وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ نَهَى عَنْ كَسْرِ سِكَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةِ بَيْنَهُمْ ١.
أَصْلُ السِّكَّة الحديدةُ التي تُطبَعُ عليها الدّراهُم ثُمَّ قِيلَ للدَّراهم المضرُوبة سِكَّة لأنَّها ضُرِبَتْ بها. وفي كراهيته ٢ لذلك وجُوهٌ أحَدُها أن يكون كَرِه تقطيع الدِّرهم الصّحيح والدِّينار الصّحيح وتقريضَهما لما فيهما من ذكر الله جل وعز وإلى هذا المعنى ذَهَب أحمدُ بْن حَنْبَل حدّثونا عَنْ أَبِي داوُد قَالَ: قلتُ لأحمدَ: معي درهمٌ صَحيحٌ وقد حضَر سائِل أَكْسِره فَقَالَ لا. ويُقالُ إنما كرِه ذَلِكَ لأَنّه يَضَعُ ٣ من قيمته. وقدْ نُهِي عَنْ إضَاعَة المال. ويُقال: بل المعْنى فيه كراهية التَّدْنِيق وذَمُّه. وكان الحسنُ يقول: لعن الله الدانق وأول من أحدث الدّانِق ما كانت العَربُ تعرفه ولا أبناء الفُرس.
وفيه وَجْه آخر وهو أن يكون إنّما نهى عَنْ كَسْره عَلَى أن يُعاد تبرًا فأَمَّا أن يُرْصَدَ للنفقة فلا وإلى هذا ذهب محمد بْن عَبْد الله الأنصاري قاضي
стр. 632
البصرة وقد يَكون ذَلِكَ أيضًا بأن يُكْسَر فيتَّخذَ منها أَوانٍ وزُخْرفًا ونحوها ويُقال: إن المُعاملة كانت تجري بها في صدر الإسلام عَدَدًا لا وزنًا وكان بَعضُهم يكسرها ويأخُذ أَطرافَها قَرْضًا بالمقَاريض فكان ذَلِكَ سببَ النهي والله أعلم.
فأما الحديث مَا دَخلت السِّكَّةُ دَار قَومٍ إلا ذلوا. فإن السكة هاهنا الحديْدَة التي يُحرَثُ ١ بها أَراد أنّ أهْلَ الحَرْث يَنالهُم الذّلّ لما يلحقهُم من المطالبات بالخراج والعُشْرِ ونحْوهما.
ويُقال: العِزُّ في نواصي الخيْل والذُلُّ في أَذْنابِ البقر.
стр. 633
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ عَادَ الْبَرَاءَ بْنَ مَعْرُورٍ وَأَخَذَتْهُ الذُّبْحَةُ فَأَمَرَ مَنْ لَعَطَهُ بِالنَّارِ ١.
حَدَّثُونَا بِهِ عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ نا يَعْقُوبُ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ نا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِيهِ.
