قوله تَعَالَى: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾: أَيْ تَعَلَّمتَ ١ ودرسْتُ الدابّةَ إذَا رُضْتَها وذلَّلْتَها للركوب ودَرسْتُ الحِنْطة إذَا دُسْتَها أو طحَنْتَها. قَالَ ابن ميّادة:
يكفِيك من بعضِ ازدَيار الآفاقْ ... سمراءُ مِمّا درَّس ابنُ مِخْراقْ ٢
معناه يكفيك من زيارة الآفاق والجولان فيها هذه النّاقةُ السَّمراء. ويُقال: أراد بالسَّمْراء حنطة بطحنها.
وفي حديث عِكرمةَ مولى ابن عبّاس وذكر أهلَ الجنَّة وأنهم يَرْكَبُون نُجُبًا هي ألْيَنُ مَشْيًا من الفِراشِ المَدرُوسِ ٣ يريد الموطّأ الممهود.
стр. 848
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "صَوْمُ شَهْرِ الصَّوْمِ وَثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صَوْمُ الدَّهْرِ وَيَذْهَبُ بِمَغْلَةِ الصَّدْرِ ". قِيلَ: وَمَا مَغْلَةُ الصَّدْرِ قَالَ: "حَسُّ الشَّيْطَانِ" ١.
حَدَّثَنِيهِ الثِّقَةُ مِنْ أَصْحَابِنَا نا الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ نا إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ نا حَجَّاجٌ نا حَمَّادٌ نا الأزْرَقُ بْنُ قَيْسٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ.
المَغْلَةُ: أصْلُهَا وَجَعٌ يأخُذ الغَنَم في بُطونها. يُقال: عِند ذَلِكَ أمغَلَت أي أصَابَها ذَلِكَ الوَجَع. ومنه قِيلَ مَغَل الرَّجُل بصاحبه إذا وقع فيه يريد ٢
стр. 849
أنّه عضّه بكلام أوْجعَه فمَغْلُ الصَّدْرِ ما يَجِدُه الواجِدُ في صدْره من الغِلّ والفَسَاد ١.
وهذا كَحَديثهِ الآخَر أَنَّهُ قَالَ: "صَوْمُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ يذهبُ بَوَحَر الصَدْر" ٢.
وقد فسّرَه أبُو عُبَيْد في كتابه وقد يُرْوى هذا الحرفُ بالتَّثقيل فيقال: مَغِلَّه الصّدر من الغِلِّ كقَوْلِه: "ثلاثٌ لا يَغِلُّ علَيْهنَ قَلْبُ مُؤمنٍ إخْلاصُ العَمَل لله والنَّصِيحةُ لِوُلاة الأمرِ ولزُومُ جماعة المُسْلمين فإنّ دعْوتَهم تُحِيطُ من ورائه" ٣.
قَالَ أبو عُبَيْدٍ ٤: يُروَى يَغِلّ ويُغِلّ فمن قَالَ يَغِلُّ بالفَتْح فإنه يجْعَلُه من الغِلّ وهو الضِّغْنُ والشّحْناء ومَنْ قَالَ: يُغِلُّ بضمّ الياء جعله من الخِيانَة من الإِغلال.
قَالَ أبو سليمان: أمّا وجْهُ الكَلام وإعرابُه فعلى ما ذكَره أبو عُبَيْدٍ وأما تأويله ومعناه فإنّه يرِيدُ والله أعلم أن هذه الخِلال الثَّلاثَ ممّا لا يُخالجُ القلبَ ريْبٌ أنَّهُنّ بِرٌّ وطاعةٌ لأنّها من المعروف الَّذِي تعرفه النُّفُوسُ وتَسْكنُ إِلَيْهِ القُلوبُ.
وهذا كحديثه الآخر أَنَّهُ سُئِل عَنِ البِرِّ والإِثم فَقَالَ: "البِرُّ حُسْنُ الخُلُق والإثُم ما حك في نفسك" ٥.
