وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لا يَضُرُّ الْمَرْأَةَ الْحَائِضَ وَالْجُنُبَ أَنْ لا تَنْقُضَ شَعْرَهَا إِذَا أَصَابَ الْمَاءُ سُورَ الرَّأْسِ " أَوْ قَالَ: "شُورَ الرَّأْسِ" ١.
هَكَذَا حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ نا أَحْمَدُ بْنُ عِصَامٍ نا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ.
قوله: سُور الرَّأس يريد أَعلى الرأْس. وكلّ مرتفع سُور ومن هذا سُورُ البِناء. ولفُلانٍ سُورةٌ في المَجْدِ والكرم أي رفعة وعلاء. قال النابغة:
ألَمْ تَر أَنَّ الله أعْطَاك سُورةً ... يُرَى كلُّ مَلْكٍ دُونَها يتَذبْذَبُ ٢
ومنه قِيلَ رجلٌ سَوَّارٌ وهو الَّذِي يُسْرعُ فيه الشَّرابُ فترتفع سَوْرَتُه إلى رأسِه. قَالَ الشاعرُ:
وَشَارِبٍ مُربحٍ بالكَأْسِ نادَمَني ... لا بالحَصُورِ ولا فيها بسَوَّارِ ٣
ويُرْوَى بسَأآر وهُوَ الَّذِي يُسْئِرُ في الكأس سُؤْرًا أي يبقي فيها بقية
стр. 947
وكَانَ القِياسُ أن يَقُول ١: مُسْئِرًا من أَسْأَرْتُ ولكنهم ربَّما خرجوا من بِناء الرُّبَاعي إلى الثُّلاثي كقولهم جبَّار من أجْبَرْتُ ودَرَّاكُ من أدركْتُ.
وأمّا شَوْرُ الرأس فلا أعرفه وأُراه شوى الرأس جَمْعُ شواةٍ وهي جِلْدة الرأس ٢ قال الشاعر:
قالت قتيلة ما له ... قد جللت شيبا شواته ٣
стр. 948
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ قَنَتَ صَبِيحَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَانَ فِي صَلاةِ الصُّبْحِ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ والمستضعفين مِنَ الْمُؤْمِنِينَ" فَدَعَا لَهُمْ كَذَلِكَ حَتَّى إِذَا كَانَ ١ صَبِيحَةُ الْفِطْرِ تَرَكَ الدُّعَاءَ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخطاب يا رسول ٢ الله ما لك لم تدع للنفر فقال: "أوما عَلِمْتَ بِأَنَّهُمْ قَدِمُوا" قَالَ فَبَيْنَا هُوَ يَذْكُرُهُمْ نَفَجَتْ بِهِمُ الطَّرِيقُ يَسُوقُ بِهِمُ الْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَسَارَ ثَلاثًا عَلَى قَدَمَيْهِ وَقَدْ نُكِبَ بِالْحَرَّةِ قَالَ فَنَهِجَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى قَضَى الدنيا فقال رسول الله: "هَذَا الشَّهِيدُ وَأَنَا عَلَيْهِ شَهِيدٌ" ٣.
يَرْوِيهِ الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى نا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ عَنْ جابر بن عبد الله.
стр. 949
قوله: نَفَجتْ بهم الطَّريقُ أي رمَتُ بهم الطَّريقُ فُجاءَةً. يُقال نَفَجت الرِيحُ إذَا جاءَتْ بَغْتَةً. ورياحٌ نوَافجُ ومنه انتفاجهُ الأَرْنب. وقوله: فَنَهجَ يريد بِهِ نَزْعَ الْمَوت يقال نَهِجَ الرّجلُ يَنْهَجُ إذَا علاه الرَّبْوُ وأُنْهِجَ إِنْهاجًا مِثْلُه.
يُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ عَنِ الأوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقَدْ حُدِّثْتُ بِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عن الأوزاعي رواه عنه عَمَّارِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّار الْمَرْوَزِيِّ وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ اخْتِلافٌ ١.