قولُه: لعَطَهُ بالنّار أي كَواهُ في عُرْض عُنُقِه. قَالَ أبو زيد: يُقال للِشاة إذا كَانَ بعُرْض عُنُقِها سَوادٌ لَعْطَاء وقد يَجوزُ أن يكون اللَّعْطُ مقلوبًا من العَلْط وهو الوَسْمُ عَرْضًا عَلَى العُنُق والاسْمُ العِلاطُ وهوَ العِراضُ أيضًا. فإذا كَانَ ذَلِكَ طُولًا قِيلَ لَهُ السِّطَاعُ. والصِّدَارُ ما كَانَ في الصَدْر والجِنَابُ عَلَى الجَنْب والكِشَاحُ عَلَى الكَشْح والخباط وسم في الوجه
стр. 634
والدِّمَاعُ ١ في مَجْرى الدَمْع وأنشدني أبو عُمَر عن أبي العباس ثعْلب:
يا مَنْ لِعَيْنٍ لاتَنِي تَهْماعا ... قدْ ترك الدَمْعُ بها دِمَاعا ٢
أي بقى لَهُ أَثرٌ من البُكاء. كأنّهُ وَسْمٌ. قَالَ الأصمعيُّ: يُقالُ علطَهُ بِشَرٍّ إذا وسمَهُ بِهِ وقالَ الهُذَليّ:
فلا والله نادى الحيُّ ضَيْفي ... هُدُوءًا بالمساءَة والعِلاط ٣
وقال أبو عُمَر ٤: الصَيْعريّة سِمَةٌ في العُنق. وقال المُسيَّبُ بْن عَلَسٍ:
وقدْ أتنَاسى الهمَّ عند احتضَاره ... بِنَاجٍ عَلَيْهِ الصَّيْعَريّة مُكدَمِ ٥
فيُقالُ: إنّ طرفةَ مرَّ بِهِ وهو صبيٌّ فسمعه يُنشد هذا البيْت فَقَالَ: اسْتنْوقَ الجَملُ ٦ فصار مَثَلًا وذلك لأَن الصيعرية سمة للنوق خاصة.
قوله: أَدْراجَكَ أي خُذْ طرِيقَك الَّذِي جِئْتَ منه ولا يُقالُ إذا أخذ في غير الوَجْه الَّذِي جاء منه. قَالَ الرَّاعي: يصفُ نِساءً بات عِنْدَهُنّ ثُمَّ رجعَ حين أصْبَح:
لمّا دَعَا الدَعْوَةَ الأُولَى فأسْمَعني ... أخَذْتُ ثوبيَّ فاستمررت أدراجي ١
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ ١ وسلمة بن هشام وَالْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَرُّوا مِنَ المشركين إلى النبي وَعَيَّاشٌ وَسَلَمَةُ مُتَكَفِّلانِ عَلَى بَعِيرٍ ٢.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ بِذَلِكَ.
هُوَ من الكِفْل وهو أن يُدَارَ الكِساءُ حَوْل سَنامِ البَعِير ثُمَّ يُرْكبُ. يُقال: اكتَفلْتُ البعيرَ. قَالَ الشاعر:
ورَاكبٍ عَلَى البَعيرِ مُكتَفِلْ ... يَحْفَى عَلَى آثارها ويَنْتَعِلْ
وقال حُمَيْد بْن ثورٍ:
وَجِيئَا عَلَى نضْوَيْن مُكْتَفلَيْهما ... وَلا تَحمِلا إلا زِنَادًا وأَسْهُمَا ٣
قَالَ: بعضُ أهل اللغة الكِفْلُ ما يَحْفَظُ الرَّاكبَ من خَلْفِه. قَالَ: ومن هذا قِيلَ تكفَّلْتُ بالشيء ومنه أُخذَ الكفيل.
стр. 639
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "رَأَيْتُ جُدُودَ الْعَرَبِ فَإِذَا جَدُّ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ جَمَلٌ آدَمُ مُقَيَّدٌ بِعُصُمٍ يَأْكُلُ مِنْ فُرُوعِ الشَّجَرِ " ١.
حَدَّثَنِيهِ إسماعيل بن محمد حدثنا ابن حرب نا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ نا موسى
стр. 640
بْنُ إِسْمَاعِيلَ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي العلاء.
الجمل الآدمُ هُوَ الأَبيَضُ مَعَ سَوادِ المقلتين فإن خالطته حمرة فهو أصهب فإن خالطت بياضه شقرة فهو أعيس.
وقال الأموي عبد الله بن سعيد: قيل لابن لسان الحمرة أَخبِرْنا عَنِ الإبل فَقَالَ حمراها صُبْرَاهَا وَعِيساها حُسْنَاها ووُرقاها غُزراها ولا أبِيعُ جَوْنةً ولا أَشْهَدُ مَشْراهَا أي لا أشهد مَبِيعَها.