стр. 850
وفيه وجه آخر وهو أن يكون أَرادَ أنّ القلبَ يُسْتَصْلَح بهذه الخِصال ويُعالَجُ نغَلُه وفَسادُه بها وأَنّ مَنْ تَمَسَّك بها لم يَجِدْ غِلا في قلبه عَلَى أحد يَحُضّ عَلَى لُزُومها والمحافَظَة عليها وكان أبو أُسامة حَمَّادُ بْن أُسامَة القرشيِّ يَرْوِيه لا يَغِلُ بالتَّخْفِيف هكذا حَدَّثُونا عَنْ مُوسَى بْن إسحاق الأنصاري عن أبي كريب عن أبي أُسَامة فإن كَانَ محفوظًا فوجْهُه أن يكون مأخوذا من الوُغُولِ وهو الدُّخُول في الشَّرِّ وقلّما يُقال الوُغُولُ في الخيْر. ومنه قِيلَ للرجلُ الَّذِي يَدخْلُ مَعَ القوم في الشُّرب ولا يُخرِجُ معهم شيئًا واغِل.
قَالَ امرؤُ القيس:
فاليَومَ أشرَبْ غيرَ مستحْقبٍ ... إثمًا من الله ولا واغلِ ١
وبذلك سُمّي الرّجل الدَّنِيءُ وَغْلًا. ويقال: وَغَل عَلَى القوم في الشراب إذَا لم يُدْعَ إِلَيْهِ.
ورَشَنَ في الطَّعام وبه سُمِّي الطُّفَيْليّ راشِنًا. وهو الوارِشُ أيضًا وهو الشولقي أيضا ٢.
ولا وجه للحديث أعْلَمُه غير هذا إذا لا يجوز أن يكون أحَدٌ أقرأَ لكتاب الله وأوْعى لَهُ ١ وأعْلم بِهِ من رَسُول الله وقد نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلَى قلْبِه ليكون من المُنذِرِين بلسان عربي مبين.
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يْفتَحُ أصابعَه عِنْد التَكْبير ويُفرّجُ بينها وقال: "أُمِرتُ أن أسْجُدَ عَلَى سَبْعَة أعْضاء وأَنْ لا أَكفَّ ثَوبًا ولا شعَرًا" ١.
وفيه وجْهٌ آخر وهو أن يكون إنّما كَرِه ذَلِكَ لأَنَّه يَجْلِبُ النوْمَ إذَا شَبَّك بين أصابعه واحْتبى بيَدَيْه نهاه عَنِ التَّعرُّض لنَقْض طهارته وقد ذهب بَعْضُ الناس في تَأْوِيله إلى وَجْهٍ يَبْعُدُ جدًا ويَنْبُو عَنْهُ لَفْظُ الحديث وزعم أَنَّ تَشبيكَ اليَد كِنايةٌ عَنْ ملابسة الخُصُومات والخَوْض فيها واحتجّ بقوله: ﵇ حِينَ ذَكَر الفِتَن فشَبَّك بيْن أَصابعه وقال: "تكونون فيها هَكَذا" ٢
ونزع في ذَلِكَ بِبَيْتٍ لبَعْض الشّعراء وهو قوله:
وكتيبَةٍ لبَّسْتُها بكَتيبةٍ ... حتى إذَا اشْتَبَكَتْ نفَضْتُ بهم يدي
أي خليت عنهم ٣.
стр. 863
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ قَامَ إِلَى الصَّلاةِ فكان هوؤه وَقَلْبُهُ إِلَى اللَّهِ انْصَرَفَ كَمَا ولدته أمه " ١.
هوؤه هِمَّتُه. قَالَ رُؤبَةُ:
تَمدَّهِي ما شِئْتِ أن تَمَدَّهِي ... فَلَسْتِ من هَوْئي ولا ما أَشْتَهِي ٢
وقال الأصمعيُّ: يُقالُ فُلانٌ بَعيدُ الهَوْءِ أي بَعِيدُ الهِمَّة. قَالَ: ومثله السأو.
стр. 864
قَالَ ذُو الرُّمَّة:
دَامِي الأظَلِّ بعيد السأو مهيوم ١
стр. 865
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ " ١.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحَارِثِيُّ نا حُسَيْنُ الْجُعْفِيُّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَذْكُرُهُ.
فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يُرْوَى عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى قَالَ سَأَلْتُ يُونُسَ بْنَ عُبَيْدٍ مَا أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا قَالَ الدُّنُوُّ مِنَ اللَّهِ.
وَالْوَجْهُ الآخَرُ ذَهَبَ إِلَيْهِ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ قَالَ إِذَا أَلْجَمَ النَّاسَ الْعَرَقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ طَالَتْ أَعْنَاقُهُمْ لِئَلا يَغْشَاهُمْ ذَلِكَ الْكَرْبُ وَرَوَاهُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ إعْنَاقًا بكَسْر الأَلِف أي إسْرَاعًا إلى الجنَّةِ من سَيْر العَنَق.
وفيه وجه آخر وهو أن يُراد بالأعناق جماعات الناس من قولهم أتاني عُنُقٌ من الناس أي جماعة كثيرة يريد أن المؤذنين أكثر الناس أتباعا يوم القيامة. وأتباعهم القوم الذي أجابوهم إلى الصلوات ٢.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ تَحَلَّى ذَهَبًا أَوْ حَلَّى وَلَدَهُ مِثْلَ خَرْبَصِيصَةٍ أَوْ عَيْنِ جَرَادٍ كَانَ كَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".١
حَدَّثَنِيهِ ابْنُ أَبِي عَرَابَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ زِيَادٍ الْقَطَّانُ نا إِسْمَاعِيلُ أُرَاهُ ابْنَ أَبِي كُثَيْرٍ ٢ نا مَكِّيُّ بْنُ إبراهيم نا إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّيْبَانِيُّ حَدَّثَنِي شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ قَالَ الأصمَعِيُّ وأبو زَيْد يقال ما عَلَيْهِ خربَصيصةٌ ولا هَلْبَسِيسَة أي شيء من الحُلِيِّ وعن البزيدي بالحَاءِ والخاء رَواه أبو عُبَيْدٍ ٣ عَنْهُ
وأكْثَرُ ما يُقال ذَلِكَ في النَّفْي. يقال ما عَلَيه خَرْبَصِيصَة وقلَّما يُقال في الإِيجاب قَالَ ابنُ الأعرابي والخَرْبَصِيصُ أيضًا الجَملُ الضَّعِيفُ قَالَ وأنشدني المُفضَّلُ:
قد أَقْطَعُ الخَرقَ البعيدَ بيْنُه ... بخربصيص ما تنام عينه
стр. 869
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ من اليد السفلى " ١.
стр. 870
قَالَ ابنُ قُتَيْبَة العُلْيَا: المُعْطِيَةُ والسفلى السائلة.
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: وهذا وجه حَسَنٌ. وفيه وَجْه آخر أشبَهُ بمعنى الحديث وهو أن تكون العُلْيَا المُتَعفِّفَة وقد رُوِي ذَلِكَ مَرْفُوعًا.
حَدَّثُونَا بِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا عَارِمٌ نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عمر سمعت رسول الله يَخْطُبُ: "الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى" ١.
اليَدُ العُليَا اليَدُ المُتَعفّفةُ.
وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافَعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْيَدُ الْعُلْيَا الْمُتَعَفِّفَةُ وَالْيَدُ السُّفْلَى السَّائِلَةُ" ١.
وَأَخْبَرَنَا ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ قَالَ رَوَى عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ الْيَدُ الْعُلْيَا الْمُتَعَفِّفَةُ ٢.
وَيُؤَكِّدُ هَذَا حَدِيثُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أعطى حكيم بن حزام دُونَ مَا أَعْطَى أَصْحَابَهُ فَقَالَ حَكِيمٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ تُقَصِّرَ بِي دُونَ أَحَدٍ فَزَادَهُ حَتَّى رَضِيَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ:
"الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى". قَالَ وَمِنْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: "وَمِنِّي" قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لا أَرْزَأُ بَعْدَكَ أَحَدًا شَيْئًا فلم يقبل عطاء
стр. 871
وَلا دِيوَانًا حَتَّى مَاتَ ١.
