سَنَامًا ومَحْضًا أَنْبَتا اللَّحْم فاكتسَتْ ... عظام امرئ ما كَانَ يشبع طائرُه ١
وأمّا قوله: مَخاضًا فإنّه مَصْدَر مَخَضَت الشاةُ مَخاضًا ومِخاضًا إذا دنا نتاجُها يريد أَنَّها قد امتلأتْ حَمْلًا وسِمَنًا.
وروايةُ إبراهيم بْن المنذر تَشْهَدُ لقول يَحْيَى بْن مَعِين والمخاضُ في غير هذا الإِبِلُ الحَواملُ واحدتُها خَلِفةٌ عَلَى غير قياسٍ كما قَالُوا للواحدة من النِّساءِ امرأةٌ. واللَّجْبَةُ التي لا لبن لها. قَالَ الأصمعيُّ: هي التي أَتَى عليها بعْد نِتاجها أَربعة أشْهُرٍ فخفَّ ٢ لَبَنُها. والشَّافِعُ تفسيره في الحديث هي التي في بَطْنها وَلَدٌ يريد أنّها بِوَلَدِها قَدْ صارتْ شَفْعًا.
وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ ١: أي كانوا عَلَى بصيرةٍ من ضلالتهم ٢. يريد أن تِلْكَ الرُّفقة قد تَجمَع مَنْ لَيْسَ قَصْدُه الإِلحادَ في الحَرَم من عابرِ سبيل وتاجرٍ ومُستبْصِرٍ بالحقّ مفارق لهم في النِّيَّةِ والقَصْدِ. والمَجْبُورُ مَنْ جَبَروه كَرْهًا عَلَى الخروج معهم يُقالُ: جَبَره وأَجْبره لُغَتان وأعلاهما بالأَلف أنشدني أبو عُمَر عَنْ ثَعْلب:
قد أجْبر القاضي بحْكمٍ فَصْلِ ... أَنْ يَمْخَنُوها بثَلاثٍ أدل ٣
стр. 533
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "خَيْرُ الْخَيْلِ الأَدْهَمُ الأَقْرَحُ الْمُحَجَّلُ الأَرْثَمُ طَلْقُ الْيَدِ الْيُمْنَى فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَدْهَمَ فَكُمَيْتٌ عَلَى هَذِهِ الشِّيَةِ" ١.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيٍّ نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نا بُنْدَارٌ نا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ نا أَبِي سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَيُّوبَ يُحَدِّثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عُلَيِّ ٢ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ.
الأَقْرَحُ من الخَيْل: ما كَانَ في جَبْهَته قُرْحَةٌ وهي بياضٌ يَسِيرٌ في وسط
стр. 534
الجَبْهَة. والأَرثَمُ: ما كَانَ بجِحْفَلِته وأنْفِه بَياضٌ كأنّه رُثِمَ بِهِ أي لُطِخَ.
قَالَ الشاعر:
كأَنَّ مَارِنَها بالمِسْك مَرْثُومُ ١
فإن كَانَ البَياضُ بالجَحْفَلة ولم يَفْشُ إلى الأَنْف فهو أَلْمَظُ: لأَنَّ لسانَه ينالُه إذا تلّمظَه. والمُحجَّلُ: أن يكون في قوائِمه تَحجيلٌ وهو بياضٌ يبلُغ الرُّسْغَ أُخِذَ من الحِجْل وهو الخَلخَال. قوله: طَلق اليَدِ اليُمْنى أي مُطْلقُها. ويقال: في هذا مُمسَكُ الأَياسِرِ مُطْلَقُ الأَيامنِ وهو مُسْتَحبٌّ. ومُمْسك الأَيامن مُطْلَقُ الأياسر وهو مكروه. ويقال: بَعِير طَلْق اليَدَيْن غيرُ مُقَيَّد وجمعه أَطْلاق. ورجل طليق الوجه وطَلْق الوَجْه وهو طليق اللسان وطِلْق وطَلْق ورَجُل طَلْق اليَدَيْن إذا كَانَ سخِيًّا وقد طَلَقَت يدُه ولسانه طُلُوقَةً وطُلوقًا ٢.
