ورَوَى الواقديُّ عَنْ أَبِي مَعْشَر قَالَ: مَسْكُ الحَمَل كَنْزُ آل أَبِي الحُقَيْق وحُلِيٌّ من حُلِيّهِم كَانَ يكونُ في مَسْك حَمَلٍ ثُمَّ في مَسْك ثَوْرٍ ثُمَّ في مَسْكٍ جَمَلٍ. وكان العُرْسُ يكون بمكّة فيُسْتعار مِنهم ذَلِكَ الحُلِيّ قَالَ: الواقدي وقد قوّموه ١ نحو عشرة آلاف دينار.
رسَسْتُ بين القوم أَرُسّ رَسًّا إذَا أصلحْتَ بينهم ومثله أسْمَلْتُ بين القوم إسْمالا. قَالَ الأصمعيّ ومثله أسوت بينهم آسو أَسْوًا. وقال الكسائي سَملْتُ بين القوم وسَممْتُ إذَا أصْلَحْتَ بينهم. قَالَ الكُمَيْتُ:
وتنْأَى قُعورُهم في الأمو ... ر عَلَى من يَسُمُّ ومَنْ يَسْمُلُ ١
стр. 812
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ كَانَ عَامَّةُ وَصِيَّتِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ الصَّلاةُ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ١.
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ ٢ النَّجَّادُ نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبِرْتِيُّ نا خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ نا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ.
هذا يُتأوَّل عَلَى وجهين:
أَحدُهما أن يكون في مَمَالِيك الرَّقِيق أَمَر بالإحسان إليهم. والتَّخْفِيف عنهم.
والوَجْه الآخرُ أن يكون ذَلِكَ في حُقُوقِ الزَّكاةِ وإخراجِها من الأَمْوال التي تَمْلكُها الأَيْمانُ عَلَى مُشَاكَلة قَولِه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ٣.
وقد يكون عَلِم بما أَطْلَعَه اللهُ عَلَيْهِ من غيبه وأوحى إليه
стр. 813
من أمره أَنَّ العَربَ تُنكِرُ الزَّكاةَ وتمتنعُ من أَدائِها إلى القائِم من بعده وتَفزَعُ في ذَلِكَ إلى الشُّبْهة التي قد تَعلَّق بها أَهلُ الرِّدَّة فاحتجّوا بها عَلَى أَبِي بَكْر فقالوا إنَّ فرْض الزَّكَاةِ قد انْقَطَع بموت رسول الله وأنّه لَيْس للقائِم بعدَه أَخْذُها لأنّ الخِطابَ في قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ ١ خارجٌ مَخرَجَ الخُصُوصِ لَهُ وأَنّ غيره من أمّته لا يتَّسِعُ للتَّطْهِير والتَّزكِية ولذلك يَقُولُ شاعِرُهم:
أَطْعنا رَسُولَ الله ما كَانَ بيننا ... فَوا عجبا ما بال مُلْك أَبِي بَكْر ٢
فقَطَع رَسُولُ الله دَعْواهم هذه بأن جَعَل آخرَ كلامِه الوَصِيَّةَ في الصّلاة خَلْفَ الأئِمّة بعدَه وأداءَ الزكاة إليهم وعَقَل أبو بَكْر هذا المعنى من الآية والخَبَر فاحتجّ بِهِ عَلَى الصَّحابة فَقَالَ: والله لأُقاتِلَنّ مَنْ فَرّق بين الصلاة والزكاة.
