أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
هذا يُتَاوّل عَلَى وجُوهٍ أحَدُها أن يكون معناه إباحةُ النَّار واقتباسُها من غير إذْن مُوقِدها وأَنّهُ إذَا أَخَذ منْها جَذْوةً ١ لم يلزمْه لها قِيمَة. وقال بعضهم: تأويلُه النّارُ تَطير بها الريحُ فتُحرِق متاعًا لقَومٍ يريدُ أَنَّهُ لا يلزَمُ مُوقدهَا غَرامةٌ ومنهم من فرّق بْين النار يُوقِدُها رَجْلٌ ليَصْطَلي بها أو يَشْتَوِي عليها لَحْمًا وبيْن أن يُوقدَها عَبثًا لا لأرَبٍ فرَأى ما تَجْنِي تِلْكَ هَدرًا وفيما تَجنِي هذه الغرامة. وأنكرَ بعَضُهم هذه اللَفْظة وزعم أنّها تَصْحِيفٌ. أخبرني الحسَنُ بنُ يحيى سَمِعتُ ابنَ المنذر يَقولُ هذا تَصحِيفٌ وإنّما هُوَ الحديث الَّذِي يُرْوَى أَنَّهُ قَالَ: البِئْرُ جُبَار ٢ وذلك أن أَهْلَ اليَمن يُمِيلُون النَّارَ فكتبها بعْضَهُم بالياءِ فرواه القارئ مصحفا.
قوله: لأَرْحَلَنَّك يُريدُ لأَعْلُونَّك بالسَّيْف ضَربًا. يقالُ فُلانٌ يَرْحَلُ فُلانًا بما يَكره أي يَركبُهُ بمكرُوه. والاستِعْرابُ الإِفْحاشُ في القَول. فأمّا الاستِغرابُ بَالغين معجمة فهو الإفراطُ في الضحك خاصّة. وقوله: تعَاوَى عَلَيْهِ المشركون معناه تعاوَرُوهُ فيما بينهم حتّى قَتَلوه. قَالَ جرير:
عَوَى الشُعراءُ بعضُهم لبَعْضٍ ... عَلَيَّ فقد أصابَهُمُ انتقامُ ١
وإن كانت الرواية تغاوى فإنّه مأخوذ من الغواية.
стр. 883
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ التَّلِبَ بْنَ ثَعْلَبَةَ الْعَنْبَرِيَّ قَالَ: أَصَابَ النَّبِيَّ ﵇ جَوْثَةٌ فَرُقِيَ إِلَيْهِ أَنَّ عِنْدِي طَعَامًا فَاسْتَقْرَضَهُ مِنِّي ١.
هَكَذَا حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ جُمْعَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْوَاسِطِيُّ نا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ الْقِسْمِلِيُّ ثنا غَالِبُ بْنُ حُجْرَةَ حَدَّثَتْنِي أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بِنْتُ مِلْقَامِ بْنِ التَّلِبِ الْعَنْبَرِيِّ عَنْ أَبِيهَا عَنْ أَبِيهِ التَّلِبِ.
قوله: جَوْثَة بالثاء لا أُراها مَحْفُوظَة وإنما هي الخَوْبَة وهي الحاجةُ والمَسْكنة. يُقال: أصابَتْهم خَوْبَةٌ إذَا ذهب ما عندهم من شيء. وقال أَبُو عُمَر يُقالُ: خابَ الرجلُ يَخُوبُ خَوْبًا إذَا افتقر. ويُقال: في معناه أصابتهم جالفة وجارفة.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا الدَّقِيقِيُّ نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ أَنَّ نَافِعًا أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
أَصلُ الفِسْق الخُروجُ من الشيء. ومنه قوله تَعَالَى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ ١: أي خَرَج. وسُمِّي الرجلُ فاسقًا لانسلاخه من الخير. قَالَ ابن قُتيبة ٢: لا أُرَى الغُرابَ سمَّاه فاسِقًا إلا لتخلّفه عَنْ أمرِ نوح حين أرسله ووقوعِه عَلَى الجِيفة وعِصيانِه إيّاه ٣. وحُكِي عَنِ الفَرّاء أَنَّهُ قَالَ لا أحْسَب الفَأْرة سُمِّيت فُويْسِقَةً إلا لخُروجِها من جُحرها عَلَى الناس.
