيعَةُ: الأربعون من الغَنَم وقد فَسَّره أبو عُبَيْد ٣. والمُقَوَّرَة الأَلْياطِ الهَزِيلُ المُسترخِي جلدُها والاقْوِرار في الجِلْدِ الاستِرخاء واللِّيطُ القِشْر اللَّازِق بالشَّجَر والقصب ونحوهما والقِطعة لِيطَة قَالَ ذُو الرُّمَّة:
بمَجْلُوزَةِ الأَفْخاذِ بعد اقوِرارِها ... مُؤَلَّلَةِ الآذان عُفْرٍ نزائع ٤
وقال بشر بن أبي خازم يصف فرسًا:
يُضَمَّر بالأَصائِل فهو نَهدٌ ... أَقَبُّ مُقَلّصٌ فيه اقوِرَار ٥
أي ضُمورٌ.
والضِّنَاكُ: الكثير اللّحم وأنشد الفَرَّاء:
لَعمرِي لأعرابِيَّةٌ بَدَوِيَّةٌ ... تَظَلُّ بِسِجْفَي بَيْتها الرِّيحُ تَخفِق
أحبُّ إلينا من ضِنَاكٍ ضِفِنَّةٍ ... إذا فَتَرتْ عنها المَراوِحُ تعرَقُ
ويقال: ضُنْأَك عَلَى وزن فُعْلَلٍ يقال: رجل ضُنْأك وامرأة ضُنْأَكَةٌ.
وقوله: أنْطُوا الثَّبَجَةَ يريد أَعْطُوا الوَسَط في الصَّدَقَة لا من خِيار المال ولا من رُذالَتِه وثَبَجُ كل شيء: وسطه.
стр. 357
وقوله: مَنْ زَنَى مِمْ بكر يريد مِنْ بِكْر وقد تتعاقب الميمُ والنّون كقولهم حُلانٌ وحُلامٌ وذام وذان.
وقوله: فاصقعوه فاضْرِبوه وأصل الصَّقْع الضَّربُ عَلَى الرَّأسِ.
وقوله: استَوِفضُوه عامًا يريد النَّفْيَ والتَّغريبَ وأصله في الإبل إذا نَفَرت يقال استوفَضَتِ الإبلُ إذا تفرَّقَت من ذُعْرِ ومنه قيل للأخلاط من الناس الأوفاض وفي الحديث: "أَنَّه أَمر بصَدَقة تُوضَعَ في الأَوْفاضِ"١ وهم الفِرقُ من الناس قَالَ ذو الرُّمَّة يصف الثَّورَ والكِلابَ:
طَاوِي الحَشَى قَصَّرتْ عنه مُحَرَّجَةٌ ... مستوفَضٌ من بنات الأَرْض مِشْهُومُ ٢
المستوفَض النَّافرُ من الذُّعْر والمُحَرَّجَةُ الكِلاب التي عليها قَلائِدُ والحِرجُ قِلادة الكَلْب والمَشْهومُ الحديد الفؤادِ.
وقولُه: ضَرّجُوه بالأَضاميم يريد الرّجْمَ بالحجارة والتَّضْريجُ: التَّدمِيَةُ والأَضاميمُ جماهير الحجارة واحدتها إضمامَة وسُمِّيت إضمامةً لأنَّ بعضَها قد ضُمَّ إلى بعضٍ ويقال هذا إضمامَةٌ من الكُتُب كالإضبَارَةِ ورأيتُ إضمامةً من الناس أي جماعةً منهم وكذلك هي في الدّوابِّ وغيرها قَالَ ذو الرُّمَّة يصف الصائدَ والحُمُر:
وبات يلهَفُ مِمَّا قد أصِيبَ به ... والحُقبُ يَرفضُّ منهنّ الأَضَامِيمُ ٣
وقَولهُ: لا تَوْصِيم في الدِّين أي لا هَوادَةَ فيه وأَصلُه الفُتورُ والكَسَل,
стр. 358
وهو معنى قولِه: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ ١ قَالَ لَبِيدٌ:
وإِذَا رُمْتَ رحيلًا فارتَحِل ... واعْصِ ما يأمرُ تَوصِيمُ الكَسَل ٢
وقوله: يترفَّل معناه يَتَأَمَّر ويترأس وقد فَسَّرْناه فيما مضى من الكتاب.
