قولُه: لِيغالق عليها مَعْناهُ لِيُراهن عليها وأَصْلُه المُغالقَة في المَيْسِر. والمغلق السهم في سِهام المَيْسِر. قَالَ ابنُ قَمِيئَة:
بأيديهُم مَقْرومةٌ ومغالقُ ... يعُود بأرزاق العِيال مَنِيحُهَا ١
وإنما كُرِه الرِّهانُ في الخَيْل إذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى مذهب أهل الجاهليّة وهو أن يتسابَق الرِّجُلان بفرسَيْهما من غير محلّلٍ معهما فيتواضَعا بينهما جُعْلًا يستَحقّه السّابقُ منهما وذلك من أكل المال بالباطل فأمّا إذَا تَراهَنا عَلَى الوجه الَّذِي أطلقَتْه الشَّريعة فَما تواضَعاهُ بينهما من جُعْلٍ فهو طِلقٌ حَلالٌ لقوله ﷺ : "لا سَبْقَ إلّا في ثلاثٍ نَصْلٍ أَوْ حافرٍ أو خُفٍّ" ٢.
والسَّبَقُ بفَتْح الباءِ ما يُجْعَلُ للسابق من الجَعْل.
وقوله: ليَسْتَنْبِطَها معْناه يتّخذُها لنَسْلها ونِتاجها والأَصْلُ في الاستنباط إِخْراجُ الماء ٣. والنَّبَطُ الماءُ يُقال للرجل إذَا حفر فانتهى إلى الماء قد أنْبَط واسْتَنْبَط وسُمّي النبَطُ نَبطًا لاسْتخراجهم المياهَ وعمارتهم الأَرَضِين ثُمَّ قِيلَ في كُلّ ما يستَخْرِجُهُ الإنسانُ من مكنون سِرٍّ أو غامِض علمٍ قد استَنْبطَه. وأمّا الاسْتِبْطان فهو طَلبُ النِّتاج الَّذِي تَشْتمل عليه بطونها.
стр. 739
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الْخَيْلُ ثَلاثَةٌ أَجْرٌ وَسِتْرٌ وَوِزْرٌ فَأَمَّا الَّذِي لَهُ الأَجْرُ فَرَجُلٌ حَبَسَ خَيْلًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمَا سَنَّتْ لَهُ شَرَفًا ١ إِلا كَانَ لَهُ أَجْرٌ وَرَجُلٌ اسْتَعَفَّ بِهَا وَرَكِبَهَا وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِيهَا فَذَلِكَ الَّذِي لَهُ سِتْرٌ وَرَجُلٌ حَبَسَ خَيْلًا فَخْرًا وَنِوَاءً عَلَى أَهْلِ الإسْلامِ فَذَلِكَ الَّذِي عَلَيْهِ الْوِزْرُ" ٢.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَكِّيِّ أنا الصَّائِغُ نا سَعِيدُ نا أَبُو مَعْشَرٍ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى آلِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ السَّدُوسِيُّ نا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ نا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَهْرَامٍ نا شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ حَدَّثَتْنِي أَسْمَاءُ بِنْتُ يَزِيدَ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْخَيْلُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَمَنْ رَبَطَهَا عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا احْتِسَابًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ شِبَعَهَا وجُوعَهَا ورِيَّهَا وَظَمَأَهَا وَأَرْوَاثَهَا وَأَبْوَالَهَا فَلاحٌ فِي مَوَازِينِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".٣
قوله: "حَبَس خَيْلًا" اللُغَةُ العالية أَنْ يقالَ أَحْبسَ بالأَلِف. وقَولُه: سَنَّتْ شَرفًا أي عَدَت طَلَقًا. يُقال: سنَّ الفرَسُ إذَا لجَّ في عَدْوه مُقبلًا وَمُدْبِرًا والشَّرَف من الأرض ما أشرف لك يقال أشرف لي شرف فَما زلت أَرْكُضُ حتّى عَلَوته ٤ والنِّوَاءُ مَصْدَرُ المُناوَأة وهي المُباهاةُ والمُبَارَاةُ قَالَ ابن السكيت: يقال ناوأتُ الرجلَ مناوَأةً ونِواءً إذَا عاديتَه وأصلُه أنّه ناء إليك ونُؤتَ إِلَيْهِ أي نهض إليك ونهضت إليه ٤. قال الشاعر:
стр. 740
بَلَّتْ يَداه في النِّواء بِفَارسٍ ... لا طائِشٍ رَعِشٍ ولا وقَّاف ١
وأرَادَ بِالفَلاح الأَجْرَ والمَثُوبَة. وأَصْلُ الفلاح البقاءُ وهو الفَلَحُ أيضًا. قَالَ الأعشى:
ولِئنْ كُنَّا كقَومٍ هلكُوا ... ما لَحيٍّ يا لَقَوْمٍ من فَلَحْ ٢
أي من بقاءٍ.