قوله: أعترقها لَسْتُ أدرِي كيف الرِّواية في هذا الحرف بالعَيْن أو بالغَيْن فإن كانت بالغَيْن مُعجمةً كَانَ معناه أنّه سَعَى شَدًّا عَلَى رِجْله حتى تَقدَّمها فأخذ بخِطام الجمل. يُقال: للفرس إذَا خالطَ الخَيْل ثمّ سَبقَها قد اغْتَرقَها. وإنْ كانت الرِّواية بالعَيْن فمن قولهم: عَرَق الرَّجلُ عُروقًا في الأرض إذَا ذَهَب وَجَرت الخيْلُ عَرَقًا أي طَلَقًا وعلى هذا تأوَّل ابنُ دُريد قَولَ قَيسِ بْنِ الخَطيم:
تَعْتَرقُ الطَّرْفَ وهْيَ لاهَيةٌ ... كأنَّما شَفَّ وَجْهَهَا نزَفُ ١
زعم ٢ مَبْرمانُ النَحْويُّ أنّه أَنشدهم هذا البَيْتَ تَعْتَرِقُ بالعيْن غيرِ مُعجمة يريد أَنَّها تَسْبِق نَظَر العَيْن وتَفُوتُه فلا يَقْدر عَلَى استِيفاءِ مَحاسِنها. قَالَ: والروايةُ الصحيحةُ تَغْتَرِقُ بالغيْن مُعجمة ورِوَايةُ ابنِ دُرَيد تَصْحيف
وقال المُفجَّع يذكرُ ذلِك في أشياء زعم أن صَحّفَ فيها:
ألَسْتَ قِدْمًا جعَلْتَ تعترق الط ... رف بِجَهْلٍ مَكَانَ تَغْتَرِقُ
وقُلْتَ كَانَ الخِباءُ من أَدَمٍ ... وهو حِباء يُهدَى ويُصْطَدَقُ ٣
يُرِيدُ قَولَ مُهلهِل بْن ربيعة:
أنكحَها فَقْدُها الأراقَم في ... جَنْبٍ وكان الحِبَاءُ مِنْ أدَم
زعم أَنَّهُ أنشدهم البيت بالخاء وإنما هُوَ الحِبَاء بالحاء وهو عَطِيّة الصَّدَاق وكان مُهَلهل نَزَل في آخر حَرْبِ البَسُوسِ في جَنْب ابنِ عَمْرو وهو
стр. 816
حَيٌّ من أحياء مَذْحِج وضِيعٌ فخُطِبَتِ ابنَتُهُ ومُهِرَتْ أَدَمًا فلم يقدِرْ عَلَى الامْتَناع فزوَّجَها. وقال:
أنكحَها فَقْدُها الأراقَم في ... جَنْبٍ وكان الحِباءُ مِن أدَمِ
لَوْ بأبا نين جاء خاطِبُها ... ضُرِّجَ ما أَنْفُ خاطب بِدَمِ ١
والأَراقُم قَبِيلةٌ من تَغْلِب سموا أراقم لأن أعينهم شبهت بعيون الأراقم. وهي الحيات.
وكانوا أغاروا عَلَى إِبِله يَقُولُ أرجو أن يعطِفكم ما شَرِبْتُم من ألبانِها وتَرعَوْن لي حُرْمَةَ ذَلِكَ فتردُّونَها وقال آخر:
لا يبعد الله رب البلا ... د الملح ما ولَدَتْ خالدَه ١
وقال عَمْرو بْن سعيد لعبد الملك يوم قَتَلَه: أذكِّرُكَ مِلْحَ فلانةَ يعني امرأَةً أرْضَعَتْهما معًا. والمِلْحُ الشَّحْمُ أيضًا. قَالَ مِسْكِينٌ الدارميّ:
لا تَلُمْها إنَّها من أمَّةٍ ... مِلْحُها مَوْضُوعَةٌ فوْقَ الرُّكَبْ ٢
وقال الأصمعيُّ: بعير مملَّح إذَا كَانَ فيه شيء من شَحْم. وقال عُرْوَةُ:
عشية رحنا سائرين وزادنا ... بقية شحْمٍ من جَزُورٍ مُمَلّح ٣
فأمَّا المَلْجَةُ بالجيم فهي المَصَّة. يُقالُ مَلَجَها ومَلَقَها ولا يُقالُ ملَحها من المِلح إنّما يُقالُ مَلَحتْ بِهِ إذَا أَرضَعَتْه.
وفي الحديث من الفقْه أَنَّ الرَّضْعة والرَّضْعتيْن لا تُوِقع الحُرْمة.
