وَقَال أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى يَقُولُونَ يَثْرِبُ وَهِيَ الْمَدِينَةُ " ١.
أَخْبَرَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى نا الْحُمَيْدِيُّ نا سُفْيَانُ نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. أَخْبَرَنِي أَبُو الْحُبَابِ سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَذْكُرُهُ.
قولُه: تأكُل القُرى يُريدُ أَنَّ الله يَنْصُرُ الإِسلام بأهل المدينة وهم الأنْصار ويفتح عَلَى أيديهم القُرَى وَيُغنِّمُها إيَّاهُم فيأكُلونَها وهذا في الاتّساع والاخْتِصار كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ٢. يريد أهل القرية
стр. 597
وكقوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ ١. وكانوا يُسَمُّون المدينة يَثْرِبَ وهي اسمُ أَرضٍ بها فغيَّر رَسُولُ الله اسمها وسماها طيبة كراهية للتثريب.
стр. 598
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ خَطَبَ فِي أَضْحَى فَأَمَرَ مَنْ كَانَ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ أَنْ يُعِيدَ ذَبْحًا ثُمَّ انْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ إِلَى غُنَيْمَةٍ فَتَجَزَّعُوهَا ١.
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَدِيٍّ نا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ حِسَابٍ نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ نا أَيُّوبُ وَهِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ.
قوله: تجزَّعُوها أي تَوزَّعُوها واقْتسمُوها وأصْلُه من جَزعْتُ الشيءَ إذا قَطعْتَه والجُزعَةُ القِطْعَةُ من الشيء.
ولا شَارفٍ جَشّاءَ هاجَتْ فرجّعَتْ ... حَنِينًا فأبْكى شَجْوُها البَرْكَ أَجْمَعا ١
وقولُه: هذا إبّانُ نُجومهِ أي وَقْتُ ظهوره. يُقال: نَجمَ النَبتُ إذا طَلَع. وقوله: فحيَّ هَلًا كَلَمَةُ حَثٍّ واسْتِعجال. قَالَ لَبيدٌ:
يتَمارَى في الَّذِي قُلتُ لَهُ ... ولقَد يَسْمَع صوْتي حَيّ هَلْ ٢
والحَيَا مَقْصُورٌ المَطرُ الذّي يُحْيي الأَرضَ. والحَياءُ ممدود من الاسْتِحْياء. وحَيَاءُ الناقة يُمدُّ ويُقْصَرُ. ويُقالُ: رَجُلٌ عُظامٌ بمعنى عَظِيم وجُسام بمعنى جَسِيم ومِثْله كُرامٌ وكُبارٌ قَالَ الشاعرُ:
كحَلْفَةٍ مِنْ أَبِي رَغَالٍ ... يَسْمعُهَا لآهَةُ الكُبَارُ ٣
فإذا أَرادُوا المُبَالغةَ في الوصْف شَدَّدُوا كَقولِه: ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً﴾ ٤. ويُقالُ رجُلٌ وَسِيطٌ إذا كَانَ حَسِيبًا في قومه والفِعْلُ وسُطَ وسَاطةً وسِطَةً. قَالَ العَرْجِيُّ:
كَأنِّي لم أَكُنْ فيهم وسِيطًا ... وَلَمْ تَكُ نِسْبَتي في آل عَمْرِو ٥
وقوله: فلْيَدْلِفْ إِلَيْهِ أي ليُقْبِلْ إِلَيْهِ. يُقال: دَلَفَ يَدْلِفُ دَليفًا ٦ وهو أن يُمشي مَشْيًا يُقارِبُ بين الخُطَا.
وقوله: فَلْيَشُنُّوا من الماء يريد التَطهُّرَ بالماء والاغتسَال بِهِ وأصْلُ الشَّنِّ التَّفريقُ. يُقَالُ: شَنَّ الماءَ عَلَى الشراب إذا مَزَجَه بِهِ ففرَّقه عَلَيْهِ. والماءُ الشُّنِانُ المُتَفرِّقُ. فأَمَّا السَّنُّ فهْوَ الصب. يقال:
стр. 603
سَنَّ الماءَ عَلَى وجْهِه سَنًّا إذا صَبَّه عَلَيْهِ صَبًّا سهلا ويُرْوَى عَنِ ابنِ عُمَر أَنَّهُ كَانَ يَسُنُّ الماءَ عَلَى وَجْهه ولا يَشنَّه.
