سِقّيفَاهُ وَلا وَاقِفًا مِنْ وِقِّيفَاهُ وَلا رَاهِبًا مِنْ رَهَابِنَتِهِ وَعَلَى أن لا يُحْشَرُوا وَلا يُعْشَرُوا.١
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَكِّيِّ نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ الْهُذَلِيُّ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ الْهُذَلِيِّ.
الحُلَّةُ: ثوبان إزار ورِداء ولا تكون حُلَّةً إلّا وهي جَدِيدة تُحَلّ عَنْ طيّها فتُلْبَسُ والرِّكَابُ الإِبلُ التي تُرْكَبُ اسْمُ جماعة ولا يُفْرَدُ من لفظه اسْمُ الوَاحِد ٢.
وقوله: مَثْوى رُسُلي أي نُزلهم وما يَثْوِيهم مدَّة مُقامهم. والثّواءُ طُول المُكْثِ بالمكان والمَثوَى: المنزِل ٣.
ويُقال: لصاحب المنْزل أبو مثواه ولربة البيت أُمُّ مَثْواه. والثَوِيُّ الضيْفُ. والثُّلَّةُ الجماعَةُ من الناس والثَّلّةُ القطيعُ من الغَنم. قَالَ ابنُ السِّكِّيت: يُقالُ للضان الكثيرة ثَلّةٌ ولا يُقال للمَعِز ثَلّة وإنما يقال لها حَيْلةٌ إلا أن يخالطها الضأن فيكثر فيقال لها ثلة والثلة أيضا الصوف والشعر والرهابنة جَمعٌ عَلَى غير قياسٍ وإنّما يُجْمَع الرّاهبُ عَلَى الرُّهْبَان كما قِيلَ رَاكِب ورُكْبَان وقد يكونُ الرُّهبَان اسمًا للواحد أنشدني أبُو عُمَر أنشدنا أبو العباس ثعلب:
لو أبْصَرَتْ رُهبَان دَيرٍ في الجبل ... لانحدر الرُّهْبانُ يسْعَى ويُصَلٌ ٤
والأساقفةُ جَمْع الأُسْقُفّ. ويُقال إنّما سُمِّي أُسْقُفًّا لخُشُوعه. والأسْقَفُ الطَّويلُ الَّذِي فيه انحناء وميل. قال بشر:
стр. 704
يَعْدُو بها سَبِطُ المناسم أسْقَفُ ١
والسِّقِّيفَي إنْ كَانَ أراد جمع الأُسقُفٌ فهو جَمْعٌ عَلَى غير قياسٍ وإنّما جاء عَلَى وزنْه مصادِرُ من الكلام نحو الخِلِّيفَى وَالرِمّيَّا وَالحِجّيْزَى فإن سُلِك بها مَسْلَكَ المَصَادِر كَانَ معناهُ لا يُمنَعُ أسقُفٌّ من التَّسَقُّفِ ولا راهِبٌ من التَّرهُّبِ. والواقِفُ خَادِمُ البَيْعَة ويُقال: سُمّي واقفًا لأنه وقف نفسَه عَلَى الخِدْمَة وعَكفَها عَلَى العبَادة. وَيقال: لَهُ الواهِفُ أيضا رُوِي في حديث آخر لا يُغيَّرُ واهِفٌ عَنْ وَهْفِيّتِهِ وفي رواية أخْرَى عَنْ وهَافَته ولا قسيس عن قسيسيته وَالقِسِّيسُ كالعالم منهم والرّاهِبُ المُتَعبّدُ المُتَفَرِّدُ والأَبِيلُ العظيم من النَّصارى وأنشَدني ابنُ الفارسيّ عَنِ أبي العبّاس ثَعْلب:
وما سبَّح الرّهْبانُ في كلّ بلْدَةٍ ... أَبِيلَ الأَبِيليّينَ عِيسى بنَ مَرْيَما ٢
ومثله الأَيْبَليّ قَالَ الشّاعر:
لو عرضَتْ لأَيْبَليٍّ قس ... أشعت في هَيْكلهِ مُنْدَسِّ
حَنَّ إليَها كحَنِين الطَّسِّ ٣
فأمّا ٤ الأَرِيسيّ فهو الأكار أو الأجير فيما يُفَسّرُ.
