الْبُخَارِيُّ حَدَّثَنِي أَصْبَغُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ.
قوله: أَذْلقَتْه: أي عضّتْه وأوجَعَتْه.
وقوله: جَمزَ: أي أَسْرَعَ يُهَرْوِلُ. وقال بعضُ السّلف: لرَجُل اتَّقِ الله قبل أن يُجْمَزَ بك يُريدُ المشْيَ السريع في جنازته. قال الكسائي: الناقة تعدو الجَمزَي والوَلَقَى وهو العَدْوُ الّذي كأنّه يَنْزُو قَالَ غيره: ناقَةٌ جَمزَى وبَشَكَى وَوَثَبَى أي سريعَةٌ. قَالَ الشاعر:
وخَيلٍ تلافَيْتُ رَيْعانَها ... بِعِجْلِزَةٍ جَمزَى المُدَّخَرْ
وقال رؤبة:
فإن تَريْنِي اليَوْمَ أُمَّ حَمْزِ ... قَارَبْتُ بعْدَ عَنَقِي وجَمْزِي ١
وقوله: حتّى سَكَت: يريد سُكوتَ ٢ الموْت. يُقال: أَسْكتَ اللهُ نَأْمتَه إذا دعا عَلَيْهِ بالموت.
قَالَ المُتَلِّمس يَذكُر مقْتل عَديّ بْن زَيْد ٣:
ولقَدْ شفَى نَفسِي وَأَبرأَ دَاءها ... أَخْذُ الرِّجَال بحلْقِه حتّى سَكَتْ
وقال الأصمعي سَكَت الرَّجلُ إذا لم يتكلّم وأَسْكَتَ إذا أطرقَ وأنْشد:
أبُوكَ الَّذِي أجْدَى عَليَّ بِنَصْرِه ... فأسكتَ عنّي بعْدَه كُلّ قائل ٤
стр. 492
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّ رَجُلا كَانَ فِي يَدَيْهِ مَالُ يَتَامَى فَاشْتَرَى بِهِ خَمْرًا فَلَّمَا نَزَلَ تَحْرِيمُهَا انْطَلَقَ إِلَى النبي فَقَصَّ عَلَيْهِ فَقَالَ: "أَهْرِقْهَا" وَكَانَ الْمَالُ نَهْزَ عَشْرَةَ آلافٍ"١.
حَدَّثَنِيهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ نا ابْنُ الْجُنَيْدِ نا سُوَيْدٌ عَنِ عبد الله عن جَرِيرٍ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ.
قوله: نَهْزَ عَشْرَة آلاف: أي قريبًا من عَشْرة آلاف من قولهم: يُناهِزُ الشَّرفَ أي يُطالعِه وناهَزَ الغُلامُ الحُلُمَ إذا قارَبَه قَالَ الشاعر:
تُرضِعُ شِبْلَيْن في مَغارِهما ... قد نَاهَزَا للفِطام أَوْ فُطِمَا ٢
وفي الحديث من الفِقْه أَنَّهُ لم يأمُرْه بالاستِينَاء بها حتى تتخلل وفيه أن الوصي لاغرامة عَلَيْهِ فيما لم تَجْنِ يَدُه ٣.
وفيه من الفِقْه أنّ حَدَّ السَّكران ١ أخفُّ الحُدودِ وأنّهُ لا يُضرَبُ ضَرْبًا مُبَرِّحًا كما يُضْرَبُ في سائر الحُدود.
وفي حديث آخر: أَنَّهُ أُتي بِشارِب فَقَالَ: "بكتوه" فبكتوه.
والتبكيت هاهنا ٢ التقريع باللّسان وهو أن يُقال: لَهُ ٣ أَمَا اتّقيْتَ الله أما خَشِيتَ اللهَ أما استَحيَيتَ من النّاس ونحو هذا من الكلام.
стр. 495
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ فِي فِتْنَةِ الْقَبْرِ أَنَّهُ قَالَ: "أَمَّا فِتْنَةُ الْقَبْرِ فَبِي تُفْتَنُونَ وَعَنِّي تُسْأَلُونَ فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَالِحًا أُجْلِسَ فِي قَبْرِهِ غَيْرَ فَزِعٍ وَلا مَشْعُوفٍ" ١.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا سَعْدَانُ نا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ نا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ عَائِشَةَ.
