حَدَّثَنَاهُ الأصَمُّ نا ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أنا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ هَبَّةٌ تُرِيدُ مَرَّةً.
قال أبو سليمان: للهبة هاهنا مَعْنَيان أحَدُهما أن تكون بمعْنى الوقْعة يُقالُ إنّه لَذُو هَبَّة إذَا كانت لَهُ وقعةٌ شديدة ومنه يُقالُ احذَرْ هبَّة السَّيْف أي وَقْعَته فالمعْنَى على هذا أنّه قد أتاها وَقْعةً واحدةً وهو معنى تفسير ابن وهْبٍ.
والوَجْهُ الآخرُ أن تكون الهَبَّةُ بمعنى الحِقبَة من الدّهْر. قَالَ أبو زَيْدٍ: يُقال غَنِينا بذلك هَبّةً من الدَّهر والدهر هَبَّاتٌ وسَبَّاتٌ أي عصْرٌ بعد عَصْرٍ وكان بعضهم يتأوَّلُه عَلَى غير هذا وذَاكَ ويَراه من هِبابِ الجَمَل أو هَبِيب التَّيْسِ إذَا اهتاج للسفاد والأول أجود وأَشْبَه.
وفي الحَدِيثِ من الفِقه أنَّهُ إذَا طلَّقها قبل أن يُواقِعها لم تَحِلّ للزَوْج الأول. والعُسَيْلَةُ تصغير العَسَل وهي كِناية عَنِ اللَّذَّة. قَالَ ابنُ المُنْذر: وفيه كالدّلالة عَلَى أنّ الزَّوْج إذَا أتاها وهي نائمةٌ لا تَشْعُر أو مُغْمى عليها لا تُحِسّ باللّذة لم تَحِلَّ للزَّوْج الأوّل.
وفي هذا الحديث أنّها قالت: إني ١ كنت عند رفاعة فطلّقني فبَتَّ طَلاقي فتزوجتُ عبدَ الرحمن بنَ الزُّبير وأنّه والله ما مَعَه إلا مثْلُ هذه الهُدْبَة وأخَذتْ هُدْبةً من جِلْبابِها ٢.
وفي هذا دليلٌ عَلَى أنّ لامرأة العِنِّين المطالبةَ بحقِّها وأنّ لها أن تدعو إلى
стр. 781
فسخ النكاح وذلك إنّما ادّعتْ بهذا القوْل عَلَيْهِ العُنَّةَ ولم تُرِدْ أنَّ ذَلِكَ منه في دِقَّة الهُدْبَة إنّما أرادَتْ أنّه كالهُدْبة ضَعْفًا واستِرخاءً.
يدلّ عَلَى صحّة هذا روايةُ عِكرمَة ذكره محمد بْن إسماعيل البُخاريّ عَنْ محمد بْن بَشَّار عَنْ عَبْدِ الوهاب عَنْ أيوب عَنْ عِكرِمَة أَنَّ رفاعةَ طلّق امرأتَه فتزوَّجَها عبدُ الرحمن بْن الزبير قالت: عائشة فجاءَت وعليها خِمارٌ أخضَرُ فشكَتْ إلى عائشةَ وأَرَتْها خُضْرةً بجِلدها فلما جاء رسول الله والنِّساءُ يَنْصرُ بعضُهنّ بَعْضًا قالت عائشة: ما رأيتُ مثلَ ما تلقى المؤمنات ١ لجلدها أَشدُّ خُضرةً من ثوْبها. قَالَ: وسمع أنّها قد أتَتْ رَسُولَ الله فجاء ومعه ابنان لَهُ من غيرها. قالت: واللهِ ما لي إِلَيْهِ من ذنْبٍ إلا أنّ ما معه لَيْسَ بأغنى عَنّي من هذه وأخذت هُدبةً من ثوبها فَقَالَ: كذبَتْ والله يا رَسُول الله إني لأنفُضُها نَفْضَ الأَدِيم ولكنها ناشِزٌ تُريد رفاعةَ فقال رسول لله: "فإن كَانَ ذَلِكَ لم تَحِلِّي له حتى تَذُوقي عُسَيْلتَه" قَالَ: فأبصر معه ابنين لَهُ فَقَالَ: "بَنُوكَ هَؤُلَاءِ" فَقَالَ نعم قَالَ: "هذا الَّذِي تَزعُمين ما تَزْعُمين فوالله لَهُم أشبَهُ بِهِ من الغُراب بالغُراب" ٢.