قوله: عُبَابُ سالِفِها العُبابُ أوّل الماء ومُعْظَمُه يريد أنّهم أهلُ سابقَةٍ وشرف والأَبرامُ اللِّئامُ وَاحِدُهُم بَرَمٌ. يُقالُ رجلٌ بَرمٌ وهو الَّذِي لا يُخرِجُ مَعَ أصحابه في المَيْسر شيئًا. ودُحَّضُ الأقدَامِ جَمْعُ داحِضٍ وهُم الذين لا ثباتَ لهم ولا عزيمةَ في الأُمور. ويُقالُ ذَلِكَ أيضًا للسَّاقِطِ المَرْتَبةٍ. من قولك دَحَض الرّجُلُ دَحْضًا إذَا زَلَّتْ قَدَمُه ودَحَضَتْ حُجّتُه إذَا بَطَلتْ. والدَّوِّيَّةُ الأَرْضُ المَلْساءُ التّي لا نَباتَ بها. والسَّرْبَخُ الأرض الواسعة. وأنشدني الحسن بنُ خلاد قَالَ أنشدنا ابنُ دُرَيْدٍ أنشدَنا أبو حاتم أنشدنا الأصمَعيُّ لشاعرٍ يَصفُ القَطَا:
غدَتْ في رَعِيلٍ ذي أدَاوَى مَنُوطَةٍ ... بلَبَّاتِها مَدْبُوغَةٍ لم تُمرَّخِ
إذَا سَرْبَخٌ غطَّتْ مَجالَ سَرابِه ... تَمطَّتْ فَحَطَّت بين أرجاءِ سَرْبَخ ٢
وقوله: ودَيمُومَة سَردَح فإنَّ الدَيْمُومَة المفَازَةُ المُتقاذِفةُ الأَرْجاء التّي يَدُومُ فيها السير فلا يكاد ينقطع. والصردح بالصَّاد المكانُ المُسْتَوي. فأمّا بالسِين فهو السرداح. قَالَ الأصمعي: وهي الأرض اللينة التي تنبت النصي وتجمع على السرادح. والصحصح المكان المستوي الواسع وهو الصحصحان أيضا.
стр. 952
وأخبرني أحمد بن أبي ذر أَنا ابن دريد أنا أبو حاتم عَنِ الأصمعيّ: قَالَ: لقِيتُ أعرابيا فقلت ممَّن أَنْتَ قَالَ: أَسَديٌّ قلت من أيّ البلاد قَالَ من أهل عُمَان. قلت فأنَّي لك هذه الفصاحة قَالَ إنّا سكنّا بأرضٍ لا نَسْمَعُ بها باخجةَ التَّيّار قلت فَصِفْ لي أرضك. قَالَ سِيفٌ أَفْيَحُ ١ وفضاء صَحْصَح وجَبَلٌ صَلْدحٌ ورَمْلٌ أَصْبَحُ. قلتُ فَما مالُكَ قَالَ النّخْلُ. قُلتُ فأيْنَ أنْت عَنِ الإبل. قَالَ إنّ النَّخْلَ حملُها غِذاءٌ وسَعَفُها ضِيَاء وَجِذْعُها بناء وكَرَبُها صِلاء ولِيفُهَا رِشاء وخُوصُها وِعاء وقَرْوُها إناء.
قَالَ الباخِجَةُ: الصَوْت. والصَلْدَحُ الشديد الصّلب وهو الصّردح أيضا ٢ والأصبَحُ لونٌ إلى الحُمْرَة وَقْروُ النَخْلَة أصلُها يُنقَر فيُجْعَلُ كالجفْنَةِ.
وقولهُ: يُضْحِي أعلامُها قَامِسًا يريد بالأعْلام الجِبالَ الطِّوالَ واحدُها عَلَمٌ يريد أن جبَالها تبدو أو ترتَفِع للنّاظر مَرَّة وتَغِيب أخرى وذلك أن لمعان الآل يطفو بالأَشخاص في رأي العَيْن ويَرسُبُ بها. والقُمُوسُ أن يَغِيبَ الشيءُ في الماء. وطُمُوسُ السَّراب درُوسُه يريد أنّه يذهَب مرّةً ويَعُودُ أخرى كقول الشّاعر:
بِيدٌ تَرى قِيزانَهُنَّ طُمَّسَا ... بَوادِيًا مَرًّا وَمرًّا قُمَّسَا
وكان الأشبه أن يكون وسَرابُها طامِيًا وكيْف يَقْمُسُ الجَبلُ ويَغِيبُ في سَراب طامِس. وأُرَاه إنّما قَالَ: قامِسًا بلفظ الواحِد لأنّه ردَّه إلى كل عَلَم من
стр. 953
أعلامها. قَالَ الكسائي: العَرَبُ تأتي بلَفْظ الجماعة والمعنى واحِد وأنشد:
وطابَ ألبَانُ اللِّقاح وبَرَد
أراد بالألبان اللبن ولذلك قَالَ: وبَرَد. قَالَ أبُو العَبَّاسِ ثَعْلَبٌ وقد تأتي العَربُ بلفْظ الواحِد تُرِيدُ بِهِ الاثْنَين كقوله:
إِذَا رأيْتَ أنجُمًا منَ الأسَدْ ... جَبْهتَهُ أو الخراةَ والكَتَدْ ١
قَالَ: أراد الخَراتَين. قَالَ: أخبرني أبو نصْر عَنِ الأَصمَعيّ وابن الأعرابي عَنِ المُفضَّل قَالَ الخَراتان من الأسَد كتِفاه قَالَ وتأتي بالواحد في معنى الجميع كقوله تَعَالَى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ٢. فالإنسانُ هاهُنَا في معنى الجَمِيع لأنّه قد استَثْنى منه جَماعةً بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٣. فمُحَال أن يَسْتَثني جماعةً من واحد. والحراجيِجُ واحدتُها حُرْجُوج. قَالَ الأصمعيّ: هي الطويلة. وقال أبو عَمْرو هي النّاقةُ الضامرةُ
والأَخاشِبُ جَمْعُ الأخْشَب وهو كلّ جبَلٍ خشن ٤ غليظ الحجارة. والحوْمانَة وَاحدَة الحوَامين. قَالَ الأصمعيّ هي أماكِنُ غِلاظٌ مُنْقادَةٌ. والهُدَّابُ ورق الأَرطَى والواحدة هُدَّابَةٌ. وكلُّ ما لم ينبَسط وَرَقُه كالطّرفاءِ ونحْوه فَورَقُه هَدَبٌ وهُدَّابٌ ومنه هُدْبُ الثّوْبِ.
وقوله: حُشَّدٌ معناه أنّهم أهْلُ احتِشاد ومَعُونَة. والرُفَّدُ جمعُ رَافِدٍ وهو المُعِين والرِّفْدُ المَعُونة.
وقوله: سقَتْها الأَنواءُ أي سَقَتْها السّماء. والأَنواءُ النجومُ واحدُها نَوْءٌ. وكان من مذهب العرب أن يُضِيفوا وُقُوعَ المطر إلى الأَنْواء فخرج هذا على عادة كلامهم.
стр. 954
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ نَهَى عَنِ السَّوْمِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ١.
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بن إبراهيم بن جناح ثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نا رَجَاءُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّقَطِيُّ نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى نا الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبٍ عَنْ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.
السَّومُ الرَّعي يقالُ سامَت الماشيةُ إذَا رَعَتْ فهي سائمة وأَسامَها صاحبُها. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ ٢ قَالَ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ: قَالَ الْمُفَضَّلُ أصْلُ هذا أَنَّ داءً يقعُ عَلَى النَّباتِ فلا ينْحلُّ حتى تَطْلُعَ الشَّمسُ فَيذُوب فإن أكل منه المَالُ قبْل ذَلِكَ هلك قَالَ فرُبّما ندَّ البعيرُ فأكل منه قبل طلُوع الشَمْس فَماتَ فأي كَلْبٍ أكل مِنْ لحمه كلب.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ نَضْلَةَ بْنَ عَمْرٍو الْغِفَارِيَّ لَقِيَهُ بِمَرِيَّيْنَ وَهَجَمَ عَلَيْهِ شَوَائِلُ لَهُ فَسَقَاهُ مِنْ أَلْبَانِهَا ١.
يَرْوِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْنِ بْنِ نَضْلَةَ ٢ أَخْبَرَنِي جَدِّي مُحَمَّدُ بْنُ مَعْنٍ عَنْ أَبِيهِ مَعْنٍ عَنْ نَضْلَةَ بْنِ عمرو.
المري الناقة الغزيزة وسُمِيّت مَرِيًّا لأَنَّها تُمْرَى أي تُحلَب ٣. قَالَ الكسائِيُّ المَرِيُّ الغَزِيرَةُ وهي الصَّفيُّ والخُنْجُور والرُّهْشُوش والمُجَالح.