وكان رَسُولُ الله يكْرَهُ الشِّكالَ في الخَيْل: وهو أن تكون يَدا الفرسِ وإحدى رجلَيْها مُحجَّلةً. قَالَ الشاعر:
أَبغِضُ كُلَّ فَرَسٍ مشْكُولِ ... تَعادَت الثَّلاثُ بالتّحجيلِ
مِنه ورِجلٌ ما بها تَشْكِيل
فوصفَه بهذا النعت.
стр. 535
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَا مِنْ يَوْمٍ إِبْلِيسُ فِيهَ أَدْحَرُ وَلا أَدْحَقُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ إِلا مَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ " قِيلَ وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ قَالَ: "أَمَا إِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلائِكَةَ" ١.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَالِكٍ أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَةَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ.
قوله: أَدْحرُ معناه أذلُّ وأبْعَدُ. يُقال: دَحرْتُ الرَجُلَ إذا طردته ونحيته عن المكان ومنه قولُ الله تعالى: ﴿فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً﴾ ٢.
يريد والله أعلم مَهجُورًا مُقْصى. والدحق قريبٌ: من الدَّحْر يُقال أَدْحَقَهُ اللهُ أي أبْعَدَه ورجُلٌ دَحِيقٌ سَحْيقٌ أي مُبْعَدٌ مَطْرودٌ. قَالَ حسّانُ بْن ثابت:
رَجَمْتُكَ في الشعر حتى خضعـ ... ت وصِرْتَ لحْينكَ فذًّا دَحِيقا ٣
وقوله: يَزعُ الملائكة يريد أَنَّه جاء يَتَقَدَّمُهُم فيكُفُّ ريْعَانَهُم ٤.
ومن هذا قولهم: وزَعْتُ الرَجْلَ عَن الضَلالَة وَوَزَعْتُ القَلْبَ عَن الهَوَى ٥ قَالَ عُمَرُ بْن أَبِي ربيعة:
زَعِ القَلْبَ واستَبْق الحياءَ فإنّما ... يُبَعِّدُ أو يدني الرباب المقادر ٦
стр. 536
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ لِلَّهِ فُرْسَانًا مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ مُسَوَّمِينَ وَفُرْسَانًا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ مُعْلَمِينَ فَفُرْسَانُهُ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ قَيْسٌ إِنَّ قَيْسًا ضِرَاءُ اللَّهِ" ١.
حَدَّثَنِيهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجُنَيْدِ نا قُتَيْبَةُ نا عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدٍ الْعَبْسِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيِّ عَنْ غَالِبٍ الأَبْجَرِ.
المُسَوَّمُ: المُعْلَمُ. يقالُ: سَوَّم الفارسُ فَرَسَه إذا أعْلَمه بعلامةٍ يُعْرَفُ بها من غَيْرِه والاسم منه السُّومَة
والضِّراءُ جمع ضِرْوٍ وهو من السِّباع ما لهج بالفَرائس ومن الكلاب ما ضَرِي بالصَّيْد. قَالَ ذُو الرُمَّة:
مُقَزَّعٌ أطْلسُ الأَطْمار لَيْسَ لَهُ ... إلا الضِّراءَ وإلا صَيْدَها نَشَبُ ٢
المُقَزَّع: الخفيف الشّعر ٣ وأما الضَّراء مفتوحة الضّاد فهو ما وَاراك منْ شجرٍ
ويقال فُلانٌ يَمشي الضَّراءَ إذا كَانَ يَخْتِل الصَّيْد في استِخفاء حتى يأخذه قَالَ الكميت:
وإِنّي عَلَى حُبّيْهم وَتَطلُّعي ... إلى نَصْرِهُم أَمْشي الضَّراءَ وأَخْتِلُ ٤
وقيس توصف بالفروسة.
стр. 537
أخبرني محمد بْن الطَّيب المَرْوَزي نا عَلِيّك الرَّازي نا داود بْن رُشَيْد نا سلَمةُ بْنُ بشر نا حُجْرُ بْن الحَارِث عَنْ عَبْد الله بْن عَوْف القاري قَالَ: كَانَ يُقال: يُسَوَّدُ السَّيِّد في تمِيم بالحِلْم وفي قَيسٍ بالفُروسَةِ وفي رَبيْعة بالجُود.