قَالَ: فقلت لابن الأعرابي كيف تُزَعزِع الدَّعامةَ ولا قامةَ هُناك قَالَ: أراد أَنَّهُ لَيْسَ هناك قَومٌ يَستَقُون.
стр. 748
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ رَجُلًا كَانَ اسْمُهُ حُبَابًا ١ فسماه رسول الله عَبْدَ اللَّهِ. وَقَالَ: "إِنَّ الْحُبَابَ اسْمُ شَيْطَانٍ" ٢.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ الأصمعي: الحُبَاب الحَيَّة وإنما قِيل الحُبَاب اسمُ شيطان لأنَّ الحَيَّة يقال لها شَيْطان وأنشد:
تَعَمّج شَيْطان بذي خِرْوعٍ قَفْر ٣
وقال المبّرد: الحُبابُ حيَّة بعَيْنها وأنشد لعُمر بْن أَبِي ربيعة يَصِفُ أنَّه زار عشيقتَه ٤:
ونَفَّضت عني العين أقبلت مشية ال ... حباب وركني خيفة القوم أزور
وأما قول الشاعر:
وفي البَقْل إن لم يدفع اللهُ شرَّه ... شياطين يَنْزُو بعضُهنَّ عَلَى بعض ٥
فيقال: إنه أراد بالشياطين الحيّات. ويقال: بل هُوَ مَثَلٌ يريد أنَّ الناسَ إذَا أخْصَبُوا بَطِرُوا فصارُوا شياطين وإنما كَرِه واللهُ أعلم اسم الحية
стр. 749
لخبثها وغائلتها وكان يغير الاسم القبيح بالاسْمِ الحَسَن وقد غيّر عِدّة أسامٍ.
أخبرني ابنُ داسَة قَالَ قَالَ أبو داود غيَّر رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسمَ العَاص وَعَزِيز وعتَلَة وشَيْطان والحَكَم وغُرَاب وشهاب. وَسمَّى المضطجِع المُنْبِعثَ وسمَّى شِعبَ الضّلالةِ شِعْبَ الهُدَى ومرّ بأرض تسمى عَثِرة فسمّاها خَضِرة ١. وقال غَيْر ابن داسة: عَفِرة وقال غير أَبِي دَاودَ غَدِره.
حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ فِرَاسٍ نا مُوسَى بْنُ هَارُونَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ نا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : مَرَّ بِأَرْضٍ ٢ تُسَمَّى غَدِرَةً فَسَمَّاهَا خَضِرَةً ٣.
أَمَّا تَغْيِيرُهُ اسْمَ الْعَاصِ فَلِكَرَاهِيَةِ الْعِصْيَانِ الَّذِي هُوَ مُنَافٍ لِصِفَةِ الْمُؤْمِنِ وَإِنَّمَا شِعَارُ الْمُؤْمِنِ الطَّاعَةُ وَسِمَتُهُ الْعُبُودِيَّةُ. وَأَمَّا تَغْيِيرُهُ اسْمَ الْعَزِيزِ فَلأَنَّ الْعِزَّ لا يَلِيقُ بِالْعَبِيدِ إِنَّمَا يُوصَفُونَ بِالذُلِّ وَالْخُضُوعِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ صِفَاتِ الْبَارِي. وَقَدْ قَالَ عِنْدَمَا يُقَرِّعُ بَعْضَ أَعْدَائِهِ: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ ٤.
وأمّا عتَلَةُ فإنما كَره والله أعلم بشاعةَ الاسْمِ وذلك أنّ معناها الشدة والغلظة. يقال: عتَلْتُ الرجُلَ إذَا جَذبْتَه جَذْبًا عَنيفًا ومنه قِيلَ رَجُلٌ عُتُلٌّ ومُعَتِّلٌ. قَالَ ذو الإِصْبَع العَدْوانِيُّ:
стр. 750
والدَّهْرُ يَغْذُو مُعَتِّلًا جَذَعًا ١
أي شابًّا قويًّا.
وقد وَصَف اللهُ المُؤمِنين بلِين الجَانِب وخَفْضِ الجَناح فَقَالَ: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾ ٢. وقد قَالَ ﷺ : "المُسْلِمُون هَيْنُون لَيْنُون كالجَمل الأَنِفِ" ٣.