وَأَخْبَرَنَا أبو رجاء الغَنَويّ نا أَبِي عَنْ محمد بْن أنس الأسدي قال قيل الأعرابي مَا أعدَدْتَ للشِّتاء قَالَ جُلّةً رَبُوضًا وصِئْصِئةً سَلُوكًا ونَاقةً مجَالحًا وشَمْلةً مُكَوِّذةً وقُرْمُوصًا دَفِيئا ثُمَّ لا إِلا ولا ذِمّة ٤ قَالَ: يُريدُ جُلة تَمْرٍ مَلْءَ وقَرْنًا يُقْلَعُ بِهِ التّمر وَشَمْلةً تبْلغُ الكاذة وهي أصل
стр. 958
الفَخِذ: والقُرمُوصُ سَرَبٌ في الأرض. قَالَ الشاعر:
جاء الشتاءُ ولمّا أَتَّخِذْ رَبَضًا ... يا وَيْحَ كَفِّيَ من حَفْر القَراميْصِ ١
وقال رُؤبة في كلام لَهُ: ما افْتَحصَ طائر أُفْحُوصَه ولا تَقرْمصَ سَبُعٌ قَرْمُوصَه إلا بقَضاءٍ من الله وقَدَرٍ. والشَّوائلُ: جَمعُ شَائِلةٍ وهي التي شَالَ لبَنُها أي ارتفَع وخَفَّ ٢ وهيَ الشَّولُ أيضًا. قَالَ الحارِثُ بْن حِلّزة:
لا تكْسَع الشَّوْلَ بأَغْبارها ... إنّك لا تَدْري من النَاتج ٣
ويقال: إنّما سميت شَوْلا لأنه لم يبقَ في ضروعها إلا شَوْل من اللبن أي بقيّة منه فقيل لها شَوْل لأنها ذات شول يقال لبقية اللبن في الضّرع ولبقية الماء في المزادة شَوْلٌ ٤
قَالَ الأصمعيُّ: إذَا أتى عَلَى النّاقة من يَوْم حملها سَبْعَةُ أَشْهُرٍ خَفَّ لَبَنُها ٥ فهْيَ يومَئذٍ شائِلةً وجَمْعُها شَوْلٌ وإذا شالتْ بذنبها بعْد اللّقاح فهي شَائلٌ وجَمْعُها شُوَّلٌ.
عَلَيْهِ السَّلامُ: "أَوَقَدْ وَجَدْتُمُوه" قَالُوا نَعَمْ قَالَ: "ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ" ١.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو داود نا أحمد بن يُونُس نا زُهَيْرٌ نا سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قوله: "ذاك صَرِيحُ الإيمان" يريدُ أَنَّ صرِيحَ الإِيمان هُوَ الَّذِي يُعظّم ما تَجِدونَه في صدوركم ويمنعُكم من قبول ما يُلقِيه الشّيْطان في قلوبِكم ولولاه لم تتعاظموا ذَلِكَ ولم تُنْكِرُوهُ ولم يُرِد أن الوَسْوَسَةَ نَفسَها صريحُ الإيْمان وكيف تكون إيمانًا وهي فِعْل الشّيْطان وكَيْده ألا تراهُ ﵇ يَقُولُ وسُئِلَ عَنْ هذا أو نحوه فَقَالَ: "الحمدُ لله الذي رد كيده إلى الوسوسة" ٢.
قوله: "فَمشِيئتُكَ بيْنَ يدي ذَلِكَ كُلّه" مَعْنَاهُ تقديم شَرْطِ الاسْتِثناء في إيمانه ونُذُوره ومَواعِيده وتَعْلِيقه إيّاها بما سبَقَ من مشيئة الله فيها وفي هذا ما دلّ عَلَى جواز تَقْديم الاستِثْناء أمام اليَمِين وفيه حُجَّة لمَنْ أَعملَ الاستثناءَ من غير اتِّصالٍ بالكلام المُسْتَثْنى منه وهو مذهبُ ابن عبّاسٍ.
وقوله: "اللهُمّ ما صَلَّيْتُ مِنْ صَلاةٍ فَعَلَى مَنْ صلّيْتَ وما لعَنْتُ من لَعْنٍ فعلى من لعنت". الوجه في إعرابه أن يُرْفَع الأَوَّل وينصبَ الثاني وهو عَلَى مذهب الدُعَاء والمسأَلَةِ دُون الحِكَايَة والإِخْبار كأنّه يَقُولُ اللهمَّ اجعَل صلاتي وثنائي عَلَى مَنْ أكرَمْتَه بصَلاتِكَ وأهَّلْتَه لثنائك واصْرفْ لَعْنِي وسَبِّي إلى من اسْتَوْجَب لعْنَك واستَحقَّ عُقُوبتَك.
وَهَذَا كَحَدِيثِهِ الآخَرِ الَّذِي يَرْوِيهِ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. حدثنا ابْنُ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ نا مُحَمَّدُ بن إسماعيل الصائغ نا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأعْوَرُ قَالَ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنِّي شَرَطْتُ عَلَى رَبِّي أَيُّ عَبْدٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ سَبَبْتُهُ أَوْ شَتَمْتُهُ أَنْ يَكُونَ ذلك عليه صلاة ورحمة" ١.
стр. 963
ققال أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِيَاءِ يَخُطُّ فَمَنْ صَادَفَ مِثْلَ خَطِّهِ " ١.
ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي كِتَابِهِ ٢ فَقَالَ: الخَطَّاطُ هُوَ الَّذِي يَخُطُّ بإصْبَعه في الرَّمْلِ ويَزْجُر. قَالَ وأخبرني أبو حاتمٍ عَنْ أَبِي زيد أنه قال: يقال
стр. 964
لِلخَطَّيْن اللَّذيْن يَخُطّهُما الخطّاطُ في الأَرْض ثُمَّ يَزْجُرُ ابنَا عِيَان فإذا زَجَرهما قَالَ ابْنَيْ عِيان أسْرِعَا البَيَان هذا جُمْلَةُ قوله: في تَفْسِير الخطّ.
قَالَ أبو سليمان: وليس في هذا مَقْنَع لمَنْ أحَبَّ أن يقفَ عَلَى صورَة الخطِّ وحقيقتِه وقد ذكره ابن الأعرابي فأوْضَحه قَالَ يأتي صاحِبُ الحاجة إلى الحازِي فيُعْطيه حُلْوانًا وهو جُعْلُه. فيقول: لَهُ اقْعُدْ حتى أخُطَّ لك قَالَ: وبين يَدي الحازِي ١ غُلامٌ معه مِيل ثُمَّ يأتي إلى أرْضٍ رِخْوةٍ فيَخطّ خُطُوطًا كثيرةً بالعَجَلة لئلًا يلْحقَها العَدُّ قَالَ ثُمَّ يرجع فيمحو عَلَى مَهلٍ خَطَّيْن خَطَّيْن فإن بَقي منها خطّان فهُما عَلامةُ النّجاح فكانت العربُ تُسمِّي ذينْك الخَطَّين ابْنَي عِيانٍ فيقول الحازي ابنَي عِيَان أَسْرِعَا البَيَان وإن بَقِي خَطٌّ واحدٌ فهو عَلامة الخيْبة. وقال الشاعر:
جَرَى ابنَا عِيان بالشِّوَاء المُضهَّب
ذكرهُ لنا أبو عُمَر ٢ عن أبي العباس ثعلب عن ابن الأعرابي قَالَ وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ الْخَطُّ الَّذِي يَخُطُّهُ الْحَازِي عِلْمٌ قَدِيمٌ تَرَكَهُ النَّاسُ.
وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ فِرَاسٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ الدُّولابِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قوله: جل وعز: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ ٣ قال: "الخط" ٤.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ نَهَى عَنْ مَزَابِي الْقُبُورِ ١.
هَكَذَا أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ حُدِّثْتُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى الأَسْلَمِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . المَزابِي إن كانت محفوظة فإنّي لا أعْلَمُها إلا من الزُبْيَة.
قَالَ أبو زَيْد الزُّبْيَةُ بئر تُحفَر للأسَدِ في رابية لا يَعلُوها الماء كَره والله أعلم أن يُشقَّ القبرُ ضريحًا كالزُّبْيَة لا يُلحَد وهذا كقوله: اللَّحْدُ لنا والشَّقُّ لغَيْرنا ٢. وما أُرَى هذا مَحُفُوظًا فَقَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا بِشْرٌ نا الْحُمَيْدِيُّ نا سُفْيَانُ نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُسْلِمٍ الْهَجَرِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمَرَاثِي ٣. فأُرَى هذا ذاك بعَيْنِه صَحَّفَه بعضُ الرُّواة. والذي ذكرهُ ٤ من المراثي النِّياحَة وما يدخُلُ في معناها من تأْبين المَيّت عَلَى ما جَرَى عَلَيْهِ مذاهب أهل الجاهلية من قول المراثي ونصب النوائح على قبور مَوْتاهم. فأما المَرَاثي التي فيها ثناء على الميت ودعاء.
стр. 967
لَهُ فغَيْر مَكْرُوهَة وقد رَثى رَسُول الله غَير واحد من الصحَّابة ونَدبتْه فاطمةُ بكلام مذكور عنها ورُثِيَ أَبُو بَكر وعُمَرُ وغَيْرُهما من الصَّحابة بَمراث رَوَاها ١ العُلماءُ ولم يكرَهُوا إنشادها وهي أكثر من أن تحصى.
стр. 968
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الاسْتِطَابَةِ فَقَالَ: "أَوَلا يَجِدُ أَحَدُكُمْ ثَلاثَةَ أَحْجَارٍ حجرين للصفحتين وحجر لِلْمَسْرُبَةِ " ١.
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ أنا ابْنُ صَاعِدٍ نا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْمَدَنِيُّ ٢ نا عَتِيقُ بْنُ يَعْقُوبَ الزُبَيْرِيُّ نا أُبَيُّ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ.