стр. 359
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَلا أُخْبِرُكُمْ بِمَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ ؟ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ" ١
حَدَّثَنَاهُ الأصَمُّ نا ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أنا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
إسباغُ الوضوء عَلَى المَكَاره فيه وَجْهان:
أحدهُما أن يكون ذَلِكَ في البَرْد الشَّديد والعِلَّة تُصِيب الإنسان فيتأذى بِمَسِّ المَاءِ ويتضرَّر به.
والوَجه الآخر أن يُراد به إعوازُ الماء وضِيقُه حتى لا يُقدَر عليه إلا بالغالي من الثمن.
وأما قولهُ: فذلكم الرِّباط فإنهُ يُتَأَوّلُ عَلَى وَجْهَين:
أحدهما أن يكون ذَلِكَ مَصْدرًا من قولك رابطتُ إذا لازمتَ الثّغَر وأقمتَ به رباطا جعل المواظبة معناه والله أعلم عَلَى الصلاة والمحافَظَةَ عَلَى أوقاتها كرباط
стр. 360
المجاهد وهو تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ ١ ومعناه –والله أعلم- اصبروا عَلَى دينكم وصابروا عَدُوَّكم ورابِطُوا أيْ أقيموا عَلَى جهادكم.
والوجه الآخر أن يُجعلَ الرِّباطُ اسمًا لما يُربطُ به الشيءُ كالعِقَالِ لما يُعقَل به والعِصَام لما يُعْصَم به يريد أَنَّ هذه الخِلالَ تَربِط صاحِبها عن المعَاصي وتكُفّه عن المَحارِم.
وفيه وجه ثالث وهو أن يكون الرباط جمع الرُّبْط والعرب تسمي الخيلَ إذا رُبطت بالأقنية وعُلِّقَت رُبْطًا واحدها رَبِيطٌ وتجمع الرُّبْط رِباطا وهو جمع الجمع يُريد أَنَّ مَنْ فعل ذَلِكَ كان كَمنْ رَبَط الخَيلَ إِرصادًا للجهاد ٢
وكرّر القولَ بها ثلاثًا ليُقابِلَ بها الخِصالَ الثلاث المذكورة قبلها.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ ١ قَالَ: "كَعَكَرِ الزَّيْتِ فَإِذَا قَرَّبَهُ إِلَيْهِ سَقَطَتْ قَرْقَرَةُ وَجْهِهِ فِيهِ" ٢
يَرْوِيهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ دَرَّاجٍ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ:
قَرْقَرَةُ وَجْهَه جِلْدةُ ٣ الوجه والأصل فيها قَرْقَرُ المرأة وهو ثَوبٌ لها والمُعرِبُون يقولون قَرْقَلٌ بالَّلام والجِلْدَةُ للوَجْه كاللِّباسِ له وقال بَعضُهم إنما هي رَقْرَقَةُ وَجْهِه يريد ما يَتَرقْرَق من محاسِنِ وَجْهِه
ويقال امرأة رَقْراقَةٌ وهي التي كأنَّ الماء يَجرِي في وَجْهِها والرَّقرقَانُ السَّرابُ قَالَ العَجَّاج:
ونَسَجتْ لوامعُ الحَرورِ ... من رقْرقَانِ آلِها المَسْجُورِ
سَبَائِبًا كَسَرَقِ الحَرِير ٤
وقال السُّدِّيُّ في تفسير هذه الآية أَنّه إذا قَرّبَه سقطت فيه مكارِمُ وجهه يريد حِلْيَة وجهه
النَّاسُ عَلَى رَجُلٍ كَوَرِكٍ عَلَى ضِلَعٍ ثُمَّ فِتْنَةُ الدُّهَيْمَاءَ لا تَدَعُ أَحَدًا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ إِلا لَطَمَتْهُ"١
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الْحِمْصِيُّ ثنا أَبُو الْمُغِيرَةِ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ حَدَّثَنِي الْعَلاءُ بْنُ عُتْبَةَ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ هانئ الْعَنْسِيِّ ٢ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: "كُنَّا عِنْدَ رسول الله فَذَكَرَ الْفِتَنَ"