قَالَ أبو سليمان: فلو كَانَت اليَدُ العُلْيا المُعْطِية لكان حَكِيمٌ قد تَوهَّم أَنَّ يدًا خير من يدِ رَسُول الله لقوله: ومِنْك يا رَسُولَ الله يُرِيد أن التَّعَفَّفَ من مَسْأَلَتِك كَهُو عَنْ مَسْألة غيرك فَقَالَ: "نَعَم" فكان بعد ذَلِكَ لا يَقْبَل العَطاءَ. وكان عُمَر يَقُولُ اللهم اشهد أني عرضت عَلَيْهِ عَطاءَه فأبَى ولم يقبَلْه.
وأنشدني أبو عُمَر قَالَ أَنشدَنا أبو العباس ثَعْلب عن ابن الأَعرابيّ:
إذَا كَانَ بَابُ الذُلِّ من جانِب الغِنَى ... سمَوْتُ إلى العَلْياءِ من جَانِب الفَقْر ٢
صَبَرْتُ وكان الصَّبْرُ مِنّي سَجيّةً ... وحَسْبُكَ أَنَّ الله أثنَى عَلَى الصَّبْرِ
يُريدُ التعفّف عَنِ المسألة. يُقال: عَلِي يَعْلَى عَلاءً في المَكَارم وعَلا يَعْلُو عُلُوًّا في الجَبَل ونَحوِه. قَالَ الشّاعر:
وبَاعَ بنيْهِ بَعضُهم بخُشَارَةٍ ... وبِعْتَ لذُبيَان العَلاءَ بمالكَا ٣
ورُوِي فيه وَجْهٌ ثالث عَنِ الحَسَن قَالَ: اليَدُ العُليَا المعطية واليد السفلى المانعة.
стр. 872
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ بِلالًا أَذَّنَ بِلَيْلٍ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ أَنْ يَرْجِعَ فَيُنَادِيَ أَلَا إِنَّ الْعَبْدَ نَامَ ثَلاثًا ١.
فيه وجهَان: أحدُهما أَنْ يكون أَرادَ أنّه سَهَا عَنِ الوقت وغَفَل عَنْهُ إذ قدَّم الأَذانَ قبل وقتِه.
والآخرُ أن يكون أراد أن يُعلِم الناسَ أَنَّ عَلَيْهِ لَيْلًا وأنه قد عَادَ للنَّوم لئَلَّا يعجَل الناسُ عَنْ نومِهم وسَحُورِهم.
وفي روايةٍ أخرى: أَلا إِنَّ الرَّجُلَ تَهِنٌ.
ذكرهُ أبو عُمَر عن أبي العباس ثَعْلب عَنِ ابن الأعرابي. قَالَ: والتَّهِنُ النائم.
الفَلَجُ في الأَسْنان تَباعُدُ ما بين الثَّنَايا والرَّباعِيات. والفَرَقُ تباعُدُ ما بين الثَّنِيّتين والنَعْتُ منهما أفْلَجُ وأفْرَقُ والشَّنَبُ ماءٌ وَرِقَّةٌ يجْرى عَلَى الثَّغْر والنّعْتُ أَشنَبُ قَالَ ذو الرُمَّة:
لَمياءُ في شفتيها حُوَّة لَعَسٌ ... وفي اللِّثات وفي أنْيابِها شَنَبُ ١
وقولُه: صَلْتُ الخدَّيْن فإنّ الصَلْتَ الأَمْلَسُ النّقيُّ. والفَعْمُ الممتلئ. والأَوْصَالُ الأعضاء واحِدُها وِصْلٌ. قَالَ ذو الرُّمّة:
إِذَا ابنَ أَبِي مُوسَى بِلالًا بلَغْتِه ... فقام بفأسٍ بين وِصْلَيْكِ جَازِرُ ٢
والفَوْدان ناحِيتا الرّأسِ وكلُّ شِقٍّ ٣ منْهما فَوْدٌ. قَالَ الشاعرُ:
إِمّا تَريْ لِمَّتي الزَّمَانُ بِها ... وشيَّبَ الدَّهْرُ أصْداغي وأفْوادي
وقوله: كأنَّ ٤ الجُدر تُلاحِكُ وجْهَه يُريدُ أنّ شَخْصَ الجُدُر يُرَى في وجهه كَما يُرَى في المِرآة. والمُلاحكَةُ شِدّةُ المُلاءَمَة. قَالَ الشاعر:
لها فَخِذان يَحْفِزان مِحَالَهُ ... وصُلبًا كبُنْيَان الصفَا مُتلاحِكَا ٥