وأخبرني بعضُ أصحابنا عَنْ إبراهيم الحربي قَالَ: الأَرارِسَةُ الزّرَّاعُون واحِدُهم إرِّيسٌ. وكَتَب رَسُول الله إلى هِرَقْل فإِن تولَيْتَ فإنَّ عليك إثمَ الإرِّيسِيِّين. يُريد الضُعفاءَ والأتباع منهم. ويقال: إن
стр. 705
الإريسين الذين كانُوا يحرثُون أرضَهم كانوا مجُوسًا والرُومُ أَهْلُ كتابٍ يريدُ إن عليك مِثل وزْرِ المُجوس إن لم تُؤمنْ ولم تُصَدّقْ.
قَالَ أبو العَبَّاس ثَعْلَب: قَالَ ابن الأعرابي: الأَريسُ الأكار ويجمع على الأريسين وقد أرس يأرس أرسا إذَا صار أرِيسًا ويقال لَهُ أيضًا الإِرِّيسُ ويجمع عَلَى إرِّيسِين وأرارِسَة ١.
وَحَدَّثَنَاهُ حَمْزَةُ بْنُ الْحَارِثِ نا عُبَيْدُ بْنُ شَرِيكٍ الْبَزَّارُ نا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ١ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ أن رسول الله كَتَبَ إِلَى هِرَقْلَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلامِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ ٢ الآيَةَ.
قَالَ أَبُو سُفْيَانَ ٣: فَلَمَّا قَالَ: مَا قَالَ وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ كَثُرَ عِنْدَهُ اللَّجَبُ وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ ٤
اللَّجَبُ صوت واختلاط في مثل صَخَب أو شَغَب. يقال عَسكرٌ لَجِبٌ وسحاب لَجِبُ بالرعد والريح ٥.
стр. 706
وقوله: لا يُحْشَرُوا ولا يُعْشَرُوا أي لا يُؤخَذ العشر من أمْوالهم ولا يُكَلَّفُوا الخُروجَ في البعوث وقد كان يَسْتَعينُ ببَعْض أهْلِ الكُفْر عَلَى بعض واستَعان بيَهُودَ ١ من بني قَيْنُقَاع وشهدَ معه صفْوانُ حُنَيْنًا وصَفْوانُ مُشْرِك. وهذا كحديثه الآخر في النساء: "إنّهُنَّ لا يُحْشَرْنَ ولا يُعْشَرْنَ" وقد ذكَرَه ابنُ قُتَيْبَة في كتابه ٢. وذكر عَنْ بَسَّام بْن عَبْدِ الرحمن أَنَّهُ قَالَ معناه أنّهنّ لا يَخْرُجْنَ في المغازي ثُمَّ قَالَ ابن قُتَيبة ولا وجْهَ لهذا إنّما معْنَاهُ أَنّهُنَّ لا يُحْشَرْنَ إلى المُصدِّق ليَأخذَ منهنَّ الصَدَقات ولكن تُؤخَذُ الصَدقاتُ منهنّ بمواضِعِهنَّ.
قَالَ أبو سليمان: ووجه الحديث ما ذهب إِلَيْهِ بسَّام لأنّ السُّنَّة في المسلمين كلّهم رِجَالِهم ونِسائِهم أَنْ لا يُحْشَرَوا إلى المُصدِّق وإنّما تُؤخذ صَدقاتُهم عند مياهِهِم وأفنيتهم فلم يكُنْ لتَخصِيصهنّ بهذا الحْكم دُونَ غيرهنّ معْنى.
ومما يَدُلّ على أن الحشر يراد به الجهادُ حَدِيثُه الآخر.
حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَكِّيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ الصَّائِغُ نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِي هِلالٍ حَدَّثَهُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ غَزِيَّةَ بْنِ الحارث أن رسول الله عليه قَالَ: "لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ إِنَّمَا هُوَ الْحَشْرُ وَالنِّيَّةُ وَالْجِهَادُ" ٣.