وقوله: الطّاهرُ لِداتُه يُريد موَالِدَه جَعلَ المصْدر اسْمًا ثمّ جَمَعه. يُقالُ: وَلَدَ وِلادةً وَلِدةً كما قِيلَ وَعدَ عِدةً ووَجِدَ جِدةً.
وقولهُ: أَلا فَغِثْتُم يَقولُ سُقِيتُم الغَيْثَ. قَالَ أبو عُبَيْدة: العرَبُ تقُول غِيثَتِ الأَرْضُ فهي مَغِيثَةٌ أي أصَابَها الغَيْثُ. قَالَ ذُو الرُمَّة: ما رأيْتُ أفْصحَ من جارية بني فُلانٍ قِيلَ لها كيف كانَ المطرُ عِنْدَكم قالتْ: غِثْنَا ما شِئْنَا. وقوْلُها ١: قفَّ جِلْدِي أي قفَّ شَعرُ جلْدي فَقام من الفزَع. ويُقَالُ: قفَّ النَبْتُ إذا يَبِسَ. وقالت: امرأَةٌ من كَلْبٍ ٢ لمِعاوية ونزل بها أُعيذُكَ بالله أن تنزل واديا فتدع أوله يرِفّ وآخره يَقِفّ. والولَهُ ذَهَابُ العَقْل.
والدّفِيفُ المَرُّ السَرِيعُ: يُقالُ دَفَّ يَدِفّ دَفِيفًا. ومنه دَفِيف الطّائر إذا أراد النُهوضَ قبل أن يَسْتَقلّ. والعربُ تقولُ يُحِبُّ كلُّ شيء ولدَه حتّى الحُبَارَى وتَدِفُّ عِنْدَهُ ٣.
وقولُها استكفُّوا جِنَابَيْه أي أحْدَقُوا بِهِ واستَدارُوا حَوْله ويقال استكفّت الحيَّةُ إذا ترحّت أي استدارت كالرحى ٤ ومنه كِفَّةُ الميزان
أخبرني أبو عُمر عَنْ أبي العبَّاس ثَعلَب عن ابن الأَعْرابي قَالَ ما اسْتدارَ فهوَ كِفَّةٌ وما استَطال فهو كُفّةٌ.
стр. 604
وقولها جِنابَيْهِ تُريدُ حَوالَيه. قَالَ كَعْبُ بنُ زُهَيْر:
يَسْعَى الرّجَالُ جنابَيْها وقِيلَهُم ... إِنَّكَ يابْنَ أَبِي سلمى لمقتول ١
أي يقُولُون قِيلَهُم.
وقولُها: قدْ أَيْفَع يُرِيدُ أَنَّهُ صارَ يافِعًا. قَالَ الأَصمعيُّ: يُقالُ أَيْفَع الغُلامُ إيفاعًا إذا ارتفع ولم يَبْلُغُ. وغُلامٌ يافِعٌ ويَفَعَةٌ وَغِلْمانٌ يفَعَةٌ الوَاحدُ والجَمِيعُ سَواءٌ. ويُقال أَيْضًا: غِلمانٌ أَيْفاعٌ وقد يَخْرُجُ الاسْمُ من بِناء الرُّبَاعي إلى الثُّلاثي كقَولهم أَيْفَع الغُلامُ فهْوَ يافِعٌ وكان القِياسُ مُوِفع وأَبقَل المكانُ فهو باقِلٌ وأَوْرسَ الشجَرُ فهو وارِس.
قَالَ بَعْضُ أهلِ اللُغة: اليفَعةُ: مشتقٌّ من اليَفَاع وهو المَكانُ المرتِفعُ العَالي.
