وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: "مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا " ١.
فيه قولان: أَحدُهُما أن يكون معنى الوراثة فيهما أن تبقَى صحَّتهُما عند ضعْف الكبَر فيكونا وارثي سائرِ الأَعضاء والباقِيَيْن بعدها.
وقال نَضْر بن شُمَيْل: معناه أَبقِهما معي حَتَّى أَمُوت. وقال غيره: أراد بالسَّمع وَعْيَ ما يسمَع والعَمَل به وبالبصر الاعتبار بما يرى ويبصر ٢. والآخر أن يكون دعا بذلك للأعقاب والأولاد والأَولُ أَصحُّ.
وقوله: "واجعلهُ الوارث" بلفظ الواحِد وقد تقدّم ذكر الأَسْماع والأَبصار بلفظ الجماعة فيه وجهان أحدهما أن تكون الهاء راجعة إلى ضمير الفِعْل وهو الاستِمْتاع ٣ بهما. والوجْهُ الآخر أن تكون الإشارة بها إلى واحدٍ واحدٍ من كلِّ سَمْعٍ ومن كلّ بَصَر. قال الشاعر:
إن شرخ الشبهاب والشعر الأس ... ود ما لم يعاص كان جُنُونا ٤
ولم يَقُلْ: يُعاصَيَا لأنّه أرادَ ما لم يُعاص كل واحد منهما.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا أَبُو بَكْرٍ وَعُثْمَانُ ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ قَالا نا شريك عن أبي الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ.
التِّلاعُ: جَمْعُ تَلْعَةٍ وهي مَسِيل الماءِ من فوق إلى أسْفل. ويُقال لِمَا ارتفع من الأَرض تَلعَةٌ وكذلك لما انخفض منها. والبَداوةُ الخُروجُ إلى البادية وفيها لَغَتان قَالَ أبو زَيْد البِداوة والحِضارة بالكَسْر. وقال الأصْمعيّ البَداوة والحَضارة بالفَتْح وأنشد:
فَمن تَكُن الحَضَارَةُ أعجَبْتهُ ... فأَيَّ رِجَالِ بَادِيَةٍ تَرانَا ١
والناقةُ المُحرَّمة: هي التي لم تُرْكَبْ ولم تُذلَّل ويقال سَوْطٌ مُحرَّم وهو الَّذِي لم يُكْمَل دِباغُه قَالَ مالك بن خُرَيْم:
فإنّ قليلَ المالِ للمرءِ مُفْسِدٌ ... تحزُّ كما حَزَّ القَطِيعُ المُحرَّمُ ٢
وذلك أنه إذا لم يُبالَغْ في دباغه كان أشدَّ لضرْبه. ويقال أَعْرابيّ مُحرَّم إذا لم يُخَالط أهلَ الحَضَر قَالَ أبو العَبَّاس ثَعْلَب: قَالَ أبو عُبَيْدة أنشد الأخفَشُ أبو الخطّاب أَبَا عَمْرو بن العلاء:
قالت قتيلة: ما له قد ... جُلِّلَتْ شَيبًا شوَاتُهْ ٣
قَالَ أبو عُبَيدة: قَالَ أبو عَمروٍ لأَبِي الخَطَّاب لمّا أنشده شواته صَحَّفْتَ إنما هي سَرَاتُه ولكنّك رأيت الراءَ منتفِخَةً فصيَّرتَها واوًا قَالَ فغَضِب أبو الخَطَّاب وأَقْبل عليَّ فَقَالَ بل هُوَ شَواتُه وإنّما هُوَ الَّذي صَحَّف وقال:
стр. 459
والله لقد سمعتُ هذا باليَمامة من عِدّةٍ من الناس
قَالَ أبو عُبَيْدة: فأخذنا بقول أبي عمرو فَما مَضَت إلا أيّامٌ حتّى قدم علينا رَجلُ مُحرَّمٌ من آلِ الزُّبيْر فسمعْته يُحدِّث بحديثٍ فَقَالَ اقشعرّت شَواتِي فَعلِمت أنّ أبا الخطّاب وأبا عمرو أَصابَا جميعًا وسَراةُ كلّ شيء أعلاه.
стр. 460
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَإِنَّهَا تَدْفَعُ مِيتَةَ السَّوْءِ وَتَقَعُ مِنَ الْجَائِعِ مَوْقِعَهَا مِنَ الشَّبْعَانِ" ١.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا سَهْلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الْوَاسِطِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْوَسْوَاسُ ٢ نا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْغَسِيلِ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.