قوله: فِتنَةُ الأَحْلاس إنما شبهَّها بالحِلْس لظُلمِتها والتِباسها أو لأَنها تركُدُ وتَدُوم فلا تقلع يقال فلان حِلْسُ بَيْتِه إذا كان يلازِم قَعْرَ بيتِه لا يَبْرحُ وهم أَحلاسُ الخَيل إذا كانوا يلزمون ظُهورَها ويتعهدونها بالرُّكوب
وقوله: دَخَنُها مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْ رَجُلٍ مِنْ أَهلِ بيتي فإنَّ الدَّخَنَ الدُّخَان يريد أنه سَبَبُ إثارتِها وهَيْجِها
وأما قوله: كَورِكٍ عَلَى ضِلَع فإنه مَثَل يريد -والله أعلم- أَنّهم يجتمعون عَلَى رجل غَير خليق للمُلكِ ولا مُسْتَقِلٍّ به وذلك لأنَّ الوَرِكَ لا يَستقر عَلَى الضَّلَع ولا يُلائِمها وإنما يقال في بَابُ المُشاكلة والملاءَمَةِ هُوَ كَرأْسٍ في جَسَدٍ أو كف في ذراع أو نحوهما من الكَلام
والدُّهَيْماء تصغير الدّهماء وأَحسِبُه صَغَّرها عَلَى طريق المَذَمّةِ لها
آتاني الله فأكثر وأيطب ١ فَقَالَ: "أَلَسْتَ تَنْتِجُهَا وَافِيَةً أَعْيُنُهَا وَآذَانُهَا فَتَجْدَعُ هَذِهِ وَتَقُولُ: صَرْبَى وَتَهُنٌ هَذِهِ وَتَقُولُ بَحِيرَةٌ" ٢
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى ثنا الْحُمَيْدِيُّ ثنا سُفْيَانُ ثنا أَبُو الزَّعْرَاءِ عَمْرُو بْنُ عُمَرَ ٣ عَنْ عمه أبي الأَحْوَصِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْجُشَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ
قوله: صَرْبَى فَسَّره ابنُ قُتَيْبة في كتابه ٤
وقوله: تَهُنّ هذه معناه تُصِيب هَنَ هذه أي الشيءَ منها كالأُذُن والعَيْن ونحوهما وهَنٌ كِنايةٌ عن الشيء لا تذكره باسمه تقول أتاني هَنٌ وهَنَةٌ للأُنْثى وهَنَنْتُه أهُنُّه إذا أصبتَ منه هَنًا أي موضِعًا كما تقول بَطَنْتُه إذا أصبتَ بَطْنَه ورأستُه إذا أصبتَ رأسَه
ورواه عَبْد الجبار بن الْعَلاء عن سُفيان فَقَالَ فيه فتجدَع هَنَ هذه وتقول صربى وتَشُقّ هَنَ هذِه وتقول بَحِيرة وكان مَذهَبَ القَوم فيما يتعاطَوْنه منها شُكرُ الله والتَّقَرّبُ إليه قال الشاعر يذكر صَنِيعَهم:
فكان شُكرُ القَوم عند المِنَنِ ... كَيّ الصَّحيحات وفَقْءَ الأَعْيُنِ
وكان الرجلُ منهم إذا بلغت إبُله ألفًا فَقًا عَينَ الفَحِل فإذا زادت على ألف
стр. 367
عَمَّوْه بالعين الأخرى ويسمونه المُفَقَّأَ والمُعَمَّى وكيُّ الصّحيحات أن تَجْرَبَ الإبل فيأخذون الصحيح فيكوُونَه قَالَ النابغة:
لحَّملْتَنِي ذَنْبَ امرئ وتَركَته ... كَذِي العُرِّ يُكْوَى غيرُه وهو راتع ١
стр. 368
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّهُ خَطَبَ للاسْتِسْقَاءِ فَحَوَّلَ رِدَاءَهُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَأَنْشَأَ اللَّهُ سحابة فأمطرت فلما رأى لَثَقَ الثِّيَابِ ١ عَلَى النَّاسِ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ"٢
مِنْ حَدِيثِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ الأَيْلِيِّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ
اللَّثَق الوَحْل يقال لَثِقَت رِجْلي ولَثِق الطّائرُ بالمطَر إذا ابتل ريشه
ومن هذا الحديث الَّذِي يُروَى في مقتَل عثمان: "أَنَّ أصحابَ رَسُول الله بالشام لمَّا بلغهم ذَلِكَ بكَوْا حتى تَلَثُّق لِحاهُم"٣ أي: اخْضَلَّتْ لِحاهم بالدُّموع.