الصَّفْحتان ناحِيَتا المَخرَج. وصَفْحَةُ كُلّ شيء جَانِبُه ٣. والمَسْرُبَةُ مَجْرَى الغَائط وسُمّي مَسْرُبةً لأنّهُ مُمِرُّ الحَدَثِ ومُسِيلُه. يقال: سَرَب الماءُ يَسْرُبُ إذَا سال وجَرَى ووعاء سَرِبٌ إذَا كَانَ لا يَزالُ يَقْطُر ما فيه وفلان سَرِبُ الوِعاء. إذَا كَانَ لا يكتم سِرًّا والسَّرَبُ مفتوحُ الرّاء الماءُ يَخرُج من عيون الخَرْزِ إذا صُبَّ في المَزَادة الجَدِيدة لكي ينتَفِخ مواضِعُ الخَرْز. يُقالُ سَرِّبْ قِربَتك يا هذا. ومنه قَولُ ذِي الرُّمَّة:
كأَنَّه من كُلَى مفرية سرب ٤
стр. 969
يروى سَرَب بفتح الراء وسرِب بكسرها فمن فتح الراء قَالَ معناه الماء ومن كَسَر قَالَ: معناه السَّائل ١ وقال جريرُ:
نَعمْ فانْهَلَّ دَمْعُكَ غيْرَ نَزْرٍ ... كما عينت بالسرب الطبابا ٢
وقوله: يُقَهقِر. قَالَ أبو عَمْرو القَهْقَرى: الإحضَارُ فيكون عَلَى هذا أَنَّهُ أسرع في الانْصِراف. وقال الأخفَشُ: يُقالُ رَجَع القَهْقرى إذَا رجَعَ وراءَهُ ووجْهُهُ إليك. والكِرينَةُ المُغَنِّيَة. وقد احتجَّ بَعْضُ أهل العلم بهذا الحديث في إبْطال أحكام السَّكرَان وقالوا لو لزِمَ السَّكران ما يكون منه في حالِ سُكره كما يَلزمُهُ في حالِ صَحْوه لكان المُخاطِبُ رَسُولَ الله بما استقْبله بِهِ حمزة كافرًا مُبَاحَ الدَّم.
قَالَ أبو سُليمان: وقد ذهب عَلَى هذا القائل أنَّ ذَلِكَ منه إنّما كَانَ قبل تحرِيمِ الخَمْر وفي زمانٍ كَانَ شُرْبُها مُباحًا وإنّما حُرِّمَت الخَمرُ بعد غَزْوَةِ أُحُد. قَالَ جابرٌ: اصْطبحَ ناسٌ الخَمْر يَوْمَ أُحدُ ثُمَّ قُتِلُوا آخرَ النهار شُهَداءَ. فأَمَّا وقَدْ حُرِّمَتْ فَشُرْبُها مَعْصِية وما تولَّد منها لازِمٌ ورُخَصُ الله لا تَلْحقُ العَاصِين.
стр. 973
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَقِيَ الْعَدُوَّ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ فَقَالَ: "حَم لا يُنْصَرُونَ " ١.
يذهبُ كثيرٌ من الناس في معناه إلى أنّه دُعَاء. وَأُرَى أبا عُبَيْدٍ قد أشار إلى نحُوٍ من هذا. وبلغني عَنِ ابن كيسان أنه سأل عنه أبا العباس أحمد بن يحيى فَقَالَ هُوَ إخبار معناه واللهِ لا يُنْصَرُون ولوْ كَانَ دُعَاءً لكان مَجْزُومًا. وقال أهْلُ التفسير: حَامِيم اسْمٌ مِنْ أسْماءِ الله فكأَنَّه حَلَف باسْمٍ من أَسْماءِ الله أنّهُم لا يُنْصَرُون ويدلّ عَلَى هذا قولُ الشاعر:
يُذَكّرني حَامِيم والرُّمحُ شَاجرٌ ... فهلا تلا حامِيمَ قبْل التَّقدُّم ٢
стр. 974
أي يذكّرُني الله.
وَيُقال للِسُّوَر التي تُفتَحُ أوائلُها بحامِيم آلُ حامِيمُ والعامَّةُ يدعونها الحَواميْم وقيل لأَعرابيٍّ أتحفَظُ من القرآن شيئًا قَالَ نعَمْ القلاقل يريدُ السُوَر التي تُفْتَتَحُ أوائلُها بِقُلْ.
