وقوله: اقْتَضّها هكذا قَالَ بالقافِ فإن كَانَ محفُوظًا فمعناه أنّه فَتَح رأسَ الإِداوَة ومن هذا اقْتِضاضُ البِكْر واقتِضاضُ اللُؤلؤة ونحْوِها. وإن كانت الرِّوايةُ بالفاء فمعناه أنّه قد صَبَّ شَيئًا منْها يُقال فَضَّ الماءَ وافتضَّهُ إذا صَبَّ شيئًا منه بعْدَ شيء. قَالَ حُمَيد بْن ثَوْر:
إذا النُّوقُ لم تملك سِجالا تَفُضُّها ... من البَوْل واهْتَزَّ الخُفافُ السَّميْدَعُ ١
يُريدُ أنّها لم تَمِلك البَوْل من شدَّة السَّيْرِ.
وقال جِميلُ بْن مَعْمَرٍ:
قامَتْ تودّعْنا والعَيْنُ سَاجِمَةٌ ... إنْسَانُها بفَضِيض الدَمْعِ مكتحلُ
يُريدُ الدّمْع المُتَفرق.
والدَغْفَقَةُ الكَثْرَةُ والسعة. يقال فلان في نَعيم دَغْفَقٍ أي واسعٍ. قَالَ الشاعر:
بعد التَّصابي والشَّباب الغَيْدَقِ ... أَزْمَانَ إذ نَحْنُ بعَيْشٍ دَغْفَقِ ٢
والغَيْدَقُ والغَيْداقُ مِثْلهُ. يُقال: مَطرٌ غَيْداقٌ أي واسِعٌ كثيرٌ.
وشَبِيةٌ بهذا حَدِيثُ المِيضَأة وَهُوَ مَا رَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ شَيْبَانَ عَنْ خَالِدِ بْنِ سُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ الأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَ فِي سفر مع رسول الله فَبَيْنَا نَحْنُ لَيْلَةً مُتَسَاتِلِينَ عَنِ الطَّرِيقِ نَعِسَ رَسُولُ اللَّهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ عَدَلْتَ فَنَزَلْتَ حَتَّى يَذْهَبَ كَرَاكَ. قَالَ: "فَابْغِنَا مَكَانًا خَمِرًا" قَالَ: فَعَدَلْتُ عَنِ الطَّرِيقِ فَإِذَا أَنَا بِعُقْدَةٍ مِنْ شَجَرٍ قَالَ: فَنَزَلْنَا فَمَا اسْتَيْقَظْنَا إِلا بِالشَّمْسِ فَقُمْنَا وَهِلِينَ من
стр. 563
صَلاتِنَا. قَالَ: وَشَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ الْعَطَشَ فَدَعَا بِالْمِيضَأَةِ فَجَعَلَهَا فِي ضِبْنِهِ ثُمَّ الْتَقَمَ فَمَهَا فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَفَثَ فِيهَا أَمْ لا فَشَرِبَ النَّاسُ حَتَّى رَوَوْا ١.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: فَتَكَابَّ النَّاسُ عَلَى الْمِيضَأَةِ فَقَالَ: "أَحْسِنُوا الْمَلأَ فَكُلُّكُمْ سَيَرْوَى" ٢.
قولُهُ: مُتساتلين مَعْناهُ مُتَقاطِرِين واحدًا في إثر واحدٍ. وكلُّ شيء تَبِع بعضُه بَعْضًا فقد تَساتَل كالدَّمْع إذا تتابع قَطْرهُ والعِقْد إذا انْقَطَع سِلْكُهُ. والخمر ما واراك من الشجر ومكان خَمِرٌ أي أَشِبٌ. قَالَ الأصمعيُّ: والعُقْدَةُ من الأرْض البُقْعَةُ الكَثِيرةٌ الشَّجَر. فأمّا العَقِدَةُ فالقِطْعَةُ من الرَّمْلِ قد تراكم بعضُهُ عَلَى بَعْضٍ وَجَمْعُها عَقِدٌ. وقال أبُو عَمْرو هُوَ العَقَدُ بالفَتْح. وقوله: وَهِليْن مَعْناه فَزِعيْن.
والوَهَل الفَزَعُ. والمِيضَأةُ مِطْهَرةٌ غَيرُ كَبِيرة يُتَوضَّأُ منها. والضَّبْنُ ما بيْن الكَشْح والإِبْطِ. وقال: اضْطَبَنْتُ الشّيءَ إذا حَمَلْتَه فأمْسَكْتَه عَلَى ضِبْنِك.
وقوله: أَحْسِنُوا المَلأَ. قَالَ أبُو زَيدٍ: يُقال لِلرجُل: أَحْسِنْ مَلأَكَ أي خلقك.
стр. 564
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لأَصْحَابِهِ: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ رَجُلا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلا كَيْفَ يَصْنَعُ بِهِ " فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَاللَّهِ لأَضْرِبَنَّهُ بِالسَّيْفِ وَلا أَنْتَظِرُ أَنْ آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "انْظُرُوا إِلَى سَيِّدِنَا هَذَا مَا يَقُولُ" ١.