قَالَ أبو سليمان وليس يُعجبني واحدٌ من القَوليْن وقد بَقِي عليهما أن يقولا مثْلَ ذَلِكَ في الحِدَأة والكلب إذْ كَانَ هذا النّعْت يجمعُهما وكان هذا اللّقَبُ يلزمُهُما لزُومَه ٤ الغُرابَ والفأرةَ وإنما أراد والله أعلم بالفِسْق الخُروجَ من الحُرْمة يَقُولُ: خَمس لا حُرمَةَ لهُنَّ ولا بُقيَا عَليْهنَّ ولا فِدْيَةَ عَلَى المُحْرِم فيهنّ إذَا أصابَهُنَّ وإنما أباح قتْلَهُنَّ دَفْعًا لعادِيَتِهِنَّ لأَنَّهنَّ كُلّهن من بين عَادٍ قتّالٍ أو مُؤذٍ ضَرَّار.
وفيه وجه آخر وهو أن يكون أراد بتَفْسِيقِها تحريمَ أكلِها كقوله تَعَالَى: وقد ذَكَر ما حَرَّم من المَيْتَةِ والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِير إلى آخر الآية. ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ ٥ ويدُلُّ عَلَى صحّة ما ذكرناه حديث عائشة.
стр. 886
حَدَّثَنَا ابْنُ الْفَارِسِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ ثنا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا الْمَسْعُودِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْغُرَابُ فَاسِقٌ" فَقَالَ رَجُلٌ: يُؤْكَلُ لَحْمُ الْغُرَابِ قَالَتْ: لا وَمَنْ يَأْكُلُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: "فَاسِقٌ" ١.
وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمَكِّيِّ أنا الصَّائِغُ ثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ نا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ مَنْ يَأْكُلُ الْغُرَابَ وَقَدْ سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ الْفَاسِقَ ٢.
وَرَوَى أَبُو أُوَيْسٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: إِنِّي لأَعْجَبُ مِمَّنْ يَأْكُلُ الْغُرَابَ وَقَدْ أذن رسول الله فِي قَتْلِهِ وَسَمَّاهُ فَاسِقًا وَاللَّهِ مَا هُوَ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ٣. تُرِيد قولَه تَعَالَى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ ٤.
وممّا يدلّ عَلَى أنّ العرب كانت تَقْذَرُ لحمَه قَولُ الشاعر:
فَما لَحْمُ الغُراب لنا بزَادٍ ... ولا سرطَانُ أنْهَار البَريصِ ٥
وفيه من الفقه أن ما لا يُؤكل لَحْمه فلا جَزاءَ عَلَى المحرم في قتله.
قال أبو عبيد والمحدثون يقولون شَاتَان مُكافَأَتان.١ يَقُولُ: متساوِيتَان وكلُّ شَيْءٍ ساوَى شَيْئًا حتّى يكون مثله فهو مكافئ لَهُ.
قلت: وهذا لا يُقْنِعُ في معنى الخَبَر وفي بيان حُكْمِه وإن أقْنَع في لفظِه وإنّما أراد بالتَّكافُؤِ التَّساوي في السَّنّ ٢ يَقُولُ لا يُعَقٌ إلا بِمُسِنَّةٍ كما لا يجوز في الضَّحايا إلا مُسِنَّة وأقلٌ ذَلِكَ أن يكون جَذَعًا فإن كانت إحداهما مُسِنّة والأُخْرَى غير مُكافِئَة لها في السِّنّ لم يَجُزْ ولا فرق بين المكافِئَتين والمُكَافَأَتَيْنِ لأنّ كُلّ واحدةٍ منهما إذَا كافأتْ صاحِبَتَها فقد كُوفِئَت من جهتها فهي مكافئة ومكافأة.
стр. 889
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ صَبَّحَ خَيْبَرَ يَوْمَ الْخَمِيسِ بُكْرَةً فَجَاءَ وَقَدْ فَتَحُوا الْحِصْنَ وَخَرَجُوا مِنْهُ مَعَهُمُ الْمَسَاحِيُّ فَلَمَّا رَأَوْهُ حَالُوا إِلَى الْحِصْنِ وَقَالُوا مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ ١.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأعْرَابِيِّ نا ابْنُ أَبِي مَيْسَرَةَ ٢ نا الْحُمَيْدِيُّ ثنا سُفْيَانُ نا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ.