وقال ﷺ لجدّ سعيد بْن المُسَيَّب: "ما اسْمُك" قَالَ حَزْن قَالَ: "اسْمُكَ سَهْلٌ" ٤.
وأمّا الشَيْطانُ فاسْمٌ لكُلّ مارِدٍ من الجنّ والإِنْس قَالَ الله تَعَالَى: ﴿شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ ٥.
ويُقال: سُمِّي شَيْطانًا لِبُعْده عَنِ الخَيْر. يُقال: نَوى شَطُون أي بَعِيدةٌ وبِئرٌ شَطُون إذَا كانت بعيدةَ المَهْوَى وكذلك الأمْرُ في اسْم الغُراب لأنّه فيما يُقالُ مأخُوذٌ من البُعْد والاغْتراب. ويُقالُ: للرَجُل اغرُب عنّي أي ابعُد وغرَبت الشَمْسُ إذَا غابَتْ فبَعُدَتْ عَنِ ٦ الأبْصار. واغترب الرجلُ إذَا بَعُدَ عَنْ أهْله عَلَى أَنَّ الغُرابَ نفسَه كأخبَث الطَّيْر لوقُوعه عَلَى الجِيَف وبَحْثِه عَنِ النَّجاسةِ وقد حرَّم رَسُولُ الله أكْلَه وأباح للمحرم قتله.
стр. 751
وأمّا الحَكَمُ فهو من أسماء الله وتأويله الحاكِمُ الَّذِي لا مُعَقّبَ لحكمه وهذه الصِّفَةُ لا تَلِيقُ بمخْلُوقٍ ١.
وأمّا الشِّهابُ فالشُّعْلَة من النّار والنَّارُ عقُوبَةُ الله لِلْكُفّار فكَرِه أن يتَسَّمى بها المُسْلُم.
وأمّا قَوله: عَثِرة فهي الأرضُ التي لا نبات فيها إنّما هي صَعِيدٌ قد علاها العِثْيَرُ وهو الغُبارُ وكذلك العَفِرةُ مَأخوذٌ من عُفْرة الأرض وهي لونها الأغبر. فوسمها بالخُضرة لأنّها إذَا اخْضرَّت تَغطَّى تُرابُها وذَهَب غُبارُها. والغَدِرَةُ من الأرْض هي التي لا تَسمَحُ بالنَّبات أو تُنبِتُ شَيئًا ثُمَّ تُسرعُ إليه الآفةُ فَيبِيدُ ويَتْلف شُبِّهَت بالغَادِر الَّذِي يُخَيِّل قَوْلًا ولا يَفي فِعْلًا.
وَفِي الْحَدِيثِ: "أَنَّ بَيْنِ يَدَيِ السَّاعَةِ سِنِينَ غَدَّارَةً أَوْ خَدَّاعَةً يَكْثُرُ فِيهَا الْمَطَرُ وَيَقِلُّ النَّبَاتُ" ٢.
فَأَمَّا حَدِيثُهُ الآخَرُ: أَنَّهُ نَهَى أَنْ نُسَمِّيَ الْعَبِيدَ ٣ يَسَارًا أَوْ رَبَاحًا.
حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْعَنْبَرِيُّ نا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الضَّبِّيُّ نا عَفَّانُ نا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ سَمِعْتُ الرُّكَيْنَ بْنَ الرَّبِيعِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ أَنْ نُسَمِّيَ رَقِيقَنَا أَرْبَعَةَ أَسَامٍ أَفْلَحَ وَرَبَاحًا وَيَسَارًا وَنَافِعًا ٤ فَقَدْ جَاءَ إِنَّمَا كره ذلك للتطير.
стр. 752
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ عَبْد الرزاق نا أبو داود نا النُّفَيْلِيُّ نا زُهَيْرٌ نا مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ عَنْ هِلالِ بْنِ يَسَافٍ عَنْ رَبِيعِ بْنِ عُمَيْلَةَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ. قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لا تُسَمِّيَنَّ غُلامَكَ يَسَارًا وَلا رَبَاحًا وَلا نَجِيحًا وَلا أَفْلَحَ فَإِنَّكَ تَقُولُ أَثَّمَ هُوَ فَيَقُولُ ١: لا إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعٌ فَلا تَزِيدَنَّ عَلَيَّ" ٢. فَأَمَّا مَنْ سَلَكَ بِهِ مَذْهَبَ الْفَأْلِ وَقَصَدَ فِيهِ الْيُمْنَ وَالتَّبَرُّكَ فَأَنَا ٣ أَرْجُو أَنْ لا يَكُونَ بِهِ حَرَجًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَقَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ غُلامٌ يُقَالُ: لَهُ رَبَاحٌ وَسَمَّى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ٤ غُلامَهُ نَافِعًا.
