قوله: تَخَلَّيتُ معناه تَبَرَّأْتُ من الشِّركِ وانْقَطَعْتُ عنه وفي هذا حُجَّةٌ لَمنْ ذَهَب إلى أن المُشرِكَ لا يكون مُسلِمًا حتى يتكَلَّم بالشَّهادةِ ويتبرَّأَ من دِينهِ لأن بعضَ أهلِ الشرك يُؤمِن بالله وهو يُنِدُّ ١ معه ويؤمن برسوِله وهو لا يراه خَاتِم الأَنْبياء.
وقوله: كل مُسلِم عن مسلم مُحرِم فإن المُحرِمَ في أشياء يقال أَحرَم الرجلُ إذا دخل في الحَرَم وأَحرَم إذا دخل في الشهر الحَرَام وأَحْرَم إذا اعْتَصَم بحُرْمَةٍ وقال الشاعر:
فَيَعلُم حَيَّا مالكٍ ولَفِيفُها ... بأَنْ لَستُ عن قَتْل الحُتاتِ بمُحرِم
وقال آخر:
قَتَلُوا ابنَ عَفَّانَ الخَلِيفَةَ مُحرِمًا ... ودَعَا فلم أَرَ مثلَه مَخذُولًا ٢
يريد أنهم قتلوه في الشَّهر الحرام. وقال زُهَيْر:
وكَمْ بالقَنان من مُحِلٍّ ومُحرِم ٣
والمحل: المحارب هاهنا والمُحرِم: المُسالِم.
ومعنى الحديث أَنَّ المُسِلمَ مُعتَصِم بالإسلام مُمتنِع بحُرْمِته مِمَّن أراد دَمَه أو مالَه.
وقوله: "أَخوان نَصِيران" معناه أنّ من حَقّ المُسلِمَيْن أن يَتعاونَا ولا يَتخاذَلا وهذا كقوله: "وهم يد على من سواهم" ٤.
стр. 423
وقوله: وأَينَ ما تُحْسِن يَكْفِك يقول لا تَعْجَز أن تَفْعَل خَيرًا وإن لم يكن عليك فرضًا.
стр. 424
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النبي أَنَّهُ قَالَ: "لا يَكُونُ لِرَجُلٍ إِبِلٌ لا يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلا بُطِحَ لَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَاعٍ قَرْقَرٍ ثُمَّ جَاءَتْ كَأَكْثَرِ مَا كَانَتْ وَأَغَذِّهِ وَأَبْشَرِهِ فَوَطِئَتْهُ بِأَخْفَافِهَا" ١.
أَخْبَرَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَكِّيِّ نا إسحاقُ بن إبراهيم نا أَبو الأَشْعَثِ نا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي عُمَرَ ٢ عَنْ أَبِي هريرة.
قوله: وأبشره يريد وأَحسَنه وأَسْمَنه والبَشارةُ الجَمالُ قَالَ الأَعْشَى:
ورأَت بأَنَّ الشيبَ خَالَطَه البَشَاشَةٌ والبَشَارَهْ ٣.
ويقال: رجل بَشِير أي جميل وامرأةٌ بَشِيرَةٌ من نِساءٍ بَشائِر. وقال جَرير:
يا بَشْرُ حُقَّ لوجهك التَّبشِيرُ ... هلا غَضِبت لَنَا وأَنتَ أمير ٤
يَرْوِيهِ يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ نا مَحْبُوبُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ الْهَاشِمِيِّ عَنْ أُمِّ حَكِيمِ بِنْتِ الزُّبَيْرِ.
قوله: تَسحَلُها أي: تَكْشِط ما عليها من اللّحم ومنه أُخِذَ المِسْحَل وهو المِبردُ ومن هذا ساحِلُ البحر وذلك أن الماء قد سَحَله جاء بلفظ فاعل ومعناه مَسحولُ ويُروَى فجعلتْ تَسْحَاها أي تَقشِرها
يقال: سَحوتُ الشيءَ أسحُوه وأسحاه ومن هذا سُمِّيت سِحاءَةُ القِرطاس وكذلك المِسحاةُ التي يُعمَل بها الطِّين.
وأخبرني أبو محمد الكُرانيّ نا عَبْد اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ نا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْمِنْقَرِيُّ نا الأَصْمَعِيُّ قَالَ: قول العامة ليس لمِسْحاتِك عندي طين خَطَأ إنما هُوَ ليس لسحاتك ١ عندي طين.