وقولُه: مُقيَّدٌ بعُصُمٍ فإنّ العُصُمَ ما يبقَى من آثار البَوْل والهِناءِ عَلَى أَفخاذِ الإبل وهو العَصِيمُ أيضًا. قَالَ المُتلمِّسُ:
أَصْبَحُوا لائطي المحلة في عج ... ل كما لاط مُجْرِبٌ بعَصِيم ١
قَالَ الأَصْمَعِيُّ: العُصْمُ أَثرُ كُلّ شيء من ورس أو زعفران أو نحْوه. قَالَ: وَسَمِعْتُ امرأةً من العرب تَقُولُ: أَعْطِني عُصْمَ حِنّائك أي مَا سَلتِّ منه والمعنى أَنَّهُ وصفه بالخِصْب وكثرة الرَّعْي يُريد أنّ العُصْمَ صار ٢ كالقَيْد لَهُ ويَدل عَلَى صحّة هذا التأويل حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سُئِلَ رَسُولُ الله عَنْ بَنِي عَامِرٍ فَقَالَ: "جَمَلٌ مُتَفَاجٌّ يَتَنَاوَلُ مِنْ أَطْرَافِ الشَّجَرِ" ٣.
والمُتَفاجُّ الَّذِي لا يزالُ يُفرّج ما بين رجليه ليَبُول وإنّما يكثرُ بَوْلُه للخِصْب. والعَبَسُ مِثْلُ العَصِيم قَالَ أبو النجم يصف ذلك:
стр. 641
كَأَنَّ في أَذْنابِهنَّ الشُوَّلِ ... من عَبَس الصَّيْف قُرونَ الأُيَّلِ ١
وفيه وجه آخر وهو أن يكون العُصْمُ جمع العِصَامِ وهو مِساكُ كُلِّ شيء ورباطُه ومنه عِصَامُ المْحمِل وهو شِكَالُه وقَيْدُهُ ومنه عِصَامُ القِربَة.
وأخبرني ابنُ الزِّئبقي نا الكُدَيْمي نا الأصمَعي قَالَ: أَتيتُ بعضَ البَوادي فإذا غلامٌ بيده قِربةٌ مَملُوءةٌ مُمْسِكٌ عِصَامَها وهو يقُول يا أَبه أَدْرِك القِربَةَ أَدْرِكْ فاهَا غَلبَني فُوهَا خَرجَ الماءُ من فِيها فتعَجَّبْتُ من إعرابه والمعنى أَنَّ خِصْبَ بلاده قد حَبَسَه بفنائه فهو لا يَبْعُدُ في طَلَب المْرعَى فصار بمنْزلة المُقَيَّد الَّذِي لا يَبْرَحُ مَكانَه ومن هذا قَولُ قَيْلةَ في الدَّهْناء إنّها مُقيَّد الجَمل أي أنّ الجملَ إذا وجدَها كَانَ فيها كالمُقيَّدِ لا يَنْزعُ إلى غيرها من البلاد.
ومِثْلهُ حديثُ جَرِير بْن عَبْد الله البَجَلِيّ ووَصَفَ خِصْبَ بلاده فَقَالَ لا يُقَامُ ماتِحُها ولا يَحْسَرُ صَابِحُها ولا يَعزُبُ سَارحُها فالصَّابحُ الَّذِي يَصْبَحُ الإِبلَ أي يَسْقيها صباحًا يَقُولُ لا يَعْيا في سَقْيها ولا يَشُقُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ لأَنَّ سَقْيَها تَشْريعٌ لَيْسَ بنَزْعٍ ولا مَتْحٍ.