يُريدُ بالحَشْر الخُروجَ في النَّفِير ويزيدُه بيانا حديثُ وفد ثقيف أنهم
стр. 707
اشتَرطُوا عَلَى رَسُول الله أن لا يُعْشَروا ولا يُحْشَرُوا ولا يُجَبُّوا فَقَالَ لهم النَّبِيّ ﷺ : "لكم أن لا تُعشَرُوا ولا تُحشَرُوا ولا خَيْرَ في دينٍ لَيْسَ فيه ركُوعٌ" ١. يريدُ لا تؤُخذ منكم الصدقة ولا تُكَلَّفُون الجِهادَ.
وبيانُ هذا في حديث جابر أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ نا إِسْمَاعِيلُ ٢ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْكَرِيمِ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَقِيلِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ وَهْبٍ قال سألت جابرا عن شأن ثَقِيفٍ فَقَالَ: اشْتَرَطَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لا صَدَقَةَ عَلَيْهَا وَلا جِهَادَ وَأَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: "سَيَصَّدَّقُونَ وَيُجَاهِدُونَ إِذَا أَسْلَمُوا" ٣. ويشبه أن يكون والله أعلم إنما أرخص لهم في ذَلِكَ لأن الجهاد غير محصور الوَقْت وَإنّما يتعيَّن فرضُه عند حضُور العَدُوّ وكذلك الصدقة إنما يَكون وُجوبُها بكمال الحول وقد علم أنّهم يَفعَلون ذَلِكَ إذَا حانَ وقْتُه ولزِم فَرْضُه فأَمَّا الصَّلاةُ فلم يُرخِّصْ لهم في تَرْكها لأنَّ وقْتَها مَحْصُورٌ وهي تتكرَّر في كل يَوم وليلة ولا سَبيلَ إلى تركها بوَجْهٍ بل الّلازمُ فِعْلُها لا محالَة في حالتي الرَّفَاهَة ٤ والضَّرُورَةِ عَلَى حسب الطاقة والإمكان.
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى نا الْحُمَيْدِيُّ نا سُفْيَانُ نا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ الحُميْديّ العِسَاء العُسُّ الكبير قَالَ أبو سُليمان ولم أَسْمَعُه إلا في هذا الحديث والحُميْديُّ من أهْل اللِّسان ورواه ابن المبارك فَقَالَ تغدو برِفْد وتروح برِفْد وكان ذَلِكَ شاهدًا لقول الحُمَيْديّ لأن الرِّفد القَدَح الكبير ١.
وأولُ الأقْدَاح الغُمْرُ وهو الذي لا يبلغ الرِّيّ ثُمَّ القَعْبُ وهو قَدْرُ رِيِّ الرَّجُل ثُمَّ القَدَحُ وهو يُروِي الاثْنَيْن والثَّلاثَة ثُمَّ العُسُّ يعُبُّ فيه الجَماعَةُ ثُمَّ الرِّفْدُ أكبرُ منه ثُمَّ الصَّحْنُ أكبرُ منه ثُمَّ التِّبْنُ ٢ وهو أكْبَرُها ثُمَّ أكبر منها الجَنْبَة تُعْمل من جنب البعير.