قوله: حالوا إلى الحِصْن أي تحوَّلوا إِلَيْهِ. يقال: حُلْتُ عَنِ المكان إذَا تَحوَّلْتَ عَنْهُ ومِثْله أَحلْتُ عَنْهُ.
والخَمِيسُ الجَيْشُ وسُمّيَتْ خميسًا لأنّها تَخمِسُ ما تَجِده من شَيء. قَالَ مُرقِّش:
لا يُبعد اللهُ التلبب في ال ... غارات إذ قال الخميس نعم ٣
стр. 890
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا رَكِبَ أَحَدُكُمُ الدَّابَّةَ فَلْيَحْمِلْهَا عَلَى مَلاذِّهَا " ١.
حَدَّثَنِيهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا نا أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَدِيٍّ نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُوحٍ الأَذَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى نا شُعَيْبُ بْنُ مُبَشِّرٍ نا مَعْقِلِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.
قوله: فليَحْمِلْها عَلَى ملاذِّها أي لِيَحمِلُها من الطريق عَلَى الجَدد وَدِمَاث الطرق التي تَسْتَلِذّها الدّوابُّ ولا يَحْمِلْها عَلَى الوُعُوثَة والحُزونَةِ التي يَشْتدُّ علَيْها السّيْرُ فيها فلا تَسْتَلِذُّه.
стр. 891
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَجُلا أَتَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُبَايِعُكَ عَلَى الْجِهَادِ فَقَالَ: "هَلْ لَكَ مِنْ بَعْلٍ " قَالَ: نَعَمْ قَالَ: "انْطَلِقْ فَجَاهِدْ فإن لكفيه مُجَاهَدًا حَسَنًا" ١.
يَرْوِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو.
قوله: "هل لكَ من بَعْل" يُريدُ هل بَقِي من أهلك مَنْ تَلزمُك طاعَتُه من وَالدٍ أو والدةٍ أوْ مَنْ في مَعْناهُما يُقال: هذا بَعْلُ الدَّارِ وبَعْلُ الدّابّة أي مالِكُها. ومنه قِيلَ لزِوْج المرْأةِ بَعْل.
ورُوِي عَنِ ابن عبّاسٍ في قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ ٢. قال: ربا.
قَالَ أبو العَبَّاس اغتلّ من الغُلَّة.
وفي البَعْل وَجْهٌ آخرُ وهو أن يُقال: هل لك من بَعِلٍ عَلَى وَزْن وَعِلٍ.
يريدُ هل في أهلكَ ١ مَنْ بَعِلَ أي ضَعُف وعَجَز عَنِ السَّعْي والعمل.
أخبرني أبو عُمَر عن أبي العبَّاس ثَعلَب عن ابن الأَعرابي قَالَ: يُقال بَعِلَ الرَّجلُ وبَحِرَ وبَقِر إذَا تحيَّر فلم يهْتَدِ لأمرِه. وامرأةٌ بَعِلَةٌ إذَا كانت بَلْهاءَ لا تُحْسِنُ أن تَلْبَسَ ثِيابَها وتُصْلِحَ أَمرَ نفْسِها.
وفيه لُغةٌ أخرى بَعَل بفتح العين فهو بَعْلٌ. حكاها ابنُ السّكِّيت عَنْ يُونُس قَالَ: يقال بَعَل الرَّجُلُ إذَا صَارَ بَعْلًا يَبْعَلُ وأنشد:
يا رب بَعْلٍ ساء ما كَانَ بَعَلْ
فالبَعْلُ عَلَى هذا مَعْناه الكَلّ من العِيال. يُقال: أَصْبَح فُلانٌ بَعْلًا عَلَى أهِله أي ثِقْلًا عليهم وكَلا.
وهذا كَحَدِيثه الآخر: أَنَّه جاءَه رجُلٌ يُريد الجهادَ فَقَالَ لَهُ: "هَلْ في أهِلك من كاهل" ٢ يروى مَنْ كاهَلِ.