وأخبرني أبو عمر أنا أَبُو الْعَبَّاسِ ثَعْلَبٌ عَنْ ابن الأعرابي قَالَ العرب تقول يَدِي من الوَحَل لَثِقَة ومن اللحم غَمِرَة ومن السَّمَك صَمِرةٌ ومن اللبن والزُّبْد شَتِرَة ومن العَجِين وَرِخَة ومن الدَّم سَطِلَة وسلطة ومن
стр. 369
الثَّريد مَرِدَة ومن الحْمأَةِ ذَوِطَة ومن الأُشْنانِ قَضِضَة ومن المِدَادِ وَحِرَة ومن الماء بَلِلَة ومن البزر والنفط نمسة ونسمة ومن الزَّعْفران رَدِعَة ومن العِطْرِ عَبْقَة.
стр. 370
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّ اللَّهَ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ " ١
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْذَانِيُّ نا ابْنُ وَهْبٍ عِنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
العُبِّيَّةُ الكِبْر والنَّخوة يريد بهذا القول ما كان عليه أَهلُ الجاهلية من التَّفاخر بالأَنساب والتَّباهِي بها
وفيها لغة أخرى وهي العِبِّيَّةُ بالكَسْرِ وأَصله مهموز من العِبْءِ وهو الحِمْلُ الثَّقيل ولكن الهَمزة قَد تركت فيه كالبَرِيّةِ والذُّرِّيّة قَالَ الشَّنْفَرى:
خَلَّف العِبْءَ عليَّ وَوَلَّى ... أنا بالعِبْء له مُسْتَقِلُّ
ويقال ألقى فلان عليَّ عِبْأَه أي ثِقَلَه ومِثلُه أَلقَى عليه عَبالَّتَه
أخبرني أبو رجاء الغَنَوِيّ أنا أبو العباس ثعلب عن التَّوَّزيّ قَالَ قَالَ لي أبو زيد أنت أَحق مَنْ أَلقينَا عليه عَبالَّتَنا
وقوله: مؤمِنٌ تَقِيٌ وفاجِرٌ شَقِيّ يقول إن الناسَ رَجُلانِ مؤمن تَقِيٌّ فهو الكَرِيمُ وإن لم يكن شَرِيفًا في قومهِ وفاجِرٌ شَقِيٌّ فهو اللَّئيِمُ وإن كان رفيعا في أهله
стр. 371
وهذا كحديثه الآخر: "الكرم التقوى" ١
стр. 372
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ لَمَّا خَطَبْتُ فَاطِمَةَ قال النبي: "عِنْدَكَ شَيْءٌ "؟ قُلْتُ لا قَالَ: "فَأَيْنَ دِرْعُكَ الْحُطَمِيَّةُ الَّتِي أَعْطَيْتُكَ"؟ قَالَ قُلْتُ: هَا هِيَ ذِه قَالَ: "أَعْطِهَا".
قَالَ: وَدَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْنَا قَطِيفَةٌ فَلَمَّا رَأَيْنَاهُ تَحَشْحَشْنَا فَقَالَ: "مَكَانَكُمَا" ١
وَفِي الْخَبَرِ: "قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هِيَ أَحَبُّ إِلَيْكَ مِنِّي قَالَ: "هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكَ وَأَنْتَ أَعَزُّ عَلَيَّ".
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ الزَّعْفَرَانِيُّ نا عَبْدُ الْجَبَّارِ نا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَجُلٍ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيًّا يَذْكُرُهُ
الدِّرعُ الحُطَمِيَّةُ قَالَ هي الثقيلة العريضة وقال بعضُهم هي التي تُحطِّم السيوف أي تكسِرها وقيل ٢ منسوب إلى حُطمَةَ بن محارب بَطْن من عَبْد القيس كانوا يعملون الدروع نُسِبَتُ إليهم كما نُسِبَتِ التُّبَّعِيَّة إلى تُبَّع قَالَ الهُذَليُّ:
وعليهما مَسْرُودَتان قَضَاهما ... داوُدُ أو صَنَعُ السوابغ تبع ٣
стр. 373
قَالَ ابنُ الكلبيّ: إنما سُمِّيت الأَسِنَّةُ يَزَنِيَّة لأن أوَّل مَنْ عُمِلت له ذوَ يزَن وهو مَلِك من مُلوكِ حِمْير وقيل للسِّياط الأَصْبَحِيَّة لأنَّ أولَ مَنِ اتّخذها ذو أَصْبَح مَلِكٌ من حِمْيَر
وأخبرنا التَّمّار: غُلامُ ابن الأنباري عنه عن أبي العباس ثعلب قَالَ حُبِس رجل فكَتَبَ إلى أبيه:
إذا ذبّالةٌ المصباح لاحَت ... فإنَّ الأَصْبَحِيَّةَ لا تُخافُ
فَدُونَك روِّها عنيّ سَلِيطًا ... لتقعدَ عنِّيَ السُّمْرُ العِجَافُ
قَالَ فَرشَا عنه فَخَلَّى سَبِيلَه
قَالَ أبو عُبَيْدةَ: إنما قيل لملوك حِمْير التَّبابع لأن بعضَهم يتبع بعضًا ولذلك سُمِّي الظِّلُّ تُبَّعًا قَالَ الشاعر:
يَتْبَع رَوْقَيْه كفِعْل التُّبَّعِ
وأنشد الأصمعي:
تَرِدُ المِياهَ حَضِيرَةً وَنَفِيضَةً ... وِرْدَ القَطَاةِ إذا اسمَأَلَّ التُّبَّعُ ١
فالتُّبَّع الظِّلُّ والحَضِيرَةُ ما بَيْن السَّبْعة الرِّجال إلى الثمانية. والنَّفيضَةُ: الواحد مِمَّن يَنفض الطريق.
