لغة الأدب الجاهلي
مدخل
...
لغة الأدب الجاهلي
جاء الأدب الجاهلي كله بلغة عربية واحدة، وصاغه بهذه اللغة الواحدة جميع الذين نسب إليهم أنهم قالوه من العرب شماليهم وجنوبيهم لا فرق بين من أصله قحطاني ومن أصله عدناني. وهنا نحب أن نشير إلى ملاحظة هامة جدًّا، ينبغي ألا تغيب عن البال، هي أن الأدباء الجنوبيين الذين جاءت لهم نصوص أدبية في تراث الجاهليين كانوا قد استقروا في الشمال، أو قريبًا منه في أطراف اليمن المتاخمة للعدنانيين ولم يكن منهم من يسكن في أقاصي اليمن أو أطرافها البعيدة عن الشماليين، وإن ظلت نسبة من استقر منهم بالشمال إلى اليمن، فإنما هي نسبة قبيلة الشاعر منهم إلى أصلها الأول، وهذا بالطبع لا يؤثر على اللغة الأدبية السائدة التي أصبحت لغة الشعر والأدب قبل ذلك بزمن؛ فهذا مثل ما يقال عن أبي الحسن علي بن العباس بأنه الرومي، وعن مهيار بن مرزويه بأنه الديلمي، فكلاهما من أصل غير عربي، وكل منهما شاعر عربي فصيح.
وهذا معناه أن الأدب قبل الإسلام بفترة من الزمن قد أصبحت له لغة خاصة، يستعملها الأدباء في إنشائهم، بصرف النظر عما قد يكون للأديب من لهجة خاصة يستعملها هو وقبيلته في تفاهمهم اليومي العادي؛ والدليل على سيادة هذه اللغة الأدبية قبل ظهور الإسلام بين العرب، نزول القرآن الكريم بها، وكان القرآن الكريم خطابًا عامًّا لجميع العرب على الخصوص، ففهموه وناقشوه، وجادلوه، وحاول بعضهم تقليده، ولكن الفشل حالفهم في هذه المحاولات. ففهم العرب للقرآن الكريم، ومجادلاتهم للنبي ﷺ دليل على شيوع لغته بينهم قبل نزوله بزمن. ولكن هذه النقطة بالذات دفعت بعض الباحثين إلى الطعن في أصالة الأدب الجاهلي، ورميه بالضعة والانتحال، كما سيأتي الحديث عن ذلك بالتفصيل إن شاء الله.
وقد اختلف الباحثون في أمر هذه اللغة التي جاء بها الأدب الجاهلي؛ تلك اللهجة التي كان لها الحظ، فأصبحت لغة الأدب من بين اللهجات العربية المختلفة في الشمال والجنوب، فالمعروف أن العرب كانوا قسمين: القحطاني والعدناني. والجميع وإن كانوا عربًا من أصل
стр. 107
واحد، ولغتهم في الأصل كانت واحدة، فإن النظام الخاص الذي سار عليه كل منهم في الحياة والمعيشة، كفيل بأن يجعل كُلا منهم يتخذ لنفسه أسلوبًا خاصًّا في التعبير، وكيفية النطق بالألفاظ وأصواتها المختلفة، فلا شك حيئنذ في أن عربية كل من القسمين دخلها بمرور الزمن وظروف الحياة بعض التغييرات، فكان هناك بعض الاختلاف بين عربية الجنوب وعربية الشمال، وقد عبر عن ذلك أبو عمرو بن العلاء بقوله: "ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا، ولا عربيتهم بعربيتنا"١. وكل من هذين القسمين الكبيرين قد تكاثر فتعددت قبائله، وتبع ذلك أن صار لكل قبيلة لهجة خاصة، بينها وبين غيرها من أخواتها اللهجات الأخرى، بعض الاختلاف في دلالات الألفاظ، ومدلولات المعاني، والأصوات، والنطق بها، كما هو المشاهد في جميع الأقطار في شتى العصور، حتى في أرقى الأمم وأعظمها تقدمًا، ففي كل قسم أو محافظة، أو حي تشيع لهجة محلية خاصة؛ فمرور الزمن، واختلاف الظروف، مع ما في الإنسان من ميل غريزي إلى أن تكون له شخصية مميزة عن غيره، كل ذلك يستلزم حدوث بعض الاختلافات بين اللهجات المحلية، وإن اتحدت جميعها في الأصل الذي نبعت كلها منه. فالعرب قبل الإسلام كانت لهم لهجات كثيرة بسبب تعدد القبائل وانتشارها في بيئات متعددة مختلفة، وكان بين هذه اللهجات المتعددة اختلاف في الحركات أو الإعراب أو الحروف أو الكلمات أو نحو ذلك، وقد حاول ابن فارس في كتابه "الصاحبي" أن يضبط اختلاف لهجات العرب، فقال: "اختلاف لغات العرب من وجوه: وذكر من ذلك:
الاختلاف في الحركات، كقولنا نستعين بفتح النون وكسرها. قال الفراء: هي مفتوحة في لغة قريش وأسد، وغيرهم يقولونها بكسر النون.