وقَوله لا يَعْزُب سَارِحُها. فالسَّارِحُ من النَّعَم ما سرحَ أي رَعَى يريدُ أَنَّه لا يَبْعُد في طلب المَرْعَى وأنشد سَلَمةُ صَاحِبُ الفَرَّاء قَالَ ولا أعْلمهُ إلا عَنِ الأَصْمَعيّ:
إنَّك يا عَمرو وَتَرْكَ النَّدَى ... كالعَبْد إِذْ قَيَّد أَجْمالَه
يقولُ لأنّه إذَا وَجَد مَوْضعَ الكَلأ والخِصْب ثبتَ بِهِ ولم يجاوزه فكأنه قيدها.
стр. 642
وقال رجلٌ من مُزَيْنة:
خَليليَّ بالبَوْباةِ عُوجَا فلا أَرى ... بهما مَنْزلًا إلا جَدِيبَ المُقَيَّدِ ١
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ أنا أَبُو الْعَبَّاسِ ثعلب أنا أبو نصر عَنِ الأصمعي قَالَ العرَبُ: تَقُولُ: في صفة الكَلأ كَلأ الحابِسُ فيه كالمُقيم وَكَلأ المُقِيمُ فيه كالمسافر. وقوله: يأكلُ من فُروع الشجر فإِنه يصِفه بالسَّنَق ٢ والامتلاء يَقُولُ إنّه يَسْتطْرفُ ويتعلَّلُ بما طَابَ من فروع الشجر.
стр. 643
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لا صَفَرَ وَلا غُولَ وَلَكِنَّ السَّعَالِي " ١.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَكِّيِّ نا الصَّائِغُ نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ نا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ رَفَعَهُ.
السّعَالِي سَحَرةُ الجنّ جَمْعُ سِعْلاةٍ. والمعنى أن الغُولَ لا تستطيعُ أن تَغُولَ أحدًا أو تُضِلَّه ولكن في الجِنّ سحرةٌ كسَحَرة الإنْس لهم تَلِبيس وتخْييل.
وَمِثْلُهُ ٢ حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حِينَ قَالَ: إِنَّ أَحَدًا لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَغَيَّرَ عَنْ خَلْقِ اللَّهِ وَلَكِنْ لَهُمْ سَحَرَةٌ كَسَحَرَتِكُمْ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ فَأْذَنُوا بِالصَّلاةِ.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ رَجُلًا انْقَعَرَ عَنْ مَالٍ لَهُ فَأَتَتِ ابْنَةُ أَخِيهِ رَسُولَ الله تَسْأَلُهُ الْمِيرَاثَ فَقَالَ: "لا شَيْءَ لَكِ اللَّهُمَّ مَنْ مَنَعْتَ مَمْنُوعٌ" ١.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَكِّيِّ ٢ نا الصَّائِغُ نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ النَّضْرِ بْنِ شُفَيٍّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ سُلَيْم رَفَعَهُ.
الانقِعارُ الانْقلاعُ من الأصل ومن هذا قولُه تَعَالَى: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ ٣. وقال الشاعر:
حتى تركنا عُبَيْدَ الله مُنْجدِلًا ... كأَنَّه جِذعُ نَخْلٍ مال مُنْقَعرُ
وفي هذا حُجّةٌ لِمَنْ لم يَر لِذَوِي الأَرْحام مِيراثًا.
стр. 657
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ أَوَّلُ مَا اشْتَكَى فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ اشْتَدَّ مَرَضُهُ حَتَّى غُمِرَ عَلَيْهِ ١.
حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ فِرَاسٍ نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ نا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرُ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ.
قوله: غُمِرَ عَلَيْهِ أي أُغْمِيَ عَلَيْهِ وهو من قولك غمرت الشيء إذا
стр. 658
سَتَرْتَه وغَمرَه الماءُ إذَا علاهُ فغيَّبه. ومن هذا أُخِذَ غُمار الناس ومنه قِيلَ للرجل المُلْتبس الرأي غُمْرٌ.