قوله: "تقع من الجائع موقعها من الشّبعان" يُتأَوَّل عَلَى وجْهَيْن أحدهما أنّ شِقّ التَّمرة لا يُغني من جُوعٍ ولا يَبِينُ له كبيرُ مَوْقِع ٣ من الجائع إذا أكله كما لا يَبِين أثرُه عَلَى الشبْعان إذا تناوَله يقول فلا تَعجِزوا أن تَتَصدَّقوا به مع قِلّةِ خَطَره وعدَم غَنائِه. والوَجْهُ الآخر أن هذا القَدْرَ من الطّعام وإن كان يسيرًا فإن فيه عَلَى قِلَّتِهِ ما يمسك من الرمق كما أن له أن يكِظّ عَلَى الشِّبَع يقول: فلا تستَقِلُّوا من الصدقة شيئًا وإن قَلَّ فإنّ القليلَ منه إذا اجتمع إلى مثله لم يلبث أن يُشْبِع الجائع.
стр. 461
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الْحَمْدُ رَأْسُ الشُكْرِ مَا شَكَرَ اللَّهَ عَبْدٌ لا يَحْمَدُهُ " ١.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ تَحَدَّثَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عمرو عن رَسُول الله.
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: الحمد: نوع والشُكر جِنْس فكلّ حَمْدٍ شُكْرٌ وليس كل شُكْرٍ حمدًا. وهو عَلَى ثلاث منازل شُكرُ القَلْب وهو الاعتقاد بأن الله وليّ النِعَم قَالَ الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ ٢.
وشُكْرُ اللسان وهو إظْهارُ النِّعْمة بالذِّكْر لها والثَّناءِ عَلَى مُسْدِيها. قَالَ الله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ ٣ وهو رأس الشكر المذكور في الحديث وشكر العمل وهو إدآب النفس بالطاعة قال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً﴾ ٤. وقام رَسُول الله حتى تَفطَّرت قدماه فقيل له يا رَسُول الله أليس قد غَفَر اللهُ لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخَّر قَالَ: "أفلا أكونُ عَبدًا شَكُورًا". وقد جمع الشَّاعُر أنواعَه الثلاثَة فَقَالَ:
أفادَتْكم النَّعْماءُ مِنّي ثلاثةً ... يَدِي ولِسانِي والضَّمِيرَ المُحجَّبا
ويقالُ: إنّ الحمدَ ما كان على غير مقابلة والشُّكرَ عن مقابلة ٥
стр. 462
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النبي أَنَّهُ لَمَّا أُخْبِرَ بِشَكْوَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: خَرَجَ عَلَى حِمَارِهِ يَعْفُورَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ رَدِيفُهُ فَمَرَّ بِمَجْلِسِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَكَانَتِ الْمَدِينَةُ إِنَّمَا هِيَ سِبَاخٌ وَبَوْغَاءُ فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْقَوْمِ جَاءَتِ الْعَجَاجَةُ فَجَعَلَ ابْنُ أُبَيٍّ طَرَفَ رِدَائِهِ عَلَى أَنْفِهِ وَقَالَ يَذْهَبُ مُحَمَّدٌ إِلَى مَنْ قَدْ أَخْرَجَهُ مِنْ بِلادِهِ فَأَمَّا مَنْ لَمْ يُخْرِجْهُ وَكَانَ قُدُومُهُ كَثَّ مِنْخَرِهِ فَلا يَغْشَاهُ ١.
يَرْوِيهِ الْوَاقِدِيُّ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ.