والصَوَرُ الميَلُ والنَعْتُ أَصْوَرُ. قَالَ الشاعر:
ومُسْتَنْبحٍ تَهْوِي مَساقِطُ رَأسِهِ ... إلى كُلّ شَخْص فهو للسَّمْع أصور
стр. 875
أي مَائلٌ متسمِّعٌ: ويُشْبِه أن تكون هذه الحالُ إنّما تَحْدُثُ لَهُ إذَا جَدٌ في السّيْر لا أَنْ تكون خِلْقةً وقد يُوجَدُ مثل هذا في عامّة مَنْ يُعالجُ أمرًا شاقًّا ولم يخْتلفُوا في أَنَّهُ ﵇ كَانَ مُعتَدِلَ القَناةِ غيْرَ أَجْنَى ولا أصْوَرَ. والهُوَيْنى مِشْيَةٌ فيها لِينٌ قَالَ الله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾ ١.
وقوله: كَانَ يَسُوقُ أصْحابَه يريد أنّه كَانَ يقدِّمهُم بين يَدَيْه ثُمَّ يكون من ورائهم كالسّائِق وقد رُوي هذا في حَدِيثٌ حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ خُزَيْمَةَ ثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نا أحمد بْن مُصعَب المروَزِيّ نا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ نُبَيْحٍ الْعَنْزِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ إِذَا خَرَجُوا مَشَوْا أَمَامَهُ وَخَلَّوْا ظهره للملائكة ٢.
стр. 876
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ مَثَلَ بِالشَّعَرِ فَلَيْسَ لَهُ خَلاقٌ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " ١.
مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَجُلًا رِضى يَقُولُ بَلَغَنِي ذَلِكَ عَنْ رسول الله.
مُثْلَةُ الشَّعَر حَلْقُهُ في الخُدُود ٢ ويروى عن طاووس قَالَ: جعَلَه اللهُ طُهْرةً فجعله الناس نَكالًا.
وفي مُثْلةِ الشَّعَر وجه آخر وهو أن يكون أُرِيدَ بِهِ نَتْفُه أو تَغِيِيرُه
стр. 877
بالسَّوَادِ. ويُرْوَى عَنِ ابن عبّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: عَشْر خِصال من فِعْل قَوْمِ لُوطٍ فذكر منها تَصْفِيفَ الشَّعَر.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
هذا يُتَاوّل عَلَى وجُوهٍ أحَدُها أن يكون معناه إباحةُ النَّار واقتباسُها من غير إذْن مُوقِدها وأَنّهُ إذَا أَخَذ منْها جَذْوةً ١ لم يلزمْه لها قِيمَة. وقال بعضهم: تأويلُه النّارُ تَطير بها الريحُ فتُحرِق متاعًا لقَومٍ يريدُ أَنَّهُ لا يلزَمُ مُوقدهَا غَرامةٌ ومنهم من فرّق بْين النار يُوقِدُها رَجْلٌ ليَصْطَلي بها أو يَشْتَوِي عليها لَحْمًا وبيْن أن يُوقدَها عَبثًا لا لأرَبٍ فرَأى ما تَجْنِي تِلْكَ هَدرًا وفيما تَجنِي هذه الغرامة. وأنكرَ بعَضُهم هذه اللَفْظة وزعم أنّها تَصْحِيفٌ. أخبرني الحسَنُ بنُ يحيى سَمِعتُ ابنَ المنذر يَقولُ هذا تَصحِيفٌ وإنّما هُوَ الحديث الَّذِي يُرْوَى أَنَّهُ قَالَ: البِئْرُ جُبَار ٢ وذلك أن أَهْلَ اليَمن يُمِيلُون النَّارَ فكتبها بعْضَهُم بالياءِ فرواه القارئ مصحفا.