وفي بعض الرِّوايات: "لا تُحَرِّمُ الخَلْجَةُ والخَلْجتان" وأَصْل الخَلْج النَّزْع وكل قليل من الماء نُزِع عَنْ كثير فقد خُلِج منه ومن هذا خليج البحر ٤.
стр. 825
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ خَيْلًا أَغَارَتْ عَلَى سَرْحِ المدينة فخرج رسول الله وَجَاءَ أَبُو قَتَادَةَ وَقَدْ رَجَّلَ شعره فقال رسول الله: "إِنِّي لأَرَى شَعْرَكَ حَبَسَكَ" فَقَالَ: لآتِيَنَّكَ بِرَجُلٍ سَلَمٍ ١.
يَرْوِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْ أَبِي هِلالٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ.
قَوْلُهُ: سَلَم أي أَسِير وإنّما قِيلَ للأَسِير سَلَمٌ لأنّه قدْ أسلم وخذل. قال الفرزذق:
وقُوفًا بها صَحْبي عليَّ كَأنَّني ... بها سَلَمٌ في كفّ صَاحبِه ثَأرُ ٢
ومِثْلهُ: قَوْمٌ سَلمٌ الواحِدُ والجَمِيع سواءٌ قَالَ الشاعرُ:
فاتَّقَيْن مَرْوانُ في القَوْمِ السَّلَمْ
وهذا كما قِيلَ: رَجُلٌ خَصْمٌ وقَوْمٌ خَصْمٌ ورَجُلٌ عَدُوٌّ وقَوْمٌ عَدُوٌّ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ ٣. ويُقال: إنَّما سُمِّي اللَّدِيغُ سَليمًا لأنّه مُسْتَسْلِم لِمَا بِهِ.
أخبرني أَبُو عُمَرَ أنا أَبُو الْعَبَّاسِ ثعلب عن ابن الأعرابي قَالَ سَأَلْتُ أَبَا المُكارِم عَنِ السَّلِيم فَقَالَ سُمِّي سِليمًا لأنّه مُسْتَسْلِمٌ لِما بِهِ. قَالَ وسُمِّيَتْ مَفازة لأن من قطعها فازَ بالحياة.
وقال بعضُهم: إنّما سُمِّيت مفَازةً من قولهم فوْزَ الرجلُ إذَا مات يريد أنّها مَهلكةٌ وأَنشدَ قولَ الكُميتِ:
وما ضرَّني أنَّ كَعْبًا ثَوى ... وفوّزَ مِنْ بَعْده جَرْوَلُ ٤
стр. 826
فأما عامَّة أهل اللغة الأَصمَعِيُّ وغيره فإنَّهم قَالُوا سُمِّي سليمًا عَلَى مذهب التَطيُّر لِيَسْلم كما سُمَّيَتْ مفازةً ليَفُوزَ.
فَأَمَّا حَدِيثُهُ الآخَرُ أَنَّهُ أَخَذَ ثَمَانِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ سَلَمًا ١.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ نا حَمَّادٌ أنا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ.
مَعْنَاهُ أَنَّهُمُ اسْتَسْلَمُوا فَأَعْطَوْا بِأَيْدِيهِمْ وَمِنْهُ قَولُه تَعَالَى: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ ٢ أي المقادة واستسلموا لكم.
стр. 827
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالْقُسَامَةَ" قِيلَ وَمَا الْقُسَامَةُ قَالَ: "الشَّيْءُ يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ فَيُنْتَقَصُ مِنْهُ " ١.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ التِّنِّيسِيُّ نا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ نا الزَّمَعِيُّ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُرَاقَةَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ.