стр. 427
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَاعَدَهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا لِلْمُضَمَّرِ الْمُجِيدِ " ١.
حَدَّثَنَاهُ الأَصَمُّ نا بَحْرُ بْنُ نَصْرِ بْنِ سَابِقٍ الْخَوْلانِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ عَنِ الْقَاسِمِ مَوْلَى يَزِيدَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ.
المُضَمِّر هُوَ الَّذِي ضَمَّر خيلَه إذا أعدَّها لِغزْوٍ أو سِبَاق وهو أن يُظاهِر عليها بالعَلَفِ حتى تسمن وتَقوَى ثُمَّ لا تُعلَفُ إلا قُوتًا ليكون أَنْجَى لها وأَخفّ والمُجِيدُ صاحب الجِياد من الخَيْل يقال: رجل مُجِيد كما يقال:
стр. 428
مقو إذا كانت دوابه أَقْوياء ومُضعِفٌ إذا كانت ضِعافًا. وفي بعض الحديث: المُضعِف أَمِيرُ القوم ١. وقال الفرزدقُ لجرير:
ولقد شَدَدتَ عَلَى المراغَةِ سَرْجَها ... ولقد نزلْتَ وأنتَ غيرُ مُجِيد ٢
أي غَير مُنجِب وقال آخر:
إنَّ النّجابةَ والإجادةَ فاعْلَمي ... عند العَقائل من بَنِي أَنمار ٣
ومعنى الحديث أَنَّ الصائمَ يُباعِدُه الله من النّار مسافة سَبْعين سَنَةً رَكْضَ المضامير من الخيل.
ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ١ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَ الدَّجَاجَةَ وَالْبَيْضَةَ.
وَأَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةَ وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً" ٢.
قد يعرض الإِشكالُ من هذا الحديث في مَوْضِعَين أحدهما قوله: مَنْ راح في الساعة الرابعة والخامسة لأَنَّه يوهّم جواز تأخير صَلاة الجمعة عن أول وقتها إلى الساعة الرابعة أو الخامسة وهذا فاسِدٌ.
والموضِع الآخر أنه لمّا فاضل بين الساعات جعل الرائحَ في الساعة الرابعة كَمَن أَهدى دجاجة وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ كمن أَهْدَى بَيْضَة واسمُ الهَدْي لا يقع عَلَى الدَّجاجة والبيضة غالبًا.
وأما الغَنَم فقد اختلف الفقهاءُ فيها فَقَالَ بعضهم: ليست بهَدي والأكثرون منهم يجعلونها هَدْيًا وثمرة هذا الخلاف أن يوجب الرجل عَلَى نفسه هديًا فإذا ذبح شاة أجزاه عن نَذْره في قولِ مَنْ رآها هَدْيًا ولا يُجزِيه في قول الآخرين إلا بَدَنةٌ أو بقرةٌ.
أما قوله: راح في الساعة الرابعة والخَامِسَة ففيه وجْهَان أحدهما
стр. 431
ما ذَهَب إليه مالكُ بن أنس. أخبرني الحسنُ بنُ يَحْيى عن ابنِ المُنذِر قَالَ: كان مالِكُ بنُ أنس يقول في هذا الحديث: لا يكون الرواح إلا بعد الزَّوال قَالَ وهذه الساعات كلّها في ساعةٍ واحدةٍ من يوم الجمعة يذهَبُ إلى قولِ القائل جِئتُ منذ ساعة وقَعدتُ عند فلانٍ ساعةً وتحدَّثتُ معه ساعةً وما أشبه ذَلِكَ يريدُ به جُزءا من الزمان غَيَر مَعلُوم دُونَ الساعاتِ التي هي أوراد الليل والنهار وأقسامهما.
والوَجْهُ الآخرُ ما ذهب إليه محمدُ بن إبراهيم بن سعيد البُوشَنْجِيّ.