رَفْدًا. والرِّفْدُ العَطاءُ. وَالرَّافِدَه أَيضًا دِعامَةُ البِناءَ وأُخِذَت من الرَّفْد أيضًا لأَنَّ ثَباتَ البناء إنّما يَكونُ بها. والدَّرنَةُ الدُّونُ وأصْل الدَّرَن الوَسخُ. وَالشَّرَطُ رُذالَةُ المال كالصَّغِيرة والمُسِنَّة والأعْجَف والدَّبِر ونحْوها. قَالَ أبو عُبَيْدة: أَشْراطُ المَالِ صِغارُ الغَنَم وشِرارهُ. قَالَ جرير:
وفي شَرِطِ المِعْزَى لَهُنَّ مُهُورُ ١
وقال أبو زيد: الشرط شرار المال والشَّوَى مِثْلهُ وَأنْشَدَ:
أَكَلنا الشَّوَى حَتّى إذَا لم نَجِده شوى ... أَشرْنا إلى خَيْرَاتها بالأصَابع ٢
أَخْبَرَنَا أبو عُمَر أنا أبو العباس ثَعْلب عن ابن الأعرابي قَالَ: الشَّوَى اليَدانِ والرِّجْلان والشَّوَى جَمْع شواةٍ وهي فَرْوَة الرَأس والشَّوَى ما عدَا المقْتل في الرمي والشوى رَدِيءُ المال. وَالشَّوَى الهَيِّنُ السِّهْلُ من كل شيء.
стр. 719
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَعْظَمُ الصَّدَقَةِ رِبَاطُ فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يُمْنَعُ كَوْمُهُ " ١.
مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ رَفَعَهُ.
كَوْمُه: ضِرابُه يَقُولُ لا يمنَعه ولا يأخذ عليه عسبا ويقال لكل ذي حافر قَد كامَ ويُذكَرُ أَنَّ نُوحَ بن جرير بن الخطفي كان يقول وما
стр. 720
جَريرٌ إنِّي لأَشْعَرُ منه والله لأَهجُونَّه قَالَ: فجَعَلت أُمُّه تنْهاهُ فلا ينتَهي فبلغَتْ جَريرًا فَقَالَ:
وكيفَ أُهاجي مَنْ فعَلْتُ بأُمِّه ... ثَلاثِين كَوما في ثَلاثِ ليَال ١
стр. 721
وَقَال أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْخَيْلُ مُبَدَّأَةٌ يَوْمَ الْوِرْدِ " ١.
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا الدَّغْوَلِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ الْمُظَفَّرِيُّ نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ السَّعْدِيُّ نا أَبُو الْجَعْدِ السُّلَمِيُّ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ.
قَالَ الحِزامِيّ: مَعْناه إذَا ورَدَت الخَيْلُ والإِبلُ والغَنمُ الماءَ بدئ بالخيْل فتُسْقَى قَالَ وقال ابن الأعرابي: لَيْسَ للخَيْل وِرْدٌ إنّما هي عَلَى الماء تُسْقَى ويُقالُ لذلك الشُّرب رِفةٌ وأنشد:
سقَتْ رِفْهًا وَظاهِرةً وغِبًّا ... أَبا بِشْرٍ أهَاضِيبُ الغَمامِ
قَالَ الأصمعيُّ: أقْصَرُ الوِرْد وأسرعه الرِّفْهُ وهو أن تَشَربَ الإبلُ كُلَّ يَوْمٍ فإذا ورَدَتْ يومًا نصف النهار ويوما غُدْوةً فتِلْكَ العُرَيْجَاءُ فإذا ورَدَتْ يَوْمًا وتُركَتْ يَوْمًا فذلك الغِبُّ فإذا ارتفع عَنْ ذَلِكَ فالرِّبْعُ والخِمْسُ ثُمَّ كذلك إلى العِشْر وليس فيها ثِلْثٌ. قَالَ الأصمعيُّ: فإن ٢ أرسَلَ إبلَه عَلَى الماء كُلّما شاءتْ ورَدَتْ بلا وقْتٍ فذلك الإرباغْ فإن ردّدَها عَلَى الماء في اليوم مرارًا فذلك الرَّغْرغَة فإذا أوردها فالسَّقْيةُ الأُولَى النهل والثانية العلل
стр. 722