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ نا ابْنُ بِنْتِ مَنِيعٍ نا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ عَنْ عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ عَنْ أبيه قال: كان للنبي غُلامٌ اسْمُهُ رَبَاحٌ ٥
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ الْكُرَانِيُّ نا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْعَنْبَرِ نا الْحَسَنُ ٦ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ نا الْمُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ هَلْ تَدْرِي لِمَ سَمَّيْتُ ابْنِي سَالِمًا قُلْتُ لا قَالَ: بِاسْمِ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ هَلْ تَدْرِي لِمَ سَمَّيْتُ ابْنِي وَاقِدًا قُلْتُ: لا قَالَ بِاسْمِ واقد بن
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ كَانَ لا يُبَيِّتُ مَالًا وَلا يُقَيِّلُهُ: ١
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأعْرَابِيِّ نا أَبُو رِفَاعَةَ الْعَدَوِيُّ نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ نا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ.
قَوْلُهُ: لا يُبَيِّتُ مَالًا معناه أنّ مَالَ الصَّدقةِ إذَا وافاه مساءً لم يُمْسكْه عنده ٢ إلى الليْل لكنّه يفرِّقه في أهله وإذا جاءه صَباحًا لم يُمْسِكْه إلى وَقْت القائلة وهي قَبَيْل الظُّهْر إلى أن ينتَصِف النهارُ. والقَيْلُولَة النَّومُ في ذَلِكَ الوقت والقَيْلُ الشُّربُ فيه.
أخبرني أبو عُمَر أنا أبو العبّاس ثعلب عَنِ الكوفيّين والمُبرّدُ عَنِ البصريّين قَالُوا شُرْبُ الغَداة الصَّبُوحُ وفي نِصْف النهار القَيْلُ وبالعَشِيّ الغَبُوقُ وبين المغرب والعَتَمة الفَحْمَةُ وفي السَّحر الجاشِرِيَّة وكُلُّ شرابٍ شُرِبَ في أيِّ زمانٍ كَانَ فهو الصَّفْحُ. يقال: أتاني فصَفَحْتُه أي سَقيْتُه وأتاني فأصْفحْتُه إذَا حَرمْتَه وَردَدْتَه قَالَ الشاعر:
وندمَانٍ يَزِيدُ الكَأْسَ طِيبًا ... سقيْتُ الجاشِرِيَّةَ أوْ سَقاني ٣
ومن هذا حدِيثُه في الدَّنانير السَبْعَة.
стр. 755
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ نا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ نا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ رِبْعِيِّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ سَاهِمُ الْوَجْهِ فَخَشِيتُ ذَلِكَ مِنْ وَجَعٍ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله ما لك سَاهِمُ الْوَجْهِ قَالَ: "مِنْ أَجْلِ الدَّنَانِيرِ السَّبْعَةِ الَّتِي أَمْسَيْنَا وَلَمْ نُقَسِّمْهَا وَهِيَ فِي خُصْمِ أَوْ خضم الفراش" ١.
والخصم الناحيةُ من الشيء والّزاوية منه.
مَوْثوق بِهِ ولذلك قِيلَ زَعَمُوا مَطِيَّةُ الكَذِب. قَالَ الأصمعيّ: الزَّعُومُ من الغَنَم هي التي لا يُدْرَى أَبِها شَحْمٌ أم لا ومنه قِيلَ في قوْل فُلانٍ مُزاعَمٌ وهو الَّذِي لا يُوثَقُ به.
стр. 762
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا قَالَ الرَّجُلُ هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ " ١.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ نا حَمَّادٌ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
تأويلُ هذا عَلَى وَجْهَين: أحدهما أن يكون ذَلِكَ في أصْحاب الوَعِيد ومن يَرَى رأْيَ الغُلاة منهم في الخُلُود عَلَى الكَبِيرة والإِياسِ من عَفْوِ الله والقُنُوط من رحمته يَقُولُ فَمَنْ رأى هذا الرأيَ كَانَ أَشدّ هَلاكًا وأعظم وِزْرًا ممَّن قارف الخطيئة ثُمَّ لم يأيَسْ من الرّحمة.
وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا حَدِيثُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ. أَخْبَرَنَا ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ فَهْدٍ نا حَفصٌ نا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ. وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ٢ أَهُوَ الرَّجُلُ يَحْمِلُ عَلَى الْكَتِيبَةِ وَهُمْ أَلْفٌ وَالسَّيْفُ بِيَدِهِ قَالَ: لا وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ يُصِيبُ الذَّنْبَ فَيُلْقِي بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَيَقُولُ: لا تَوْبَةَ لِي ٣.
والوَجْه الآخر أن يكون ذَلِكَ في الرَّجُل يُولَع بِذكر النّاس وإحصاء عيوبِهِم وعَدِّ مساوئهم فهو لا يزال يَقُولُ: هَلَك النّاسُ وفسدَتْ نيّاتهم
стр. 763
وقَلّت أَماناتُهم ويذهب بنفسه عُجْبًا ويَرَى لها عَلَى الناس فَضَلًا يَقُولُ فهذا بما ينَالُه في ذَلِكَ من الإثم أَشدُّهم هلاكًا وأعظمهم وزرا.
ومن هذا الحديث أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ حَدَّثَنَاهُ أَبُو عَلِيٍّ الصَّفَّارُ نا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ نا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ الضُّبَعِيُّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلاقَةَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ وَأَصْحَابُهُ عِنْدَهُ فَجَاءَ الأَعْرَابُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ ١ عَلَيْنَا حَرَجٌ فِي كَذَا أَشْيَاءَ لا بَأْسَ بِهَا فَقَالَ: "عِبَادَ اللَّهِ رَفَعَ اللَّهُ الْحَرَجَ" أَوْ قَالَ: "وَضَعَ اللَّهُ الْحَرَجَ إِلا امْرَأً اقْتَرَضَ امْرَأً مُسْلِمًا فَذَلِكَ حَرِجَ وَهَلَكَ" ٢.
قوله: اقْترض أي اغتابَه سبعه أي شتمه ٣.
وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا مُحَمَّدُ بن إبراهيم بن سعيد البُوشَنْجِيّ نا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ قِيلَ لِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ مَا قَوْلُهُ: أَهْلَكُهُمْ قَالَ: أَفْسَلُهُمْ وَأَدْنَاهُمْ.
وهذا يُروَى عَلَى وجْهَيْن أحدهُما أن يُجْعَلَ المَنْبوذُ نعْتًا للقَبْر ومعناه عَلَى هذه الرواية أنّه قَبرٌ مُنتَبذٌ عَنِ القُبور ولذلك استجازَ الصّلاة عَلَيْهِ مَعَ نهْيِه عَنِ الصَّلاة في المقابر وذلك أن أرضها إذا قلبت ونبشت تنجست لِمَا يُخالِطها من رِمَّةِ العِظام فلم تَجُز الصّلاة فيها.
والوجْه الآخَر أن تكون الرِّوايةُ عَلَى الإضافة للقَبْر إلى المنبوذ ومعناه أنّه مرّ بقَبْرِ لقيطٍ فصلّى عَلَيْهِ والمَنبوذُ المَلقُوطُ وهو المزكوم أيضًا يُقال زَكَمَتْ بِهِ أُمُّه وهو زُكْمَةُ فُلانٍ أنشدني أبو عُمَر عن أبي العباس ثعْلب:
زُكْمَةُ عمّارٍ بَنُو عمَّارِ ... مثل الحراقيص على الحمار ١
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ: كُنْتُ بِالْبَطْحَاءِ فِي عِصَابَةٍ فيهم رسول الله فَمَرَّتْ سَحَابَةٌ فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ: "مَا تُسَمُّونَ هَذِهِ" قَالُوا السَّحَابُ. قَالَ: "وَالْمُزْنُ" قَالُوا: وَالْمُزْنُ. قَالَ: "وَالْغَيْذَى" ١.
وَذَكَرَ حَدِيثًا أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ نا الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرَةَ عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ٢.
قوله: الغَيذَى لم أَسمعْهُ في أَسماءِ السحاب إلا في هذا الحديث. والمشهور من ٣ هذا الحديث أَنَّهُ قَالَ: والعَنان: مكان الغَيْذى. والعَنانُ معروف من أسماء السُّحاب. وقد ذكره أبو عُبَيْد في كِتابِه ٤. فأمّا الغَيْذى فإن كَانَ محفوظًا فإنيّ لا أراه سُمّيَ بِهِ إلا لسَيَلان الماء. يُقالُ: غَذَا العِرْقُ إذَا سال يغذو.