والاختلاف في الحركة والسكون، مثل قولهم معَكم ومعْكم، بفتح العين وتسكينها.
والاختلاف في إبدال الحروف، نحو أولئك وأولالك. ومنها قولهم: أن زيدًا وعَنَّ زيدًا، ومن ذلك الاختلاف في الهمزة والتليين نحو مستهزئون ومستهزون.
والاختلاف في التقديم والتأخير نحو صاعقة "في لغة الحجازيين" وصاقعة "في لغة التميميين".
والاختلاف في الحذف والإثبات، نحو استحييت واستحيت. وصددت وأصددت.
стр. 108
والاختلاف في الحرف الصحيح يبدل حرفًا معتلًّا نحو أمَّا زيد وأيما زيد.
والاختلاف في الإمالة والتفخيم، مثل قضى ورمى، فبعضهم يفخم وبعضهم يميل.
والاختلاف في الحرف الساكن يستقبله مثله، فمنهم من يكسر الأول، ومنهم من يضم، فيقولون: "اشتروا الضلالة" و "اشتروا الضلالة" بضم الواو وكسرها.
والاختلاف في التذكير والتأنيث. فإن من العرب من يقول: هذه البقر وهذه النخيل، ومنهم من يقول: هذا البقر وهذا النخيل.
والاختلاف في الإعراب نحو: ما زيد قائمًا وما زيد قائم، وإن هذين وإن هذان.
"وهذان بالألف دائمًا لغة لبني الحارث بن كعب".
والاختلاف في صورة الجمع، نحو أسرى وأسارى.
والاختلاف في التحقيق والاختلاس نحو "يأمركم" بضم الراء وتسكينها ونحو "عفي له" بتسكين الفاء وكسرها.
والاختلاف في الزيادة نحو "أنظر وأنظور".
وقال ابن فارس٢: "يقع في الكلمة الواحدة لغتان كقولهم الحِصاد والحَصاد بكسر الحاء وفتحها.
ويقع في الكلمة ثلاث لغات. نحو الزُّجاج والزَّجاج والزِّجاج، بضم الزاى وفتحها وكسرها.
ويقع في الكلمة أربع لغات، ويكون فيها خمس لغات، مثل الشَّمال والشَّمَل والشَّمْل والشَّمْأل والشَّمِل بفتح الميم في الأول والثاني وتسكين الميم في الثالث والرابع وجعل ألف المد همزة في الرابع، وكسر الميم في الخامس.
ويكون فيها ست لغات، نحو قُسطاس بضم القاف وكسرها، وبإبدال السين صادا مع ضم القاف، وقُستاط، بضم القاف، وقِساط بكسر القاف، وقُسَّاط بضم القاف.
ومن أثر اختلاف اللهجات العربية وجود الترادف في اللغة العربية مثل القمح والحنطة والبُر، قال الجاحظ في البيان والتبيين: "القمح لغة شامية، والحنطة لغة كوفية، والبر لغة حجازية". ومثل مجيء عدة أسماء لكل من السيف والأسد والفرس والبعير وغيرها٣.
стр. 109
وكذلك كان من أثر الاختلاف بين القبائل في اللهجات كلمات الأضداد، فقد نجد كلمة تستعمل بمعنى عند قبيلة، ولكنها تستعمل في معنى مضاد لهذا المعنى عند قبيلة أخرى، مثل "جلل" تستعمل في معنى "عظيم" وفي معنى "حقير"، وكلمة "جون" "بفتح الجيم" يوصف بها الأبيض والأسود، ومثل "شرى" بمعنى "اشترى" وبمعنى "باع". وروي أن أبا زيد الأنصاري قال: "السدفة في لغة تميم الظلمة، والسدفة في لغة قيس الضوء.. ولمقت الشيء ألمقه لمقًا إذا كتبته في لغة بني عقيل، وسائر قيس يقولون لمقته بمعنى محوته".
ولكن مهما تعددت اللهجات في لغة من اللغات، ومهما ضعفت الصلة بين هذه اللهجات بمرور الزمن واختلاف الظروف، فإن ذلك لا يمكن أن يلغي أن الأصل بينها جميعًا واحد، ولا يمكن أن يمنع أن تقوم بين أصحاب هذه اللهجات المختلفة لغة خاصة تكون لغة الأدب والحديث الممتاز مع عدم اختفاء هذه اللهجات المتعددة من الوجود، بل تظل مستعملة ويصبح استعمالها مقصورًا على أغراض الحياة العادية العاجلة. وإذا كان الأمر كذلك فما هذه اللغة التي كانت لغة الأدب بين العرب قبل الإسلام؟ لقد كان البحث عن إجابة لهذا السؤال سببًا في وجود كثير من الآراء: فتشارلز لايل٤، يقول: "إن لغة معد وهم العرب الإسماعيليون، كانت لسان وسط شبه الجزيرة، وقد سيطرت في ذلك الوقت على كل اليمن ما عدا شواطئ المحيط الهندي، حينما انتهت سيادة ملوك تبع على بقية شبه الجزيرة العربية واختفت إلى الأبد، وفى القرن السادس الميلادي زالت جميع آثارها من الوجود، حينما رجع ملوك كندة بقومهم من اليمامة وهجر إلى ديارهم الأصلية في حضرموت".