يَرْوِيهِ وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْلَمَ بْنِ بُجْرَةَ عَنْ أَبِيهِ.
قوله: "انظُروا إلى سيّدنا" يُريدُ إلى مَنْ سَوَّدْنَاه عَلَى قَوْمه ورأَسْناهُ عليهم كما يَقولُ السلْطَانُ الأعظمُ فُلانٌ أمِيرُنا وقائدُنا أي مَن أَمَّرناه عَلَى الناس وَرتّبْنَاه لِقيادة الجُيُوش وكان سعدُ بنُ عُبادَة سيِّد الخَزرَج في الجاهليّة وجَعله رَسُولُ الله نَقِيبًا في الإسْلام. فعلى هذا يُتأوّلُ قولهُ: سيّدنا لا أعْلمُ للحَديثِ وَجْهًا غيره.
وكيف يَجُوزُ أن يكونَ أحدٌ يسوده وهو سيّدُ وَلَدِ آدَم أَحمرِهم وأَسْودِهم وإنما جاء في أكثر الرّوايات انظروا إلى ما يَقُولُ سَيّدُكُم.
فَأَمَّا حَدِيثُهُ الآخَرُ: أَنَّ وَفْدَ بَنِي عَامِرٍ قَدِمُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا: أَنْتَ سَيِّدُنَا وَأَنْتَ الْجَفْنَةُ الْغَرَّاءُ.
حَدَّثَنَاهُ الْحَسَنُ بْنُ عُثْمَانَ الْبُنَانِيُّ نا عَبْدُوسُ الْمَدَائِنِيُّ نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَيْشِيُّ نا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ نا غَيْلانُ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قدمنا على رسول الله فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ. قَالَ: فَقُلْنَا: أَنْتَ وَالِدُنَا وَأَنْتَ سَيِّدُنَا وَأَنْتَ أَطْوَلُنَا طُولًا وَأَنْتَ الْجَفْنَةُ الْغَرَّاءُ فَقَالَ: "قُولُوا بِقَوْلِكُمْ وَلا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ". وَرُبَّمَا قَالَ: "لا يستجرينكم الشيطان" ٢.
стр. 565
وإنما أنكر هذا القَوْلَ: مِنْهُم لأنّه من تحيّةِ أَهلِ الجاهليّة كانوا يحيون بذلك ملوكهم ويثنون بِهِ عَلَى رؤسائِهم فَقَالَ لهم قُولوا بقَولِكُم أي بِقَول أهْل دينكم ومِلَّتِكُم يأمرهم بأن يُثْنوا عَلَيْهِ بالدِّين وأن يُخاطِبُوه بالنبيّ والرَسُول كما ذكره اللهُ في كتابه وعلى ما جَرتْ بِهِ عادةُ قومهِ وأَصحَابِه وقد يكون معناه كراهةَ التَّشْدِيق في الخُطَب يأمرهم بالاقتصاد في القول لئلا يذهب بهم المَقالُ إلى ما لا تَعْتَقِدُه قُلُوبُهُم. وهذا كما روي في حديث هند بن أَبِي هَالَة أنّه كَانَ لا يقبل الثناء إلا من مكافئ ١.يُرِيد واللهُ أعلم أنّه لا يقبَلُه إلا من مَقْتَصِدٍ في القَوْل يعرفُ حقيقةَ إِسْلامِه ولا يَدْخُل عنده في جُملَة المُنافقين الّذين يقولون بألسنَتِهم ما لَيْسَ في قُلوبهم وقد تأوّلَه ابن قُتيبة عَلَى غير هذا فَقَالَ معناه أَنَّه كَانَ إذا أَنعَم عَلَى رَجُلٍ نِعْمةً وكافأَة وأثنَى عَلَيْهِ قَبِل ثناءَه وإذا أثْنَى عَلَيْهِ الرَّجُلُ قَبْل أن يُنعِمَ النبي لم يقبل ثَناءَه.
قَالَ ابنُ الأنباري: وهذا غَلَطُ بيِّنٌ لأنَّه لَيْسَ في الأرض أحدٌ من جميع الناس ينفكُّ من إنعام رسول الله إذْ كَانَ اللهُ قد بَعَثَه إلى جميع الناس ورحِم بِهِ الخَلْق وانتاشهم وأنقذهم ببعثته ٢ إليهم من المهالك والمعاطب فنعمته سابقةٌ إلى كُلِّ الخَلْق لا يَخْرُج منها مكافئ ولا غير مكافئ وغير جائز أن يُقال مَن كافأ رَسُولَ الله بالثَّناء عَلَى نعمة سبقت منه قبل ثناءه ومن لا فلا لأن الثناء عَلَى رسول الله فرض عَلَى جميع الناس لا يَتِمُّ إسلامُهُم إلا بِهِ ولا يتحقّقُ دُخُولُهُم في الشريعة إلا من جهته.