أتُوعدُ عبْدًا لم يَخُنْك أَمانةً ... وتَتْرُكُ عبْدًا ظالما وهْو ضَالعُ ١
وقوله: صَافَنَّاهم أي واقفْناهم في مركز القِتال. والصّافنُ الواقفُ. ومنه الحديثُ: "مَن سرَّه أن يَقْومَ له الرِّجالُ صُفُونًا فليتبوّأ مقْعدَه من النار" ٢.
وقال حُمَيد بْن ثَورٍ:
كأنّ سَمُومَها سَرَعَانُ نَارٍ ... إذا ما شَمْسُها صفَنَتْ صُفُونَا ٣
يُقالُ: صَفَن الفَرسُ إذا قام عَلَى ثلاث قوائم قَالَ الله تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ ٤.
فأمّا قَولُ الفرزْدق:
فلما تَصافَنَّا الإداوة أجهشت ... إلي عضون العَنبرَيّ الجُراضم ٥
فالتَّصَافُن: أن يُطرحَ في الإناء حَجرٌ ثُمَّ يُصَبَّ فيه من الماء ما يَغْمرُه لِئلّا يتغابنُوا يَفْعَلُون ذَلِكَ في الأَسْفار عند ضِيقِ الماء وإعوازِه. واسمُ تِلْكَ الحَصاةِ المُقْلَةُ.
وقوله: أَرَى قومًا مُستَمِيتين أي مُسْتَقْتِلين. والمُسْتَمِيتُ الَّذِي يُقاتِلُ عَلَى المَوْت. قَالَ حَمزةُ بْن عَبْد المُطَّلب:
بِكَفَّي مَاجدٍ لا عَيْبَ فيه ... إذا لقي الكريهة يستميت
стр. 540
وقوله: اعْصِبُوهَا برأسِي يُريدُ الحرْبَ وهي تُؤنَّثُ أو يكون أرادَ السُبَّةَ التي تَلحقُهم بالفِرار من الحَرْب. والجُنُوحِ إلى السَّلْم فأَضمَرها في الكلام اعتمادًا عَلَى مَعْرِفه المخاطبين بها. وقوله: ملئ سحْرُكَ. قَالَ أبو زَيْد: يقالُ للرّجلُ: إذا جَبُنَ وانْكَسَر قد انتفَخ سَحْرُه. قَالَ: والسَّحْرُ ما تعلَّق بالحُلْقُوم وَالرِّئَة.
قَالَ الشاعر:
ونارٍ كسَحْر العَوْدِ يرفَعُ ضَوْءَها م ... ع اللَّيْل هَبَّاتُ الرِّياحِ الصَواردِ
وقال أبو عُبيدةَ في قولِه: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ ١. يريد ممن لَهُ سَحْرٌ ممّا تَعَلَّقَ بالحُلْقُوم. قَالَ: وكُلُّ من احْتاجَ إلى غِذاء فهْو مُسحَّرٌ. وأنشد للبِيدٍ:
فإن تسْألِينا فِيمَ نَحْنُ فإِنَّنا ... عَصافِيرُ من هذا الأَنامِ المُسحَّرِ ٢
ويُقالُ: انصرف الرجلُ من حاجته صَرِيمَ سَحْرٍ إذا صار آيسًا منها. قَالَ قَيسُ بنُ الخَطِيم:
تقولُ ظَعِينَتي لمَّا استقلَّتْ ... أَتترُكُ ما جَمعْتَ صَرِيمَ سَحْر ٣
وأما قوله: يا مُصَفِّر اسْتِه فقد قِيلَ إنّه نَسَبَه إلى التَّوضِيع والتَّأنيث.
وقد قَالَ فيه بعضُ الأنصار:
ومِن جَهْلٍ أبو جَهْلٍ أخوكم ... غَزا بدرًا بِمِجْمَرةٍ وَتَوْرِ ٤
стр. 541
وقد قيلَ إنّه لم يُرِد بهِ ذاك وإنّما هُوَ كلمةٌ. يُقالُ للرّجُل المُتَرف الَّذِي يُؤْثِر الراحَةَ ويَمِيل إلى التَنعُّم.