قَالَ أبو عُبَيْدٍ: مَعْنَاهُ هَلْ فيهم من أَسنَّ وصَارَ كَهْلًا ضَعِيفًا.
قَالَ أبو سليمان: ورأيتُ بعضَ أهلِ النظر يَذْهَبُ في ذَلِكَ إلى غير ما تأوله أبو عبيد ويرويه هَلْ في أهِلك من كاهِلٍ على وزن قاتل. قال:
стр. 894
يُقال: فُلانٌ كاهِلُ بني فلان إذَا رَأَسَهُم وَقام بأمْرِهم فاعتمدُوه لِما يَنُوبُهم. وأَصْله من كاهِل الظَّهْر لأَنَّه المُعْتَمد عَلَيْهِ فيما يُحتَمل. والعَربُ تَقُولُ تميم كاهلُ مُضَر لأنَّ العدَدَ فيهم. وسَعْد كاهِلُ تَمِيم. والمعنى أنّه قَالَ للرجل هل في أهلك مَنْ تَعْتَمِده للقِيام بأمْرِهم إذَا غِبْتَ عنهم يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ قولُه: في هذا الخَبر ما هم إلا أُصَيْبِيَةٌ صِغَارٌ.
стр. 895
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَتَلَ نَبِيًّا أَوْ قَتَلَهُ نَبِيٌّ " ١.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَكِّيِّ نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نا الْهَيْثَمُ بْنُ أَيُّوبَ نا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ.
معناه أَنَّ الأَنبياءَ لا يَقتُلُون إلا مَنْ يَستَحِقُّ القتْل لأنّ الغَلَطَ في الأحكام لا يجوز عليهم والأَئِمَّة إنّما يجتهدون في الأحكام والغلَطُ غير مأمُونٍ عليهم وهذا فيمَنْ قَتَله النَبِيُّ عُقوبةً لَهُ عَلَى كُفْره كأُبَيِّ بنِ خَلَف قتله رَسُول الله عقوبة لا فيمن قتله تطهيرًا لَهُ كَماعِز رَجَمَه النَّبِيّ ﵇ طُهْرةً لَهُ وكفّارةً لذَنْبه أَلا تراه قد صلّى عَلَيْهِ واستغفر له.
стр. 896
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ قَالَ لَهُ: إِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرَحَى وَأَنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ . فَقَالَ رَسُولُ الله: "بخ ذلك مَالٌ رَابِحٌ أَوْ رَائِحٌ" ١.
حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدّ نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَعْقِلٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ نا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ بن عَبْد الله بن أبي طلحة عن أنس.
стр. 897
قوله: "رابح" أي ذُو رِبْح كقوله: ناصِب أي ذُو نَصبٍ. قَالَ النابغَةُ:
كلِيني لِهَمٍّ يا أُمَيْمَةُ ناصبِ ١
وأما الرائِحُ فهو القريبُ المسافة الَّذِي يَرُوح خَيْره ولا يَعْزُب نَفْعُه قَالَ الشاعر:
سأطلبُ مالًا بالمدينة إنَّني ... أَرَى عَازِبَ الأَمْوال قَلَّتْ فَوَاضِلُهْ ٢
وقوله: بخٍ كلمةُ إعجابٍ وقد تُخفَّفُ وتُثَقَّلُ فإذا كُرِّرَتْ فالاخْتيارُ أن ينوَّنَ الأوَّلُ ويُسكَّن الثاني وهكذا هو في كل مُثنّى كقولهم صَهٍ صَهْ وطَابٍ طَابْ ونحوهما. قَالَ الأحمرُ: في بخً أربعُ لُغات الجَزْمُ والخفْضُ والتَّشْدِيدُ والتخفيف وأنشد:
روَافِدُهُ أَكرَمُ الرَّافدَات ... بَخٍ لَكَ بَخٍّ لِبَحْرٍ خِضَمْ ٣
وقال آخر:
بَخْ بَخْ لوالدة وللمولود ٤
الإرة: مستوقد النار يقال: وأَرْتُ إِرَةً إذَا حَفرْتَ لها حَفِيرةً ويجْمَعُ عَلَى الإِرِين. والإِرَةُ أيضًا لَحْمٌ يُطْبَخُ في كَرِشٍ وقد رُوي أَنَّ بُرَيْدة الأسلميَّ أهدى لرسول الله إرةً أي لحْمًا في كَرِشٍ.