المُحدِّثُون يقولون القَسامَة بفتْح القَافِ والقَسامَةُ من قسم اليمين وإنما هي القُسَامة بضمّ القاف وهو ما يأخذهُ القَسَّامُ لأُجْرته فيَعْزَل من رأسِ المالِ جُزْءًا معلومًا لنفسه كالسُّقاطَةِ اسْمًا لِما يَسْقُطُ والنُّشَارة لِما يُنشَر والنُّحاتَةُ لما يُنْحتُ والبُراية لِما يُبْرى وإنّما المكروه من ذَلِكَ ما يُقْتات بِهِ على أرباب المال من غير إذن منهم فيه عَلَى ما تواضعه الباعة وارتسمه
стр. 828
السَّماسرة فيما بينهم من أَخْذهم من عُرْضِ المالِ شَيئًا مَعْلُومًا من كلّ ألْفِ درهم عشرين درهمًا أو نحوها وإنّما يلزَمُ في هذا أجرُ المِثْل بالغًا ما بلغ ولا أعلم أحدا كَره أُجْرةَ القَسَّامِ إلا ما يُرْوَى عَنْ بَعْض السَّلَف إنّه كَانَ يذهب في ذَلِكَ إلى أنّها لا تَحِلّ من أجْل أنّه زعم كالحاكم وإنّما أَجرُه في بيت المال.
قوله: يُحَوّي هُوَ أن يُديرَ كِساءً حَوْلَ سَنامِ البَعِير ثُمَّ يركبُ وهو الحَوِيَّة. قَالَ الأصْمعيُّ: والسَّوِيّة كِساءٌ مَحْشُوٌّ بثُمامٍ أو ليفٍ أو نحوه يُجْعَل عَلَى ظَهْر البَعِير.
وفي قصّة بَدرٍ أنّ أَبَا جَهْلٍ بعث عُمَير بْن وَهْب الجُمحيَّ لِيَحزُرَ أصحابَ رسول الله فأطاف عمير برسول الله فلما رجع إلى أصحابه قَالَ: رأيْتُ الحَوايَا عليها المنايا نواضحُ يثرب تحمل الموت الناقع ١.
стр. 832
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ كَعْبَ بْنَ الأَشْرَفِ عَاهَدَهُ أَنْ لا يُعِينَ عَلَيْهِ وَلا يُقَاتِلَهُ وَلَحِقَ بِمَكَّةَ ثُمَّ قَدِمَ المدينة معلنا معاداة النبي فَخَزَعَ مِنْهُ هِجَاؤُهُ لِلنَّبِيِّ ﵇ حين يقول:
أذاهب أن لَمْ تَحْلُلِ بِمَرْقَبَةٍ ... وَتَارِكٌ أَنْتَ أُمَّ الْفَضْلِ بِالْحَرَمِ
فِي أَبْيَاتٍ ١ فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ ٢.
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ السُّرِّيُّ نا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَحْمُودٍ أَرَاهُ ابْنَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.
قوله: فخزع منه هجاؤه للنبي أي قطع ذِمَّتَه وعَهْدَه هِجاؤُه للنّبيّ ﵇. يقال خَزَعَني ظَلَعٌ في رِجْلي أي قَطَعَني عَنِ المشْي وانْخزعَ فُلانٌ عنّا أي انْقَطَع. قَالَ حَسَّانُ بْن ثابت:
стр. 833
فلّما هبَطْنا بَطْنَ مَرٍّ تَخزّعَتْ ... خُزاعةُ عَنَّا في حُلُولٍ كراكِرِ ١
قوله: تخزّعَتْ خُزاعَةُ عَنَّا تَقَطّعَت وبه سُمِّيت خُزاعة وكان من أمر خزاعة ما حدَّثَنِي بِهِ محمد بْن نافع الخزاعي نا عمي إِسْحَاق بْن أَحْمَد الخزاعي نا أَبو الوليد الأزرَقي عَنْ سَعِيد بْن سالم القَدَّاح عَنْ عثمان بْن ساج عَنِ الكَلبي عَنْ أَبِي صالح قَالَ لمّا كَانَ من أمر مَأرِب وسَيْل العَرِم ما كَانَ اجتمعت العربُ إلى طُريْفَةَ الكاهنةِ فقالوا لها ماذا تأمُرين فقالت مَن كَانَ منكم ذَا هَمٍّ بعيدٍ وجَملٍ شَدِيد ومَزادٍ جَدِيد فلْيلحَقْ بقصر عُمانَ المَشِيد فكانت أَزْدَ عُمَان ثُمَّ قالت مَنْ كَانَ منكم ذا جَلَد وقَسْرٍ ٢ وصبْرٍ عَلَى أزمات الدَّهْر فعلَيْه بالأراك من بَطن مَرٍّ فكانت خُزَاعَة. ثُمَّ قالت مَنْ كَانَ منكم يريد الرَّاسِياتِ في الوَحْل المُطْعمِاتِ في المَحْل فليَلْحق بَيَثْربَ ذي النخل فكانت الأوس والخزرج. ثُمَّ قَالَتْ من كَانَ منكم يريد الخمر والخَمِيرَ والمُلْكَ والتّأمِيرَ ويَلبَس الدِّيباجَ والحرِيرَ فلْيلْحق بِبُصْرَى وغَوِير ٣ وهما من أرْض الشَّأْم فكان الذين سَكَنُوها آلُ جَفْنَة وغَسَّان ثُمَّ قالت مَنْ كَانَ منكم يُرِيد الثِّياب الرقاق والخيل العتاق وكنوز الأَرزاق ٤ والدَّمَ المُهراقَ فليَلْحَقْ بأرضِ العِراق فكان الذين سَكَنُوها آلُ جَذِيمَة الأبرش ومن كَانَ بالحِيرَةِ من آلِ غسّان وآل مُحرّق.