وقوله: كَرب أي قارب الإدْراك ومنهُ الملائِكة الكَرْوبيّون وهم المُقَرَّبُون. وقال بَعْضُهم: إنّما سُمّوا كَرْوبِيِّين لأَنَّهم يُدْخِلُون الكَرْبَ عَلَى الكُفَّار وليس هذا بشيء. وقوله: عِبِدَّاك يُريد عِبادَك يُقال عَبْدٌ وأَعْبُدٌ وعَبِيدٌ وعِبِدَّاء ومَعْبُودَاءُ وأَنشدَ يَعقوبَ عَنِ الفَرّاء:
تَركْتُ العِبدّا ينقُرُون عِجانَه ... كأنّ غُرابًا فَوْق أَنْفِكَ واقعُ
وقد يُجمَعُ العَبْدُ أيضًا عَلَى العُبْدانِ قَالَ الشاعر:
عَلامَ يُعْبِدُني قَومِي وقَدْ كَثُرَتْ ... فِيهم أَباعِرُ ما شاؤوا وعبدان ٢
стр. 605
والعَذِرَاتُ: الأَفْنيَةُ. والعَذِرَةُ الفِنَاءُ. وكانوا يَقْضُونَ حوائجَهُم في أفْنية الدُّورِ فصارت العَذِرَةُ اسمًا للرَّجِيع بسبب المُجاوَرَةِ.
وقوله: غَيْثًا مُرْبِعًا أي مُنْبِتًا للرَّبيع. والمُغْدِقُ المُروِي وماء غَدَقٌ أي كَثير عَذْبٌ. وكظَّ الوَادِي أي امْتلأ.
والثَّجِيجُ الماء السَّائِل. قَالَ أبو ذُؤيب:
سقَى أُمَّ عَمروٍ كلَّ آخر ليْلَةٍ ... حنَاتِمُ سُودٌ مَاؤهُنّ ثَجِيجُ ١
وأصْلُ الثَجّ الصَّبُّ. ومن هذا قوله تعالى: ﴿مَاءً ثَجَّاجاً﴾ ٢. قَالُوا: مَثْجُوجًا. فاعل بمعنى مَفْعول.
стр. 606
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالإِقْرَادَ إِيَّاكُمْ وَالإِقْرَادَ " قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الإِقْرَادُ. قَالَ: "الرَّجُلُ مِنْكُمْ يَكُونُ أَمِيرًا أَوْ عَامِلا فَيَأْتِيهِ الْمِسْكِينُ وَالأَرْمَلَةُ فَيَقُولُ لَهُمْ مَكَانَكُمْ حَتَّى أَنْظُرَ فِي حَوَائِجِكُمْ وَيَأْتِيهِ الشَّرِيفُ وَالْغَنِيُّ فَيُدْنِيه وَيَقُولُ عَجِّلُوا قَضَاءَ حَاجَتِهِ وَيُتْرَكُ الآخَرُونَ مُقْرِدِينَ" ١.
يَرْوِيهِ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ عَنِ الأَوزاعِيّ عن يَحْيَى بن أبي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ. وَيُرْوَى ذَلِكَ أَيْضًا عن عطاء الخراساني.
أخبرني أبو عمر عن أبي العبّاس ثعْلب قَالَ: يُقال: أَخْردَ ٢ الرجل إذا سكت
стр. 607
حَياءً وأَقْردَ إذا سَكَت ذُلًا. وأنشدنا عَنِ ابن الأعرابي:
ولَسْتُ بِقوَّالٍ لَموْلايَ إنْ جَنى ... هلكْتَ ولا إن ضامَك القَومُ أَقْرِدِ
ولسْتُ بِقوّالٍ لذي الزَّادِ أَبْقِه ... فإنّك إنْ لم تُبْق زادَك يَنْفَدِ
قَالَ أبو العبّاس: وقال لي خَلفُ بْن هِشَام البَزَّارُ ١: جَمعْتُ بين الكسائي واليَزِيديّ فَقَالَ لَهُ اليَزيدِيّ: يا أبا الحسن إنّه يأتينا مِنْ قِبَلك أشياءُ من اللغة لا نَعْرِفها فَقَالَ لَهُ الكِسائيُّ وما أنت وهذَا ما مَعَ النّاسِ من هذا العلم إلا فَضلُ بُزَاقِي قَالَ فأقردَ اليَزِيدِيُّ. والأصْلُ في الإقْرادِ أن يَقَع الغُرابُ عَلَى ظُهورِ الإبل ورُؤوُسِها فيَلْقُط ما عليها من قُرادٍ وحمنانة ونحوهما فتَقرُّ الإبِل عند ذَلِكَ وتَهدأُ لما تَجِدُ لَهُ من الرّاحة فيُقالُ عند ذَلِكَ أقْرَدَتِ الإبلُ ولُصُوصُ العرب إذا جاء الواحِدُ منهم إلى إِبِل مُناخَةٍ بالليل لِيأخُذَ منها بَعِيرًا دنا من البعير فحكَّه بيَده ثُمَّ نَزَع منه قُرادًا فيَسكن إِلَيْهِ ثُمَّ يخطمه ولا يرغو ويشُدُّ عَلَيْهِ الرَّحْلَ ويَرْكَبُه فيُقال قد أَقرَدَ ومنه قول الشاعر:
لعَمْرُكَ ما قُرادُ بني نُمَيرٍ ... إذا نُزِعَ القُرادُ بمُسْتَطاع ٢
ويُقال: قَرَّدتُ البعير إذا نزعْتَ عَنْهُ قراده.