وفي بيانه لسيادة اللغة الواحدة في جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، يقول لايل: "فنفس التعبير اللغوي كان يُسمع من الحيرة على الفرات تحت ظلال فارس. ومن غسان في سوريا تحت سيطرة الكنيسة الرومانية بدمشق، إلى صنعاء وعدن في أقصى الجنوب حيث كان الحاكم الفارسي يحكم باسم شاهنشاه، وفي ربوع هذه البلاد كان عمل الشاعر يحظى بالشرف والمكافأة في كل مكان". وبهذا نرى أن سير لايل يرى هنا أن اللغة الشمالية هي التي سادت في أنحاء شبه الجزيرة، ولكنه لم يخصص لهجة من بين اللهجات الشمالية.
стр. 110
أما نولدكه، فيقول: إن الاختلافات في الحجاز ونجد وإقليم الفرات كانت قليلة، وأن اللغة الفصحى قد تركبت منها جميعًا، فهو كذلك لا يخصص لهجة معينة من بين لهجات هذه الأقاليم.
و"جويدى" يرى أن اللغة الفصحى ليست لهجة معينة لقبيلة معينة وإنما هي مزيج من لهجات أهل نجد ومن جاورهم.
وأما فيشر فيقول إنها لهجة معينة ولكنه لم ينسبها إلى قبيلة من القبائل.
ويرى فولرز وهارتمان أنها لهجة أعراب نجد واليمامة وقد أدخل فيها الشعر وتغييرات كثيرة٥.
وأما نالينو فيقول إنها لغة القبائل التي اشتهرت بنظم الشعر والتي جمع اللغويون والنحاة من أهلها مادتهم اللغوية وشواهدهم، وهي قبائل معد التي جمع ملوك كندة كلمتها تحت لواء حكم واحد قبل منتصف القرن الخامس الميلادي وفي رأيه أن هذه اللغة الفصحى تولدت من إحدى اللهجات النجدية وتهذبت في زمن مملكة كندة، وصارت اللغة الأدبية السائدة بين العرب.
ويأتي بلاشير فيراجع القبائل التي أخذ منها اللغويون مادتهم. وهم تميم وقيس وأسد ثم هذيل وبعض كنانة وبعض طيئ، ثم يذكر الفرق بين هذه القبائل التي أخذت عنهم الفصحى فيورد رأي الفارابي إذ يقول: "إن قيسًا وتميمًا وأسدًا هم الذين أكثر ما أخذ عنهم وعليهم اتكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف، ثم هذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين".
وأما بروكلمان، فيعتقد أن لغة الأدب الجاهلي لغة فنية قائمة فوق اللهجات وإن غذتها جميعا٦: وهو يعتقد أن الفصحى تألفت تدريجيًّا بفضل الصلات التجارية التي أوجدها الظعن والحج إلى المراكز الدينية كمكة واستمدت غناها في المفردات من عدد كبير من اللهجات٧.
стр. 111
وقد قال كثير من الباحثين العرب إن اللغة الفصحى هي لغة قريش، لأنها أفصح اللهجات العربية وأصفاها٨ ومن أشهر هؤلاء الباحثين: الفارابي وابن فارس وابن خلدون ويؤيدهم من المحدثين الأستاذ لطفي جمعة٩ والدكتور شوقي ضيف١٠ فهم يرون أنها اللغة الفصحى من بين لهجات القبائل العربية، وأنها هي التي سادت في المجال الأدبي فأصبحت لغة الأدب والفصاحة قبل ظهور الإسلام بزمن، ويقولون إن القرآن نزل بها، ذلك أنه هو -أي القرآن الكريم- يمثل العمود اللغوي، وبما أن القرآن قد أُوحي إلى محمد ﷺ سليل قريش المكية فالقرآن إذن نزل بلغة قريش، ولهذا كان العمود اللغوي الذي يجب أن يحتذى هو في لهجة القبيلة المذكورة١١. وقال أبو نصر الفارابي في أول كتابه المسمى بالألفاظ والحروف: كانت قريش أجود العرب انتقاء للأفصح من الألفاظ، وأسهلها على اللسان عند النطق، وأحسنها مسموعًا، وأبينها إبانة عما في النفس١٢ ويقول ابن فارس في أسباب تفوق لغة قريش على ما عداها: "ذلك لأن الله تعالى اختارهم من جميع العرب، واختار منهم محمدًا ﷺ ، فجعل قريشًا قُطَّان حَرمه، وولاة بيته، فكانت وفود العرب من حجاجها وغيرهم يفدون إلى مكة للحج، ويتحاكمون إلى قريش في دارهم، وكانت قريش مع فصاحتها وحسن لغاتها ورقة ألسنتها إذا أتتهم الوفود من العرب تخيروا من كلامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم وأصفى كلامهم، فاجتمع ما تخيروا من تلك اللغات إلى سلائقهم التي طبعوا عليها فصاروا بذلك أفصح العرب.