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال للرجل: "صُمْ يَوْمًا فِي الشَّهْرِ". قَالَ إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً . قَالَ: "فَصُمْ يَوْمَيْنِ". قَالَ إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً قَالَ: " صُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فِي الشَّهْرِ" وَأَلْحِمْ عِنْدَ الثَّالِثَةِ فَمَا كاد حَتَّى قَالَ إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَزِيدَنِي قَالَ: "فَصُمُ الْحُرُمَ وَأَفْطِرْ" ١.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَكِّيِّ نا الصَّائِغُ نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نا سَعِيدُ بْنُ إِيَاسٍ الْجُرَيْرِيُّ نا أَبُو السَّلِيلِ عَنْ مُجِيبَةَ عَجُوزٌ مِنْ بَاهِلَةَ عَنْ أَبِيهَا أَوْ عَنْ عَمِّهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
قوله: أَلحم. مَعْنَاهُ وقَفَ عند الثالثة فلم يزده عليه يقالُ أَلْحَمَ الرَّجُلُ بالمكان إذَا أقام بِهِ فلم يَبْرَحْ ولَحُم الرجلُ إذَا صار ذا لحم. ولَحُمَ إذَا قُتِل فهو لحيمٌ. قال ساعدة بن جؤية هذلي ٢:
فقَالُوا تركْنَا الحَيَّ قَدْ حَصَروا بِهِ ... فلا رَيْبَ أَنْ قد كانَ ثَمَّ لحِيمُ
وأخبرني أبو محمد الكُرانِيّ نا البَيْرُوذِي ٣ نا المِنقَريّ عَنِ الأصمعي قَالَ يُقال كانَتْ في بني فُلانٍ مَلْحَمةٌ أي مَقتَلةٌ. والحُرُم التي أمرَ بِصيامها هي أربَعةُ أَشْهُرٍ ذو القَعْدة وَذُو الحجَّة والمُحرَّمُ ثلاثَةٌ مُتَواليَةٌ والرابعُ فَرْدٌ وهو رَجَبٌ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٤. الآية. قيل لأَعرابيّ: كمِ الأَشهرُ الحُرُم قَالَ أربعةٌ ثَلاثَةٌ سَرْدٌ وَواحدٌ فَرْدٌ. فأما
стр. 723
قولُه: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ ١. فهذه غَيْرُ تلكَ. وإنّما هي أربعَةُ أشْهُرٍ أوَّلُها عشُرون يومًا من شهر ذي الحّجة والشَهرُ المُحرَّم وشَهر صَفَر وشَهْر ربيع الأوّل حرَّم الله فيها قِتالَ المُشْركين فَقَالَ: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ ٢ وذلك عَامَ حجَّ أبو بَكْر ﵁ ٣ ثُمَّ انقضَتْ حُرمَتُها. فأمّا الأَشْهُر الحُرُم الّتي أُمِرَ بِصيامها فحرمَتُها باقيةٌ مُتأبِّدةٌ.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَا خَالَطَتِ الصَّدَقَةُ مَالا قَطُّ إِلا أَهْلَكَتْهُ " ١.
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى نا الْحُمَيْدِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَفْوَانَ الْجُمَحِيُّ نا هِشَامُ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ.
فيه قولان: أحَدُهما أن يكون هذا تحذيرًا لِوُلاة الصَّدقَة أن يَخْلِطُوا أمْوالَهُم بها أو يرتفقُوا بشيء منها.
والقَولُ الآخرُ: أن يكون معناه الأمْرَ بتَعْجِيل الزكاة وإخراجِها عند محلِّها. يَقُولُ إذَا فرَّط في ذَلِكَ وترك الصَّدقَة مُخْتَلطةً بماله هَلكَ مالُه وإلى هذا ذهب الحميدي.
وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبَانٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ: أَنّ النبي كَانَ يَأْكُلُ طَعَامًا فَدَعَا رَجُلًا فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ يَصُومُ الدَّهْرَ فَقَالَ: "مَا صَامَ وَلا أَلَّى" يُرَدِّدُهَا ثَلاثًا هَكَذَا قَالَ أَلَّى مُشَدَّدَة قَالَ الأصْمَعِيُّ أَلا الرَّجُلُ وأَلَّى لُغَتان مُخفّفٌ ومُشَدَّد وذلك إذَا قصَّر وترك الجهد وأنشد للعجاج:
أو عظة إن نفسُ حُرٍّ بَلَّتِ ... أَوْ أَدْرَكَتْ بالجَهْد ما قَدْ أَلَّت ١
وقد يكون أَلَّى بمعْنى أَبْطأَ. أنشدني أبو عُمَر ٢ أنشدنا أبو العباس ثَعْلب عن ابن الأعرابي:
جاءَتْ بِهِ مُرمَّدًا مَامُلًّا ... ما نِيَّ آل خَمَّ ثُمَّ أَلَّى ٣
يصف خُبْزَ مَلّة.