فهذه القِصَّةُ بِطُولها تدلّ عَلَى أنّها جاءت تدعي عليه العنة.
стр. 782
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أنه أتي بقناع جزء ١.
стр. 783
رُوِيَ لَنَا هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي يَعْلَى أَحْمَدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْ غَسَّانَ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ شُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ.
هَكَذَا قَالَ الرَّاوِي: جُزْءٌ وَزَعَمَ أَنَّ الْجُزْءَ الرُّطَبُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وهذا شيء لا أثِق بِهِ ولا أعتَمِده فإن كَانَ الأمْرُ عَلَى ما قَالَ فلا أراهم يسمُّونَهُ جُزْءًا إلا من قِبَل اجتزائِهم بِهِ عَنِ الطّعام كتَسْمِيَتهم الكَلأَ جُزْءًا وجُزُؤًا لُغتان لاجتزاء الإبل بِهِ عَنِ الماء. يُقال: جَزأَتِ الإبلُ عَنِ الماء إذَا اجْتزأت بالرُّطْب فلم تَشربْ.
قَالَ أبو سليمان: وأَحسِبُهُ أُتِي بقِناع جِرْوٍ وهو في كلام أهلِ المدينة وغيرهم من أهلِ الحِجاز القِثَّاءُ الصِّغار.
أخبرني أبو عُمر قَالَ قَالَ السَّيَّاري ١: عَنْ بعْض أصحابِه قَالَ: كنتُ أمرُّ في بَعضِ طُرُقاتِ المدينة فإذا أنا بحمّالٍ عَلَى رأسِه طَنّ ٢ فَقَالَ لي ٣: أعْطِني ذَلِكَ الجَرْوَ فتبَصَّرتُ فلم أرَ كلْبًا وَلا جَرْوًا فقلتُ ما هاهنا جَرْوٌ فَقَالَ: أنتَ عِراقيّ أعطني تِلكَ القِثَّاءة.
وهذا كحديثه الآخر: أَنَّهُ أُتِي بقِناع رُطَب وأَجْرٍ زُغْبٍ ٤ وقد فسَّرهُ ابنُ قُتيبة ٥ في كتابه.
وكنتُ إذَا دَارَت رحَا الأَمْر زُعْتُه ... بمَخْلُوجةٍ فيها عَنِ الأَمْر مَصرفُ ١
المَخلُوجَةُ: الرأيُ.
وهذا والله أعلم إشارةٌ إلى انقضاء مُدَّةِ الخِلافَةِ واستِيلاء بني أميّة عَلَى المُلْك وكان استواءُ الأَمر لمُعاوية سَنَةَ الْجَماعة وهي السَّنةُ التي بايَعَه فيها الحَسَنُ بنُ عَلِيّ وذلك سنة إحدى وأربعين ٢ ولا يَزالُ النَّاس يُشَبِّهون صُروفَ الزَّمان ٣ وعُقَب الأَيَّام وانقلابَ الدُّوَل بالرَّحا الدّوَّارة والمَنْجَنُون المُنْقَلِب ٤ وهذا في كلامهم أكثُر من أن يُسْتَشْهَدَ لَهُ أو يُدَلَّ عَلَيْهِ.
وفيه وجه آخر وهو أن يراد بدَورِ الرَّحَا وقُوعُ الفِتَن وهَيْجُ الحُروب.