فهم يرون أن لهجة قريش تجمع لها من الأسباب، ما جعلها تسير بخطوات حثيثة نحو الرقي والكمال، فتم لها ذلك، فاتخذها العرب لغة رسمية لهم، يتحدثون بها في مجتماتهم الكبيرة، ويقولون بها أدبهم، وينطقون بها في تفاهمهم وأحاديثهم العامة ورسائلهم، وقد أتيحت لقريش ظروف لم تتح لغيرها:
стр. 112
فمن الناحية الدينية: كانت قريش تنزل بمكة، وكانت مكة قبلة العرب الدينية جميعًا
стр. 113
وأقاموا فيها أصنامهم فكان بها -على ما يروى- ثلاثمائة وستون صنمًا يحجون إليها كل عام، وكانت قريش تتولى خدمة البيت الحرام الذي تعظمه العرب وتقدسه، فقريش كانوا سدنته، يحافظون عليه ويتعهدونه بالعناية والرعاية، وهذا يجعلها موضع الاحترام من العرب جميعًا ولا شك أن اختلاطها بهم جعلها تسمع لغات القبائل كلها كل عام فكانت تنتقي أحسن الألفاظ وأعذب الكلمات من كل هذه اللهجات، وتضمها إلى لغتها، ويقولون: إن مما ساعد قريشًا على تقبل ألفاظ غيرها بسهولة كونهم حضريين، وتعود أسماعهم على كثير من الألسنة المختلفة التي كانت تفد إليهم. فطوع ذلك لسان قريش، وجعله مرنًا، يتقبل ألفاظًا غير ألفاظه في غير مشقة ولا عسر، بعكس البدوي الذي يقيم في الصحراء منعزلًا، لم يمرن لسانه على النطق بألفاظ غيره في سهولة ويسر، فاكتسبت لغة قريش بذلك ثروة من اللهجات الأخرى، وصار لسانها سهلًا سلسًا، بجانب ما خلع مركزهم الديني عليهم وعلى لغتهم من سمات الهيبة والاحترام.
стр. 114
ومن الناحية الاقتصادية: كانت مكة موطن قريش، تقع في وسط شبه الجزيرة العربية تقريبًا. وكانت زمزم تفيض بالقرب منها، فكانت مركزًا تجاريًّا هامًّا، تمر بها القوافل التجارية ذهابًا وإيابًا، حيث يجدون بها مكانًا طيبًا للراحة بعد مرحلة طويلة من السفر الشاق بين ربوع الصحراء بمرتفعاتها ومنخفضاتها، وطرقها الملتوية، وسبلها غير الممهدة، فيستريحون من عناء السفر، ووعثاء الطرق ويتزودون بما يجدون فيها من زاد وماء؛ فهذه الحركة التجارية أثرت ولا شك في مركز قريش المالي، مما جعلها غنية ثرية، ثم حببها ذلك أيضًا في الاشتغال بالتجارة١٣ فكانوا يقومون برحلات تجارية خارج مكة بجانب تجارتها الداخلية بها، مما زادهم غنى وثراء حتى مَن الله عليهم بذلك في قوله تعالى ﴿لإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ . ولا شك أن الثروة تخلع على صاحبها مهابة وجلالًا، وتجعله موضع الاحترام والإكبار من الجميع؛ فاختلاط قريش بغيرها في تجاراتهم الخارجية والداخلية لا بد أن يكون قد أكسبها ثروة لغوية مما تسمع من غيرها، سواء عند حلولهم في ديارهم، أو عند ذهاب قريش إليهم في مواطنهم،
стр. 115
فأخذ القرشيون كثيرًا من ألفاظهم، وعربوا ما ليس عربيًّا مما اقتبسوه من لغات غير العرب، وهذبوا كذلك من ألفاظهم بما يتناسب مع السهولة والرقة. وبذلك جمعوا بين الثروتين المادية واللغوية، فوق ما نالوه من زيادة في المهابة والإجلال.