والمُسْمَئِلُّ: الضَّامر
وقوله: تَحَشْحَشْنَا يريد تَحرَّكْنا للنّهوض قَالَ الأصمعيّ تَحَشْحَش القوم إذا تحركوا وأصله تحشش زيدت فيه الحاء لئلا يَجْتَمِع حرفان من جِنْسٍ واحدٍ كما قَالُوا تَكَعْكَع وأصله من كَعَّ وكفكفتُ فلانًا عن كذا وأَصله كففته قال النابغة:
стр. 374
فَكفْكَفْتُ منِّي عَبرَةً فَرددتُها ... عَلَى النحر منها مستهل ودامع ١
لا يكاد يوجَد ذَلِكَ إلا في المُضَعَّف وقد جاء حَرْفان شاذَّان نَخْنَخْتُ البعيرَ من أنَخْتُه وفي بعض الأمثال: "تَعَظْعَظِي ثُمَّ عِظِي"٢
وقوله: "هي أحبُّ إليَّ منك" معناه أَنها أقربُ إلَيَّ وأَلْوَطُ بالقلب منك وهذا كقول أبي بكر حين قَالَ ما عَلَى الأرض أحدٌ أحبُّ إليَّ من عُمَر ثُمَّ قَالَ اللهُمَّ والولَدُ أَلْوَطُ ٣: أي ألصَقُ بالقَلْبِ.
وقوله: أنتَ أعزُّ عليّ معناه أنتَ أعْظمُ قَدْرًا وأَرفَعُ مَحَلًا وتَحقيقُهُ أنتَ أشَدُّ فَقْدًا وأَصْلُ العِزِّ الشِّدَّةُ والمَنَعَةُ
ومنه قولك للرَّجْل عَزَّ عَلَيَّ ما أَصَابَكَ أي اشتَدَّ عَلَيَّ ذَلِكَ وأنشد أبو عَمرو الشَّيبانِيّ:
أُجُدٌ إذا ضَمَرَت تَعَزَّزَ لَحمْها ... وإذا تُشَدُّ بِنِسْعَةٍ لا تَنْبِسُ ٤
يريد أنها إذا هُزِلَت صَلْب لحُمها ولم يَسْترخِ جلدُها.
وقال أبو كبير الهُذَلِيُّ يَصِفُ العُقابَ:
حتى انتَهَيْتُ إلى فراش عَزِيزَةٍ ... سوداءَ رَوْثَةٌ أَنْفِها كالمِخْصَفِ ٥
سمّاها عَزيزةً لأنّها من أقوى الجوارِح وأَشَدِّها بأْسًا ومن هذا قَولُهم مَنْ عَزَّ بَزَّ ٦: أي مَنْ غَلَبَ سَلَب قَالَ الله تعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي
стр. 375
الْخِطَابِ﴾ ١ ويقال صار أعَزّ مِنِّي وأَشَدٌ يقال: عازَزْتُه فَعَزَزْتُه قَالَ الشاعر:
قَطاةٌ عَزَّها شَرَكٌ فَباتَتْ ... تُجاذِبُه وقد علق الجناح
стр. 376
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ لَهَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ تُحِبُّ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْكُمْ وَلا يُضَافِرُ الدُّنْيَا إِلا الْقَتِيلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى" ١
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى نا كَثِيرُ بْنُ مُرَّةَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ
قوله: لا يُضافِر الدُّنيا إلا القتيل أي لا يُحِب أن يعاودها ويلابسها إلى القَتِيل يقال فلان يضافر فلانًا إذا كان يُداخلُه ويُعاشره ومنه قولهم تَضَافَر القومُ وتَضَابَرُوا إذا تجمَّعوا وتألَّبُوا ومن هذا ضَفْر المرأةِ شَعْرَها إذا أدخلَتْ بعضه في بَعضٍ وقيل للعَقِيصة من شَعرها ضَفِيرة وللحَبْل المَفْتُول من الشَّعر ضَفِير ومنه الخَبَر: "إذا زَنَت الأَمةُ فَبِعْها ولو بِضَفِير" ١
стр. 377
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَفَّحَ إِنْسَانًا قال: "بارك الله عليك " ١.