قوله: "بي تُفْتَنُون": أي تُمْتَحنُون يُريُد سْؤالَ المَلَك إيَّاه. وقوله: "مَنْ رَبُّك ومن نَبيُّك".
وأخبرني أبو عُمَر عَنْ ثَعْلب عَنِ ابن الأعرابي قَالَ: يُقال فتَنْتُ الفِضَّةَ إذا أدْخَلْتَها النار لتعرف بها جودتَها هذا أَصْل الفِتْنة.
وقوله: غيْر مَشْعُوف: أي غير فَزِع ولا مَذعُورٍ
والشَعَفُ الفَزَع وقد يُسْتعَارُ فيُوضَعُ مَوْضع الحُبِّ يُقالُ شُعِفَ فلانٌ بفُلانةَ إذا أحبَّها
стр. 496
فوَجَدَ بها كما يَجِدُ الفَزِعُ في قَلْبه. قَالَ أبو زَيْد: الشَعَفُ: أن يذهب الحُبُّ بالقَلْب.
قَالَ امرؤُ القيْس:
لتَقتُلَنِي وقد شَعَفْتُ فُؤادَها ... كما شعَفَ المَهْنُوءَةَ الرَجُلَ الطَالي ١
قَالَ فشَعَفُ المرأة من الحُبّ وشَعفُ المَهْنُوءَةِ من الذُّعْر شبَّه لَوْعةَ الحُبّ وجَواهُ بذلك.
وكقول الأحُوَص:
بكيتُ الهَوى جَهْدِي فمنْ شَاءَ لامَنِي ... ومَنْ شاءَ آسى في البكاءِ وأَسْعَدا ١
فأمّا المساعدة فهي عامّة في كل مَعُونةٍ. ويقال: إنّها مأخوذة من وَضْع الرَّجُل يدَه عَلَى ساعِد صاحِبِه إذا تماشَيا في حاجة.
وقوله: لا عقر فهو ما كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الجاهِلَّية من عَقْر الإبل عَلَى قبُور المَوْتى كانوا إذا مات الرَّجُل الشَّريفُ الجوادُ عَقرُوا عنْد قَبْره وكانوا يقولون إنَّ صاحبَ القَبْر كَانَ يَعْقِرُهَا للأَضْياف يَقرِيهم أيّام حياتِه فيُكَافأُ عَلَيْهِ بمثل صَنِيعه ويُقال إنّما كانوا يعقِرونها لتَطعَمَها السِّباعُ والطيرُ عند قبْره فيُدْعَى مُطْعِمًا حَيًّا ومَيّتًا ويقال بل كَانَ من مَذْهَبهم أَنَّ صَدَى الميّت يُصِيبُ من ذَلِكَ الطّعام وذلك من تُرَّهاتِ الجاهليّة وقد تَتَابَع الشُّعراءُ في هذا فَقَالَ بعضُهم ومرَّ عَلَى قَبْر النجاشي فعَقَر ناقَتَه:
نحَرْتُ عَلَى قَبْر النَجاشيّ نَاقَتِي ... بأبْيَض عَضْبٍ أَخلصَتْه صَيَاقِلُهْ
عَلَى قَبر مَنْ لو أنّني مِتُّ قَبْلَه ... لَهانَتْ عَلَيْهِ عندَ قَبِري روَاحِلُهْ
وقال حسّان بْن ثابت ومرّ بقبْر ربيعةَ بْنِ مُكَدَّم:
لا يَبْعدنَّ رِبيعَةُ بْنُ مُكَدَّمٍ ... وَسَقَى الغَوادي قبرَهُ بذَنُوبِ
نفرت قَلُوصي من حِجَارةِ حرة ... بُنِيَتْ عَلَى طَلق اليَديْن وَهُوب
لَوْلا السِّفَارُ وبُعْدُ خَرْقِ مَهْمَهٍ ... لتَركتُها تحْبُو عَلَى العُرقُوبِ ٢
وقال زِياد الأعجم يَرثِي المُغيرةَ بْن المهلَّب أنشدنيه أبو عُمَر:
إنّ السمَاحَةَ والمُروءةَ ضُمِّنا ... قبرًا بِمرْوَ عَلَى الطريق الوَاضح
стр. 499
فإِذَا مَررْتَ بِقَبْره فَاعقِرْ بهِ ... كُوم الهِجَان وكلَّ طِرْفٍ سَابح ١
ومثله كثيرٌ.