قَالَ الشّاعرُ يصفُ حَربًا:
فدَارَتْ رحانا واسْتَدارتْ رحاهُمُ ... سَراةَ النَّهارِ ما تُولَّى المناكِبُ
وقال أبو الغُول:
معاشرُ لا يَملّون المنايا ... إذَا دارَتْ رَحا الحَرْبِ الطّحُون
وقال زُهَيْر:
فتَعْرككُم عَركَ الرَّحَا بثِفَالها ... وَتَلْقحْ كِشَافًا ثُمَّ تُنْتَجْ فَتُتْئِم ٥
وقوله: بقي لهم دينُهم سبعين سنَةً أي مُلكهم فكان مِنْ لدُنْ وَلِي معاويةُ إلى أن مَلكَ مَروانُ الَّذِي يُقال: لَهُ الحِمَار وظهر بخُراسَان أَمرُ أَبِي مُسْلم وَوَهَى أمْرُ بني أُميّة نحو من سَبْعين سنَةً. والدّين: المُلكُ والسُّلْطانُ. قَالَ الله
стр. 786
تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ ١: أي في سُلطانه ومُلكه.
وقال الشاعر من أهلِ الرِّدَّة:
أطعْنَا رَسُولَ الله إذْ كَانَ حاضِرًا ... فيالهْفَتا مَا بَالُ دينِ أَبِي بَكْر
يُريُد مُلكَهُ. ويُرْوَى مُلكِ أَبِي بَكْر.
وقال الأمويُّ: يقالُ دِنْتُهُ أي ملكْتهُ. وأنشد للحُطَيئة:
لقد دينت أمر بنيك حَتى ... تركتَهُم أَدقَّ من الطَّحيْنِ ٢
يريد ملكت أمرهم
٣ وقد روي معنى ما تأولناه عن ابن مسعود.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ رَجُلٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ إِذَا كَانَتْ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلاثِينَ حَدَثَ أَمْرٌ عَظيِمٌ فَإِنْ يَهْلِكُوا فَبِالْحَرَى. وَإِنْ يَنْجُوا فَعَسَى فَإِذَا كَانَتْ سَبْعِينَ رَأَيْتُمْ مَا تُنْكِرُونَ ٤.
стр. 787
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ ذَكَرَ الدَّجَّالَ وَفِتْنَتَهُ ثُمَّ خرج لحاجته فانتحب الْقَوْمُ حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ فَأَخَذَ بلجبتي الباب فقال: "مهيم" ١.
стр. 788
أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ نا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزْيَدَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ.
هَكَذَا قَالَ الأَصَمُّ: لَجْبَتَيِ الْبَابِ وَأُرَاهُ لَجْفَتَيِ الْبَابِ بِالْفَاءِ. وقد اختلف فيه فَقَالَ بعضهم اللّجاف والنّجافُ أُسكُفَّهُ ١ الباب. وقال آخرون: اللجافُ ما يُجْعَلُ من الخشَب فوق الباب لِيُمْسِكَهُ وَيَرُدَّه والّذي أُرِيدَ بِهِ في الحديث إنّما هُوَ العَضادتان دون الأسْكُفَّة وَدون ما يجعل فوق الباب من الخشب واللَّجَفُ أيضًا ما تلجّف من الطِّين في أسفل الحَوضِ والبئرِ أي تقطَّع وتقلع منه. قَالَ الشاعرُ:
يَحُجُّ مَأمومةً في قعرها لَجَفٌ ... فاسْتُ الطَّبيِب قَذاها كالمغَاريد ٢
أي الكمأة ٣
واللّجَفُ أيضًا حجر ناتئ ٤ ربمّا تَعلَّقت بِهِ الدَّلوُ فتَقطَّعت قَالَ الشاعر:
الدلْوُ دَلْوِي إن نَجَت من اللَّجَفْ ... وإن نجا صاحبها من اللفف ٥
стр. 789
قَالَ الأصمعي: يقال بِئْر مُتَلَجَّفَةٌ قَالَ واللَّجفُ أيضًا سُرَّةُ الوادي قَالَ: وهو البُعْثطُ أيضًا. وَمَهْيَمَ كلمة استفهام واستخبار.
стр. 790
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : "الْمُسْلِمُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ وهم يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهم يَرُدُّ مُشِدُّهُمْ عَلَى مُضْعِفِهِمْ وَمُتَسَرِّيُهُمْ عَلَى قَاعِدِهِمْ" ١.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنِي هُشَيْمَ ٢ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ.