стр. 566
وَقَال أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَتَانِي جِبْرِيلُ بِدَابَّةٍ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ البغل فحلمني عليه ثم انطلق يهوي بِي كُلَّمَا صَعِدَ عَقَبَةً اسْتَوَتْ رِجْلاهُ مَعَ يَدَيْهِ ١ وَإِذَا هَبَطَ اسْتَوَتْ يَدَاهُ مَعَ رِجْلَيْهِ ٢ " ٣.
أَخْبَرَنَاهُ إِسْمَاعِيلُ الصَّفَّارُ نا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ نا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ عَنْ قَنَانِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّهْمِيِّ نا أَبُو ظِبْيَانَ الْجَنْبِيُّ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
قولهُ: "يهوي بنا" معناهُ يَسِيرُ بنا وقد يكون ذَلِكَ في الصُّعُود والهبُوط معًا وإنّما يختلِفُ في المَصْدر فيُقال هَوَى يَهْوِي هَوِيًّا إذا هَبَطَ وهُويًّا بالضَّمِّ إذا صَعِد. أنشدني ٤ أبو رَجَاء الغَنَويّ عَنْ أَبِي العَبَّاس ثَعْلب:
وَالدَّلْوُ في إصعَادِهَا عَجْلى الهُوِيّ ٥
وقال بعضُ القرشيين:
بينما نحن بالبلاكث فالقا ... ع سراعًا والعِيسُ تَهْوِي هَوِيَّا
خطرَتْ خطرة على القلب من ذكرا ... ك وهْنًا فَما استَطعْتُ مَضِيّا ٦
وقوله: كُلَّمَا صَعِدَ عَقَبَةً اسْتَوَتْ رِجْلاهُ مَعَ يَدَيْهِ وَإِذَا هَبَطَ اسْتَوَتْ يَداه مَعَ رجْلَيْه فيه قولان:
стр. 567
أحدهما: أن تكون مَسافَةُ العَقَبة كُلّها خُطْوَة واحدة من خُطَاهُ إذا هُوَ صَعد أو هبَط ١.
والقولُ الآخَرُ أن يكون سيرها بِهِ في العِقَاب كَسَيْرها في مُسْتوى الأَرْض وذلك أن الدَّابّة إذا هبَطتْ من ثِنيَّةٍ أكبَّتْ عَلَى مُقدَّمها وإذا صَعِدَت أوْفَتْ عَلَى مُؤخّرها فَيَعْنَتُ لذلك راكبُها فأخبر ﷺ أَنَّها قد سُخِّرَت لَهُ فسارت بِهِ في العِقَاب سَيْر الدّوابِّ على متون الأرض.
стр. 568
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ خَشَبَةٌ يَقُومُ عِنْدَهَا إِذَا خَطَبَ فَقَالُوا: لَوْ جَعَلْنَا لَكَ شَيْئًا تَقُومُ عَلَيْهِ حَتَّى تُسْمِعَ النَّاسَ فَحَنَّتِ الْخَشَبَةُ حَنِينَ النَّاقَةِ الْخَلُوجِ فَأَتَاهَا النَّبِيُّ فَضَمَّهَا إِلَيْهِ ١.
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ نا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْمُقْرِي نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْسِيُّ ٢ نا ابْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ نا أَبِي عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ جَابِرٍ.
الناقةُ الخَلُوجُ هي التي اختُلِج ولَدُها أي انْتُزِع منها. والخَلْجُ الجَذْبُ وإنّما سُمِيّ الوتدُ خَلِيجًا لأنَّهُ يَخْلِجُ الدَّابّةَ إذا رُبِطَتْ. قَالَ ابنُ مُقْبلٍ:
وَباتَ يُغَنّي في الخليج كأَنَّهُ ... كُمَيْتٌ مُدَمًّى نَاصِعُ اللّوْن أَقْرَحُ ٣
стр. 569
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال لأبي ذر: "ما لي أَرَاكَ لَقًّا بَقًّا كَيْفَ بِكَ إِذَا أَخْرَجُوكَ مِنَ الْمَدِينَةِ " ١.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عن ابن طاووس عَنْ أَبِيهِ.
قوله: "لَقَّا بَقًّا" معناهُما كَثرةُ الكَلامِ والإِسْهَابُ فيه يُقال رَجلٌ لقٌّ بَقٌّ ولَقْلاقٌ بَقْباقٌ وبه سُمِّيَ اللِسّانُ لَقْلقًا.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا سَهْلُ بْنُ عَلِيٍّ الدُّورِيُّ نا سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي ثنا الأَصْمَعِيُّ عَنْ أَبِي الأَشْهَبِ الْعُطَارِدِيِّ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ نَظَرَ ابْنُ الْخَطَّابِ إِلَى شَابٌّ فَقَالَ يَا شَابُّ إِنْ وُقِيتَ شَرَّ لَقْلَقِكَ وَقَبْقَبِكَ وَذَبْذَبِكَ فَقَدْ وُقِيتَ شَرَّ الشَّبَابِ ٢.