стр. 116
ومن الناحية الاجتماعية: فقد كان للعرب في جاهليتهم أسواق يجتمعون فيها لتبادل السلع والآراء، وكانوا يقيمونها على مدار السنة في أماكن مختلفة، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، ولكن قريشًا كانت أكثر القبائل حظًّا في ذلك، إذ كان يقام حولها ثلاث أسواق تمكث مدة طويلة، فكانت ذو المجاز تستمر ثلاثة أيام، وسوق مجنة سبعة أيام، وسوق عكاظ ثلاثين يومًا: وكانت كل القبائل تحضر هذه الأسواق لأنها متوجههم إلى الحج الأكبر، وهذه الأسواق بجانب أهميتها التجارية، كانت لها أهمية اجتماعية، وأهمية أدبية وكان لقريش في ذلك رأي لا يمكن تجاهله، ونصيب لا يستهان به في الميادين فكانت هذه الأسواق تعرض فيها المشكلات، وتتبادل الآراء لفض المنازعات، وتسوية الخلافات كالصلح بين المتخاصمين، وتهدئة الثائرين وإطلاق سراح الأسرى، والحكم بين المتخالفين، كما كانت هذه الأسواق ميدانًا للخطابة والشعر، وفصيح القول: يخطب فيها الخطباء وينشد الشعراء، ويتبارى المتكلمون بما دبجته قرائحهم من بليغ الكلام، وهناك تعقد مجالس النقد للمفاضلة بين المتكلمين في ميادين البلاغة والبيان.
ومن الطبيعي أن تطرق هذه السيول من البلاغة آذان سامعيها من العرب جميعًا، وبخاصة قريش الذين كانوا أهل البلد الذى تنزله هذه الأفواج، ولا شك أن ذلك يستتبع تأثيرًا في لغتهم ولسانهم، مما يزيدهم فصاحة في الأسلوب وثروة في الألفاظ والعبارات.
ومن ثم يعتقد هؤلاء الباحثون أن لغة قريش قد تهيأ لها -دون غيرها من اللهجات العربية الأخرى- من الأسباب والعوامل، ما جعلها تبلغ درجة عليا من التهذيب الكامل والنضج التام، فاتخذها العرب جميعًا قبل الإسلام، لغة الأدب، وحديث المجتمعات، ولغة الوفود كاللغة الرسمية في عصرنا الحديث.
وبجانب أن لهجة قريش أصبحت بذلك أفصح اللغات فإنها تخلو من العيوب التي توجد في كثير من اللهجات الأخرى وهي باختصار:
стр. 117
١- عنعنة تميم: وهي إبدال الهمزة عينا، نحو "عنت وعنك"، في أنت وأنك.
стр. 118
٢- قلقلة بهراء: وهي كسر أول المضارع نحو يلعب ويلهو.
стр. 119
٣- كسكسة تميم: وهي إلحاق سين بعد كاف المخاطبة نحو رأيتكس.
стр. 120
كشكة أسد أو ربيعة
...
٤- كشكشة أسد أو ربيعة: هي إبدال شين من كاف المخاطبة نحو رأيتش.
стр. 121
٥- فحفحة هذيل: وهي قلب الحاء عينا مثل: عتى أي حتى.
стр. 122
٦- وكم ربيعة: وهي كسر كاف الخطاب بعد الياء الساكنة أو الكسرة نحو عليكم، وبكم.
стр. 123
٧- وهم بني كلب: وهي كسر هاء الغيبة إذا لم يكن قبلها ياء ساكنة ولا كسرة نحو بينهم، وعنهم.
стр. 124
٨- جمجمة قضاعة: وهي قلب الياء الأخيرة جيما نحو الساعج بدل الساعي.
стр. 125
٩- وتم أهل اليمن: وهو قلب السين المتطرفة تاء نحو النات أي الناس.
стр. 126
١٠- الاستنطاء: في لغة سعد والأزد وقيس، وهو قلب العين الساكنة نونًا قبل الطاء نحو أنطى في أعطى.
стр. 127
١١- شنشنة اليمن: وهي قلب الكاف شينًا نحو لبيش اللهم لبيش.
стр. 128
١٢- لخلخانية الشحر: وهي حذف الألف نحو مشاء الله أي ما شاء الله.
стр. 129
١٣- طمطمانية حمير: وهي جعل "ال" "أم" نحو "امهواء" في "الهواء".
стр. 130
١٤- غمغمة قضاعة: وهي إخفاء الحروف عند الكلام فلا تكاد تظهر.
стр. 131
رواية الأدب الجاهلي
مدخل
...
رواية الأدب الجاهلي
سبق أن أشرنا إلى أن العرب الجاهليين أتيحت لهم فرص كثيرة للقول والاحتفال به، والإنصات إليه في وعي وانتباه، والاستمتاع به في شغف واهتمام، فكانت هناك مجالس العشيرة ومجتمعات القبائل على نطاق خاص وعلى نطاق عام، وحلقات المباريات الأدبية، وندوات الأدباء والنقاد، يضاف إلى ذلك خطرات الأديب، وسبحات خياله، وفيض مشاعره حول حياته وأحاسيسه الخاصة، وما هذه الأحوال إلا مصادر الإلهام الأدبي، وروافد سيله وفيضانه، إذ تسبح الخواطر، وتحلق الخيالات، وتتوالى المشاعر، فتفيض المعاني، وتتوارد الصور، ويعمل الحس والذوق، فإذا ما اكتمل الإطار، وتم الإبداع النفسي، انطلقت الألسنة، لتضيف إلى الوجود آثارًا جديدة في عالم الأدب.