وكان من مذاهبهم أن يَعْمِدوا إلى راحلة الميِّت فيَعقلُوهَا عَلَى قبره لا يَسقُونَها حتّى تَهْلِك عطشًا وكانوا يُسَمُّونها البلية قال الشاعر:
كالبلايا رؤوسها في الوَلايا ... مَانِحات السَّمُومِ حُرَّ الخُدُود ٢
والولايا البَراذِعُ واحدتها وَلِيَّةٌ كانوا يُعلِّقونها في أعناقها وكان من تأويلهم في ذَلِكَ أنَّ صاحبَها يُحْشر في القيامة عليها وأَنَّ مَنْ لَم يُفْعل بِهِ ذَلِكَ بعد موته حُشِر مَاشِيًا وكان هذا صنِيع مَنْ يؤمن بالبَعْث منهم ورووا في هذا لِخْزَيْمَة ٣ بْن أُشَيْم الفَقْعَسيّ أَنَّهُ أوصى ابنه سعدا عند موته فَقَالَ:
يا سَعْدُ إمّا أَهْلِكَنَّ فإنَّنِي ... أُوصيكَ إنّ أخا الوَصَاةِ الأقْرَبُ
لا أعرفنّ أباكَ يُحْشَرُ بَعدَكُم ... نَقِبًا يَخِرُّ عَلَى اليَديْن ويُنكَبُ
واحْمِلْ أَباكَ عَلَى بعير صَالح ... وتَقِ الخِيانةَ إنّ ذَلِكَ أَصْوَبُ
فلقَلَّ لي مِمَّا جمعت مطية ... في الحشر أركبهاإذا قِيل ارْكَبُوا
فأما الحديثُ في معاقرة الأعراب ٤ فهي أن يتبارى الرجلان
وَقَالَ أَبُو سليمان في حديث النبي أَنَّهُ لاعَنَ بَيْنَ عُوَيْمِرٍ وَامْرَأَتِهِ ثُمَّ قَالَ: "انْظُرُوا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْحَمَ أَحْتَمَ فَلا أَحْسِبُ عُوَيْمِرًا إِلا قَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا " ١. قَالَ: فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَهُ بِهِ فَكَانَ يُنْسَبُ بَعْدُ إِلَى أُمِّهِ.
مِنْ حَدِيثِ الْفِرْيَابِيِّ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ.
الأسْحَمُ الأسْوَدُ والسُّحْمَةُ السَّوادُ والأَحْتَم الخالص السواد وأراه شُبِّه بلون الغُراب لأَنَّ الغُراب يُسمَّى حاتِمًا قَالَ الشاعر:
ولقَد غَدوْتُ وَكنْتُ لا ... أَغْدُو عَلَى واق وحاتم
فإذا الأشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشائم
وكذاك لا شرٌّ ولا خَيْرٌ عَلَى أحَدٍ بِدائم ٢
ويقال: إنّه سُمّي حاتما: لأنّه في مذْهَبِهم يَحْتِم بالفِراق كما سَمَّوه غُرابَ البيْن.
стр. 502
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : ١ أَنَّهُ نَهَى عَنْ تَقْصِيصِ الْقُبُورِ وَتَكْلِيلِهَا ٢.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْعَلاءِ عَنِ الأَحْوَصِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ رَاشِدِ بن سعد.
أما التقصيص فإنه التجصيص. ومنه الحديثُ في الحائض. إنّها لا تغتَسِلُ حتّى ترى القَصَّة البَيْضاء ٣
يُريد النَّقاء. وأما التَّكلِيل فمعناه بناء الكِلَل عليها وهي القِبابُ والصّوامعُ التي تُبْنَى عَلَى القبُور.