قَالَ الأَصمعيُّ: فاللَقْلَقُ اللِّسان والقَبْقَبُ البَطْنُ والذَبْذَبُ الفَرجُ والبَقاقُ ٣: كثّرَةُ الكلام. ويُقالُ رَجُلٌ مِبَقُ إذا كَانَ كَثِيرَ الكَلامِ.
وكان أبو ذَرٍّ ﵀ فيه شدة على الأمراء إغلاظ لهم وكان عُثمانُ ﵁ يُبَلَّغُ عَنْهُ إلى أن استأذنه أبو ذر في الخروج إلى الرَّبَذةِ فأذن لَهُ في ذَلِكَ عَلَى النَّظَر لَهُ.
ورَوَاه بَعضُهم لقًا بقًا مُخفَّفيْن ومعناه عَلَى هذه الرواية ما لي أَراكَ مُلقى وكُلُّ شيء أَلقيتَه فهو لقى قال الشاعر:
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ نَزَلَ وَأَبُو بَكْرٍ بِأُمِّ مَعْبَدَ وَذْفَانَ مَخْرَجِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ شَاةً فَرَأَى فِيهَا بُصْرَةً مِنْ لَبَنٍ فَنَظَرَ إِلَى ضَرْعِهَا فَقَالَ: "إِنَّ بِهَذِهِ لَبَنًا وَلَكِنْ أَبْغِينِي ١ شَاةً لَيْسَ فِيهَا لَبَنٌ" فَبَعَثَتْ إِلَيْهِ بِعَنَاقٍ جَذَعَةٍ فَقَبِلَهَا ٢ قَالَ هِشَامُ بْنُ حُبَيْشٍ الْكَعْبِيُّ: أَنَا رَأَيْتُ الشَّاةَ وَإِنَّهَا لَتَأْدُمُهَا وَتَأْدُمُ صِرْمَتَهَا.
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا الدَّغُولِيُّ نا غِيَاثُ بْنُ حَمْزَةَ نا أَبُو الأَشْعَثِ حَفْصُ بْنُ يَحْيَى التَّيْمِيُّ نا حِزَامُ بْنُ هِشَامِ بْنِ حُبَيْشٍ الْكَعْبِيُّ سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ أُمِّ مَعْبَدٍ بِذَلِكَ.
قوله: وَذْفَان مَخْرجه مَعْنَاهُ حِدثان مَخْرجه أو عَلَى أَثَرِ ذَلِكَ من الوَقْت أوْ ما يُشْبِهُ هذا من الكلام وقال بعضهم أَصْلهُ من الخِفّة والإِسْراع في السَّيْر. ومنه قِيلَ: تَوذَّفَ الرجل إذا مَرَّ مرًّا سَرِيعًا وهذا كقولهم سَرْعَانَ ما فعَلْتَ ذَلِكَ ووَشْكَانَ ما رأيتَ كَذَا قَالَ الشاعرُ:
أتَخْطُب فيهم بعد قَتْلِ رِجَالهم ... لسَرْعانَ هذا والدّماءُ تصبب ٣
стр. 573
وفي بعض الأمثال: سَرْعانَ ذِي إهَالَة ١. وأَصْلُه أَنَّ رجلًا كَانَ يُحمَّقُ فاشترى شاةً عجْفاء يَسيلُ مُخَاطُها هُزَالًا فَقَالَ هذه الإِهَالَةُ تِسيلُ فقيل سَرْعان ذي إهالة أي ما أَسْرَع هذه الإِهَالَة من إِهالة وذي بمعنى هذه. قَالَ الأصمعيُّ: ليْسَ في الكلام نُونٌ تُشْبهُ نُونَ الاثنين إلا جَاءَتْ مَكْسُورةً غير نُون شَتّانَ وأَخواتِها. قَالَ: ويُشْبهُ أن يكون شتانَ مصْدرًا ونُونُها مَفْتُوحةٌ في الأحْوال كُلّها وكذلك وشكانَ وسَرْعَان وبَطْآن.
وقولهُ: بُصْرةً من لبَن فإنّه يُريدُ أَثرًا من لَبنٍ يُبْصَرُ في الضّرْع فأمّا البَصِيرَةُ فهي الطريقة من طرائف الدم إذا سالت عَلَى الجَسَد وجَمْعُها البصَائر والصِّرْمُ النّفرُ يَنْزِلُون بإبلهم عَلَى ماء. والصِّرمَةُ القَطِيعُ من الإبل ليسَ بالكثير. ويُقال: أَدَمْتُ الخُبْزَ آدُمُهُ والاسْمُ الإِدَام والأُدُمُ ويقال من اللّبْن لبَنْتُه أَلْبِنُهُ وأَلْبُنُه ومن التَّمْر تَمْرتُه أَتْمُره ومن اللَّحْم أَلْحَمْتُه بالأَلِف.