ولا نريد أن نبالغ هنا، فندعي -كما قال الكثير عن العرب الجاهليين- أنهم كانوا جميعًا مطبوعين على البلاغة، وكلهم أرباب فصاحة وبيان، فكأنهم كانوا جميعًا شعراء وأدباء، فذلك مما يأباه الواقع؟ فلم يحدث في أمة من الأمم -وإن كان أفرادها كلهم كذلك- كأن حديثهم العادي كان أدبًا، وحاجاتهم اليومية لا تقضى إلا بشعر رائع أو نثر بليغ، إنما نعتقد أنهم كانت فيهم ميول ظاهرة إلى تذوق الأدب والاستمتاع به. كان منهم أفراد منحوا موهبة الأدب، فوجدت منهم طبقة الأدباء الممتازين، شعراء فحول، وناثرون بلغاء، ومحدثون فصحاء، وكان منهم ذواقون للأدب، خبيرون بمواطن حسنه، وأسرار بلاغته، وسماعون للقول الممتاز، يتعشقون سحره، ويطربون لسماعه، ويحلو لهم ترديده وتكراره.
وكان النص الأدبي يلقى شفهيًّا، وربما كان هناك من الأدباء من يدون أثره الأدبي، ولكن يبدو أن ذلك كان قليلًا ونادرًا، نظرًا لشيوع الأمية وعدم معرفة الكتابة بين كثير منهم، وسنشير إلى ذلك فيما بعد إن شاء الله. ومن ثم كان الجميع تقريبًا يعتمدون على ذاكرتهم في تأليف النص الأدبي وإلقائه، وسماعه وترداده.
فكان الأديب يلقي ما دبجته قريحته معتمدًا على ذاكراته، وجمهوره يتلقى عنه معتمدًا على الحافظة، فيسمعونه، ويرددونه بحكم شغفهم بالأدب، وميلهم لحفظه وصيانته،
стр. 132
معتمدين كذلك، لا على قلم يدون، وقرطاس يحفظ، بل على قواهم العقلية الطبيعية الذاكرة الحافظة، أقلامهم الوعى والانتباه ودقة السماع والإنصات، وقراطيسهم صفحات الأفئدة والقلوب. ولكن هل كانوا يحفظونه بمجرد سماعه لأول مرة، كأنهم آلات تسجيل؟ ربما كان الأديب يكرره أكثر من مرة، وربما كان السامعون يعاودون تكراره، بعضهم مع بعض، فيكمل كل منهم لزميله ما قد يكون ندَّ عن ذاكرته، أو غاب عنه وعيه، وهكذا حتى يثبت النص، طبق الأصل، كما ورد عن صاحبه، ويصبح كأنما هو مسطر في كتاب. ومن المعروف أن الموهبة تقوى بالممارسة والتدريب، والعادة تصبح طبيعة بالتكرار والاستمرار، ومن ثم نعتقد أنه كان بين الجاهليين قوة في الذاكرة وحدة في الحافظة، بسبب اعتمادهم الكلي عليها، والمداومة على ممارستها لأداء هذه الوظيفة، مدفوعين إلى ذلك بحكم شغفهم الطبعي لحفظ هذه الآثار وصيانتها، وأرهف قوة الذاكرة عندهم عدم شيوع الكتابة بينهم؛ لندرة من يعرفها، ولأن ظروف الحياة عندهم ما كانت تهيئ لهم أوقاتًا يجلسون فيها لتعلم القراءة والكتابة، فالسعي إلى لقمة العيش التي تقيم أودهم، كان يشغلهم عن هذا وأمثاله مما لا يتصل بصميم الحياة في بيئتهم وظروفهم، كما أن أدوات الكتابة كانت الحجارة والجلود والسعف، وأمثالها مما لا يحبب الكثير في مزاولتها. ومن ثم كان الاعتماد الأساسي في حفظ الآثار وتسجيلها يقوم على الذاكرة والترديد الشفهي.