стр. 975
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ وَعِنْدَ عَائِشَةَ قَيْنَتَانِ تُغَنِّيَانِ فِي أَيَّامِ مِنًى وَالنَّبِيُّ ﵇ مُضْطَجِعٌ مُسَجًّى ١ ثَوْبُهُ عَلَى وَجْهِهِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ يُصْنَعُ هَذَا فَكَشَفَ النَّبِيُّ ﵇ عَنْ وَجْهِهِ وَقَالَ: "دَعْهُنَّ يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ" ٢.
حَدَّثَنَاهُ الصَّفَّارُ نا الرَّمَادِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أنا مَعْمَرُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ.
القَيْنَةُ عند العامّة المُغنّية لا تعرفُ غيرَها. والقَينَةُ عند العرب الأمَةُ. والقَيْنُ العَبدُ. والقِيانُ الإماءُ. قَالَ زُهَيْر:
ردَّ القِيانُ جِمالَ الحيّ فاحْتَملُوا ... إلى الظَّهِيرة أَمرٌ بيْنَهُم لَبِك ٣
والقَيْنَةُ أيضًا: الماشِطَةُ وهي التي تُزَيّنِ العرائسَ يقال قد قيّنتْها فهيَ مُقَيِّنةٌ وإنما قِيلَ للمغنية قينة إذَا كَانَ الغناء صِناعةً لها والقيْنُ الصانع
стр. 976
عند العرب إلا أن الغالب عَلَيْهِ الصانع بالحديد ١ وأراد بالقينَتيْن هاهنا جاريتين كانتا عندها تُنشدان شِعْرًا.
وبيان ذَلِكَ ما رُوِي في هذا الحديث من وَجهٍ آخر أَنَّهُ دَخَل وعندها جاريتان من الأنصار تُغَنيّان بشعرٍ قِيلَ في يوم بُعاث وهو يومٌ من أيام الجاهلية مذكور. حَدَّثَنِيهِ أَبُو عَمْرٍو الْحِيرِيُّ ٢ أنا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى ثنا ابْنُ وَهْبٍ أنا عَمْرٌو أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ رسول الله وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثٍ ٣. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
قَالَ أبو سليمان ٤: والعرب تُثبت مآثِرَها بالشعر فَتُروِّيها أولادها وعبيدَهَا فيكثر إنشادُهُم لها ورِوايتهم إيّاهَا فيتناشده السّامِرُ في القَمْراء. والنَّادي بالفناء والسَّاقِيَةُ عَلَى الرَّكِيِّ والآبار ويترنَّمُ بِهِ الرفاقُ إذَا سارت بها الركابُ وكل ذَلِكَ عندهم غِناء ولم يُرِدْ بِالغناء هاهُنا ذِكْرَ الخَنَا والابتهار بالنساء والتعريضَ بالفواحش وما يُسمّيه المُجّانُ وأهلُ الموَاخير غِناء.
والعرب تَقُولُ سَمِعْتُ فلانًا يُغَنّي بهذا الحديث أي يَجْهَرُ بِهِ ويَصْرُخُ ولا يورّي ولا يكني. وأخبرني أحمد بْن عفْو الله الشيرازي ٥ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ نا يحيى بْن عَبْد الرحيم الأَعمش نا أبو عاصم قَالَ أخذ بيدي ابن جريج
стр. 977
ووَقَفني عَلَى أشْعب الطماع فَقَالَ غَنّ ابنَ أخي مَا بلغَ من طَمعِك فَقَالَ: بَلغ مِن طَمعي أَنَّهُ ما زُفَّتْ بالمدينة امرأةٌ إلا كسَحْتُ ١ بَيْتي رجاءَ أَنْ يُهْدَى إليَّ.