مِنْ حَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ عَلِيٍّ ثنا عبيد الله بن إياد سمعت إيادا يُحَدِّثُ بِذَلِكَ عَنْ قَيْسِ بْنِ النعمان السدوسي.
قولُه: اهتْجِنَتْ معناه أنّ الحَمْلَ قد ظهر بها والهاجِنُ العَنَاق التي حَمَلتْ قبْلَ وَقْتِها. قَالَ الأُمَويُّ: من أمْثال العرب جَلّت الهاجِنُ عَنِ الولد ١. والهاجن الصَّغيرةُ يريدون أنّها صَغُرَتْ عَنِ الوِلادة يُقالُ للصَّغير: جَللٌ كما يُقالُ ذَلِكَ للكَبير. ويُقال: اهتُجِنَتِ الجاريَةُ إذا افْتُرِعَت قبلَ الأوَان. وقال الأَصْمَعِيُّ: إذا حَمَلت النخْلَةُ وهي صغيرة قِيلَ: هي مُهْتَجنَةٌ. ويقال أيضا: متهجنة.
قِيامًا تَذُبُّ البَقّ عَنْ نخُراتِها ... بنهز كإيماء الرؤوس الموانعِ ١
قَالَ الأصمعيّ: النَّخُورُ من الإبل: هي التي لا تدرّ حتى يضرب أنفها.
стр. 580
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ لِي أَسْمَاءَ أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَنَا أَحْمَدُ وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يُمْحَى بِيَ الْكُفْرُ وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمَيَّ" ١.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ الزَّعْفَرَانِيُّ نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ عَنْ أَبِيهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: "وَأَنَا الْعَاقِبُ" وَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ في كتابه ٢ إلا أنّه لم يُفسِّرْ قَوْلَهُ: "يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمَيَّ" وفيه قولان:
أحدهما أَنَّهُ أول من يُحشر من الخَلْق ثُمَّ يُحْشَرُ الناس عَلَى قدمِه: أي عَلَى أَثَره. وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى رِوَايَةُ أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: "وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى عَقِبَيَّ" ٣.
والآخر أن يكون أراد بقَدَمه عَهدَه وزَمانَه. قَالَ بعضُ أهلِ اللغة: يُقال: كَانَ ذَلِكَ عَلَى رِجْلِ فُلانٍ وعلى قَدَمِ فُلان وعلى حَيَّ فُلان أي في عهده وزمانه.
стр. 581
وحُكِي عَنِ الأصمعي قَالَ: قَالَ سعيدُ بْن المُسَيَّب ذات يوم إني رأيت في المنام ١ موسى يمشي عَلَى البحر حتّى صَعِد إلى قَصْرٍ ثُمَّ أخذ برِجْل شيْطانٍ فألقَاه عَلَى ٢ البحر وإني لا أعْلُم نِبيًّا هلكَ عَلَى رِجْله من الجبَابرة ما هلكَ عَلَى رِجْل مُوسَى وأظن هذا قد هلك يعني عَبْد الملك بْنَ مروان فجاء نَعِيُّه بعد أربَعٍ.
قَالَ الأصمعيُّ قَولُه: عَلَى رِجْل مُوسَى أي في زَمانه والمعنى أَنَّ شَرِيعَته لا تُنْسَخُ إلى يَومِ القيامة.
وأمّا قولُهُ: إنّ لي أسماءَ فإنه أَرادَ والله أعلم أَنَّ هذه الأسماءَ مذكورة في كُتُب الله المُنزّلَة على الأمم التي كذبت بنبوته حُجّة عليهم.
وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ لَهُ اسْمَانِ غَيْرُ الْمَسِيحِ وَيَعْقُوبِ إِسْرَائِيلَ.
وقال غَيرهُ: خمسةٌ من الأنبياء لهم اسمان: أحمدُ ومحمد وعِيسَى والمسيح وذو الكِفْل وإلياس وإسرائيل ويَعْقوب ويُونُس وذُو النون.