وهذا كحديثه الآخَرُ. حَدَّثَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْوَلِيدِ الْجَشَّاشُ نا عُمَرُ بْنُ يَزِيدَ أَبُو حَفْصٍ الرَّفَّا نا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بن مرة
وَإذَا الرّكابُ تَكلّفتْها عطَّفَتْ ... ثَمرُ السِّيَاط قَطُوفَها وَوَساعَها
والمُواهَقَةُ: أنْ تَسِير مِثْلَ سَيْر صاحِبك وهي المُباراةُ. قَالَ ابنُ أحمر:
وتَوَاهَقَتْ أَخْفَافُها طبَقًا ... والظِّلُّ لم يَفْضُلْ ولم يكر ١
стр. 623
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ وَاللَّهِ إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّ مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقٌّ وَلَكِنْ قَالَتْ بَنُو قُصَيٍّ: فِينَا الْحِجَابَةُ فَقُلْنَا نَعَمْ ثُمَّ قَالُوا وَفِينَا اللِّوَاءُ قُلْنَا نَعَمْ ثُمَّ قَالُوا فِينَا النَّدْوَةُ قُلْنَا نَعَمْ ثُمَّ قَالُوا فِينَا السِّقَايَةُ قُلْنَا نَعَمْ ثُمَّ أَطْعَمُوا وَأَطْعَمْنَا حَتَّى إِذَا تَحَاكَّتِ الرُّكَبُ قَالُوا مِنَّا نَبِيٌّ وَاللَّهِ لا أَفْعَلُ ١.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ نا أَبُو نُعَيْمٍ نا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ قَالَهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ.
الحجابة: حِجابةُ البيْت وهي في بَني عَبْد الدّار واللِّواءُ لِواءُ الحرْب وهو فيهم إذ ذاك قَالَ حَسَّان بْن ثابت يَهْجو مُسَافِعَ بْن عِياضٍ التَّيميّ:
لوْ كُنْتَ من هاشم أوْ من بني أَسَدٍ ... أو عَبْدٍ شَمْسِ أو أصحابِ اللِّوَا الصِّيدِ
أَوْ من بَني نَوْفَلٍ أَو رَهْطِ مُطْلِبٍ ... لله دَرُّك لم تَهْمُمْ بتهديدي ٢
стр. 624
قَصر اللِوَاء وهو مَمْدُود. والندْوة الاجْتِمَاع للمَشُورة كانوا إذا حَزَبَهم أمْرٌ تَنادَوْا في دارِ عَبْد مناف ١ أي اجتمعوا فتشاوروا. ويُقال: تَنَادَى القومُ إذا اجتمعوا في النادي. قَالَ المُرقِّش الأكبر:
لا يبعد الله التلبب في ال ... غارات إذا قَالَ الخَمِيسُ نَعمْ
وَالمشْيَ بين المْجلِسَيْن وقد ... آد العشيّ وقد تنادى العَمّ ٢
ومن هذا قِيلَ دارُ النّدوة.
وقوله: إذا تحاكّت الرُّكَب. فيه قولان قَالَ النَّضرُ بْن شُميْلٍ: إذا تساوينا في الشَّرف. وقال غيره: معناه إذا جَمَعَتْنَا المحافِل فتَمَاسَّت الرُّكَبُ.