وقال أبُو عَمْرٍو ٤: سَألني القاسِمُ بنُ مَعْنٍ عَنْ بَيْت الرُّبَيْع بْن ضَبُع الفزاريّ:
وإنّ كَنائني لَنِساءُ صِدْقٍ ... وما ألَّى بَنِيَّ ولا أساؤوا ٥
فقُلتُ: أَبْطَؤوا. فَقَالَ: ما تَدعُ شيئا.
стр. 735
وهذا كالحديث الآخر أَنَّهُ سُئِلَ عمّنْ صامَ الدَّهْرَ فَقَالَ: "لا صامَ ولا أَفْطرَ" ١.
وأخبرني الحَسَن ٢ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ نا إِسْحَاقُ بن إبراهيم نا أَبو داود المَصَاحفيّ قَالَ: قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيل.
قوله: "لا صَامَ ولا أَفْطَر" دُعاءٌ عَلَيْهِ ولو أراد الإِخْبَار لقال لم يَصْم ولم يُفْطر. وقال أبو سُليمان وقد يجوز أن يكون معناه الإِخبار كقوله تَعَالَى: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى﴾ ٣. قَالَ أُميَّةُ بنُ أَبِي الصَّلت:
إِن تَغْفِر اللَّهُمَّ تَغفِرْ جَمَّا ... وأَيُّ عَبْدٍ لك لا أَلمَّا ٤
وقال آخَرُ:
زَنَّا عَلَى أبيهِ ثم قتله ... فأي فعل سيئ لا فَعَلَهْ ٥
وصِيام الدهر المنهيّ عَنْهُ أَن يَسْرُدَ الصَوْمَ فلا يُفْطر الأَيّامَ الخمْسَة المنهيّ عَنْ صَيامها. وهي العِيدان وأيّام التَّشْريق. فأمّا مَنْ أفْطَرَها وصامَ ما عَداها من أَيَّام الدّهر فليس بصيام الدهر المنهي عنه.
стр. 736
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ عَلَيَّ فِي مَالِي شَيْءٌ إِذَا أَدَّيْتُ زَكَاتَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﵇: "فَأَيْنَ مَا تَحَاوَتْ عَلَيْكَ الْفُضُولُ" ١.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَكِّيِّ نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نا حَرْمَلَةُ نا ابْنُ وَهْبٍ أنا عَمْرٌو عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ.
قولُه: تَحاوَت وَزْنُه تفاعلت من حَويْتُ الشيء إذَا جَمعْتَه. يَقُولُ: إذَا أدَّيْتَ الزَّكاةَ المَفْرُوضة فلا تَدعْ أن تُواسِيَ من فضْل مالِك وإن لم يكن فرضا عليك.
قولُه: لِيغالق عليها مَعْناهُ لِيُراهن عليها وأَصْلُه المُغالقَة في المَيْسِر. والمغلق السهم في سِهام المَيْسِر. قَالَ ابنُ قَمِيئَة:
بأيديهُم مَقْرومةٌ ومغالقُ ... يعُود بأرزاق العِيال مَنِيحُهَا ١
وإنما كُرِه الرِّهانُ في الخَيْل إذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى مذهب أهل الجاهليّة وهو أن يتسابَق الرِّجُلان بفرسَيْهما من غير محلّلٍ معهما فيتواضَعا بينهما جُعْلًا يستَحقّه السّابقُ منهما وذلك من أكل المال بالباطل فأمّا إذَا تَراهَنا عَلَى الوجه الَّذِي أطلقَتْه الشَّريعة فَما تواضَعاهُ بينهما من جُعْلٍ فهو طِلقٌ حَلالٌ لقوله ﷺ : "لا سَبْقَ إلّا في ثلاثٍ نَصْلٍ أَوْ حافرٍ أو خُفٍّ" ٢.