وفي قصَّة بَدْرٍ بهذا الإسْناد أن أبا سفيان خرج في ثلاثين فارسًا حتى نزل بجَبَل من جِبال المدينة فبعث رجُلَيْن من أصحابه فأحْرقُوا صَوْرًا من صِيران الغُرَيْض فخرج رَسُول الله في أصحابه حتى بلغ قَرقَرة الكُدْر فأَغْدَرُوهُ ١.
يُقالُ أغدرْت الشيء وأخدَرْتُه إذا خلّفْتَهُ قَالَ الشاعرُ:
كأَنّها أمُّ سَاجي الطَّرْف أَخْدرَها ... مستودع خمر الوعساء مرخوم ٢
стр. 544
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ كَانَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَاعْتَشَى فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ فَانْقَطَعَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ ١.
حَدَّثَنِيهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ أنا ابْنُ الْجُنَيْدِ نا سُوَيْدٌ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمَ عَنْ زِيَادِ بْنِ نُعَيْمٍ الْحَضْرَمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ زِيَادَ بْنَ الْحَارِثِ الصُّدَائِيَّ يَذْكُرُهُ.
قوله: اعْتَشَى يُرِيدُ أَنَّهُ سارَ في وقْت العَشاء.
قَالَ الشاعر:
وجُوهٌ لو أنَّ المعتفين اعتشوا بها ... صَدَعْنَ الدُّجَى حتى يُرَى الليل ينجل ٢
стр. 545
ومثلهُ اغُتَدَى إذا سارَ غُدْوةً وابتكر إذا سار بُكْرَةً واستَحَر إذا سار سُحْرةً. قَالَ زُهيْرٌ:
بَكرْنَ بُكُورًا واستحْرنَ بسُحْرَةٍ ... فهُنَّ لوَادِي الرَّسِّ كالْيَد للْفَمِ ١
وفسَّرهُ بَعْضُهُم فقال: يريدُ أَنَّهُ نزل ليتعشّى أو ليُصَلّي العِشاء وهذا غَلطٌ لأنّ في الخَبَر أَنّ زيَادا الصُّدائي قَالَ اعْتشى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ فَانْقَطَعَ عَنْهُ أصحابُه ولَزِمْتُهُ فلما كَانَ وقتُ الأَذان أمرني فأذّنْتُ فلمّا نزل للصلاة لحِقه أصحابُه فأرادَ بلالٌ أن يُقيِم فَقَالَ لَهُ: "إنّ أَخَا صُدَاء هُوَ أذّن ومن أذن فهو يقيم".
وقوله: اقْتَضّها هكذا قَالَ بالقافِ فإن كَانَ محفُوظًا فمعناه أنّه فَتَح رأسَ الإِداوَة ومن هذا اقْتِضاضُ البِكْر واقتِضاضُ اللُؤلؤة ونحْوِها. وإن كانت الرِّوايةُ بالفاء فمعناه أنّه قد صَبَّ شَيئًا منْها يُقال فَضَّ الماءَ وافتضَّهُ إذا صَبَّ شيئًا منه بعْدَ شيء. قَالَ حُمَيد بْن ثَوْر:
إذا النُّوقُ لم تملك سِجالا تَفُضُّها ... من البَوْل واهْتَزَّ الخُفافُ السَّميْدَعُ ١
يُريدُ أنّها لم تَمِلك البَوْل من شدَّة السَّيْرِ.
وقال جِميلُ بْن مَعْمَرٍ:
قامَتْ تودّعْنا والعَيْنُ سَاجِمَةٌ ... إنْسَانُها بفَضِيض الدَمْعِ مكتحلُ
يُريدُ الدّمْع المُتَفرق.
والدَغْفَقَةُ الكَثْرَةُ والسعة. يقال فلان في نَعيم دَغْفَقٍ أي واسعٍ. قَالَ الشاعر:
بعد التَّصابي والشَّباب الغَيْدَقِ ... أَزْمَانَ إذ نَحْنُ بعَيْشٍ دَغْفَقِ ٢
والغَيْدَقُ والغَيْداقُ مِثْلهُ. يُقال: مَطرٌ غَيْداقٌ أي واسِعٌ كثيرٌ.