وقال قائلٌ: قد رأيْنا عَالمًا من أمته هَلَكُوا هُزْلًا ١ وجُوعًا في عام الرَّمادَة في عهد عُمَر بْن الخطاب. ثُمَّ في الغَلاء الَّذِي كَانَ بالبَصْرة أيّامَ زياد ثُمَّ هَلُمَّ جَرًّا إلى عَصْرِنا هذا لم يَزَل النّاسُ تُصِيبهُم الجَوائحُ في البُلْدَان والقُرَى والأَعْرابُ تُقحِمهُم السَّنَةُ وتُصِيبهُم المَجاعةُ وأقْربُ ما عَهِدْنَا من ذَلِكَ ما وقع بمدينة السَّلام من الغَلاء الَّذِي أَجْلَى أهْلَها وأَتَى عَلَى أكْثَرهم فأين بَيَانُ استِجابةِ دُعَائِه فيُقالُ له إنما دعا النبي بأن لا يُهْلِك أمَّته هَلاكًا عَامًّا وأن لا يُسْتَأصَلُوا فيجْتَاحُوا أَصْلًا سُنَّةَ مَنْ هلك من الأُمَم الخالِية والقُرُونِ الماضية. وأمّا أن يقحط قوم ويُخصَبَ آخرُون ويُجدبَ بلدٌ مُدّةً من الزمان ثُمَّ يَحيَا بعد فليس مِمَّا جرت بِهِ الدعوة ولا عرضت لَهُ المسألة ولم يزل من سُنَّة الله في خَلْقه أن يختلفَ أمرُ بلاده في الجَدْب والخِصْب وأحْوال عِباده في الجدة ٢ والعسر فمرفة ٣ لَهُ ومُقتَّرٌ عَلَيْهِ أَمرٌ قد جَرتْ بِهِ المقاديرُ فلا مَردَّ له ولا اعْتراض عَلَيْهِ.
وهذا كالمُفسّر في حَديثٍ آخر. حَدَّثَنَاهُ ابْنُ السَّمَّاكِ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ الْحَارِثِيُّ نا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ نا أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي قِلابَةَ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ عَنْ ثَوْبَانَ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِسَنَةٍ عَامَّةٍ وَأَنْ لا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَيُهْلِكَهُمْ وَأَنْ لا يَلْبِسَهُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ. فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ: إِنِّي أَعْطَيْتُكَ عَطَاءً لا مَرَدَّ لَهُ وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لأُمَّتِكَ أَنْ لا يُهْلَكُوا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ وَأَنْ لا يُسَلَّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوٌّ مِنْ غَيْرِهِمْ حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ نَهَى عَنِ السِّبَاعِ ١. حَدَّثَنِيهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ أنا ابْنُ الْجُنَيْدِ نا قُتَيْبَةُ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ دَرَّاجِ أَبِي السَّمْحِ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْحُورِيِّ ٢.
السِّبَاعُ تفسيره في الحديث المُفَاخَرةُ بالجِماع ولا أُراهُ أخِذ إلا من قَوْلهم سبعت الرجل إذا وقعْت فيه وذكرتَهُ بما يَكْرَه وذلك لأنّ هذا المعنى ممّا يُكْرَهُ ذكْرُه ٣ ويُسْتَرُ عَنِ الناس أَمرهُ. وروى أبو عُمَر ولم أسمعْهُ منه عَنْ أَبِي العبَّاس عَنِ ابن الأعرابيّ قَالَ السِّبَاعُ كَثْرَةُ الجماع. ورُوي في حديث آخر أَنَّهُ اغْتَسل من سِباعٍ كَانَ منه في رَمَضان أي من مُقَارفَةِ جماع.
وقال بعض أههل اللغة: السِّبَاعُ في الجِماع معناه راجع إلى الكثرة قَالَ والتّسبيع التّضْعيف والعرب تَقُولُ سبَّع الله لك الأجْرَ أي ضاعَفَه.
قَالَ: ولم يريدوا بهذا عَدَدَ السَّبْع حتى لا يجاوزوه قَالَ ومن هذا قوله: سُبْحَانْه: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ﴾ ٤. هو من باب
стр. 588
تكثير العدد وتضعيفه لا من بَابُ حَصْر العَدَد. والمعنى لا يغفر لهم وإن استكثرت من الدعاء ١.
стр. 589
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِلْخُرَّاصِ إِذَا بَعَثَهُمُ: "احْتَاطُوا لأَهْلِ الأَمْوَالِ فِي النَّائِبَةِ وَالْوَاطِئَةِ " ١.
قَالَ ابن قُتَيبة: الوَاطِئةُ المارَّةُ والسَّابِلَةُ سُمُّوا بذلك لِوَطْئهم الطريقَ.
قَالَ: ومعنى الحديث أنّه أَمَر خُرّاصَ النَخْل أن يَسْتَظْهِروا لأصْحَاب النخل في الخَرْص لِمَا يَنُوبُهْم ويَنزِلُ بهم من الأَضْياف ويَجْتازُ عليهم من أبناء السبيل.
قَالَ: وفيه وجْهٌ آخر هُوَ أشْبَه بمعنى الحدَيث وهو أَنَّ الواطِئَة هي سُقاطةُ التَمْر وما يَقَع منه بالأرضِ فيُوطأُ ويُداس جاء بلْفظ فاعِل وهو بمعنى مَفْعول كقولِه: ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ ٢. أي لا مَعْصُومَ وكَقَوله: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ ٣. أي مَرْضيّة.