стр. 659
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ فَقَالَ: "هُوَ النَّدَمُ عَلَى الذَّنْبِ حِينَ يَفْرُطُ مِنْكَ فَتَستَغْفِرُ اللَّهَ بِنَدَامَتَكَ عِنْدَ الْحَافِرِ ثُمَّ لا تَعُودُ إِلَيْهِ أَبَدًا" ١.
أَخْبَرَنَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو عَلِيٍّ الصَّفَّارُ نا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ بُكَيْرٍ أَبُو خَبَّابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَدَوِيِّ عَنْ أَبِي سِنَانٍ الْبَصْرِيِّ عَنْ أَبِي قِلابَةَ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
قَوله: عند الحافِرِ معناهُ عند مُواقَعَة الذّنْب لا تُؤخرها فتكُون مُصِرًّا. قَالَ الكسائي: العَربُ تَقُولُ النّقْدُ عند الحافِرة مَعْناهُ عند أوّل كلمةٍ يُريدُ لا تَبْرح حتى تنقد. ويقال: التقَى القوْمُ فاقتَتَلُوا عند الحافرة أي عِنْدَ أول ما التقوا. قَالَ أبو العبّاس ثعْلب: قولهم النَّقْدُ عند الحافرة معناه النّقدُ عند السَّبْقِ. قَالَ: وذلك أنّ الفَرَسَ إذَا سبق أُخِذ الرَّهْنُ. قَالَ: والحافرةُ التي حفَر الفَرسُ بقوائمه قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ ٢. قَالَ: والحافرَةُ الأرضُ والأَصْلُ فيها مَحفُورَةٌ فصُرِفَتْ عَنْ مَفْعُولَةٍ إلى فاعلة كما قِيلَ ماء دافِقٌ أي مَدْفُوقٌ. وسِرٌّ كاتمٌ أي مَكتُومٌ. وقال أبُو زَيْدٍ: أَتَيْتُ فُلانًا ثُمَّ رَجَعْتُ عَلَى حافِرَتِي أي في طَريقي الَّذِي أَصْعَدْتُ فيه. ويُقالُ عاد فلان في حافِرتِه أي طريقتهِ الأُولى. ومنه قوله
стр. 660
تعالى: ﴿أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ ١: أي إلى الأمر الأول من الحياة. قَالَ الشاعر:
أحَافرةً عَلَى صَلَعٍ وشَيْب ... مَعَاذَ الله من سفَهٍ وعارِ ٢
قَالَ الأصمعيُّ: وفي معناه رجع فُلانٌ عَلَى قَرْواه أي عَلَى أوَّلِ أمْره. وقال سَلَمة: أَحْفَظُ عَنِ الفَرَّاء أَنَّهُ روى حديثًا قَالَ: "لا تَرجِعُ هَذه الأُمَّةُ عَلَى قَرْواها" ٣. أي على أول أمرها.
جئتُهُ عَلَى تَئِفَّةِ ذَلِكَ ١. ويُقال: في مَعْناه جِئْتُهُ عَلَى إِفَّان ذَلِكَ وإِبّان ذَلِكَ وعِدّان ذَلِكَ ٢ وأفَفِ ذَلِكَ وقال الأُمَوي: أَتيْتهُ ٣ عَلَى حَبالَّة ذَلِكَ أي عَلَى حين ذَلِكَ وعلى رُبَّانه وأنشد:
وإنَّما العَيْشُ برُبَّانِه ... وأَنْتَ منْ أفنانه معتصر ٤
стр. 666
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ قَطَعَ سِدْرَةً صَوَّبَ اللَّهُ رَأْسَهُ فِي النَّارِ " ١.
أَخْبَرَنِي ابْنُ دَاسَةَ قَالَ: سُئِل أَبُو دَاوُدَ سُليْمَانُ بْنُ الأشْعَثِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ هَذَا الْحَدِيثُ مُخْتَصَرٌ وَمَعْنَاهُ مَنْ قَطَعَ سِدْرَةً فِي فَلاةٍ يَسْتَظِلُّ بِهَا ابْنُ السَّبِيلِ عَنَتًا ٢ وَظُلْمًا بِغَيْرِ حَقٍّ يَكُونُ لَهُ فِيهَا صَوَّبَ اللَّهُ رَأْسَهُ فِي النَّارِ.