أخبرني أحمدُ بنُ الحُسيْن التّيمِيّ قَالَ: قَالَ أبو عَبْدِ الله قولُه: راحَ إلى الجُمُعة وهَجَّر إلى الجُمُعة في هذا الحديث إنما هُوَ بعدَ طلوعِ الشّمس كأنه يذهبُ إلى معنى القَصْد منه دُونَ الفِعْل وذلك أَنَّه إنما تُصلَّى الجُمُعة بعد الرَّواح فسُمِّي رائحًا بالقَصْد وهذا كما قيل للمتساوِمَيْن مُتَبايَعَان لِقَصْدِهما البَيْعَ وللمُقْبِلينَ إلى مكَّةَ حُجَّاج ولمّا يَحُجُّوا بَعْد وَقَدْ قَالَ ﷺ : "لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ شَهَادَةَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ" ١ يُرِيد مَنْ أشرفَ عَلَى المَوْت ومثلُه كَثِير وزعم بعضُهم أَنَّ الرّائح هُوَ الخارِجُ عن أَهلِه وكلُّ مَنْ خرج في وقت من الأوقات فقد رَاحَ قَالَ وعلى هذا مَذْهَب العَرَب إذا أرادوا الرَّحِيل أيَّ وقت كان من ليلٍ أو نهارٍ قَالُوا: الرَّواح.
قَالَ أبو سليمان: والأَمرُ في هذا واضح غيرُ مُشكِلٍ والفَرقُ بين الأمْرين موجودٌ في مُسْتَفِيض كَلامِ النَّاس أَلا تراهم يَقُولُون غَدوْنا ورُحْنا إلى بَابُ فُلان وغَدوتُ إلى السُّوق ورُحتُ إلى أهِلي.
قَالَ الله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ
стр. 432
وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ ١. وقال النابِغَةُ:
أمن آلِ ميّةَ رائحٌ أو مُغتدي ٢
وقال عمر بن أبي ربيعة:
أمنْ آلِ نعم أنت غاد فمبكر ... غداة غد أم رائح فُمهَجِّر ٣
وكان أبو الدرْداء إذا رَأَى جنَازةً قَالَ: رُوحِي فإنّا غادون ٤ وهذا أبْيَنُ من أن يُستَشْهد له
فأما قَولُهم عند الرَّحِيل الرُّواح فإنَّما يقال ذَلِكَ لأَنَّ رِحيلَ المسافر إنّما يكون في الغالب وَقتَ الرَّواحِ والإِبْراد ثُمَّ كثرُ ذَلِكَ حتى استَجازوا أن يقولوه في غير حِينِه وهذا كقولهم في الاستغاثَةِ عند مُفاجَأة العَدُوِّ أيّ وَقْتٍ كانت واصَبَاحَاه لأن الغالِبَ أن العدوَّ إنما يُصبِّحُ القومَ ويأْتِيهم حالَ الغرة والأمن.
وأما قول ابن أَبِي رَبِيعة:
أيّها الرائحُ المُجدّ ابتكَارَا ... قد قضى من تِهامَة الأَوْطارا
ليتَ ذا الحجَّ كان فرضًا علينا ... كُلَّ يوميْن حِجَّةً واعْتِمارا ٥
فإنّه أراد الرّائح إلى منزله المُزْمِعَ الرَّحيلَ بُكْرةَ غَدِه.
وأما قَولُه: أَهْدَى دجاجةً وأَهدَى بيْضةً فمن المحمول عَلَى حُكْم ما تَقدَّمه من الكلام كقولكَ: أكَلْتُ طعامًا وشَرابًا والأكلُ إنما ينصرف إلى الطعام
стр. 433
دون الشَّراب إلا أَنّه لمَّا عُطِف به عَلَى المذكور قبلَه حُمِل عَلَى حُكْمِهِ كقول الشاعر:
ورأيْتُ بَعْلكِ في الوغَى ... مُتقلّدًا سيفا ورمحا ١
والرمح لا يتقلد لكن يُحْملُ. وقال الآخر:
إذا مَا الغانِياتُ بَرزْنَ يَوْمًا ... وزَجّجْن الحَواجِبَ والعُيونا ٢
أي كحّلْن العُيونَ. ومثلُ هذا كَثِيرٌ
فأما حَدِيثُه الآخر في الجُمُعة أنه قَالَ: "مَن بَكر وابْتَكَر وغَسَل واغْتسل" ٣. فقد قيل: إنه أراد به بكور الوقت وقيل وأراد إدْراكَ باكورة الخُطْبة وهي أوّلها.
وأخبرني بعض أصحابنا عن ابن الأنباري أنه قَالَ: أَرادَ تقدِيمَ الصَّدقة من قوله: "باكِرُوا بالصَّدَقة فإنّ البَلاءَ لا يتخَطَّاها" ٤.