يَقُول: أَخبِر ابن أخي مجاهرا بذلك غير مُساترٍ ومن هذا قَولُ ذِي الرُّمَّة:
أُحِبُّ المَكانَ القَفْرَ من أجْل أَنَّني ... بِهِ أتَغنَّى باسمها غَيْرَ مُعْجِم ٢
أي أجهر الصّوْتَ بذكرها ولا أكني عنها حِذارَ كاشِحٍ أو خوفًا من رقيب وعلى هذا تأوّل بعضُ العلماء قولَه ﷺ : "ليْسَ منّا مَن لم يتغنَّ بالقرآن" ٣. أي يَجْهَرُ بِهِ وقد يُروى هذا التفسير مَرفوعًا أو موصولًا بحديث مرفوع. فكُلّ من رفع صوته بشيءٍ ووالَى بِهِ مرَّةً بعْدَ أُخرى فصَوْتُه عند العرب غِناء وأكثره فيما شاقَ من صَوْتٍ أَوْ شجَا من نَغْمَةٍ ولَحْنٍ ولذلك قِيلَ غَنَّت الحمامةُ وتغنى الطائرُ. قَالَ المجْنُونُ:
أَيا قَاتَلَ اللهُ الحَمَامَةَ غُدوةً ... عَلَى الغُصْنِ ماذا هَيَّجْت حينَ غَنَّت ٤
وقال آخرُ:
تغنى الطَائران ببيْن سَلْمَى ... عَلَى غُصتَين من غَرَبٍ وبَانِ
وأنشدني ابنُ داسةَ أنشدني الزِّئبقيّ أنشدني عبدُ الله بْن شَبيْب لأعرابيٍّ من عَبْس باع ناقةً لَهُ فسَمِع حنينها وهي في سقيْفةٍ فَقَالَ:
стр. 978
لعمري لئن أصبحْتِ في دار تَوْلَبٍ ... يُغنّيكِ بالأَسحار دِيكٌ قُراقِفُ
فلَنْ تَرِدي ماء الطَّوِيّ ولَنْ تَري ... أَبَانيْن مَا غنَّى الحمامُ الهَواتِفُ ١
وعلى هذا المعنى جَعلوا صلصلة الحديد وأطيْطَ الرِّحال غِناءً. وقال بعض المُسجّنين:
إِذا شِئتُ غنَّاني الحَديِدُ وأُوثِقَتْ ... مصَاريعُ من دُوني تُصِمُّ المنادِيَا
وقال آخَرُ:
وَلي مُسمِعَان وزمَّارَةٌ ... وَظِلٌّ ظَلِيلٌ وحِصْنٌ أَمَقّ ٢
وأنشدني الأصمعيّ:
ما إنْ رأَيْتُ من مُغَنّياتِ ... ذواتِ آذان وَجُمْجُماتِ
أَصْبَر مِنْهُنَّ عَلَى الصُّمَاتِ ٣
قَالَ الأصمعي: هذا يَصِفُ إبلًا. قَالَ وغِناؤُهنَّ صَريْفُهنَّ بأَنْيابِهنَّ وذلك من النَّشاط فإذا ضَجِرت الإبلُ رغَتْ. قَالَ: والصُّماتُ هاهُنَا العَطَشُ.
وقال ابن الأعرابي: الغِناءُ أَطِيطُ الرّحالِ. والصُّماتُ السّكوت ومثلُ هذا في كلامهم كثير.
стр. 979
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ رَخَّصَ فِي غِنَاءِ الأَعْرَابِ وَهُوَ صَوْتٌ كَالْحُدَاءِ يُسَمَّى النَّصْبَ إِلا أَنَّهُ رَقِيقٌ.
حَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ أنا ابْنُ الْجُنَيْدِ نا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ الْمَرْوَزِيُّ أنا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ عُمَرَ فِي الْحَجِّ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالرَّوْحَاءِ كَلَّمَ الْقَوْمُ رَبَاحَ بْنَ الْمُغْتَرَفِ وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ بِغِنَاءِ الأَعْرَابِ فَقَالُوا لَهُ: أَسْمِعْنَا وَقَصِّرْ عَنَّا الْمَسِيرَ. قَالَ إِنِّي أَفْرَقُ عُمَرَ فَقَامَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى عُمَرَ فَكَلَّمُوهُ فَقَالَ يَا رَبَاحُ أَسْمِعْهُمْ وَقَصِّرْ عَنْهُمُ الْمَسِيرَ فَإِذَا أَسْحَرْتَ فَارْفَعْ فَاكَ قَالَ: فَرَفَعَ عَقِيرَتَهُ يَتَغَنَّى ١.
فهذا وما أشْبَهُه مِمَّا يُدْعى غِناء لم يَرَ بِهِ عُمَرُ بأْسًا ولم يَرَ فيه إثمًا لأنّه حُداءٌ يُقَصِّرُ المسير ويحُثّ المَطيّ ويُخَفّفُ عَنِ المسافِر.
ونحو هذا قولُ نُصَيْب أنشدنيه بعض أصحابنا أنشدنا بن دريدٍ أنشدنا أبو حاتم أنشدَتنْي أُمُّ الهيثَم لِنُصَيْبٍ:
فَهل يَمْقُتَنّي الله في أنْ ذَكرْتُها ... وعَلّلْتُ أصحَابي بها ليلةَ النَّفْرِ
وَطيَّرتُ ما بي مِنْ نُعاسٍ ومن كَرى ... ومَا بالمطايا من كَلالٍ ومن فتر ٢
стр. 980
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ الَّذِي في السماء يقال له الضراح وهو على منا الكعبة " ١.