قَالَ الأصمعيُّ: البَوغاءُ التُرْبةُ الرِّخوةُ التي كأنها ذَرِيرة قَالَ أبو زيْد: الدَّقعاءُ والتَّرباءُ والثَّرياءُ التُراب وأُراه قَالَ اللَّيِّن قَالَ عمُر بن أبي ربيعة:
في ظلّ دَانِيَةِ الغُصُون ... وريقَةٍ نبتَتْ بأبْهِر طَيِّب الثَّرْياء ٢
وقوله: كَثَّ مِنْخَرِه إنما هُوَ بمنزلة قولك رَغْم أنفِه قَالَ الشاعر:
ومَولاكَ لا يُهْضَم لَدَيْك فإنّما ... هَضِيمةُ مَولَى القَومِ كَثُّ المَناخِر
وأُرَى أصْل هذا من الكَثْكَث وهو التُّرابُ يقال للكاذب بِفِيه الكَثْكَثُ والكِثْكِثُ يقال ذَلِكَ بفَتْح الكَاف وكَسْرِها وحكى اللحياني عن أعرابي فصيح أنَّ رجلًا قَالَ له ما تصنع بي قَالَ ما كَتَّك وأرغمك هكذا قَالَ بالتاء التي هي أخت الطاء ويشبه أن يكونا لغتين ٣ وإنما سُمِّي حِمارُه اليَعْفُور لعُفرةِ لونِهِ والعُفْرةُ حُمرةٌ يخالطها بياضٌ يقال: أعفر
قوله: لا يَغسِلهُ الماء يريد أَنَّ القرآن وإن مُحي رَسمُه بالماء وغُسِل لم يذهب عن الصُّدُور ولم يُنْسَخْ حِفظُه من القلوب وكان أهلُ الكتب المتقدّمة لا يكادُ الواحدُ منهم يجمع كتابَه حِفْظًا بقَلْبه ويقال: إن اليهودَ إنّما قالت الفِرْيَة والقَوْلَ المُنْكَر في عُزَيْر تَعجُّبًا منه حين استدركَ التَّوراة حِفْظًا وأَملاها عَلَى بني إسرائيل من ظَهْر قلبِه بعد ما درسَتْ في عهد بُخت نَصَّر فأما هذه الأمّة فقد منَّ الله عليهم بأنْ يَسَّر لهم ذِكْرَ الكتاب وتكفَّل بحفظه عليهم فَقَالَ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١.
وقوله: تقرؤُه نَائِمًا وَيقظَانَ معناه والله أعلم تَجمَعُه حِفظًا وأنت نائم كما تجمعُه وأنتَ يَقظانُ من قولهم قرأت في الحوضِ أي جَمعتُه فيه وما قرأت النافة جنينا أي رحمُها عَلَى ولدٍ قَالَ الشاعر:
ذِراعَي عَيْطَلٍ أدْماءَ بِكْرٍ ... هجانِ اللون لم تَقرأ جنينًا ٢
وقال حميد بن ثور:
أراها غلاماها الخلا فتَشَذَّرت ... مِراحًا ولم تقرأ جنينا ولا دما ٣
بَحِيرٌ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الأَسْوَدِ عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ ١ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ.
قَالَ الأصمعي: الفَحَجُ تَباعُدُ ما بَيْن الفَخِذين. يقال: رجل أَفحَجُ. قَالَ: فإذا كَثُر لحم الفخِذيْن فتباعد ما بينهما فذلك البدَدُ ورجلٌ أبدُّ وامرأةٌ بَدّاءُ.
وقوله: مطموسُ العَيْن أي ذاهِبُ البَصَر من غير بَخَقٍ ويقال: إنّه إنّما سُمّي مَسِيحًا لأنه مَمْسُوحُ البَصَر من إحدى عَينيْه. جاء فَعِيل بمعنى مفعول.
وقوله: ليست بناتئة ولا جحراءَ يريد أنّها ليست بمُنْجحرةٍ غائرة.
ورواه نُعَيْم بنُ حَمَّاد عن بَقِيَّة بنِ الوليد فَقَالَ حَجراء الحاء قبل الجِيم هكذا حدثناه الأصم نا الصّغاني ٢ نا نُعَيم عن بقِيّة فإن كان محفوظًا فمعناه أنّها ليست بصُلْبة متحجرة لكنها رخوة لينة.