أخبرني أبو عُمَر عن أبي العباس ثعلب عن ابن الأعرابي قَالَ: يقال: فلان يَقُذُّ ٣ فلانًا ويأنُفُه ويَجْنُبُه ويُحاكُّه إذا كَانَ معه إلى جَنْبه غير متفاوتين.
قَالَ أبو عبيدة: كَانَ قُصَيُّ بْن كِلابٍ مُعَظَّمًا في عَصْره مُطاعًا في قوْمه وكانت قُريشٌ لا تَقْطَع أمْرًا إلا بمَشْهَدٍ منه وكان لا يُعذَرُ ٤ غُلامٌ إلا في داره ولا يُعْقَدُ لِواءُ الحرب إلّا في داره ولا تُنكحُ جاريةٌ إلا في دارِه وكان لَهُ أربعة أوْلاد عبْدُ منافٍ وعبْد العُزَّى وعَبْدُ بْن قُصَيٍّ وعبدُ الدار
стр. 625
وكان عبدُ الدار أكْبَر ولدِه ١ فلمّا استعْلى إخْوتُه قَالَ لَهُ أبوهُ قُصَيّ والله لأجعلنَّ إخْوتَك يَطِئْون عَقِبَيْك لا يدخل رجلٌ منهم الكعبةَ إلا بإذنك ولا يَعْقِدُ لقُرشيٍّ لِواءً إلا أَنْتَ وفي دارك ولا تَقْضي قريشٌ أمورَها إلا في دارك ولا يشرب رَجلٌ بمكّةَ إلا من سِقايتك ولا يأكل أحدٌ في الموْسِم إلا من طعامِك فأَعطاهُ النَّدوةَ والحجابةَ والسِّقايةَ والرِّفادةَ.
وقال الزُّبيرُ بْن بَكّار: قَسَم قُصيٌّ مكارمَه بين ولده فأعطى عبْدَ مناف السِّقايةَ والنَّدْوةَ وأعطى عَبْدَ الدارِ الحجابةَ واللِّواءَ وأعطى عَبْدَ العُزَّى الرِّفادةَ وأعطى عبْدَ بْن قُصَيٍّ جَلْهَتي الوادِي. قَالَ الزُّبَيْر: ثُمَّ اصطلحتْ قُريش عَلَى أن وَلِي هاشم بْن عَبْد مناف السّقايةَ والرِّفادةَ وأُقِرَّت الحِجابةُ في بني عَبْد الدَّار.
والرِّفادةُ الضِّيافة وكان هاشمُ بْن عَبْد مناف يُخرِجُ في كلّ مَوْسمٍ من مواسم الحَجِّ مالًا كبيرًا ٢ من أطيب ماله ويترافدُ سائِر القبائل من قُريش فتُرسِل كلُّ قبيلة بشيء ثُمَّ يَجمعُونه فيَشْتَرون بِهِ الجزر ٣ والكعك والسويق فينحرونها ويطحمون الحاجَّ ويَسْقُونهم وكانوا يقولون نحن أهْلُ اللهِ وجِيرانُ بيْتِه والحاجُّ وفْدُ الله وأَضْيافُه فنحن أوْلى بقِراهُم وإنما سُمّي هاشمًا واسْمُهُ عَمْرو لأنّه هَشَم الثَّريدَ وأطعم في عام جَدْبٍ ولذلك يَقُولُ شاعرُهم:
عَمرُو العُلا هَشَمَ الثّريدَ لقومه ... ورجال مكة مسئتون عجاف ٤
والأرضُ البجْراءُ هي المرتفعةُ الصُّلْبة وقَلَّ ما تُنْبِتُ وإنَّما النَّباتُ في البُطْنَان والوِهادِ. والأَبجرُ من الناس هُو الَّذِي انْدَلَقتْ ١ سُرَّتُه فبَقِيت ناتِئةً مرتفعةً عَنْ بَطْنه. قَالَ الشاعر:
يَمرُّون بالدَهْنَا خِفافًا عيابهم ... ويخرجن من دارين بجر الحَقائِب ٢
يُريدُ عِظامَ الحقائِب
وقولهُ: أجْزِرنا شَاةً: أي أَعْطِنا شَاةً نذبحها واسْمُ تِلْكَ الشاة جَزَرَةٌ وتُجمعُ عَلَى الجَزَرِ ولا تكون الجَزَرة من الإبل قَاله يَعْقُوب.