وشَبِيةٌ بهذا حَدِيثُ المِيضَأة وَهُوَ مَا رَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ شَيْبَانَ عَنْ خَالِدِ بْنِ سُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ الأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَ فِي سفر مع رسول الله فَبَيْنَا نَحْنُ لَيْلَةً مُتَسَاتِلِينَ عَنِ الطَّرِيقِ نَعِسَ رَسُولُ اللَّهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ عَدَلْتَ فَنَزَلْتَ حَتَّى يَذْهَبَ كَرَاكَ. قَالَ: "فَابْغِنَا مَكَانًا خَمِرًا" قَالَ: فَعَدَلْتُ عَنِ الطَّرِيقِ فَإِذَا أَنَا بِعُقْدَةٍ مِنْ شَجَرٍ قَالَ: فَنَزَلْنَا فَمَا اسْتَيْقَظْنَا إِلا بِالشَّمْسِ فَقُمْنَا وَهِلِينَ من
стр. 563
صَلاتِنَا. قَالَ: وَشَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ الْعَطَشَ فَدَعَا بِالْمِيضَأَةِ فَجَعَلَهَا فِي ضِبْنِهِ ثُمَّ الْتَقَمَ فَمَهَا فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَفَثَ فِيهَا أَمْ لا فَشَرِبَ النَّاسُ حَتَّى رَوَوْا ١.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: فَتَكَابَّ النَّاسُ عَلَى الْمِيضَأَةِ فَقَالَ: "أَحْسِنُوا الْمَلأَ فَكُلُّكُمْ سَيَرْوَى" ٢.
قولُهُ: مُتساتلين مَعْناهُ مُتَقاطِرِين واحدًا في إثر واحدٍ. وكلُّ شيء تَبِع بعضُه بَعْضًا فقد تَساتَل كالدَّمْع إذا تتابع قَطْرهُ والعِقْد إذا انْقَطَع سِلْكُهُ. والخمر ما واراك من الشجر ومكان خَمِرٌ أي أَشِبٌ. قَالَ الأصمعيُّ: والعُقْدَةُ من الأرْض البُقْعَةُ الكَثِيرةٌ الشَّجَر. فأمّا العَقِدَةُ فالقِطْعَةُ من الرَّمْلِ قد تراكم بعضُهُ عَلَى بَعْضٍ وَجَمْعُها عَقِدٌ. وقال أبُو عَمْرو هُوَ العَقَدُ بالفَتْح. وقوله: وَهِليْن مَعْناه فَزِعيْن.
والوَهَل الفَزَعُ. والمِيضَأةُ مِطْهَرةٌ غَيرُ كَبِيرة يُتَوضَّأُ منها. والضَّبْنُ ما بيْن الكَشْح والإِبْطِ. وقال: اضْطَبَنْتُ الشّيءَ إذا حَمَلْتَه فأمْسَكْتَه عَلَى ضِبْنِك.
وقوله: أَحْسِنُوا المَلأَ. قَالَ أبُو زَيدٍ: يُقال لِلرجُل: أَحْسِنْ مَلأَكَ أي خلقك.
стр. 564
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لأَصْحَابِهِ: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ رَجُلا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلا كَيْفَ يَصْنَعُ بِهِ " فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَاللَّهِ لأَضْرِبَنَّهُ بِالسَّيْفِ وَلا أَنْتَظِرُ أَنْ آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "انْظُرُوا إِلَى سَيِّدِنَا هَذَا مَا يَقُولُ" ١.
يَرْوِيهِ وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْلَمَ بْنِ بُجْرَةَ عَنْ أَبِيهِ.
قوله: "انظُروا إلى سيّدنا" يُريدُ إلى مَنْ سَوَّدْنَاه عَلَى قَوْمه ورأَسْناهُ عليهم كما يَقولُ السلْطَانُ الأعظمُ فُلانٌ أمِيرُنا وقائدُنا أي مَن أَمَّرناه عَلَى الناس وَرتّبْنَاه لِقيادة الجُيُوش وكان سعدُ بنُ عُبادَة سيِّد الخَزرَج في الجاهليّة وجَعله رَسُولُ الله نَقِيبًا في الإسْلام. فعلى هذا يُتأوّلُ قولهُ: سيّدنا لا أعْلمُ للحَديثِ وَجْهًا غيره.