стр. 378
حَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ ثنا خَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ نا عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
سأَلتُ عن هذا الحَرْف عامَّة مَنْ أدركتُه من أهل اللغة فلم أجد في ذَلِكَ عندهم شيئًا يُعتَمد إلا أن أبا عُمَر قَالَ لي إنما هُوَ رَقَّح بالقَاف قَالَ والتَّرِقيحُ إِصلاح المَعِيشَة ولهذا قيل للتّاجرِ رَقَاحِيّ وأنشد للحارث بن حِلِّزة:
يَتْرُك ما رَقَّحَ من عَيْشِه ... يَعيث فيه هَمَجٌ هامِجُ ١
قَالَ ومعناه أنّه كان إذا دعا للإنسان بالصَّلاح قَالَ: "بارك الله عليك"
وأخبرني ابن مالك سمعتُ محمد بن النَّضْر يقول سألتُ ابنَ الأَعرابي وسُئِل عن هذا الحرف فَقَالَ: معناه دعا له بخير
قَالَ أبو سليمان: وهذا التفسير ليس عَلَى التَّحقيق ولكن عَلَى وجه التَّخمين والتَّقريب إذا كان معقولًا أَنَّ قَولَه: "بَارَكَ الله عليك" دعاء بالخَيْر لا محالة ولم يكن عندي في ذَلِكَ شيء هُوَ أَشَفُّ ممّا ذكره أبو عُمَر إِلَى أَنْ وَجَدْتُ هَذَا الْحَرْفَ مِنْ رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ وَهُوَ مَا حَدَّثَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ٢, نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَفَّأَ الإنْسَانَ إِذَا تَزَوَّجَ قَالَ: "بَارَكَ اللَّهُ لَكَ وَبَارَكَ عَلَيْكَ" ٣. فعلمت أن الحاء من
стр. 379
قوله: رفَّح بدل من الهمزة في قوله: رفَّأَ والحاء والهاء أُختان في قُربِ المَخْرج وقد يَتَعاقَبَان في مواضع كقولهم مَدَحَ وَمَده وفَرِح وفَرِه
أخبرني أبو عُمَر عن أبي العباس ثَعْلب عن سَلَمَةَ عن الفَرَّاء عن الكسائي قَالَ سَمِعتُهم يقولون بَاقِلّي هَارّ فقلت من التَّهرِّي فقالوا لا لكن من الحَرَارة قَالَ وأنشدنا:
تَمَدَّهِي ما شِئْتِ أن تَمدَّهِي ... فلَسْتِ منْ هَوْئي ولا ما أَشْتَهِي ١
وقال رؤبة:
لله دَرُّ الغَانِيات المُدَّهِ ٢
يُريد المدَّح
وكذلك الهاء والهمزة يتعاقبان أيضًا كقولهم: هَراقَ الماءَ وأَراقَه وهِبْرِيَةُ الرأس وإبريته وإيّاك وهِيَّاك فعلى هذا قيل رفَّح بمعنى رَفَّأ وهو قَوْلُ الرجل للمتزوِّج بالرِّفاء والبنين كان الأصل فيه رفَّأَ ثُمَّ قُلِبَت الهمزة هَاءً فصار رفَّه ثُمَّ أُبدِلَت الهاء حاء فصار رفَّح ويقال أصل قولهم بالرِّفاء والبنين مأخوذ من رَفَوْتُ الثوبَ أَرفُوه رَفْوًا أي لأَمتُه وأصلحتُه وفيه لغة أخرى رفأتُ أَرفأُ بالهمز,٣ وعلى هذا جاء الحديث قَالَ الشاعر:
بُدِّلتُ من جِدَّة الشَّبِيبَة والـ ... أبدال ثوب المشيب أردؤها
стр. 380
مُلاءةً غيرَ جِدِّ واسعةٍ ... أَخيطُها تارةً وأرفَؤُها
قَالَ أبو زيد في كتاب الهمز يقال رفأتُ الثوبَ أرفأة ورفّأت المَمَلَّك ترفِئَةً وترفيئا إذا دعوت له ١
стр. 381
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : " أَنَّهُ دَخَلَ إِلَى خَدِيجَةَ يَخْطُبُهَا ودخلت عليها مُسْتَنْشِئَةٌ مِنْ مُوَلَّدَاتِ قُرَيْشٍ فَقَالَت أَمُحَمَّدٌ هَذَا وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ إِنْ جَاءَ لَخَاطِبًا"١
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ ثنا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ إِلا أَنَّهُ قَالَ مُنْتَشِئة وَالصَّوَابُ الْمُسْتَنْشِئَةُ هَكَذَا أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيٍّ نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ
المُسْتَنْشِئَةُ الكاهِنَةُ وسُمِّيت بها لمطالعتها الأخبار وتَعاطِيها عِلَم الحَوادث والأكوان يقال فلان يستنشئ الأخبارَ إذا كان يبحث عنها قَالَ الكسائيُّ رجل نَشْيانُ للخَبَر ونَشوان ويقال من أَينَ نَشِيتَ هذا الخبرَ
وَأَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ بِإِسْنَادٍ لَهُ لا يَحْضُرُنِي ذِكْرُهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمَّا تَزَوَّجَ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ دَخَلَ عَلَيْهَا عَمْرُو بْنُ أَسَدٍ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "هَذَا الْبُضْعُ لا يُقْرَعُ أَنْفُهُ" ٢
قوله: "لا يُقرَعُ أَنْفُه" يريد أَنه الكُفءُ الَّذِي لا يُرَدُّ ولا يُرغَبُ عنه
стр. 382
وأصلُه في الفَحْلِ الهَجِين إذا أراد أن يَضْرِبَ في كرائم الإبل قَرعُوا أنفه بعَصا ليرتدَّ عنها. ويروى لا يُقدَع أَنفُه ومعناه قريب من الأول. والقَدُوع الفَحلُ الهَجِين إذا قرب كرائمَ الإِبِل قُدِعَ عنها قَالَ الشَّمّاخُ وذكر الحَمِيرَ:
إذا ما استافَهُنَّ ضَربْن منه ... مكان الرُّمْح من أَنْفِ القَدُوع ١
يريد المَقْدُوع كما قَالُوا: فرس رَكُوب وشاةٌ حَلُوب.
ويقال قَدعْتُ الرجلُ وأَقدعتُه لُغتان. قالت ليلى الأَخْيَلِيَّةُ:
كأنّ فَتَى الفِتيان توبةَ لم يُنِخْ ... بنَجد ولم يَطلُع مع المُتغوِّر
ولم يقدع الخصم الألد ويملأ ال ... جفان سديفا يوم نكباء صرصر
стр. 383
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي صَلاةَ الْبَصَرِ حَتَّى لَوْ أَنَّ إِنْسَانًا رَمَى بِنَبْلِهِ أَبْصَرَ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ ١".
حَدَّثُونَا بِهِ عَنِ ابْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ نا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ نا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ نا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَمُرَةَ حَدَّثَنِي أَبُو طَرِيفٍ قَالَ كُنْتُ شاهد النبي وَهُوَ مُحَاصِرٌ أَهْلَ الطَّائِفِ وَكَانَ يُصَلِّي بِنَا صَلاةَ الْبَصَرِ حَتَّى لَوْ أَنَّ إِنْسَانًا رَمَى بِنَبْلِهِ أَبْصَرَ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ ١.
صلاةُ البَصَر تُتأوّل عَلَى صلاة الفجر ونرَى والله أعلم أَنَّه سمَّاها صلاة البَصَر لأنها إنما تُصَلّى عند إسفار الظّلام وإثبات البَصَر الأَشْخاص ويقال
стр. 384
في صلاة البَصَر أنه أراد بها صَلاة المغرب والقولُ الأَولُ أشهر والله أعلم وأحكم ١
стр. 385
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النبي أَنَّهُ قَالَ لِسَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ وَقَدْ ظَاهَرَ عَنِ امْرَأَتِهِ: "أَطْعِمْ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ سِتِّينَ مِسْكِينًا " فَقَالَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَقَدْ بِتْنَا وَحْشَيْنِ مَا لَنَا طَعَامٌ ١.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ الْمَعْنِيُّ قَالا نا ابْنُ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ.
وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا بَيْنَ طُنُبَيِ الْمَدِينَةِ أَحَدٌ أَحْوَجُ مِنِّي ٢.
قوله: وَحْشَيْن أي مُقفرين. يقال: رجل وحْشٌ إذا لم يكن عنده طعام من قوم أوحاش. قَالَ حُمَيد بن ثور:
وإن بات وَحْشًا لَيْلَةً لم يَضِق ... بها ذِراعًا ولم يُصْبِح لها وهو خاشِع ٣
وقال أبو زيد: يقال رجل وحشٌ وهو الجائع من قوم أَوحَاشٍ وهو المُوحِشُ أيضًا.
ويقال: توحَّشَ الرجلُ إذا استجاع واحْتَمَى.
قَالَ الأحْمَرُ: يقال للجائع الشَّحْذان.
قال الأصمعي: المسحوت الجائع والمجؤوف مثله.
стр. 386
وقد جُئِفَ الرجلُ. ومن أسماه الجُودُ والجُوسُ وقال أبو خِراش الهُذَلِيّ:
تَكادُ يداه تُسلِمانِ رداءَه ... من الجُودِ لمّا استقبلتْه الشَّمائل ١
والدَّيْقُوع من الجوع أشدّه. يقال جوع دَيقوعٌ وقال بعض الأعراب:
أقول بالمِصْر لمَّا ساءَني شِبَعِي ... أَلا سَبِيلَ إلى أرضٍ بها الجُوع
أَلا سَبِيل إلى أرضٍ بها غَرَثٌ ... جوعٌ يُصَدَّعُ منه الرأس ديقوع ٢
وقوله: بين طُنُبَي المدينة: أي بين طرفي المدينة والطُّنُبُ من أَطْناب الفُسطاط شبَّه حَوْزَةَ المدينة بالفُسطاط قَالَ ذو الرُّمّة وذكر ثَورًا أَوَى إلى شجرة:
إذا أراد انكِنَاسًا فيه عَنَّ ... له دون الأَرومة من أَطْنابها طُنُب ٣
جعل أصول الشَّجر وعُروقها أطنابًا لها وقال ابنُ هرمة:
إن امرأ جَعَل الطريقَ لبَيْتِه ... طُنُبًا وأنكر حقَّه لَلَئِيمُ ٤
والأصل في هذا أن العربَ نازلة العَمَد وإنما كانوا يضربون بيوتهم بأطناب ويثبِّتونها بأوتاد ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي
стр. 387
الْأَوْتَادِ﴾ ١ البناء المُحكم ومنه قولهم مُلكٌ ثابتُ الأوتاد قَالَ الأسودُ بن يَعفُر:
في ظِلِّ مُلكٍ ثابتِ الأوتاد ٢.
стр. 388
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِر فَالْجُمُعَةُ حَقٌّ عَلَيْهِ إِلا عَبْدٌ أَوْ صَبِيٌّ أَوْ مَرِيضٌ فَمَنِ اسْتَغْنَى بِلَهْوٍ أَوْ تِجَارَةٍ اسْتَغْنَى اللَّهُ عَنْهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ" ١.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ.
أخبرني بعضُ أصحابِنا عن ابن الأَنْبارِي قَالَ قوله: استَغْنَى الله عنه يريد طَرَحَه الله ورمى به من عَيْنه
لأن المستَغْنِي عن الشيء تاركٌ له قَالَ الله تعالى: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾ ٢. يريد هذا المعنى وقال غيره جازاهم جزاءَ استِغْنائِهم كقوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ ٣.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا أَبُو رِفَاعَةَ الْعَدَوِيُّ نا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعُمَيْرِيُّ ١ عَنْ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ.
الأصل في السَّفْسافِ ما تَهَبَّأَ من غُبارِ الدَّقيق إذا نُخل. يقال: سَفْسَفْتُ الدَّقيقَ إذا تَنَخَّلتَه ثُمَّ شُبِّه به الوتح الرديء من كل شيء يقال رجل سَفْسَافٌ ومسفسف إذا وصفْتَه برِقَّة المُروءةِ وكذلك هُوَ إذا وصفتَه بفُسُولة الرَّأي وضَعف العَقْل وكلام سَفْسافٌ وثوبٌ سَفسافٌ إذا كان هَلْهَلَ النَّسج وهو نَعْت مُطَّرِد في كل شيء لم يُحْكَم صُنعهُ.