قوله: جائزته يومَهُ وليلَتَه تفسيره ما قَالَ مالك أخبرني محمد بْنُ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا أبو داود عن الحارث بن مسكين عن أَشْهَب قَالَ سُئِل مالك بن أَنَس عن قوله: "جائزَتُه يَومَه وليلَتَه" قَالَ يُكرِمُه ويُتحِفه ويَخُصُّه يومًا وليلة وثلاثة أيام ضيافة قسم أَمَره إلى ثلاثة أَقْسام إذا نزل به الضَّيفُ أَتحفَه في اليَوْم الأَوَّل وتكلَّف له عَلَى قدْر وُجْدِه فإذا كان اليومُ الثّاني قدّم إليه ما يَحْضُره فإذا جاوز مُدَّةَ الثّلاث كان مُخَيّرًا بين أن يتِمّ عَلَى وَتَيرتِه وبَيْن أن يُمْسك وجعله كالصَّدَقة النَّافِلة وقوله: لا يَثْوِي عنده حتى يُحْرجَهُ فإن الثّواءَ الإقامةُ بالمكان يقول لا يُقيم عنْدَه بعد الثلاث حتّى يُضَيِّق صَدْرَه وأصل الحَرَج الضِّيق وقد روي في هذا الحديث من طريق عَبْد الحميد بن جعفر: "ولا يَحِلّ لأحدِكم أن يُقيم عنْد أَخِيه حتى يُؤثِمَه" قَالُوا وكيفَ يُؤثِمُه؟ قَالَ: "يُقِيم عندَه وليس عنده شيءٌ يَقْريه" ١. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ" ٢.
قَالَ أبو سليمان وأَنَا أُنكِر هذا التفسيرَ وأُراه غَلَطا وكَيفَ يأثَم في ذَلِكَ وهو لا يتَّسع لِقِراه ولا يَجِد سَبِيلًا إليه وإنما الكُلْفَةُ عَلَى قَدْر الطَّاقة
قَالَ الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ ٣
وَوجْه الحديث أَنَّه إنّما كَره له المقام عند بعد الثَّلاث لئَلَّا يَضيق صَدْرُه بُمقامِه فتكونَ الصَّدَقَة منه عَلَى وَجْه المَنّ والأَذَى فيُبْطل أَجْرُه قَالَ اللهُ تَعالَى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ ٤.
стр. 474
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْغُلُوطَاتِ وَيُرْوَى الأُغْلُوطَاتِ ١
حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ زَيْرَكَ نا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ نا عَلِيُّ بْنُ بَحْرِ بْنِ بَرِّيِّ حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ يُونُسَ نا الأَوْزَاعِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الصُّنَابِحِيِّ ٢ عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ الأوزاعيّ هي صعاب المسَائل.
الغَلُوطَاتُ: جَمْع غَلُوطَةٍ: وهي المسألة التي يعيا بها المسؤول فَيغْلَطُ فيها كرِه ﷺ أن يُعْتَرضَ بها ٣ العلماء فيُغَالَطُوا ليُسْتَزلُّوا ويُسْتَسْقَط رأيُهُم فيها. يقال: مسألة غلوط إذا كان يُغْلَطُ فيها كما يُقال شاةٌ حَلُوبٌ وفرسٌ رَكوبٌ إذا كانت تُركب وتُحْلَبُ فإذا جَعَلْتَها اسْمًا زِدْتَ فيها الهاء فقلتَ غَلُوطَةٌ كما يُقال رَكُوبَةٌ وحَلُوبَةٌ وتجمَع عَلَى الغَلُوطات كما تُجمَعُ الحَلُوبَةُ عَلَى الحَلُوبات قَالَ الشاعر:
أَوْدَى الزمانُ حَلوبَاتِي ومَا جَمَعت ... كفَّايَ من سَبَد الأَمْوالِ واللَّبَدِ
والأُغْلُوطَةُ أفْعُولَةٌ من الغَلَط كالأحدوثة والأحموقة ونحوهما.
يَرْوِيهِ أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ الْعِجْلِيُّ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ الْعَلاءِ عَنْ سعيدَ بن أبي عَروُبة عن قَتَادَةَ.
الضَغْمُ شِدَّةُ العَضِّ عَلَى الشَّيء والتَّناوُل له بالأسنان وبه سُمِيّ الأَسَدُ ضَيْغمًا قَالَ رُؤبَةُ يَصِف بَعِيرًا:
أَشْدَقُ يَفْتَرُّ افْتِرارَ الأَفْوَهِ ... عَن عَصِلات الضَيْغَمِيِّ الأَجْبَه ١
العَصِلاتُ: الأَسْنَانُ العوجُ ٢.
والضَيْغميُّ الشَدِيدُ العض ويحكى أن كثيرا دخل عَلَى عَبْد الملك بن مروان وعنده الأَخْطل فأنشدَه فالتفَت عَبْد الملك إلى الأخطل فقال: كيف ترى فَقَالَ: حِجازيٌّ مُجوَّعٌ مَقرُورٌ دَعْني أضْغَمْه يا أمير المؤمنين فَقَالَ: كُثيّر مَنْ هذا يا أمير المؤمنين فَقَالَ هذا الأخطل فَقَالَ له فَهلا ضَغَمْتَ الّذي يقول:
لا تطلبن خؤولة في تَغلبٍ ... فالزَّنْجُ أَكْرَمُ مِنْهمُ أَخْوَالَا ٣
فسَكتَ الأَخْطَلُ وما أَجابَه بحرْف.