قَالَ وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْن عُمَر بْن ميْسَرَة وحُميدُ بْن مَسْعدَة قالا نا حسّان بْن إبراهيم قَالَ سألتُ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ قَطْع السِّدر وهو مُسِندٌ إلى قَصْر عُرْوة فَقَالَ تُرَى هذه الأبواب والمصاريع إنَّما هي من سِدْرِ عُروةَ وكان عُرْوَةُ يَقطَعُه من أرضه وقال: لا بَأسَ بِهِ.
وسُئِلَ عَنْ هذا الحديث إسماعيلُ بْنُ يحيى المُزَنيّ فَقَالَ وجْهُه أن يكون
стр. 667
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ مَنْ هَجَم عَلَى قَطْع سِدْرٍ لقوم أو لِيَتيم أو لمن حَرَّم الله أن يَقْطع عَلَيْهِ فتحامَل عَلَيْهِ فقَطَعه فيَسْتحق ما قاله لِهجُومه عَلَى خلاف أمرِ الله فتَكُون المسأَلَة سبقَتِ السَّامعَ فسمِعَ الجَوابَ ولم يسْمَع المسألَة فأدَّى ما سَمِع دون ما لم يَسْمَع.
وَنَظِيرُهُ مَا رَوَى أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ" ١. فَسَمِعَ الْجَوَابَ وَلَمْ يَسْمَعِ المسألة. وقد قال: "لا تَبِيعُوا الذَّهَبَ إلا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًّا بِيَدٍّ" ٢.
قَالَ المُزَني: والدليلُ عَلَى جَوازِ قَطْع السِّدْر أنّ المَرْءَ أَحَقُّ بماله ولمّا لم أَرَ أحدًا يمنَعُ من ورَق السِّدْر والورَق من بَعْضها كالغُصْنِ منها وقد سوَّى رَسُولُ الله فيما حَرَّم قَطْعَه بيْنَهُ وبين عضده لقوله في شَجَر مَكَّة: "لا يُعْضَدُ شجرها". وفي إجازة النبي أن يُغسَّل الميِّتُ بالسِّدْر دَلِيلٌ عَلَى أن قَطْعَه من شَجره مُباحٌ ولو كَانَ حرامًا لم يَجُز الانتفاعُ بِهِ.
قَالَ مالك بن أنس: إنما نهى عَنْ قطع السِّدرِ بالمدينة ليكون مُستَظَلًّا للناس وليستأنسوا بِهِ ولا تستوحِشَ عَرْصَتُها.٣
فأمّا حديث أبيض بْن حمَّال قَالَ: سَأَلتُ رَسُولَ الله مَاذا يُحْمَى من الأَراكِ قَالَ: "ما لم تَنَلْه أَخفَافُ الإِبل" ٤. فإِن أَبَا عُبَيْد ذكره في كتابه,
стр. 668
قَالَ: وإنما نَهى أن يُحَمَى ما نالَتْه أَخفافُ الإبل من الأَراك لأنّه مَرعى لها فرآه مُباحًا لابن السَّبيل وذلك لأنّه كلأ والنَّاسُ شُركَاءُ في الماء والكلأ وما لم تَنلْه أخفافُ الإبل كَانَ لَمنْ شَاءَ أن يحمِيه حَمَاه.