وقولُه: سَحَطُوها أي ذَبَحُوها. والسَّحْطُ ذبْحٌ وَحِيٌّ ٣. وقولُه: أبْهَرُوا يُريدُ أنّهم صَارُوا في بُهرة النَّهار: أي وسَطِه. وبُهْرة الشّيء وسَطُه.
وقولُه: تَرْمَضُ أي تحترق في الرَّمْضاء. يُقال رَمِضَ الرجُلُ يَرْمضُ رَمَضًا إذا احْتَرقتْ قدماهُ من الشَّمس. وترمَّضَت الظِّباء وهو أن تَطْرُدها في الرَّمضاءِ حتّى تحْترقَ قوائُمها فتُصَاد. قَالَ يعقوب: ويُقال: رَمِضَت الغنم ترمض رمضا إذا رعَتْ في شدّة الحر فتجبن ٤ رِئَاتُها. وأَكبادُها يُصيبُها فيها قَرْحٌ.
стр. 628
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الذَّوَّاقِينَ وَلا الذَّوَّاقَاتِ " ١.
حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِسْكِيُّ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نا هِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ.
هذا في النكاح كره أن يكون الرّجلُ كثيرَ النِّكاح سريعَ الطَّلاق بمنزلة الذائق للطّعام غير الآكل منه قَالَ الأَعْشَى:
وذُوقِي فَتَى حَيٍّ فإنّي ذائِقٌ ... فَتاةً لأقوامٍ كَما أنْتِ ذائِقَهْ ٢
يقول: استطرفي زوجا غيري
стр. 629
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ مَرَّ وَعَلَيْهِ قُشْبَانِيَّتَانِ ١ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ نا مُوسَى ٢ بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ أَيُّوبَ النَّصِيبِيُّ نا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَهْرَانَ الْمَغَازِلِيُّ نا أَبُو غِرَارٍ الْبَدَوِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَرَّ بي النبي ذَا وَفْرَةٍ وَعَلَيْهِ قُشْبَانِيَّتَانِ.
قوله: "قُشْبَانيَّتان" يُريدُ بُرْدتَيْن والأصْلُ فيه القَشِيبُ وله مَعْنيان مُتضَادَّان يقالُ للجَديد قَشِيب وللخَلَق قَشيبٌ ويُجمعُ قُشُبًا وقُشْبَانًا ويُقالُ ثِيابٌ قُشْبَانِيَّةٌ إذا كانت خلقانا.
стр. 630
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الصَّبْرُ نِصْفُ الإِيمَانِ " ١.
يُريد الوَرَع وذلك أنَّ العِبادات تَنْقسِم إلى قسمَيْن نُسْكٍ ووَرَعٍ فالنُسْكُ ما أمَرتْ بِهِ الشَّرِيعَة والورَعُ ما نَهتْ عَنْهُ وإنما ينتهي عَنْ ذَلِكَ بالصَّبْر فصار الصَبْرُ عَلَى هذا المعْنى كأَنّه نصف الإيمان.
стр. 631
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ نَهَى عَنْ كَسْرِ سِكَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةِ بَيْنَهُمْ ١.
أَصْلُ السِّكَّة الحديدةُ التي تُطبَعُ عليها الدّراهُم ثُمَّ قِيلَ للدَّراهم المضرُوبة سِكَّة لأنَّها ضُرِبَتْ بها. وفي كراهيته ٢ لذلك وجُوهٌ أحَدُها أن يكون كَرِه تقطيع الدِّرهم الصّحيح والدِّينار الصّحيح وتقريضَهما لما فيهما من ذكر الله جل وعز وإلى هذا المعنى ذَهَب أحمدُ بْن حَنْبَل حدّثونا عَنْ أَبِي داوُد قَالَ: قلتُ لأحمدَ: معي درهمٌ صَحيحٌ وقد حضَر سائِل أَكْسِره فَقَالَ لا. ويُقالُ إنما كرِه ذَلِكَ لأَنّه يَضَعُ ٣ من قيمته. وقدْ نُهِي عَنْ إضَاعَة المال. ويُقال: بل المعْنى فيه كراهية التَّدْنِيق وذَمُّه. وكان الحسنُ يقول: لعن الله الدانق وأول من أحدث الدّانِق ما كانت العَربُ تعرفه ولا أبناء الفُرس.