وقوله: فَدغَه أي شَدِخه. والفدغ: الشدخ.
стр. 477
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النبي الَّذِي يَرْوِيهِ الأَعْمَشُ عَنْ طَلْحَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّهُ قال: "زينوا القرآن بأصواتكم " ١.
стр. 478
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو ١ دَاوُدَ نا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ.
قوله: "زَيّنُوا القرآن بأصْوَاتِكم" المَعْنَى زَيّنوا أَصواتَكم بالقُرآن فقدّم الأصوات عَلَى مذهبهم في قَلْب الكَلام وهو كَثِير في كلامهم.
يقال: عَرضْتُ النَّاقَةَ عَلَى الحوض أي عرضْتُ الحَوضَ عَلَى النَّاقةِ وإذا طلعت الشِّعْرى واستَوى العُودُ عَلَى الحِرباءِ أي استوى الحِرباءُ عَلَى العود قَالَ الشاعرُ ٢:
وتُركَبُ خَيلٌ لا هوادة بَيْنَها ... وتَشْقَى الرِّماحُ بالضَّياطِرَة الحُمْرِ
وإنّما هُو تَشْقَى الضّيَاطِرَةُ بالرِّمَاحِ.
وقال الفرزدق:
غَداة أحلَّتْ لابنِ أَصْرَم طَعْنةً ... حُصْينٍ عَبيْطاتُ السَّدائف والخُمْرُ ٣
روى الأَثْرمُ عن أبي عُبَيْدة أنه حضر يُونُس والكِسائي فأَلقاهُ يونُسُ عَلَى الكسائيّ فرفَع الكِسائيُّ الطَّعْنةَ ونَصبَ العَبِيطات ورفَع الخمرَ فَقَالَ يونس للكسائي: لِمَ رفعتَ الخمرَ فَقَالَ: أردْت وحلّتْ له الخَمْر فَقَالَ يونس ما أحسن ما قلت ولكن سَمِعْت الفرزْدقَ يُنشِده فنصب الطعنة
стр. 479
ورفع العَبِيطات والخَمْر جعل الفاعلَ مفعولًا والمفعولَ فاعلًا كقول الآخر:
كانت عُقُوبَةَ ما فَعلْتَ كما ... كان الزناء عُقُوبةَ الرِّجْمِ ١
وإنما هُوَ كما كان الرجم عقوبة الزنى.
وإنما تأوّلْنا الحديثَ عَلَى هذا المعنى لأنّه لا يجُوزُ عَلَى القرآن وهو كَلامُ الخالقِ أن يُزيّنَه صَوْتُ مَخْلوقٍ بل هُوَ بِالتَّزْيين لغَيْره والتَّحْسين له أَوْلى.
وقد تَوقَّى هذه الرِّوايَة قَومٌ لأَنَّ فيه إثبات مَذْهَب من يقول باللَّفظ.
وأخبرنا ابنُ الأعرابيّ نا عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ نا يَحْيَى بْنُ مَعِين نا أبو قَطَن عن شُعْبَةَ قَالَ: نَهانِي أَيّوبُ أنْ أُحدِّث: زَيّنوا القُرآنَ بأصواتكم ورواه مَعْمَرٌ عن منصور عن طلحةَ فقدّم الأصْواتَ عَلَى القُرآن.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أنا مَعْمَرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ طَلْحَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ عَنِ البراء أن رسول الله قَالَ: "زَيِّنُوا أَصْوَاتَكُمْ بِالْقُرْآنِ" ٢.
وَهَكَذَا رَوَاهُ سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِتَقْدِيمِ الأَصْوَاتِ عَلَى الْقُرْآنِ. والمعْنى أَشْغلُوا أَصْواتَكُم بالقرآن والهَجُوا بقراءَتِه واتَّخِذوه زينةً وشِعارًا ولم يُردْ تطريبَ الصوْت به والتَّحزِينَ له إذ ليس
стр. 480
هذا في وُسْع كلِّ أحد فلعلّ من الناس مَنْ إذا أراد التَّزْيين له أَفضَى به إلى التَّهْجِين وإنما المعنى في ذَلِكَ ما ذكرناه لقوله:
"ليسَ مِنّا مَنْ لم يتغَنَّ بالقُرآن" ١ إنّما هُوَ أن يَلْهَج بتلاوته كما يَلْهَج الناسُ بالغِناء والطَّرَب عليه وإلى هذا المْعنى ذَهَب ابنُ الأعرابيّ صاحُبنا.