والعربُ تَقُولُ: ماءٌ دَافِقٌ أي مَدْفُوقٌ وسِرٌّ كاتمٌ أي مَكْتُومٌ ولَيلٌ نائِمٌ أي يُنَامُ فيه. قَالَ الشّاعُر:
لقَدْ لُمْتِنا يا أُمَّ عِمْرانَ في السُّرَى ... ونِمْتِ ومَا لَيْلُ المَطيِّ بنائم ٤
стр. 590
ومما جاء بلفْظ مفعولٍ ومَعْناهُ معنى فاعل قوله: ﴿حِجَاباً مَسْتُوراً﴾ ١. أيْ سَاتِرًا. وقَولُه: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً﴾ ٢. أي آتِيًا والله أعلم.
وإنّما صِرْنَا إلى هذا لأنّ المعنى الَّذِي تأوَّلهُ ابنُ قُتيبة قد استُفِيد بالنّائبة ووقَع بيانُه بها فلم يَكُنْ لِحَمْل الكلام الثاني عَلَيْهِ وَجْهٌ وقد رُوِي معنى ما ذهَبْنَا إِلَيْهِ عَنْ عُمَر بْن الخطاب.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَقُولُ لِلْخَارِصِ دَعْ لَهُمْ قَدْرَ مَا يَقَعُ وَقَدْرَ مَا يَأْكُلُونَ ٣
وفيه وَجهٌ ثالث عَنْ أَبِي سَعِيد الضَّرِير قَالَ هي الوَطَايا واحِدَتُها وطِيَّةٌ وهي تَجْرِي مجْرَى العَرِيَّة وسُمِّيَتْ وطِيّةً لأَنَّ صَاحِبَها وطّأها لنفسه أو لأَهْلِه فهي لا تَدْخُل في الخَرص إذا خَرصَ الخارصُ يُعْفَى لَهُ عنها وذلك عَلَى قَدْر النَّخْل يكون فيها وَطَايَا عِدَّةٌ أو وَطِيَّةٌ واحدة.
стр. 591
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أُرِيتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَنْزِعُ عَلَى قَلِيبٍ بِدَلْوِ بَكْرَةٍ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَنَزَعَ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ فَنَزَعَ نَزْعًا ضَعِيفًا وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ فَاسْتَقَى فَاسْتَحَالَتْ غَرْبًا فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا يَفْرِي فَرِيَّهُ حَتَّى رَوِيَ النَّاسُ وَضَرَبُوا بِعَطَنٍ" ١.
قد وَقَع هذا الحديث أولا في كتاب أَبِي عُبَيْد وثانيا في كتاب ابن
стр. 592
قُتيبَة وفَسَّر كُلُّ واحدٍ منهما طائِفةً من لفظه ولَمْ يعرِض واحدٌ منهما لمَعْناه. وقد علمْنا أنّ هذا مَثلٌ في رُؤْيا أريها وإنما يُرادُ بالمَثَل تَقْريبُ علمِ الشيء وإيضَاحُه بِذكر نَظِيره وفي إغفال بيانهِ والذَّهاب عَنْ معناه وعن مَوضِع التَّشْبِيه فيه إبْطالُ فَائدةِ المَثَل وإثباتُ التَّفْضِيل ١ لعُمَر عَلَى أَبِي بَكْرٍ إذ قد وُصِف بالقُوَّة من حَيْثُ وُصِفَ أبو بَكْر بالضَّعْف وتلك خُطَّةٌ أَبَاها المُسْلِمُون. والمَعنى والله أعلم أنه إنّما أراد بهذا القوْل إثباتَ خِلافَتِهما والإِخْبارَ عَنْ مُدّة ولايتِهما والإبانةَ عمّا جَرَى عَلَيْهِ أحْوَالُ أُمّته في أيّامهما فشَبّه أمرَ المسلمين بالقَليب وهو البِئُر العادِيَّة وذلك لِمَا يكون فيها من الماء الَّذِي بِهِ حَياةُ العِباد وصلاحُ البِلاد وشَبَّه الوَالي عليهم والقائَم بأمورهم بالنَّازعِ الَّذِي يستَقِي الماءَ وَيَقْرِيهِ ٢ للوَاردة ونَزع أبو بَكْر ذَنُوبًا أو ذَنُوبَين عَلَى ضعف فيه إنّما هُوَ قِصَرُ مُدّةِ خِلافَته والذَنُوبَان مثَلٌ في السَّنَتْين اللَّتين ولِيَهُما وأَشْهُرًا بعدهما وانْقضَتْ أيامُه في قِتال أهلِ الردة واستِصْلاح أهلِ الدَّعوة ولم يتفَرَّغ لافتِتاح الأَمْصارِ وجِبايةِ الأَمْوال فذلك ضَعْفُ نَزْعِه. وأمّا عُمَر فقد طالت أيّامُه واتّسعَتْ وِلايتُهُ وفتح اللهُ عَلَى عهده العِراقَ والسَّوَادَ وأرضَ مصْر وكثيرًا من بلاد الشام وقد غنِم أموالَها فقسَّمَها في المسْلمين فأخصبَت رِحالُهم وحَسُنَتْ بها أحوالُهُم فكان جَوْدَةُ نَزْعِه مَثلًا لما نالُوهُ من الخَيْر في زمانه واللهُ أعلم.