стр. 906
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لا يَقُصُّ إِلا أَمِيرٌ أَوْ مَأْمُورٌ أَوْ مُخْتَالٌ " ١.
حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا أَبُو مُسْلِمٍ الْكَشِّيِّ ٢ نا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي عَرِيبٍ عَنْ كَثِير بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ.
بلغني عَنِ ابن سُرَيْج أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ هذا في الخُطْب وذلك أَنَّ الأُمراء كانوا يتولَّوْنَها بأنْفُسِهم فَيَقُصُّون فيها عَلَى الناس ويَعِظُونهم. والمَأمُورُ مَنْ يختاره الأَئِمَّةُ ٣ فينْصِبُونَه لذلك ولا يكادون يَختارُون لَهُ إلا رِضًا من النّاسِ فاضلًا وما سِوَى ذَلِكَ فإنّه لا يكادُ ينْتَدِبُ له من الناس إلا مراء مُخْتالٌ.
وفيه قولٌ آخرُ هُوَ أَنَّهُ أَرادَ بِهِ الفَتْوى في الأحكام ويشهَدُ لَهُ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرُ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ. قَالَ سُئِلَ حُذَيْفَةُ: عَنْ شَيْءٍ فَقَالَ إِنَّمَا يُفْتِي أَحَدُ ثَلاثَةٍ مَنْ عَرَفَ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ أَوْ رَجُلٌ وَلِيَ سُلْطَانًا فَلا يَجِدُ مِنْ ذَلِكَ بُدًّا أَوْ متكلف ٤.
стр. 907
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَعْرِضُ خَيْلا فَقَالَ رَجُلٌ: خَيْرُ الرِّجَالِ رِجَالٌ جَاعِلُو رِمَاحَهُمْ عَلَى مَنَاسِج خُيُولِهِمْ لابِسُو الْبُرُودِ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ. فَقَالَ: كَذَبْتَ بَلْ خَيْرُ الرِّجَالِ رِجَالُ أَهْلِ الْيَمَنِ الإيْمَانُ يَمَانٍ آلُ لَخْمٍ وَجُذَامَ وَعَامِلَةَ ١.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَكِّيِّ نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى نا أبو المغيرة نا صفوان بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنِي شُرَيْحُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِذٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ.
مِنْسَجُ الفَرس. بمنزلة الكاهِل من الإنسان. قَالَ أبو عَمرٍو هُوَ المِنْسَجُ بِكَسْر الميم وفَتْح السِّين وهو من البَعِير حارَكٌ ومن الحمار سيساء.
مَا هَذَا الَّذِي أَرَى فَقَالُوا: لقينا منه الْبَرْحَ ١. فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
يَرْوِيهِ أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنُ عَمَّارٍ عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ عَنْ أَبِيهِ.
قولُه: أرشُقُهُ يُريدُ أَرْمِيه. يُقالُ إذَا رَمَى أَهْلُ النِّضال شوطا ثُمَّ عَادُوا قد رشَقُوا رَشْقًا والاسْمُ منه الرِّشْقُ بكسر الراء ونُغْضُ الكَتِف فَرعُ الكَتِف وسُمِّي نُغْضًا لأنّه يَنْغَضُ من الإنسان إذَا أَسْرَع أي يتحرّكُ منه. يُقالُ أَنْغضَ الرَّجُلُ رأسَه إذَا حرَّكه.