وقوله: غَسَل فقد قيل: أراد غَسْل أَعضاءِ الطَّهارة وقيل أراد غَسْلَ الرأسِ لِمَا في رؤوس العرب من الشَّعَر وقِيل معناه جامع أهله من قولهم فحلَ غُسَلَة إذا كان كثير الضِّراب
وقوله: اغْتَسَل أراد غَسْلَ سائرِ البَدَن. وقال الأثرَمُ هما لفظان بمعنى واحدٍ كُرِّرَا للتَّأكيد أَلا تراه يقول في هذا الحديث: "ومَشَى ولم يَرْكب" وفي خبر آخر: "واسْتَمَع وأَنْصَت". وهذا كُلّه واحِد.
стр. 434
وأما قوله: فالمُهَجِّر إلى الصلاة فإنّ أكثر الناس يذهبون في معناه إلى أنّه من الهَاجِرَة وقت الزوال.
وقد روى أبو داود المَصاحِفِيّ عن النَّضْرِ بن شُمَيْل قَالَ التَّهجِيرُ إلى الجُمُعة وغيرِها التَّبْكِيرُ قَالَ: سمعتُ الخلِيلَ يقول ذَلِكَ في تفسير هذا الحديث.
стр. 435
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النبي الَّذِي يَرْوِيهِ ابْنُ عُمَرَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ سَرِيَّةً فَلَقَوُا الْعَدُوَّ فَجَاضَ الْمُسْلِمُونَ جَيْضَةَ فَأَتَيْنَا الْمَدِينَةَ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ الْفَرَّارُونَ فَقَالَ: "بَلْ أَنْتُمُ الْعَكَّارُونَ وَأَنَا فِئَتُكُمْ" ١.
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى نا الْحُمَيْدِيُّ نا سُفْيَانُ ثنا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
قوله: أنتم العَكَّارون يريد أَنتُم الكَرَّارُون والعَكْرُ الانْصراف ٢ بعد المُضيّ. يقال: عَكَرْتُ عَلَى الشيء بمعنى عَطفتُ عليه. قَالَ الشاعر:
لما رأيت النفس جاشت عكرتها ... على مسحل وأي ساعة معكر
وأخبرني ابنُ الزِّئبَقِيّ نا محمد بن يونس الكُدَيْمِي نا الأصمعيّ قَالَ: رأيت أعْرابيًّا وهو يَفْلي ثوْبَه فجعل يلتَقِط البَراغِيثَ ويدعُ القَمْلَ فقلت له أتأخذُ هؤلاء وتَدَعُ هَؤُلاء قَالَ: أبدأُ بالفُرسان ثُمَّ أَعكِرُ عَلَى الرَّجَّالةِ.
وقوله: جَاضَ المُسْلمون جَيْضةً ٣ فسّره أبو عُبَيْد ومعناه مالوا مَيْلةً وحادوا حيدودة.
стр. 436
وحدثناه ابنُ دَاسَة نا أبو داود نا أحمد بن يُونُس نا زُهَير نا يزيدُ بن أبي زِياد بإسنادِه مثله وقال: حاصَ النّاسُ حيْصة ١. وهما سَواء.
يقال: حاص الرجل عن الشيء وجاض عنه إذا حاد عنه حذرا أو خوفا. قال أبو عبيدة: خرج أعرابِيٌّ وكانت له امرأةٌ تَفْرَكُهُ وكان يصلفها فأتبعته نواة وقالت شَطَّت نَوَاك ونَأَى سَفَرُك ثم أتبعته رؤثة وقالت رَثَيْتك وراثَ خَبرك ثُمَّ أَتبعَتْه حَصاةً وقالت حاصَ رِزْقُكَ وحُصَّ أَثَرُكَ.
وقوله: "أنا فِئَتُكُمْ" تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ﴾ ٢ يمهد بذلك عذرهم.
стр. 437
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : فِي قِصَّةِ حُنَيْنٍ أَنَّهُمْ خَرَجُوا بِدُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ يَتَبَهَّنُونَ بِهِ ١.
يَرْوِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ عَنِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ هَكَذَا حَدَّثَنِيهِ الرَّاوِي لَهُ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ زُهَيْرٍ عَنْهُ وأَحسِبه غلطًا إنّما هُوَ فيما أحْسِبه يتَبهْنَسُون به. والتَّبَهْنُس: كالتَّبخْتر في المَشْي يُرادُ أنهم كانوا يَقُودون به راحِلتَه عَلَى رُودٍ ومَهَلٍ فَيَحْكُون سِيرةَ المُتَبَخْتِر ويشبه أن يكون الكاتِب قد مَشَق السِّين من يَتَبهْنَسُون فتوهّمه الرّاوي يتبهَّنُون.