وقال الدَّبَرِيّ: قَالَ بعضهم: التكليل أن يطلى عليه شيء يُشبه القَصّةَ. قَالَ غيره: إنما هُوَ التَّكلْيِس والكِلْسُ الصّاروجُ. قَالَ عِديُّ بنُ زيد:
شَادَهُ مَرْمرًا وَجَلّلَهُ كِلْسًا ... فلِلطَّيْر في ذُراه وُكُورُ ٤
وكان الأصْمعيّ يُنشدُه: وخَلّلَهُ بالخاء مُعجمة أي صيرَّ الكِلْس في خلل الحجارة وكان يتعجب مِمَّن رواهُ بالجيم ويقول متى رأوا حصنا مصهرجا.
стр. 503
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ أَصَابَ هَوَازِنَ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَلَمَّا هَبَطَ مِنْ ثَنِيَّةِ الأَرَاكِ ضَوَى إِلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ يَسْأَلُونَهُ غَنَائِمَهُمْ حَتَّى عَدَلُوا نَاقَتَهُ إِلَى سَمُرَاتٍ فَمَرَشْنَ ظَهْرَهُ ١.
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ نا أَبُو عَرُوبَةَ نا الْمُسَيِّبُ بْنُ وَاضِحٍ نا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ.
قوله: ضَوَى إِلَيْهِ المُسْلمون: أي مالوا إِلَيْهِ يُقالُ: ضوَيْتُ إلى فُلانٍ أَضْوِي إِلَيْهِ ضُوِيًّا إذا أوَيْتَ إِلَيْهِ.
وقوله: مَرشْنِ ظهْرَه فإنّ المَرشَ الخَدْشُ الخَفِيف كالتَّناوُلِ بالأَظافِير ونحوِها ويُقال: فُلانٌ يَمْتَرِشُ الطَّعام إذا كَانَ يتناوله من أَطْراف الصَحْفَة وكذلك يمتَرِشُ المالَ إذا كَانَ يكسِبُه ويجمَعُهُ من كل وجْهٍ ومثله يقْتَرِشُ المالَ ويُقال إنّما سُمِّيَتْ قُريشٌ قريْشًا للتجارة وجَمْع المال قَالَ الشّاعُر:
إِخْوَةٌ قرَّشُوا الذُّنُوبَ علينا ... في حَديثٍ من عَهْدهم وقَدِيم
والتَّقْرِيشُ أيضًا: التَّفتيشُ. وقال معروف بْن خَرَبُوذ إنما سُمِّيت قُريْشًا لأنّهم كانوا يُفتِّشون الحاجَّ عَنْ خَلَّتِهم فيَسدُّونها يُطعمون جائعَهم ويَكْسُون عَارِيَهم ويَحْمِلُون المُنْقطَعَ بِهِ. قَالَ الحارثُ بْن حِلِّزة:
أيُّها الشَامِتُ المُقَرِّشُ عنَّا ... عِنْدَ عَمرو وهل لِذاك بَقاءُ ٢
ويُقال: بل سُمِّيت قُريشًا لأنها تقرَّشَتْ: أي اجتمعَتْ بعد التفرق وكانوا
стр. 504
مُتبدِّدين في الأرض حتّى جمعهم قُصَيُّ بْن كلاب في الحرَم فسُمِيّ بذلك مُجمِّعا قَالَ الشاعر:
أبُوكُمْ قُصَيٌّ كَانَ يُدْعَى مُجمِّعا ... بِهِ جَمعَ الله القبائلَ منْ فِهْر ١
وهذا راجع إلى المعنى الأول.
قوله: نأخذك أُخِذْت ١ بجرِيرة حُلفائك فيه قولان:
أحدهما ما ذَهَب إِلَيْهِ الشافعي وذكره في بعض كتبه فَقَالَ وذلك لأَنَّ المأخوذ مُشرِكٌ مُباحُ الدم والمال ولما كَانَ حَبْسَه حلالا بغَيْر جِنايَةٍ جاز أن يحبس بجناية غيره لاستحقاقه ذَلِكَ بنفسه.