قَالَ أبو سُليمان: وهذا كما قاله أبو عُبَيْدٍ إلا أنّه مَعَ ذَلِكَ لم يُبيّنْ ما تَناله أَخفافُ الإبل ممّا لا تَناله فيُعْلم ما يجوز أن يُحمَى مِمّا لا يَجوزُ حِماه وبَيانُ ذَلِكَ ما أخبرناهُ ابن داسة عَنْ أَبِي داود عَنْ هارون بْن عَبْد الله قَالَ: قَالَ لي محمد بْن الحسن المخزومي: ما لم تَنَلْهُ أخْفافُ الإبل هُوَ أنّ الإبل تأكُل مُنْتَهى رُؤوسِها ويُحْمى ١ ما فوقه.
وفيه وجهٌ آخَرُ وهو أن يُرادَ بأخْفافِ الإبل مسانُّها. قَالَ الأصمعيُّ: الخُفُّ الجَملُ المُسِنُّ وأَنْشَد:
سَألْتُ زيدًا بَعْدَ بَكْرٍ خُفَّا ... والدَّلوُ قد تُسْمَعُ كي تَخِفَّا ٢
٣ أَيْ سَأَلْتُه بَكْرًا من الإبل فلمّا منعه اقتصرْتُ عَلَى خُفٍّ وهو المُسِنُّ. ويُقَال: أَسْمَعْتُ الدَّلْوَ إذَا شَدَدْتَ عَلَى أسْفَلِها خيطا لئلا تمتلئ ماء فتخف عَلَى المُسْتَقِي ٤. والمعنى أَنَّ ما قَرُبَ من المَرْعَى لا يُحْمَى بل يُتْرك لمسَانِّ الإبل. ولِمَا في معناها من حاشية المال وضِعَافِها التي لا تَقْوى عَلَى الإِمْعَان في طلَب المَرْعى.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ حَدِيثُهُ الْآخَرُ أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا محمد بن
стр. 669
أَحْمَدَ الْقُرَشِيُّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ نا فَرَجُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنِي عَمِّي ثَابِتُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عن أَبْيَضَ بْنِ حَمَّالٍ أَنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ عَنْ حِمَى الأَرَاكِ فَقَالَ: "لا حِمَى فِي الأرَاكِ". قَالَ: أَرَاكَةٌ فِي حَظَارِي ١.
قَالَ النَّبِيُّ ﵇: "لا حِمَى فِي الأَرَاكِ" ٢. قَالَ: فَرجٌ يَعْنِي بالحَظَار الأَرضَ التي فيها الزَرْعُ المُحاطُ عليها وقال الليث بْن المظفَّر هُوَ الحَظار بفتح الحاء وهو حائط الحظيرة ويقال حظَّر فلان عَلَى نَعَمِه حَظيرة ٣.
قَالَ أبو سُليمان ونرَى واللهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ إنما لم يَحْمِ لَهُ الأَراكة التي في حَظاره لأنّها أرض قد كان أحياها وهذا الأراكةُ فيها فَمَلك الأرضَ بما أحْدث فيها من العِمارة ولم يكُن لَهُ صُنْعٌ في الأراكة فيَملِكَها فبقيَتْ عَلَى أصْل الإباحة والأصْلُ أَنّ كُلّ ما كَانَ لَهُ نَفْعٌ عاجل وللمسلمين فيه مِرفَقٌ لم يَجُزْ حِماه ولا إقْطاعه أَلا ترى أن رسولَ الله لما أقْطَعَه المِلَحَ الَّذِي بمأرب فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنّما أَقْطَعْتَ لَهُ الماءَ العِدَّ رجعه منه ٤.
стр. 670
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النبي أَنَّهُ قَالَ: "ثَلاثٌ يَنْقُصُ بِهِنَّ الْعَبْدُ فِي الدُّنْيَا وَيُدْرِكُ بِهِنَّ فِي الآخِرَةِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ الرُّحْمُ وَالْحَيَاءُ وَعِيُّ اللِّسَانِ " ١.
حَدَّثَنِيه عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ نا ابْنُ الْجُنَيْدِ نا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أنا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ عَنْ محمد بن كعب القرظي