قوله: يُردّ مُشِدُّهم عَلَى مُضْعِفِهم معناه أنَّ مَنْ حَضَر الوقعة من ضَعيفٍ أوْ قويّ حَاز المغنم وكان أُسوةَ أصحابه لا يفَضَّل قويٌّ كَثُر بلاؤُه عَلَى ضعيفٍ يقالُ رَجُلٌ مُشِدٌّ إذَا كانت دوابُّهُ شديدةٌ قويةً ومُضْعِف إذَا كانت دوابُّهُ ضِعافًا. وفي بعض ٣ الحديث: أنَّ المُضِعف أميرُ الرُّفقة يُريدُ أنَّ على القوم أن يسيروا بسيره أنشدني أبو عُمَرَ:
عَهْدي بهمْ في الحي قد سندوا ... تهدي صِعابَ مَطيّهم ذُلَلُهُ ٤
وفيه من الفقه أنّ الجياد لا تُفضَّلُ في السهمان عَلَى المقارِيف. وقوله: ومُتَسَرِّيهم عَلَى قاعدهم معناه أن الخارج في السَّرية يَرُدُّ عَلَى القاعد ما يُصيبه منِ الغنيمة وهذا في السَّريّة يبعثُهم الإمامُ وهو خارجٌ إلى بلاد العدو فإذا غَنِموا شيْئًا كَانَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ وبين أهلِ العَسكْر عامةً لأنهم ردء لهم فأما
стр. 791
إذَا بَعَثَهم الإمام وهو مُقيم فإنّ القاعدَ معه لا يَشْرك الظاعنَ في المغنم فإن كَانَ الإمام جعل لهم نَفلَا لم يَشْركهمْ غيرهم في شيء من ذَلِكَ عَلَى الوجهين مَعًا وكان رَسُول الله يُنَفِّل السَّريَّة إذَا بعثهم في البدأة والرَّجْعَة وهو أن يجْعَلَ لهم شَطْرَ ما غَنِمُوه بعد الخُمس ليكونَ أنشطَ لهم في الغَزْو وأحرص عَلَى الجهاد.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيِّ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنِ الْعَلاءِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ جَارِيَةَ التَّمِيمِيِّ عَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَفَلَ الرُّبْعَ فِي الْبَدْأَةِ وَنَفَلَ الثُّلْثَ بَعْدَ الْخُمْسِ إِذَا قَفَلَ ١.
ويشْبه أن يكون والله أعلم إنما فَضَّل العطاء في الرَّجْعَةِ عَلَى البَدْأة لقُوَّة الظَّهر عند دُخُولهم وضَعْفِه عند رجوعهم فَجعل المعونةَ لهم بإزاء المؤُونةِ عليهم.
وفيه من الفقه جوازُ أَمانِ العَبْد قاتل أو لم يقاتل.
يقال: أَحرثْنا الخَيْلَ وحَرَثْنَاهَا أي هَزَلْنَاهَا وإنّما يُقالُ في الإبل أحرفْناها. يقال: ناقة حَرْفٌ أي هَزيل. ويقالُ سُمِّي حَرْفا لانحرافه عَنِ السّمن إلى الهزال. وقد تكون الحرائثُ يُرادُ بها المكاسب والمتاجر. والاحتراث اكْتِسابُ المالِ. قَالَ امرؤُ القَيْس:
ومنْ يحْتَرث حَرثي وحرْثَكَ يُهزَلِ ١
وبعضهم يرويه إلى حرائبكم ٢ جمع حَرِيَبة. وحَرِيبةُ الرَّجل ماله الَّذِي يعيش بِهِ وهذا أشبه والله أعلم.