والقولُ الآخر ما ذهب إِلَيْهِ بعضُ أهل العلم حَدَّثَني الحسن بْن يَحْيى عن ابنِ المُنذِر قَالَ: قَالَ بعض أهل العلم قولُه: "أُخِذْتَ بجريرة حُلفائك دَلالةٌ" ٢ أنّه كَانَ بيْنه وبيْنَهُم مُوادَعةٌ أو صُلحٌ فَنَقَضَتْ ثَقِيفٌ المُوادعةَ والصُّلْحَ وترك بنو عُقَيل الإنْكارَ عليهم ومنْعَهم من صَنِيعهم ذَلِكَ فصاروا كأنَّهم نَقَضُوا العهْد.
قَالَ أبو سليمان: وفيه وجْهٌ ثالث: وهو أن يكون معناه أُخِذْتَ لِتُدْفَع بك جَرِيرةُ حُلفائِك من ثقيف وأَضمرَه في الكلام كقوله:
مَن شاءَ دَلَّى النَفْسَ في هُوَّةٍ ... ضَنكٍ وَلَكنْ مَن لهُ بالمَضِيق ٣
يُريدُ مَنْ لَهُ بالخروج من المَضِيق ويدُلّ عَلَى صحّة هذا التّأويل قولُه:
ففُدِي بعدُ بالرَّجْلَيْن. والمعنى أُخِذْتَ ليُسْتنقَذ بك مَنْ أَسرَتْه ثقيف.
وقَولُه: "لو قُلتَها وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ أَفْلَحْتَ كُلَّ الفَلاح" معناه لو أسْلَمْتَ قَبْل الإِسَار أفْلحْتَ الفَلاح التامَّ بأن تكون مُسْلِمًا حُرًّا وذلك أَنَّه إذا أُسِرَ كافرًا كَانَ عبْدًا وإن أسْلم فأما فِداؤُه إِيّاه بالرّجْلَينْ ورده إلى دار الكُفْر بعْدَ إظهاره كلمة الإسْلام فإن هذا المعنى خاصٌّ للنبي ﷺ ,
стр. 516
وذلك أَنَّهُ قد علم أَنَّهُ غيرُ صادق في قوله: وأَنّه إنّما أظهر كلمة الإسلام رَغْبةً أو رهبة ألا تراه حين استطْعَمه واستسْقاه هذه حاجَتْك فأمّا اليوم فقد انْقَطَع الوحْيُ ولا سبيلَ إلى علم ما في الضمائر فَمنْ أظهر الإسْلام قُبِل منه ووُكِلَتْ سريرَتُهُ إلى ربّه.
فَأَمَّا حَدِيثُهُ الآخَرُ أَنَّهُ أَسَرَ ثُمَامَةَ بْنَ أُثَالٍ فَأَبَى أَنْ يُسْلِمَ قَصْرًا فَأَعْتَقَهُ فَأَسْلَمَ ١.
حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَكِّيِّ أنا الصَّائِغُ نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ نا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ففيه دليل عَلَى أن للإمام أن يُمنَّ عَلَى الأَسِير من غير فِداءٍ ولا مَال.
وقولهُ: قَصرًا معْنَاهُ حَبْسًا عَلَيْهِ وإجْبارًا يُقال: قَصَرتُ نَفْسِي عَلَى الشيء إذا حَبسْتَها عَلَيْهِ ٢.ومِنْ هذا قوله تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ ٣. أي مَحْبُوساتٌ عَلَى أَزْواجِهنّ مُخدَّرات.