أخبرني إبراهيمُ بن فِراسٍ قَالَ سألْتُ ابنَ الأعرابيّ عن هذا فَقَالَ: إنّ العرب كانت تتغَنَّى بالرُّكْبَاني وهو النَّشيد بالتَّمطِيط والمَدِّ إذا رَكِبت الإِبل وإذا تبطَّحت ٢ عَلَى الأرْضَ وإذا جَلَسَتْ في الأَفْنِية وعلى أكثر أحوالها فلما نزل القرآن أحبَّ النبيُّ ﷺ أن يكون القرآن هِجِّيراهُم ٣ مكان التغني بالركباني.
وقد يُحْتَمل أن يكون هذا مبْنِيًّا من رَامَ يَرِيم إذا برح المكانَ إلا أَنَّ التَّكْرِيرَ أكثَرهُ إنَّما يَجْري في المُضَعَّفِ دُونَ المعتل وقد جاء في أحرف إلا أنّها يَسِيرة ويقال في مَثلٍ تَعَظْعَظِي ثُمَّ عِظِي ١ ويقال: خَضْخَضْتُ الإناء وأصْله من خُضْتُ. ونَخْنَخْتُ البَعِيرَ إذا أنخْتَه. وقد يكون تَرَمْرَم بمعنى تحرّكَت مِرَمّتُه بالصَّوت أو بالقضْم أو نَحوِ ذَلِكَ قَالَ الشاعر:
ومُسْتَعْجِبٍ مِمَّا يَرَى من أناتِنا ... وَلو زَبنَتْهُ الحَرْبُ لْم يَتَرمْرَمِ ٢
أي لم ينطق.
стр. 483
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ شَقَّ الْمَشَاعِلَ يَوْم خَيْبَرَ وَذَلِكَ أَنَّهُ وَجَدَ أَهْلَ خَيْبَرَ يَنْتَبِذُونَ فِيهَا ١.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ مَنْ سَمِعَ عِكْرِمَةَ يَذْكُرُهُ.
المشاعِلُ: الزِقاقُ واحِدُها مِشْعَلٌ وقال بعضهم: المِشْعَلُ شيءٌ من جلود له أربعُ قوائِمَ يُنْتَبَذُ فيه قَالَ ذو الرُمَّةِ:
أَضعْنَ مواقتَ الصَلَواتِ عَمدًا ... وحَالَفْنَ المَشاعِلَ والجِرارَا ٢
وأخبرني أبو عُمر قَالَ: قَالَ بعض الأعراب: اللهم أمتني ميتة أبي
стр. 484
خارجَة فقيل: وكيف مات أبو خارِجَة قَالَ أَكَلَ بذَجًا وشَرِب مِشْعَلًا ونام في الشَّمْس فلقِي الله شَبْعانَ رَيَّان دفْآن.
والبذَجُ: الحَمَل. قَالَ الراجز:
قدْ هَلَكتْ جَارَتُنا من الهَمَجْ ... وإن تَجُعْ تأكُلْ عَتُودًا أوْ بَذَجْ ١
ومن أوعية الخمر الذَّوارع وهي زِقاقٌ صِغارٌ. قَالَ ابن قُتَيبَةَ لا واحد لها من لفظها. وأخبرني الرُّهَني قَالَ: قَالَ ثعْلب: واحدُها ذارع وأنشد أبو العباس:
كأن الذارع المشكوك فيه ... سليب من رجال الدَّيبُلانِ ٢
فأما الحَمِيتُ فهو ما يُجعَل فيه السَّمْن والزَّيْت ونحوهما ومثْله النِّحْيُ وفي مَثلٍ أَشْغَلُ من ذَاتِ النِّحْيَين ٣. ولها قِصَّة.