قوله: تُخْتَل الدُنيا بالدِّين يريد أنّها تُطلَبُ بعَمَل الآخِرة وأَصْلُ الخَتْل الخَدْعُ. يُقالُ خَتلْتُ الرجُلَ إذَا خَدعْتَه وأنشدني أبو عُمَر:
أدَوْتُ لهُ لأَخْتِلَه ... فَهَيْهاتَ الفَتَى حَذِرُ ١
ويقالُ: ختَلْتُ الصَيْدَ إذَا أتَيْتَه من حيث لا يَراكَ ومثله درَيْتُ الصَّيْدَ. قَالَ الشَّاعر:
فإن كنتُ لا أَدْري الظِّباءَ ... فإنَّني أَدُسُّ لها تحْتَ التُرَابِ الدّوَاهِيا ٢
وقال الأَخْطَلُ:
وإن كُنتِ قد أقْصَدْتِني إذْ رَمَيْتِني ... بسَهْمَيك والرَّامِي يُصِيب ٣
وما يَدْرِي يُريدُ أنّه قد يُصيب الرَّمية من غير أن يَخْتِل ومنه قولهم يُصِيبُ وما يَدْري ويُخْطِئُ إن دَرَى ويُرْوَى يَصِيدُ وما يَدْري.
وقوله: تُتَّخذ السّيوفُ مناجِلَ يرِيدُ أنّ الناس يَتْركُون الجهاد ويَشْتَغِلون بالحرث والزراعة.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "النَّاسُ كَأَسْنَانِ الْمُشْطِ وَإِنَّمَا يَتَفَاضَلُونَ بِالْعَافِيَة وَلا خَيْرَ فِي صُحْبَةِ مَنْ لا يَرَى لَكَ مِثْلَ الَّذِي تَرَى لَهُ" ١.
حَدَّثَنَاهُ الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى بْنِ صَالِحٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ قُتَيْبَةَ الْعَسْقَلانِيُّ نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَيُّوبَ الْحَوْرَانِيُّ نا بَكْرُ بْنُ سُلَيْمٍ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ.
قوله: "كأَسْنان المُشْط" مَثَلٌ والمعنى أَنّهم سَواء في أصْل الخِلْقَة والجِبِلَّة كما أنّ أَسنانَ المُشْط سواء لا يَفْضُلُ سِنٌّ منها سنًّا ٢. ويُقال في وجهٍ آخر هم كأسْنان الحِمَار وذلك في الذَّمِّ لا غير. قَالَ الشاعر:
سَوَاسِيَةٌ كأسْنَان الحِمَار ٣
فأما قوله: الناسُ كإبِلٍ مائةٍ لا تكاد تجد فيها راحلة ٤ فمعناه أنهم مُتَساوون في الحُكْم لا فَضْل لشَرِيف عَلَى مَشْرُوفٍ ولا لِرَفيعٍ عَلَى وَضِيع.
وقوله: "لا خَيرْ في صُحْبَةِ مَنْ لا يَرَى لَكَ مِثْلَ الَّذِي ترى له" يُتَأَوّلُ عَلَى وَجْهَين أحدهما أن يكون حذَّرَه صُحْبَةَ مَنْ يذهب بنَفْسه تِيهًا وكِبْرًا فلا يَرَى لأحدٍ عَلَى نَفْسه حَقًا.
والوَجْهُ الآخرُ أن يكون حَثَّه بذلك عَلَى شُكْرِ العارفة والمُكافأةِ عَلَى
стр. 805
الإحْسان كأنّه قَالَ: لا خيرَ لك في صُحْبَة مَنْ لا يرى لك عنده من الصنيعة مِثَل الَّذِي تراه لَهُ عندك يُريدُ لا تَرْضَ بأن تكون مَغْمُورًا بِبِرِّ من تَصْحَبُه حتّى تُنيلَه من بِرِّك مثْل ما تَنَالُ من بِرِّهِ وعلى هذا المعنى يُتأوَّلُ قَولُ جرير بْن الْخَطَفي:
وإنّي لأستَحِيي أخي أَن أَرَى لَهُ ... عَليَّ من الحَقَّ الذي لا يرى ليا ١
ورَوَى الواقديُّ عَنْ أَبِي مَعْشَر قَالَ: مَسْكُ الحَمَل كَنْزُ آل أَبِي الحُقَيْق وحُلِيٌّ من حُلِيّهِم كَانَ يكونُ في مَسْك حَمَلٍ ثُمَّ في مَسْك ثَوْرٍ ثُمَّ في مَسْكٍ جَمَلٍ. وكان العُرْسُ يكون بمكّة فيُسْتعار مِنهم ذَلِكَ الحُلِيّ قَالَ: الواقدي وقد قوّموه ١ نحو عشرة آلاف دينار.