وفيه وَجْه آخر وهو أن يكون إنّما نهى عَنْ كَسْره عَلَى أن يُعاد تبرًا فأَمَّا أن يُرْصَدَ للنفقة فلا وإلى هذا ذهب محمد بْن عَبْد الله الأنصاري قاضي
стр. 632
البصرة وقد يَكون ذَلِكَ أيضًا بأن يُكْسَر فيتَّخذَ منها أَوانٍ وزُخْرفًا ونحوها ويُقال: إن المُعاملة كانت تجري بها في صدر الإسلام عَدَدًا لا وزنًا وكان بَعضُهم يكسرها ويأخُذ أَطرافَها قَرْضًا بالمقَاريض فكان ذَلِكَ سببَ النهي والله أعلم.
فأما الحديث مَا دَخلت السِّكَّةُ دَار قَومٍ إلا ذلوا. فإن السكة هاهنا الحديْدَة التي يُحرَثُ ١ بها أَراد أنّ أهْلَ الحَرْث يَنالهُم الذّلّ لما يلحقهُم من المطالبات بالخراج والعُشْرِ ونحْوهما.
ويُقال: العِزُّ في نواصي الخيْل والذُلُّ في أَذْنابِ البقر.
стр. 633
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ عَادَ الْبَرَاءَ بْنَ مَعْرُورٍ وَأَخَذَتْهُ الذُّبْحَةُ فَأَمَرَ مَنْ لَعَطَهُ بِالنَّارِ ١.
حَدَّثُونَا بِهِ عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ نا يَعْقُوبُ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ نا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِيهِ.
قولُه: لعَطَهُ بالنّار أي كَواهُ في عُرْض عُنُقِه. قَالَ أبو زيد: يُقال للِشاة إذا كَانَ بعُرْض عُنُقِها سَوادٌ لَعْطَاء وقد يَجوزُ أن يكون اللَّعْطُ مقلوبًا من العَلْط وهو الوَسْمُ عَرْضًا عَلَى العُنُق والاسْمُ العِلاطُ وهوَ العِراضُ أيضًا. فإذا كَانَ ذَلِكَ طُولًا قِيلَ لَهُ السِّطَاعُ. والصِّدَارُ ما كَانَ في الصَدْر والجِنَابُ عَلَى الجَنْب والكِشَاحُ عَلَى الكَشْح والخباط وسم في الوجه
стр. 634
والدِّمَاعُ ١ في مَجْرى الدَمْع وأنشدني أبو عُمَر عن أبي العباس ثعْلب:
يا مَنْ لِعَيْنٍ لاتَنِي تَهْماعا ... قدْ ترك الدَمْعُ بها دِمَاعا ٢
أي بقى لَهُ أَثرٌ من البُكاء. كأنّهُ وَسْمٌ. قَالَ الأصمعيُّ: يُقالُ علطَهُ بِشَرٍّ إذا وسمَهُ بِهِ وقالَ الهُذَليّ:
فلا والله نادى الحيُّ ضَيْفي ... هُدُوءًا بالمساءَة والعِلاط ٣
وقال أبو عُمَر ٤: الصَيْعريّة سِمَةٌ في العُنق. وقال المُسيَّبُ بْن عَلَسٍ:
وقدْ أتنَاسى الهمَّ عند احتضَاره ... بِنَاجٍ عَلَيْهِ الصَّيْعَريّة مُكدَمِ ٥
فيُقالُ: إنّ طرفةَ مرَّ بِهِ وهو صبيٌّ فسمعه يُنشد هذا البيْت فَقَالَ: اسْتنْوقَ الجَملُ ٦ فصار مَثَلًا وذلك لأَن الصيعرية سمة للنوق خاصة.