وأَنْشَدَني أبو عُمَر عن أبي العبَّاس عن ابنِ الأَعرابي لبعض الأعراب:
تَسْلأُ كُلّ حُرّةٍ نِحيَيْن ... وإنما تَسْلأُ عُكّتَين
ثُمَّ تَقُول اشْترِ لي قُرطَيْن ... قرّطكِ الله عَلَى الأذنيْن
عُقاربًا صما وأرقمين ٤
стр. 485
فأمّا نَهْيُ النَّبِيّ ﷺ عن الشُرب في النَّقِير والمُزَفَّت والحَنْتم وإباحتُه أن يُشرب في السِّقاء المُوكَأ ١ فقد فَسَّرها أبو عُبَيْدٍ في كتابه ٢ إلا أنّه لم يذكر المْعنى فيها ولا السبب الَّذِي من أجْله فَرَّق بينها وبين المُوكأ والمعنى في ذَلِكَ والله أعلم أَنَّ النَّقِيرَ والمُزَفَّت والحَنْتَم أوعيةٌ ضارية تُسْرِعُ بالشِّدّة إلى الشّراب وقد يَحدُث فيه التّغيّر ولا يَشْعُر به صاحِبُه فهو عَلَى خطر من شُرب المُحرَّم فنهى عن استِعمالها استبراءً للشَّكّ وأَخذًا باليقين فيه. فأمّا المُوكأ ٣ فإنما يُراد به السِّقاء الرقيق الَّذِي لم يُربَّبْ فإذا انتُبِذ فيه وأُوكِي رأْسُه لم يُدرك الشَّراب ولم يَشْتدَّ حتّى يَنْشقّ السِّقاء فلا يخفي حينئذٍ تغيُّره وقد روينا هذا المعنى عن ابن سِيرِين.
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمَكِّيِّ نا الصَّائِغُ نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نا أَيُّوبُ قَالَ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ يَقُولُ: مَنْ أَوْكَأَ السِّقَاءَ لَمْ يَبْلُغِ السُّكْرَ حَتَّى يَنْشَقَّ السقاء.
стр. 486
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النبي صلى الله علبه وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "اسْتَقِيمُوا لِقُرَيْشٍ مَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَضَعُوا سُيُوفَكُمْ عَلَى عَوَاتِقِكُمْ ١ فأبيدوا خضراءهم" ٢.
стр. 487
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا الْحَسَنُ ١ بْنُ عَفَّانَ الْعَامِرِيُّ نا الْحَسَنُ بْنُ عَطِيَّةَ نا يَحْيَى بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ ثَوْبَانَ.
الخوارِجُ ومَن يَرَى رأيَهم يتأوّلُونه في الخروج عَلَى الأَئِمّة. ويحملون قولَه: "ما استَقَامُوا لكم" عَلَى العَدْلِ في السِّيرة وإنما الاستِقامةُ هاهنا الإقامةُ عَلَى الإسْلام. يقال: أقام واستقام بمعنى واحد كما يُقال أجاب واستْجاب. قَالَ الله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ٢. وقال الشاعر:
وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إلى النَّدى ... فلم يسْتَجِبْهُ عِند ذاك مُجِيبُ ٣
والمعنى اسْتَقِيموا لهم ما أقَاموا عَلَى الشريعة ولم يُبدِّلوها ويدل عَلَى صحّة ما تأوّلْنَاه في الاستقامة حديث أبي بكر الصديق.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا أَبُو دَاوُدَ نا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أنا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ نِمْرَانَ البَجَلِيِّ قَالَ قُرِئَتْ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ. ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ ٤. قَالَ: هُمُ الَّذِينَ لَمْ يُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا.
ويؤيد هذا المعنى حديثُه الآخر حَدَّثَنَاه إِبْرَاهِيمُ بْنُ فِرَاسٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْبَيَاضِيُّ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ نا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْبَهِّيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "سيليكم أمراء تقشعر منهم
الْبُخَارِيُّ حَدَّثَنِي أَصْبَغُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ.
قوله: أَذْلقَتْه: أي عضّتْه وأوجَعَتْه.