وَمِنْهُ حَدِيثُ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُبَيْدٍ ٤ الأَشْهَلِيَّةِ أَنَّهَا أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّا مَعْشَرَ النِّسَاءِ مَحْصُورَاتٌ مَقْصُورَاتٌ قَوَاعِدُ بُيُوتِكُمْ وَحَوَامِلُ أَوْلادِكُمْ فَهَلْ نُشَارِكُكُمْ فِي الأَجْرِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ
стр. 517
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "نَعَمْ إِذَا أَحْسَنْتُنَّ تَبَعُّلَ أَزْوَاجِكُنَّ وَطَلَبْتُنَّ مَرْضَاتَهُمْ" ١. ويُقال: امرأةٌ قَصُوَرة ٢ وقَصِيرة أي مُخدّرَةٌ أنشدني أبو عُمر أنشدنا ثعلب عَن ابن الأعرابي:
وأَنْتِ التي حبَّبْتِ كُلَّ قَصيرة ... إلَيَّ وَلم تعْلَم بذاكَ القَصائرُ
عنَيْتُ قَصِيرَاتِ الحِجَال ولم أُرِد ... قِصارَ الخُطَا شَرُّ النِساء البَهاتِرُ ٣
البَهاترُ: القِصارُ يُقالُ للقَصِير بُهْتُرٌ وَبُحْتُرٌ.
وقال آخرُ:
أُحِبُّ منَ النِّسْوان كُلَّ قَصيرةٍ ... لها نسَبٌ في الصَّالحين قَصِيرُ ٤
أراد بالقصيرة المُخدَّرة وقِصرُ نسَبِها أن تُعرَف بأوّل آبائها كقوله: رُؤبة أتَيْتُ النَّسابَةَ البَكْريَّ فَقَالَ من أَنْتَ قلت ابنُ العجّاج قال قصرت وعرفت ٥ فَقَالَ رؤبة:
قَدْ نوَّه العجَّاجُ باسمي فادْعُنِي ... باسْمٍ إذا الأنسابُ طالتْ يَكْفِني ٦
وقد يحْتملُ أن يكون أَرادَ قَسْر الغَلَبة والقَهْر أَبْدَل السِّينَ صَادًا. وأخبرني أبو محمد الكُرانيّ نا عَبْد الله بْنُ شَبِيبٍ نا زَكَرِيَّا بْنُ يحيى
стр. 518
المِنْقَرِيَ نا الأصمعيّ قَالَ: اختلف رجلٌ من مُضَرَ ورجلٌ من ربيعةَ فَقَالَ المضَرِيّ السَّقْر وقال الرَّبعيُّ الصَّقْرُ فأقبلَ رجلٌ من قُضاعةَ فأخبراهُ فَقَالَ لا أقُولُ كما قُلتُما إنّما هُوَ الزَّقْرُ وقد قرئ الصِراطُ والسِّراطُ ورُوِي عَنْ بعضهم الزِّراطُ وهذه الحروف متقاربة في مخارجها من اللِّسان فلذلك جَرَى ١ فيها الإبدال.
يَكْرُونَهُ لَهُمْ سَيْحًا.١
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا الدَّقِيقِيُّ نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أنا الْمُبَارَكُ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ الأَنْصَارَ أَتَوْهُ فِي نَهْرٍ يَكْرُونَهُ لَهُمْ سَيْحًا فَلَمَّا رَآهُمْ قَالَ: "مَرْحَبًا بِالأَنْصَارِ مَرْحَبًا بِالأَنْصَارِ" ١.
يُقال: كروت نهرا إذا استحدثت حفره وكريته وكروت البئر إذا طويتها فالكُرَى جَمْعُ كُرْيَةٍ وهو ما يُكْرَى من الأرض كالحُفْرة لِمَا يُحْفَرُ ومثلها الأُكره يقالُ: أكَرْتُ بمعنى حَفْرتُ وبه سُمِّي الأَكّار
قَالَ الشاعر:
... وَيَتَأَكّرْنَ الأُكَرْ ٢
وفي بعض الحديث: نُهِي عَن المُؤاكَرة ٣. وهي المُخَابَرة.