والسَّبَقُ بفَتْح الباءِ ما يُجْعَلُ للسابق من الجَعْل.
وقوله: ليَسْتَنْبِطَها معْناه يتّخذُها لنَسْلها ونِتاجها والأَصْلُ في الاستنباط إِخْراجُ الماء ٣. والنَّبَطُ الماءُ يُقال للرجل إذَا حفر فانتهى إلى الماء قد أنْبَط واسْتَنْبَط وسُمّي النبَطُ نَبطًا لاسْتخراجهم المياهَ وعمارتهم الأَرَضِين ثُمَّ قِيلَ في كُلّ ما يستَخْرِجُهُ الإنسانُ من مكنون سِرٍّ أو غامِض علمٍ قد استَنْبطَه. وأمّا الاسْتِبْطان فهو طَلبُ النِّتاج الَّذِي تَشْتمل عليه بطونها.
стр. 739
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الْخَيْلُ ثَلاثَةٌ أَجْرٌ وَسِتْرٌ وَوِزْرٌ فَأَمَّا الَّذِي لَهُ الأَجْرُ فَرَجُلٌ حَبَسَ خَيْلًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمَا سَنَّتْ لَهُ شَرَفًا ١ إِلا كَانَ لَهُ أَجْرٌ وَرَجُلٌ اسْتَعَفَّ بِهَا وَرَكِبَهَا وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِيهَا فَذَلِكَ الَّذِي لَهُ سِتْرٌ وَرَجُلٌ حَبَسَ خَيْلًا فَخْرًا وَنِوَاءً عَلَى أَهْلِ الإسْلامِ فَذَلِكَ الَّذِي عَلَيْهِ الْوِزْرُ" ٢.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَكِّيِّ أنا الصَّائِغُ نا سَعِيدُ نا أَبُو مَعْشَرٍ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى آلِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ السَّدُوسِيُّ نا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ نا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَهْرَامٍ نا شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ حَدَّثَتْنِي أَسْمَاءُ بِنْتُ يَزِيدَ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْخَيْلُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَمَنْ رَبَطَهَا عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا احْتِسَابًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ شِبَعَهَا وجُوعَهَا ورِيَّهَا وَظَمَأَهَا وَأَرْوَاثَهَا وَأَبْوَالَهَا فَلاحٌ فِي مَوَازِينِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".٣
قوله: "حَبَس خَيْلًا" اللُغَةُ العالية أَنْ يقالَ أَحْبسَ بالأَلِف. وقَولُه: سَنَّتْ شَرفًا أي عَدَت طَلَقًا. يُقال: سنَّ الفرَسُ إذَا لجَّ في عَدْوه مُقبلًا وَمُدْبِرًا والشَّرَف من الأرض ما أشرف لك يقال أشرف لي شرف فَما زلت أَرْكُضُ حتّى عَلَوته ٤ والنِّوَاءُ مَصْدَرُ المُناوَأة وهي المُباهاةُ والمُبَارَاةُ قَالَ ابن السكيت: يقال ناوأتُ الرجلَ مناوَأةً ونِواءً إذَا عاديتَه وأصلُه أنّه ناء إليك ونُؤتَ إِلَيْهِ أي نهض إليك ونهضت إليه ٤. قال الشاعر:
стр. 740
بَلَّتْ يَداه في النِّواء بِفَارسٍ ... لا طائِشٍ رَعِشٍ ولا وقَّاف ١
وأرَادَ بِالفَلاح الأَجْرَ والمَثُوبَة. وأَصْلُ الفلاح البقاءُ وهو الفَلَحُ أيضًا. قَالَ الأعشى:
ولِئنْ كُنَّا كقَومٍ هلكُوا ... ما لَحيٍّ يا لَقَوْمٍ من فَلَحْ ٢
أي من بقاءٍ.