ورَوَى الواقِدِيّ عن مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلم الزُّهْرِي في إسناد له أَنَّهم أخرجوا دُرَيدًا يوم حُنَين يقاد به في شَجارٍ فَقَالَ: بأيّ وادٍ أنتم قالوا:
стр. 438
بأَوْطَاس قَالَ: نِعْمَ مَجالُ الحَرْب ١ لا حَزْنٌ ضَرِسٌ ولا سَهْلٌ دهس ما لي أسمعُ رغاءَ البَعِير ويُعارَ الشَّاء.
قيل ساق مالكُ بنُ عَوْف مع الناس الظُّعُن والأَموالَ فَقَالَ: ما هذا يا مالك قَالَ: أردتُ أن أُحفِظ الناسَ وأن يُقاتِلوا عن أَهْليهم وأموالِهم فأَنْقَض به. وقال راعي ضأن ما له ولِلْحرْب وقال: أنت مُحِلٌّ بقَوْمِك وفاضحٌ عورتَك ٢ لو تركتَ الظُّعْن في بلادهم والنَّعَم في مَرِاتعها ثُمَّ لِقيتَ القومَ بالرِّجال عَلَى متُونِ الخَيْل والرّجّالة بين أضعاف الخيل أو متقدّمةً دَرِيَّةً أمام الخيل كان الرأي ٣.
الشِّجار: مَرْكب يُهيَّأ للنِّساء وهو أَعوادٌ يُخالَف بينها وهو المِشْجَرُ أيضًا فإن غَشِي بغِشاء صار هَوْدَجًا والضَّرِسُ الخَشِنُ الَّذِي يَعْقِرُ القوائمَ. والدَهِسُ اللَّيِّن الَّذِي تَسوخُ فيه الأَرجلُ قَالَ الأصمعيُّ: الدَّهَاسُ كل لَيّنِ لَيْس يَبلُغ أن يكون رَمْلًا وليس بتُراب ولا طيْنٍ والظُعُنُ النساء يقال للمرأةِ الظَّعِينَةُ لأَنَها تَظْعَنَ مع زوجها إذا ظعَن وقوله: أُحفِظ النَّاسَ أي أَذْمِرُهم للحرب من الحفيظة يقال هذا أمر محفظ ٤.
قَالَ الشاعر:
وتَرفَضُّ عندَ المُحْفِظَاتِ الكتَائِفُ ٥
وقوله: أَنْقَضَ به أي صَفَّق بإحدى يَدَيْه عَلَى الأُخرى حتى سُمِع لها نَقِيض وهو الصّوْت ويقال: بل أراد بالإنقاض أن ينقر بلسانه في فيه كما
стр. 439
يزجر الحمار ونَحوُه وراعِي ضَأنٍ يَسْتَجْهِله وَيُقَصّر ١ به عن رُتبة من يَقودُ الجيوش ويَسوسُها. ويُقال: أجْهلُ من راعي ضَأن. وقوله: أنتَ مُحِلٌّ بقَومِك يريد أَنَّك قد أبحْتَ حَرِيمَهم وعرَّضْتَ بهم للهلاك. يقال: أحلّ الرَّجلُ إذا خرج من حُرْمةٍ كان فيها فهو مُحِلُّ وأَحْرم إذا اعْتَصَم بحُرْمة فهو مُحِرم قَالَ زُهَيْر:
وكَمْ بالقَنان من مُحِلٍّ ومُحْرِمِ ٢
أراد بالمُحِلّ الَّذِي يحلُّ قَتلُه وبالمُحرِم الَّذِي يَحرُم قتلُه.