وأمّا الكُدَى فهو جمع كُدْيَةٍ وهي القِطْعَةُ الصُلْبَةُ من الأرض تُحفَرُ فيها القبُور
ويقالُ ما هُوَ إلا ضَبُّ كُديَةٍ وذلك أَنَّهُ لا يتخذ جحره إلا في المواضع الصلبة لئلا ينهار عَلَيْهِ وقال بعضُ الأعراب:
سَقَى اللهُ أرضًا يعلم الضَّبُّ أنّها ... عَذِيَّةُ تُرْبِ الطِّين طَيّبَةُ البقل
стр. 521
بَنَى بَيْتَهُ في رأس نَشْزٍ وكدية ... وكل امرئ في حرفة العَيْش ذُو عَقْل
وكُدِيّ وكَدَاءُ: جبلان بمكة قَالَ الشاعر:
أنت ابن معتلج البطا ... ح كديها وكدائها ١
أجد عند واحدٍ منهُم شيئًا يُقطَعُ بصحّته وقد طلَبْتُ لَهُ مخرجا فرأيته يتجه لوجوه:
أحدها أن يكون مأخوذًا من قولهم: أَرانَ القَومُ فهُم مُرِينُون إذا هَلَكت مَواشيهم فيكون مَعْناهُ أَهْلِكْهَا ذَبْحًا وأَزْهقْ أَنفُسَها بكُلِّ ما أَنْهرَ الدَّمَ غير السِّنِّ والظُّفْر هذا إذا رَوَيْتَه أَرِنْ بكسر الرَّاء عَلَى ما رَواه أبو داود.
والوجْهُ الثاني أن يُقال: ائْرَنْ مَهمُوز عَلَى وزن اعْرَنْ من أرِنَ يأرَنُ أَرَنًا إذا نَشِطَ وَخفَّ يَقُولُ: خفَّ واعْجَلْ لِئلّا تَقْتُلَها خَنْقًا وذلك أن غيْرَ الحديد لا يَمُور في الذَّكاةِ مَوْرَه والأَرَنُ الخِفَّةُ والنَّشَاطُ ويُقَالُ: في مثَل: سَمِنَ فأَرِنَ ١ أي بَطِر.
قَالَ الفَرَّاءُ: العَرَصُ والهَبَصُ والأَرَنُ والتَّرمُّعُ ٢ والتَّقلُّزُ كُلّهُ النَّشاط وقد هَبِصَ وعَرِصَ وأَرِن وَرَجُلٌ أَرونٌ: أي نَشِيطٌ خَفِيفٌ ومُهْرٌ أَرونٌ قَالَ حُمَيْدُ بْن ثَورٍ:
يظَلُّ خباؤنا وكأنَّ حَبْلًا ... بِهِ مُتعَلِّقٌ مُهْرًا أَرُونَا ٣
والوجْهُ الثالثُ: أن يكون ارْنُ ٤. بمعنى أدِمِ الحزَّ ولا تِفْتُرْ من قولك رَنَوْتُ النّظرَ إلى الشيء إذا أَدَمْتَه. وكَأسٌ رَنْوَنَاةٌ: دائِبةٌ لا تفتر
стр. 524
ولا تنقْطَع أو يكون أراد أَدِم النظرَ إليْه وراعِهِ بِبَصرك لا يزِلّ عَن المَذْبح.
قَالَ: وأقرب من هذا كُلّه أن يكون أَرِزَّ بالزّاي: أي شُدَّ يَدَكَ عَلَى المحزِّ واعْتمِدْ بها عَلَيْهِ.
من قولك: أَرزَّ الرَّجُلُ إصْبَعه إذا أثاخَها في الشَّيء وأرزَّت الجَرادةُ إرْزَازًا إذا أَدْخلَتْ ذَنَبَها في الأرض لكي تَبيضَ. وارتز السَّهْمُ في الجِدار إذا ثبت. هذا إن ساعدته الرِّواية واللهُ أعْلَمُ بالصواب.
стр. 525
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ بَعَثَ رَجُلا عَلَى الصَّدَقَةِ فجاءه ١ بفصيل مخلول أو محلول سيئ الحال مهزول فقال هذا مِنْ صَدَقَةِ بَنِي فُلانٍ فَقَالَ: "لا بَارَكَ اللَّهُ لَهُ فِي إِبِلِهِ" فَبَلَغَ الرَّجُلَ دُعَاءُ النَّبِيِّ فَجَاءَ بِنَاقَةٍ كَوْمَاءَ يَتُلُّهَا حَتَّى انْتَهَى بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَتَلَّهَا إِلَيْهِ فَدَعَا لَهُ فِيهِ وَفِي إِبِلِهِ بِالْبَرَكَةِ.٢
حَدَّثَنَاهُ الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى بْنِ صَالِحٍ عَنْ علي بن عَبْد العزيز عن أَبِي حُذَيْفَةَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ.