قَالَ فأقبلوا وسارَت الأَوسُ والخَزرجُ إلى المدينة وانخزعت خزاعة
стр. 834
بمكّة فأقام بها وَوَلِي البيْتَ وذكر القصّة بطُولها ١.
يريد أنها تخلّفَتْ عَنْ أصحابها وانقطعَتْ عنها.
стр. 835
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ صَالَحَ أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ أَنْ لا يَدْخُلُوا مَكَّةَ إِلا بِجُلُبَّانِ السِّلاحِ ١.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا أَبُو دَاوُدَ نا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ نا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: فَسَأَلْتُهُ ٢ مَا جُلُبَّانُ السِّلاحِ فَقَالَ الْقِرَابُ بِمَا فِيهِ. الجُلُبَّانُ شيءٌ شبيهٌ بالجِراب من الأَدَمِ يضع فيه الراكبُ سيفَه بقِرابه ويضعُ فيه سوْطه يُعلِّقه الرّاكبُ من واسِطَة رَحْله أو من آخرِه ٣ وإنّما اشترطوا دخولَه مكّةَ والسيُوفُ في قُرُبِها ليكون ذَلِكَ عَلمًا للسلم إذ كان دخوله مكَّةَ صُلْحًا ولو دخلوها متقلَّدين لها لمِ تؤمن السَّلَّة كقول الشاعر:
إِنْ تَسْأَلُوا الحقَّ نُعْطِ الحقَّ سَائِلَه ... والدِّرْعُ مُحْقَبَةٌ والسَّيفُ مَقْرُوبُ
والعرب لا تضَعُ السِّلاحَ إلا في الأمْن. قَالَ مُرّةُ بنُ مَحْكان:
يَا رَبَّةَ البيْت قُومِي غَيْرَ صاغِرةٍ ... ضُمِّي إليكِ رِحالَ القوم والقُرُبَا
يُريدُ خُذِي سُيوفَهُم وأَعْلميهم أنهم في دار عز وأمان.
стр. 836
فأمّا خَبُر فتْحِ مكَّة ورواية مَنْ رَوَى أنّ رَسُولَ الله دخلها عَنْوةً فإنّ العَنْوة في كلام العرب لها مَعْنَيان متضَادَّان. قَالَ أبو العبّاس ثَعْلَب: يُقال: أَخذتُ الشيءَ عَنْوةً أي قهْرًا في عُنْفٍ وأَخذْتُه عَنْوةً أي صُلْحًا في رِفْق. قَالَ وأنشدنا ابن الأعرابي عَنِ المُفضَّل:
فَما أخذوها عنوة عن مودَّةٍ ... ولكنَّ حَدَّ المَشْرَفيّ استقالَها ١
فهذه الرّواية تحَتمِلُ التَّأويل. ومَنْ روَى أَنَّهُ دَخَلَها صُلحًا لم يحتمل قولُه: التأويلُ فأصَحُّ الوجْهَيْن أولاهما.