وقوله: دَرِيَّةً أمام الخيل أي مُقدِّمة لها وستْرًا دونها. والدَّريَّةُ البعير الَّذِي يستَتِر به الرَّجل إذا أراد أن يرمِيَ الوحْشَ فيتركَه يرعَى مع الوحْش حتى إذا بَسِئَت به ٣ الوحش وأمكنت من مقاتلها رماها وهي الذَّرِيعة أيضًا قَالَ الشاعر:
وَلِلْمَنيَّةِ أَسْبَابٌ تُقَرّبُهَا ... كما تُقَرِّبُ للوحشية الذرع ٤
وأما الدريئة مهموزة فالحَلْقة التّي يُتعلّم عليها الطِعانُ قَالَ عَمرُو بنُ مَعْد يكرب:
ظللت كأني للرماح درئية ... أُقاتل عن أبناء جَرْمٍ وَفَرَّت ٥
وفي يتبهَّنون وجْهٌ آخر وهو أن تكون الرَّواية يتيمَّنُون به: أي يَتَبَرَّكون بَرأيه ومَشْهدِه أو يتَهَّبْون به قَالَ الأصمعي: جاء فلان يتهبى إذا
стр. 440
جاء ينفُش يديْه والأَوّل أشبَه والله أعلم. ويدل عَلَى ذلك ما رواه إبراهيم بن مسعد عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ حضر حُنَينًا دريدُ بن الصّمّة شيخٌ كبير فانٍ ليس فيه شيءٌ إلا التيمُّنَ برأيه ومَعرفتهِ بالحرب وكان شيخًا مُجربًا مِحْرَبًا ١.
стр. 441
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِيَّ قَالَ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَوْتًا بِاللَّيْلِ يَعْنِي رَجُلا يَقْرَأُ بِالْقُرْآنِ فَقَالَ: "أَتَقُولُهُ: مُرَائِيًا" ١.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ حَدَّثَنَا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُرَيْدَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ.
قوله: أتقُولُه: يريد أَتظُنُّه قَالَ الشاعر:
متى تَقُولُ القُلُصَ الرَّوَاسِمَا ... يَلْحقْنَ أمَّ عَاصمٍ وَعَاصَما ٢
أي متى تَظُنّ القُلُصَ تلْحَقُهما ولذلك نَصَب القُلُصَ.
قَالَ الفرّاء: العرب تجعل ما بعْد القول مَرْفُوعًا عَلَى الحِكاية فتقول قلتُ عبدُ الله ذاهب وقلت إنك قائِم هذا في جميع القَوْل إلا في أَتَقُول وَحْدَها في حرفِ الاستفهام فإنّهم يُنزّلُونها مَنْزلةَ أتظُنّ فيقولون أتقول: إنك خارج ومَتَى تَقُولُ إنّ عَبْد اللهّ منطلق وأنشد:
أَمَّا الرَّحيلُ فدُونَ بَعْد غَدٍ ... فمتَى تَقُولُ الدَّارَ تَجْمَعُنَا ٣
بنصب الدّار كأنّه قَالَ فمتى تَظُنُّ الدار تجمعنا.
فَأَخَذْتُهُ مِنْ بَيْنِ لَحْيَيْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "مَا كَانَ يَنْبَغِي لَكِ أَنْ تُعَنِّقِيهَا إِنَّهُ لا قَلِيلَ مِنْ أَذَى الْجَارِ" ١.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ هَارُونَ النَّوَّاءُ نا عُبَيْدُ اللَّهِ نا الأَوْزَاعِيُّ عَنْ عَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ.
التَّعِنيقُ الأخْذُ بالعُنُق مع شدّة العَصْر لها وبه سُمّي جُحْرُ الضّبّ العانِقاء وهو جُحْرٌ مملوءٌ تُرابًا فإذا خاف شيئًا دخل تحت ذَلِكَ التّراب فتعنَّق: أي دَسَّ عُنقَه فيه ومضى حتّى يتوارى ٢.
ورواه لي بعضهم تُعنّكيها وفسره من قولهم اعتَنك البعيرُ إذا ارتطم في رمْل لا يقْدر عَلَى الخلاص منه ولا أراه محفوظا.
قوله: يُنسَأ في أَثَره ومعناه يُؤَخَّر في أجله وسُمِي الأجّلُ أَثَرًا لأنه تابعُ الحياة وسائِقُها. قَالَ كَعْبُ بنُ زُهَيْر:
يَسْعَى الفتَى لأُمُورٍ ليس يُدْرِكُها ... والنَفْسُ وَاحِدَةٌ وَالَهمُّ مُنْتَشرُ
والمرءُ ما عاشَ ممدودٌ له أمَلٌ ... لا تَنْتَهِي العَينُ حتى يَنْتَهِي الأثَرُ ١
стр. 452
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : "لا تُجَارِ أَخَاكَ وَلا تُشَارِهِ " ١.
حَدَّثَنِيهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ أنا ابْنُ الْجُنَيْدِ نا عَبْدُ الْوَارِثِ أنا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ حُرَيْثِ بْنِ عَمْرٍو يَرْفَعُهُ.
قوله: "لا تُجارِ أخاك" هُوَ من الجِراء في الخيْل وهو أن يتجارى الرجُلان للمسابقة يقول: لا تطاوِلْه ولا تُغالبْه ويروى عن بعض الحكماء أنّه سئل ما الحِلْمُ فَقَالَ أن تكون ذا أناةٍ وأن تلاين الولاة فقيل: ما الخُرْق قَالَ: مجاراةُ أميرك ومُمَارَاةُ مَنْ يَضِيرك.
وقوله: "لا تُشارِه" أي لا تلاجِّه يقال: قد اسْتشْرى الرجلُ إذا لجَّ في الأمر فإن شددته كان وزنه مُفاعلةً من الشّرّ قَالَ الأصمعيّ: سأل أبو الأسود الدّؤلي عن رجل فَقَالَ: ما فَعلَتِ امرأتُه التي كانت تُشارّه وتُهارُّه وتزاره وتماره فتُشارُّه من الشَّرِّ وتُهارُّه من الهَرِيرِ وتُزارُّه من الزَّرِّ وهو العَضُّ وتُمارُّه معناه تَلَوّى عليه ومنه الشيء المُمَرُّ وهو المَفْتُول.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا أَبُو يَحْيَى بْنُ أَبِي مَسَرَّةَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِي نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَّانَ الْعَنْبَرِيُّ سَمِعْتُ جَدَّتَّي صَفِيَّةَ وَدُحَيْبَةَ ابْنَتَيْ عُلَيْبَةَ عَن قَيْلَةَ بِنْتِ مَخْرَمَةَ وَسَاقَ الْحَدِيثَ فَقَالَ ١: "رَبِّ أَثِبْنِي عَلَى مَا أَمْضَيْتَ وَأَعِنِّي على ما أبقيت".
стр. 455
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ قَوْلٍ لا يُسْمَعُ " ١.
حَدَّثَنَاهُ الصَّفَّارُ نا الرَّمَادِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَبَانٍ عَنْ أَنَسٍ.
قوله: "لا يُسْمَع" أي لا يُجابُ ولا يُقْبَلُ. ومنه قول المُصَلّي سَمِعَ اللهُ لمن حَمِدَه معناه الدُّعاءُ بقَبُولِ الحَمْد واستجابةِ الدُّعاء. قَالَ شُتَيرُ بن الحارث الضّبيّ:
دَعَوْتُ الله حتّى خِفْتُ ... أَلا يكونَ اللهُ يَسْمَعُ مَا أَقُولُ ٢
قَالَ أبو زَيْد معناه يَقبَل ما أَقولُ. وعلى هذا المعنى يُتأوَّل قولُهُ تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ٣. يريد والله أعلم الكُفّارَ أي إنك لا تقدِرُ أن تَهْدِيَهم وتوفقَهم لقبول الحق وقد كانوا يسمعون كَلامَ الله بآذانِهم إذا تُلِي عليهم إلا أنهم إذ لم يقْبلُوهُ ٤ صاروا كأَنْ لم يسمَعُوه. قَالَ الشاعر:
أصَمُّ عَمَّا ساءه سميع ٥
стр. 456
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: "مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا " ١.
فيه قولان: أَحدُهُما أن يكون معنى الوراثة فيهما أن تبقَى صحَّتهُما عند ضعْف الكبَر فيكونا وارثي سائرِ الأَعضاء والباقِيَيْن بعدها.
وقال نَضْر بن شُمَيْل: معناه أَبقِهما معي حَتَّى أَمُوت. وقال غيره: أراد بالسَّمع وَعْيَ ما يسمَع والعَمَل به وبالبصر الاعتبار بما يرى ويبصر ٢. والآخر أن يكون دعا بذلك للأعقاب والأولاد والأَولُ أَصحُّ.
وقوله: "واجعلهُ الوارث" بلفظ الواحِد وقد تقدّم ذكر الأَسْماع والأَبصار بلفظ الجماعة فيه وجهان أحدهما أن تكون الهاء راجعة إلى ضمير الفِعْل وهو الاستِمْتاع ٣ بهما. والوجْهُ الآخر أن تكون الإشارة بها إلى واحدٍ واحدٍ من كلِّ سَمْعٍ ومن كلّ بَصَر. قال الشاعر:
إن شرخ الشبهاب والشعر الأس ... ود ما لم يعاص كان جُنُونا ٤
ولم يَقُلْ: يُعاصَيَا لأنّه أرادَ ما لم يُعاص كل واحد منهما.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا أَبُو بَكْرٍ وَعُثْمَانُ ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ قَالا نا شريك عن أبي الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ.