وقوله: اليَوْم يَومُ الرُضَّع يُريدُ اليَوم يَوْم هلاكِ اللِّئام. من قولهم: لَئيمٌ رَاضِعٌ وهو الَّذِي يَرْضَع الغَنَم لا يَحْلُبَها فيُسْمع صَوْتُ الحَلَب. قَالَ الشاعر:
لا يَحْلُبُ الضَّرْعَ لؤمًا في الإناء ولا ... يُرَى لَهُ في نَواحِي الصَّحْن آثارُ
والبُرْدَةُ شَمْلَةٌ من صُوفٍ مُخطَّطَة وجَمْعُها بُرَدٌ. والآرام الأَعْلامُ من الحجارة يُهْتدَى بها واحِدُها إِرَمٌ. كَانَ يُعلِمُ عليها ليَعْرِف مكانَها فيَلْتَقطَها عند انصرافه. قال الكميت:
واستشتت بنا مصَادِرُ شَتّى ... بعْدَ نَهْج السبيل ذي الآرام ٢
وقوله: وَهُمْ يتَضَحَّوْن أي يتَغَدَّوْنَ. والضّحاءُ الغَداءُ. والقَرْنُ جُبَيْل منفرد والبَرْحُ شِدَّةُ الأَذَى. ومنه قولُهُم برَّحَ بي الأَمْرُ. قَالَ جريرٌ:
ما كُنْتُ أوَّلَ مَشْعُوفٍ أَضَرَّ بِهِ ... بَرْحُ الهَوَى وعذابٌ غيرُ تقتير ٣
стр. 910
قَالَ الكِسائيّ: يُقال لَقِيتُ منه الأمَرِّينَ والبِرَحِينَ والفُتَكْرِينَ والأَقْوَرِينَ والأقوريّات ١. كلها الدواهي والبلايا.
стр. 911
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لا حَلِيمَ إِلا ذُو عَثْرَةٍ وَلا حَكِيمَ إِلا ذُو تَجْرِبَةٍ " ١.
حَدَّثَنَاهُ الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى نا مُحَمَّدُ بْنُ قُتَيْبَةَ العسقلاني نا يزيد بن موهب نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ نا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ دَرَّاجِ أَبِي السَّمْحِ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ.
يذهبُ عامّةُ الناسِ في قوله: "لا حَلِيمَ إِلا ذُو عَثْرَةٍ" إلى أَنَّ الحَلِيمَ لا يَسْلَمُ من أنْ ٢ تكون لَهُ عَثْرة أو تُوجَد منه زَلَّةٌ عَلَى معْنى قولِهم الجَوادُ يَعْثُر وكقولهم الكريمُ مَنْ عُدَّتْ هَفَواتُه ونحو ذَلِكَ من الكلام
والذي عندي في هذا خِلاف ما يذهَبُون إِلَيْهِ وذلك أَنَّ قَوْلَه: ذُو عَثْرة يَقتَضِي العَدَد والكَثْرَة كقولك فُلانٌ ذُو عَقْلٍ وأدبٍ وزَيْدٌ ذُو مَالٍ ونشَبٍ. ولا يَجوزُ أن يُوصَفَ الحليمُ بكَثْرة العَثَرات والتَّهافتِ في الزلات لأنه بالسُّخْف أَشْبَهُ وإلى السَّفَهِ أقربُ وإنّما وجهه أنّ المرءَ لا يُوصَفُ بالحِلْم ولا يترقَّى إلى درجته حتّى يرْكَبَ الأمورَ ويجرِّبَها فيعثُر مرةً بَعْد أخرى فيَعْتبِر بها ويَسْتَبين مَواضعَ الخطإِ فَيجْتنبُها. وهكذا معنى قوله: "لا حَكِيمَ إلا ذو تجربة".
стр. 912
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النبي ﵇: "أَنَّهُ حَمَى غَرَزَ النَّقِيعِ لِخَيْلِ المسلمين "١.
стр. 913
يَرْوِيهِ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
الغَرَزُ نَوْعٌ من الثُّمَامِ دَقِيقٌ لا ورَقَ لَهُ يَنْبُت في القِيعان وعلى شُطُوط الأَنْهار.
وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: لِيَرْفَأَ ١ خَادِمِهِ كَمْ تَعْلِفُونَ هَذَا الْفَرَسَ لِفَرَسٍ رَآهُ قَالَ ثلاثة أمداد أوصاع فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ هَذَا لَكَافٍ أَهْلَ بَيْتٍ مِنَ الْعَرَبِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُعَالِجَنَّ غَرَزَ النَّقِيعِ. قال الأصمعي: النقع القاع. يقال انزِل بذلك النّقْع أي بذلك القاع والجمع ٢ النقعان.