وكان أكثر الناس اهتمامًا بنصوص الأديب أهله وعشيرته؛ ذلك لأنهم كانوا يعتبرون الأديب لسان حالهم: فهو المعبر عما في نفوسهم، والمذيع لأخبارهم، والمسجل لمآثرهم وأمجادهم، تنطلق منه الكلمات فتدوي في الآفاق، وتخترق الفضاء كالسهام، فتنفذ في الأسماع، وتستقر في القلوب. وتتناقلها الأجيال؛ الخلف عن السلف، فتظل عالقة بالأذهان، خالدة خلود الإنسان، فالعشيرة ومعهم الأصدقاء١ كانوا السجل الأصلي لآثار أدبائهم، يحفظونها عن ظهر قلب، ويذيعونها في الآفاق، ويرددونها في كل مكان، ويتلقاها الأبناء عن الآباء في زهو وافتخار، ويتغنون بها في كل زمان، وقد يبلغ بهم عشق النص الأدبي والإعجاب به إلى درجة تلهيهم عن بعض الأعمال، وفي مثل ذلك يقول بعض بني بكر في بني تغلب لكثرة تردادهم قصيدة عمرو بن كلثوم٢:
стр. 133
ألهى بني تغلب عن كل مكرمة ... قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
يروونها أبدًا مذ كان أولهم ... يا للرجال لشعر غير مسئوم
فالرواية الشفهية كانت سبيل النشر والحفظ والبقاء للآثار الأدبية وبخاصة البدو، أما في الحضر فيجوز أن كان من بينهم من دَوَّن آثاره. والرواية الشفهية -مع أن فيها ما فيها من صعوبة واحتمال للخلط أحيانًا- تعتبر وسيلة مضبوطة للنقل الصحيح، فهي ليست إلا النطق والسماع والمشافهة، وفيها تلقى العبارات مضبوطة، وتتلقى صحيحة، وذلك يجعلها بعيدة كل البعد عن التصحيف الذي هو أظهر عيوب الكتابة والنقل عن الكتب، مما دعا اللغويين وثقات الرواة إلى أن يتحاشوا النقل عن صحيفة٣ مهما كانت، وبخاصة قبل النقط والشكل.
وكان أشد العشيرة تعلقًا بأدبهم من كان يحس في نفسه أن لديه الموهبة الأدبية فكان الناشئ الموهوب يتعلق بالأديب أشد تعلق، ليتلقى منه كل ما ينتج، وهذا الناشئ بعمله ذلك إنما يغذي موهبته الأدبية، وينمي مقدرتها، حتى يتكامل نموها ويتم نضجها، وبجانب هذه الفائدة الشخصية التي يحققها لنفسه، كان يحفظ هذه الآثار، ويصونها من الضياع، ويعمل على نشرها وإذاعتها بمداومة مدارستها وتكرارها. ومن ثم نشأت السلاسل في كثير من القبائل، مثل:
سلسلة أوس بن حجر الذي كان زوجاً لأم زهير بن أبي سلمى، فنشأ هذا راوية لأوس، وعن زهير أخذ ابنه كعب٤.
وسلسلة المسيب بن علس خال الأعشى، راويته٥.
وسلسلة المهلهل خال امرئ القيس.
وسلسلة المرقش الأكبر عم المرقش الأصغر عم طرفة بن العبد. وسلسلة الهذليين٦.
وبجانب اهتمام أفراد العشيرة بأدبائهم كان يهتم بهم كذلك كثير ممن لا يمتون إليهم بصلة القرابة أو العصبية، حبًّا في الأدب ورغبة في تثقيف عقولهم، وتغذية مواهبهم، وتنمية
стр. 134
قدراتهم الأدبية، كما حدث في سلسلة أوس بن حجر السالفة الذكر، إذ أخذ عن كعب بن زهير وروى له الحطيئة، وعن هذا أخذ هدبة بن خشرم، وعن هدبة أخذ جميل وعن جميل أخذ كثير وروى له. وقد تغنى كثير من الشعراء الأفذاذ بتثقيف عقولهم، وتكوين شخصياتهم الأدبية، بآثار السابقين الفحول، ومن ذلك ما يقوله الفرزدق:
وهب القصائد لي النوابغ إذ مضوا ... وأبو يزيد وذو القروح وجرول
والفحل علقمة الذي كانت له ... حلل الملوك كلامه لا ينحل
وأخو بني قيس،٧ وهن قتلنه٨ ... ومهلهل الشعراء ذاك الأول
والأعشيان كلاهما ومرقش ... وأخو قضاعة٧ قوله يتنخل
وابنا أبي سلمى زهير وابنه ... وابن الفريعة حين جد المقول
والجفعري١٠ وكان بشر١١ قبله ... لي من قصائده الكتاب المجمل
ولقد ورثت لآل أوس١٢ منطقًا ... كالسم خالط جانبيه الحنظل
والحارثي١٣ أخو الحماس ورثته ... صدعًا كما صدع الصفاة المعول
وبلغ من اهتمام العرب بالأدب أن تخصص قوم في حفظه وروايته، ووجدت في تاريخ العرب طبقات من الرواة منذ العصر الجاهلي١٤.