التِّلاعُ: جَمْعُ تَلْعَةٍ وهي مَسِيل الماءِ من فوق إلى أسْفل. ويُقال لِمَا ارتفع من الأَرض تَلعَةٌ وكذلك لما انخفض منها. والبَداوةُ الخُروجُ إلى البادية وفيها لَغَتان قَالَ أبو زَيْد البِداوة والحِضارة بالكَسْر. وقال الأصْمعيّ البَداوة والحَضارة بالفَتْح وأنشد:
فَمن تَكُن الحَضَارَةُ أعجَبْتهُ ... فأَيَّ رِجَالِ بَادِيَةٍ تَرانَا ١
والناقةُ المُحرَّمة: هي التي لم تُرْكَبْ ولم تُذلَّل ويقال سَوْطٌ مُحرَّم وهو الَّذِي لم يُكْمَل دِباغُه قَالَ مالك بن خُرَيْم:
فإنّ قليلَ المالِ للمرءِ مُفْسِدٌ ... تحزُّ كما حَزَّ القَطِيعُ المُحرَّمُ ٢
وذلك أنه إذا لم يُبالَغْ في دباغه كان أشدَّ لضرْبه. ويقال أَعْرابيّ مُحرَّم إذا لم يُخَالط أهلَ الحَضَر قَالَ أبو العَبَّاس ثَعْلَب: قَالَ أبو عُبَيْدة أنشد الأخفَشُ أبو الخطّاب أَبَا عَمْرو بن العلاء:
قالت قتيلة: ما له قد ... جُلِّلَتْ شَيبًا شوَاتُهْ ٣
قَالَ أبو عُبَيدة: قَالَ أبو عَمروٍ لأَبِي الخَطَّاب لمّا أنشده شواته صَحَّفْتَ إنما هي سَرَاتُه ولكنّك رأيت الراءَ منتفِخَةً فصيَّرتَها واوًا قَالَ فغَضِب أبو الخَطَّاب وأَقْبل عليَّ فَقَالَ بل هُوَ شَواتُه وإنّما هُوَ الَّذي صَحَّف وقال:
стр. 459
والله لقد سمعتُ هذا باليَمامة من عِدّةٍ من الناس
قَالَ أبو عُبَيْدة: فأخذنا بقول أبي عمرو فَما مَضَت إلا أيّامٌ حتّى قدم علينا رَجلُ مُحرَّمٌ من آلِ الزُّبيْر فسمعْته يُحدِّث بحديثٍ فَقَالَ اقشعرّت شَواتِي فَعلِمت أنّ أبا الخطّاب وأبا عمرو أَصابَا جميعًا وسَراةُ كلّ شيء أعلاه.
стр. 460
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَإِنَّهَا تَدْفَعُ مِيتَةَ السَّوْءِ وَتَقَعُ مِنَ الْجَائِعِ مَوْقِعَهَا مِنَ الشَّبْعَانِ" ١.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا سَهْلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الْوَاسِطِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْوَسْوَاسُ ٢ نا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْغَسِيلِ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.
قوله: "تقع من الجائع موقعها من الشّبعان" يُتأَوَّل عَلَى وجْهَيْن أحدهما أنّ شِقّ التَّمرة لا يُغني من جُوعٍ ولا يَبِينُ له كبيرُ مَوْقِع ٣ من الجائع إذا أكله كما لا يَبِين أثرُه عَلَى الشبْعان إذا تناوَله يقول فلا تَعجِزوا أن تَتَصدَّقوا به مع قِلّةِ خَطَره وعدَم غَنائِه. والوَجْهُ الآخر أن هذا القَدْرَ من الطّعام وإن كان يسيرًا فإن فيه عَلَى قِلَّتِهِ ما يمسك من الرمق كما أن له أن يكِظّ عَلَى الشِّبَع يقول: فلا تستَقِلُّوا من الصدقة شيئًا وإن قَلَّ فإنّ القليلَ منه إذا اجتمع إلى مثله لم يلبث أن يُشْبِع الجائع.