والعرَبُ تضربُ المثلَ في المُفاخرة والمغالبة بالمُساقاة والمساجَلة فتَقولُ فلان يُسَاجلُ فُلانًا أي يُقاوِمُهُ ويُغَالبِه وأَصْلُ ذَلِكَ أن يسْتقيَ ساقِيَان فيُخرج كلّ واحد مِنهما في سَجْله مثل ما يُخرِج الآخرُ فأيُّهما نَكَل غُلِبَ. وقال العبّاسُ بنُ الفضل اللهبي يذكر ذلك.
стр. 593
مَن يُسَاجِلْني يُساجِلْ ماجدًا ... يَمْلأُ الدلو إلى عقد الكرب ١
стр. 594
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ كَانَ يَرْمِي وَهُوَ يُقَتِّرُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَكَانَ رَامِيًا وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ يُشَوِّرُ نَفْسَهُ وَيَقُولُ لَهُ ١ إِذَا رَفَعَ شَخْصَهُ هَكَذَا بِأَبِي وَأُمِّي لا يُصِيبُكَ سَهْمٌ نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ٢.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ نا عَفَّانُ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ عَنْ أَنَسٍ.
قولهُ: يُقَتِّرُ معناه يجمع لَهُ الحَصَا والتُرابَ يجعله قُتَرًا وكُلُّ كُثْبَةٍ منْها قُتْرَةٌ وهي العَلامَة. وقال الأَصمعيُّ: القِتْرُ: نَصْلُ الأَهْدَاف.
وأنشد لأَبي ذُؤَيبٍ:
كَقِتْر الغِلاء مُسْتَدِرًا صِيَابُها ٣
وزعم محمدُ بْن السَّائب الكلبيّ أنّ يكسوم ابن أخي الأشرم أهدى للنبي سِلاحًا فيه سَهْمٌ لَغْبٌ وقد رُكّبتْ مِعْبَلَةٌ في رُعْظِه فقَوَّم فُوقَه وقال هُوَ مستحِكم الرِّصاف وسمَّاهُ قِتْرَ الغِلاء. يُقال للسَّهْم الَّذِي لم يَلْتَئِمْ رِيشُهُ لَغْبٌ وهو اللغاب.
стр. 595
قَالَ بِشْرُ بْن أَبِي خازِم:
وإِنَّ الوَائليَّ أصَابَ قَلْبي ... بسَهْمٍ لم يَكُنْ نِكْسًا لُغَابَا ١
فإذا التأم ريشُهُ وهو أن يكونَ بَطْنُ الرِّيشَة إلى ظهر الأُخرى فهو اللُّؤَامُ. والمِعْبَلَةُ نَصْلٌ عَرِيضٌ وَالرُّعْظُ. مَدْخَل النَّصْل في السَّهْم. والرِّصافُ عقَبةٌ تُلْوَى عَلَى الرُّعْظ. والغِلاءُ الرِّماء. يقال: غالَيْتُه أغالِيه غِلاءً أي رامَيْتُه. والغَلْوَةُ مَدَى الرَّمْيَة.
وقوله: يُشَوِّرُ نفسه: أي يَسْعَى ويَخفّ يُظْهِرُ بذلك قُوَّتَه.
يقال شُرْتُ الدابَّة إذا أَجْرَيْتَها لتنظر إلى سيرها ٢.
стр. 596
وَقَال أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى يَقُولُونَ يَثْرِبُ وَهِيَ الْمَدِينَةُ " ١.
أَخْبَرَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى نا الْحُمَيْدِيُّ نا سُفْيَانُ نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. أَخْبَرَنِي أَبُو الْحُبَابِ سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَذْكُرُهُ.
قولُه: تأكُل القُرى يُريدُ أَنَّ الله يَنْصُرُ الإِسلام بأهل المدينة وهم الأنْصار ويفتح عَلَى أيديهم القُرَى وَيُغنِّمُها إيَّاهُم فيأكُلونَها وهذا في الاتّساع والاخْتِصار كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ٢. يريد أهل القرية
стр. 597
وكقوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ ١. وكانوا يُسَمُّون المدينة يَثْرِبَ وهي اسمُ أَرضٍ بها فغيَّر رَسُولُ الله اسمها وسماها طيبة كراهية للتثريب.
стр. 598
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ خَطَبَ فِي أَضْحَى فَأَمَرَ مَنْ كَانَ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ أَنْ يُعِيدَ ذَبْحًا ثُمَّ انْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ إِلَى غُنَيْمَةٍ فَتَجَزَّعُوهَا ١.
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَدِيٍّ نا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ حِسَابٍ نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ نا أَيُّوبُ وَهِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ.
قوله: تجزَّعُوها أي تَوزَّعُوها واقْتسمُوها وأصْلُه من جَزعْتُ الشيءَ إذا قَطعْتَه والجُزعَةُ القِطْعَةُ من الشيء.