وكيف يَجُوزُ أن يكونَ أحدٌ يسوده وهو سيّدُ وَلَدِ آدَم أَحمرِهم وأَسْودِهم وإنما جاء في أكثر الرّوايات انظروا إلى ما يَقُولُ سَيّدُكُم.
فَأَمَّا حَدِيثُهُ الآخَرُ: أَنَّ وَفْدَ بَنِي عَامِرٍ قَدِمُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا: أَنْتَ سَيِّدُنَا وَأَنْتَ الْجَفْنَةُ الْغَرَّاءُ.
حَدَّثَنَاهُ الْحَسَنُ بْنُ عُثْمَانَ الْبُنَانِيُّ نا عَبْدُوسُ الْمَدَائِنِيُّ نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَيْشِيُّ نا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ نا غَيْلانُ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قدمنا على رسول الله فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ. قَالَ: فَقُلْنَا: أَنْتَ وَالِدُنَا وَأَنْتَ سَيِّدُنَا وَأَنْتَ أَطْوَلُنَا طُولًا وَأَنْتَ الْجَفْنَةُ الْغَرَّاءُ فَقَالَ: "قُولُوا بِقَوْلِكُمْ وَلا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ". وَرُبَّمَا قَالَ: "لا يستجرينكم الشيطان" ٢.
стр. 565
وإنما أنكر هذا القَوْلَ: مِنْهُم لأنّه من تحيّةِ أَهلِ الجاهليّة كانوا يحيون بذلك ملوكهم ويثنون بِهِ عَلَى رؤسائِهم فَقَالَ لهم قُولوا بقَولِكُم أي بِقَول أهْل دينكم ومِلَّتِكُم يأمرهم بأن يُثْنوا عَلَيْهِ بالدِّين وأن يُخاطِبُوه بالنبيّ والرَسُول كما ذكره اللهُ في كتابه وعلى ما جَرتْ بِهِ عادةُ قومهِ وأَصحَابِه وقد يكون معناه كراهةَ التَّشْدِيق في الخُطَب يأمرهم بالاقتصاد في القول لئلا يذهب بهم المَقالُ إلى ما لا تَعْتَقِدُه قُلُوبُهُم. وهذا كما روي في حديث هند بن أَبِي هَالَة أنّه كَانَ لا يقبل الثناء إلا من مكافئ ١.يُرِيد واللهُ أعلم أنّه لا يقبَلُه إلا من مَقْتَصِدٍ في القَوْل يعرفُ حقيقةَ إِسْلامِه ولا يَدْخُل عنده في جُملَة المُنافقين الّذين يقولون بألسنَتِهم ما لَيْسَ في قُلوبهم وقد تأوّلَه ابن قُتيبة عَلَى غير هذا فَقَالَ معناه أَنَّه كَانَ إذا أَنعَم عَلَى رَجُلٍ نِعْمةً وكافأَة وأثنَى عَلَيْهِ قَبِل ثناءَه وإذا أثْنَى عَلَيْهِ الرَّجُلُ قَبْل أن يُنعِمَ النبي لم يقبل ثَناءَه.
قَالَ ابنُ الأنباري: وهذا غَلَطُ بيِّنٌ لأنَّه لَيْسَ في الأرض أحدٌ من جميع الناس ينفكُّ من إنعام رسول الله إذْ كَانَ اللهُ قد بَعَثَه إلى جميع الناس ورحِم بِهِ الخَلْق وانتاشهم وأنقذهم ببعثته ٢ إليهم من المهالك والمعاطب فنعمته سابقةٌ إلى كُلِّ الخَلْق لا يَخْرُج منها مكافئ ولا غير مكافئ وغير جائز أن يُقال مَن كافأ رَسُولَ الله بالثَّناء عَلَى نعمة سبقت منه قبل ثناءه ومن لا فلا لأن الثناء عَلَى رسول الله فرض عَلَى جميع الناس لا يَتِمُّ إسلامُهُم إلا بِهِ ولا يتحقّقُ دُخُولُهُم في الشريعة إلا من جهته.