قوله: فصيل مخلول هو المَضُرور المَنْهُوك يقالُ: رَجُلٌ خَلٌّ إذا كَانَ باديَ الضُّرِّ والهُزال قَالَ الشَّنفرى:
فاسْقِيَاني يا سَوادَ بْن عَمرٍو ... إن جسمِي بَعْدَ خالي لخل ٣
стр. 526
وثَوْبٌ خَلٌّ وهو الَّذِي أَخَذ منه البِلَى. ومنه سُمِّي الفَقِيرُ خَلِيلًا. قَالَ زُهَيْرٌ:
وإِنْ أتاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مسِألةٍ ... يقُول لا غائِبٌ مالي ولا حَرِمُ ١
وفيه وجه آخر: وهو أن يكون المَخْلول هُوَ الَّذِي فُطِمَ حديثًا وذلك أنّهْم إذا أرادُوا فِطامَه عَمَدوا إلى خِلالٍ فشَدُّوه فوق أَنفِه وتركوه ناتئًا منه حتّى إذا أراد الرّضاع نَخَس الخِلالُ ضَرْعَ النَّاقة فَزَبَنَتْهُ فيُهْزَل عند ذَلِكَ الفَصِيل وأما المَحْلُولُ فهو الَّذِي حُلَّ عَنْ أوْصَالِه اللَّحْمُ فعَري منه.
وقوله: فتّلها إِلَيْهِ معناه أناخها إِلَيْهِ من قولك: تلَلْتُ الرَّجُلَ إذا صرَعْتَه. قَالَ الله تعالى: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ٢.
وكلُّ شيءٍ ألقيتَه عَلَى الأرضِ مِمَّا لَهُ جثّةٌ فقد تَللْتَه ومنه سُمِّي التَّلُّ من التُّراب قَالَ حُمَيْد بنُ ثور يَصفُ الظَلِيمَ:
كأَنَّه بالبِيد لَمَّا أنْ دَمجْ ... مُروَّقٌ في الرِّيح مَتْلُولُ الشَّرَجْ ٣
يريد حِبالَة ٤ رِواقٍ مُلْقَى الشَّرَج.
ومن هنا حديثه الآخر أنّه قَالَ: "أُتِيتُ بمفاتيحِ الأرضِ فَتُلَّتْ في يَدي" ٥. أي أُلْقِيَت إليَّ وتُرِكَت في يَدِي.
وَمِثْلُهُ حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ حَدَّثَنِيهِ خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدّ نا حَامِدُ بْنُ سَهْلٍ نا أَبُو مُصْعَبٍ نا مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَهْلِ
سَنَامًا ومَحْضًا أَنْبَتا اللَّحْم فاكتسَتْ ... عظام امرئ ما كَانَ يشبع طائرُه ١
وأمّا قوله: مَخاضًا فإنّه مَصْدَر مَخَضَت الشاةُ مَخاضًا ومِخاضًا إذا دنا نتاجُها يريد أَنَّها قد امتلأتْ حَمْلًا وسِمَنًا.
وروايةُ إبراهيم بْن المنذر تَشْهَدُ لقول يَحْيَى بْن مَعِين والمخاضُ في غير هذا الإِبِلُ الحَواملُ واحدتُها خَلِفةٌ عَلَى غير قياسٍ كما قَالُوا للواحدة من النِّساءِ امرأةٌ. واللَّجْبَةُ التي لا لبن لها. قَالَ الأصمعيُّ: هي التي أَتَى عليها بعْد نِتاجها أَربعة أشْهُرٍ فخفَّ ٢ لَبَنُها. والشَّافِعُ تفسيره في الحديث هي التي في بَطْنها وَلَدٌ يريد أنّها بِوَلَدِها قَدْ صارتْ شَفْعًا.