وقوله: جَمزَ: أي أَسْرَعَ يُهَرْوِلُ. وقال بعضُ السّلف: لرَجُل اتَّقِ الله قبل أن يُجْمَزَ بك يُريدُ المشْيَ السريع في جنازته. قال الكسائي: الناقة تعدو الجَمزَي والوَلَقَى وهو العَدْوُ الّذي كأنّه يَنْزُو قَالَ غيره: ناقَةٌ جَمزَى وبَشَكَى وَوَثَبَى أي سريعَةٌ. قَالَ الشاعر:
وخَيلٍ تلافَيْتُ رَيْعانَها ... بِعِجْلِزَةٍ جَمزَى المُدَّخَرْ
وقال رؤبة:
فإن تَريْنِي اليَوْمَ أُمَّ حَمْزِ ... قَارَبْتُ بعْدَ عَنَقِي وجَمْزِي ١
وقوله: حتّى سَكَت: يريد سُكوتَ ٢ الموْت. يُقال: أَسْكتَ اللهُ نَأْمتَه إذا دعا عَلَيْهِ بالموت.
قَالَ المُتَلِّمس يَذكُر مقْتل عَديّ بْن زَيْد ٣:
ولقَدْ شفَى نَفسِي وَأَبرأَ دَاءها ... أَخْذُ الرِّجَال بحلْقِه حتّى سَكَتْ
وقال الأصمعي سَكَت الرَّجلُ إذا لم يتكلّم وأَسْكَتَ إذا أطرقَ وأنْشد:
أبُوكَ الَّذِي أجْدَى عَليَّ بِنَصْرِه ... فأسكتَ عنّي بعْدَه كُلّ قائل ٤
стр. 492
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّ رَجُلا كَانَ فِي يَدَيْهِ مَالُ يَتَامَى فَاشْتَرَى بِهِ خَمْرًا فَلَّمَا نَزَلَ تَحْرِيمُهَا انْطَلَقَ إِلَى النبي فَقَصَّ عَلَيْهِ فَقَالَ: "أَهْرِقْهَا" وَكَانَ الْمَالُ نَهْزَ عَشْرَةَ آلافٍ"١.
حَدَّثَنِيهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ نا ابْنُ الْجُنَيْدِ نا سُوَيْدٌ عَنِ عبد الله عن جَرِيرٍ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ.
قوله: نَهْزَ عَشْرَة آلاف: أي قريبًا من عَشْرة آلاف من قولهم: يُناهِزُ الشَّرفَ أي يُطالعِه وناهَزَ الغُلامُ الحُلُمَ إذا قارَبَه قَالَ الشاعر:
تُرضِعُ شِبْلَيْن في مَغارِهما ... قد نَاهَزَا للفِطام أَوْ فُطِمَا ٢
وفي الحديث من الفِقْه أَنَّهُ لم يأمُرْه بالاستِينَاء بها حتى تتخلل وفيه أن الوصي لاغرامة عَلَيْهِ فيما لم تَجْنِ يَدُه ٣.
وفيه من الفِقْه أنّ حَدَّ السَّكران ١ أخفُّ الحُدودِ وأنّهُ لا يُضرَبُ ضَرْبًا مُبَرِّحًا كما يُضْرَبُ في سائر الحُدود.
وفي حديث آخر: أَنَّهُ أُتي بِشارِب فَقَالَ: "بكتوه" فبكتوه.
والتبكيت هاهنا ٢ التقريع باللّسان وهو أن يُقال: لَهُ ٣ أَمَا اتّقيْتَ الله أما خَشِيتَ اللهَ أما استَحيَيتَ من النّاس ونحو هذا من الكلام.
стр. 495
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ فِي فِتْنَةِ الْقَبْرِ أَنَّهُ قَالَ: "أَمَّا فِتْنَةُ الْقَبْرِ فَبِي تُفْتَنُونَ وَعَنِّي تُسْأَلُونَ فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَالِحًا أُجْلِسَ فِي قَبْرِهِ غَيْرَ فَزِعٍ وَلا مَشْعُوفٍ" ١.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا سَعْدَانُ نا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ نا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ عَائِشَةَ.
قوله: "بي تُفْتَنُون": أي تُمْتَحنُون يُريُد سْؤالَ المَلَك إيَّاه. وقوله: "مَنْ رَبُّك ومن نَبيُّك".
وأخبرني أبو عُمَر عَنْ ثَعْلب عَنِ ابن الأعرابي قَالَ: يُقال فتَنْتُ الفِضَّةَ إذا أدْخَلْتَها النار لتعرف بها جودتَها هذا أَصْل الفِتْنة.
وقوله: غيْر مَشْعُوف: أي غير فَزِع ولا مَذعُورٍ
والشَعَفُ الفَزَع وقد يُسْتعَارُ فيُوضَعُ مَوْضع الحُبِّ يُقالُ شُعِفَ فلانٌ بفُلانةَ إذا أحبَّها