وقد وردت الأخبار بما يفيد قوة الذاكرة وسعة المحفوظ لدى كثير من الرواة، فقد روي عن الأصمعي أنه قال: "أحفظ ستة عشر ألف أرجوزة"١٥، وجاء في كتاب الأغاني١٦: أن حمادًا الراوية روى عن نفسه فقال: "قال لي الوليد بن يزيد: أنت حماد
стр. 135
الراوية؟ فقلت له: إن الناس ليقولون ذلك، قال: فما بلغ من روايتك؟ قلت: أروي سبعمائة قصيدة أول كل واحدة منها: "بانت سعاد" فقال: "إنها لرواية". وفي موضع آخر يقول صاحب الأغاني١٧:
"إن الوليد بن يزيد قال لحماد الراوية: بم استحققت هذا اللقب، فقيل لك الراوية؟ فقال: بأني أروي لكل شاعر تعرفه يا أمير المؤمنين أو سمعت به، ثم أروي لأكثر منهم ممن تعرف أنك لم تعرفه ولم تسمع به، ثم لا أنشد شعرًا قديمًا ولا محدثًا إلا ميزت القديم منه من المحدث، فقال: إن هذا العلم وأبيك كثير، فكم مقدار ما تحفظ من الشعر؟ قال: كثيرًا، ولكني أنشدك على كل حرف من حروف المعجم مائة قصيدة كبيرة، سوى المقطعات من شعر الجاهلية دون شعر الإسلام قال: سأمتحنك في هذا، وأمره بالإنشاد: فأنشد الوليد حتى ضجر، ثم وكل به من استحلفه أن يصدقه عنه ويستوفي عليه، فأنشده ألفين وتسعمائة قصيدة للجاهليين".
ربما كان في بعض هذه الأخبار شيء من المبالغة، ولكنها على كل حال تدل على قوة الذاكرة، وسعة الأفق، لدى هؤلاء الذين خصصوا أنفسهم لهذه المهمة.
كانت المجالس الأدبية كثيرة في العصر الجاهلي، لكثرة المناسبات التي تستدعي هذه المجالس، وكان الأدب قوامها، فحبب الكثير من الناس في حضورها، والمداومة عليها، لشغفهم بالأدب وحبهم له، إما إلقاءً ونشيدًا وإما سماعًا ومتعة، وإما رغبة في حفظه وهضمه، لتغذية مواهب أدبية ناشئة أو لصيانته ونشره في الآفاق بين مختلف الأجيال. كان الأدب يحظى بالاهتمام والعناية والرعاية والنشر عن طريق السماع والمشافهة والرواية. واستمر اهتمام العرب بالأدب كذلك في صدر الإسلام، فكما كان الأدب موضع الاهتمام في العصر الجاهلي، احتل كذلك مكان عالية بين العرب بعد ظهور الدعوة الإسلامية الجديدة، بل كان الأدب عمادًا هامًّا للدعوة منذ جاء بها النبي ﷺ وخير شاهد على ذلك القرآن الكريم والحديث الشريف، وهما من الفصاحة في الذورة العليا، فأولهما كلام الله تعالى جل شأنه خالق البلاغة والبلغاء، وثانيهما كلام الرسول ﵊ أفصح البلغاء أجمعين.
стр. 136
وظلت المجالس والمحافل تعقد في كل مناسبة، وكان الأدب حليتها وبهجتها؛ يترنم الأديب بإلقاء أثره الأدبي، ويتغنى الراوي بترديده، ويستمتع الحاضرون بسحره وجماله، ويكفي شاهدًا على استمرار المجالس الأدبية وترديد الآثار الأدبية عن طريق الرواية والمشافهة وردود الأخبار الصحيحة عن حضور النبي ﷺ هذه المجالس، وطلبه أن يسمع شيئًا من القطع الأدبية الممتازة، فمن ذلك ما يرويه صاحب الأغاني١٨ عن أنس بن مالك قال: "جلس رسول الله ﷺ في مجلس ليس فيه إلا خزرجي، ثم استنشدهم قصيدة قيس بن الخطيم، يعني قوله:
أتعرف رسمًا كاطراد١٩ المذاهب ... لعَمْرةَ وحشًا غير موقف راكب
فأنشده بعضهم إياها، حتى بلغ إلى قوله.
أجالدهم يوم الحديقة حاسرًا ... كأن يدي بالسيف مخراق لاعب
فالتفت إليهم رسول الله ﷺ ، فقال: "هل كان كما ذكر؟ " فشهد له ثابت بن قيس بن شماس، وقال له: والذي بعثك بالحق يا رسول الله، لقد خرج إلينا يوم سابع عرسه وعليه غلالة وملحفة مورسة٢٠ فجالدنا كما ذكر".
وكذلك كان الخلفاء الراشدون محبين للأدب، يروونه، وينشدون كثيرًا منه قال ابن سلام: "كان عمر بن الخطاب ﵁ لا يكاد يعرض له أمر إلا أنشد فيه بيت شعر"٢١. ويروى كذلك أن "عمر بن الخطاب ﵁ قال لبعض ولد هرم: أنشدني بعض مدح زهير أباك. فأنشده، فقال عمر: إنه كان ليحسن فيكم المدح. قال: ونحن إن كنا لنحسن له العطية. قال: قد ذهب ما أعطيتموه، وبقي ما أعطاكم". وفي رواية عمر بن شبة: قال عمر لابن زهير: "ما فعلت الحلل التي كساها هرم أباك؟ قال: أبلاها الدهر، قال: لكن الحلل التي كساها أبوك هرمًا لم يبلها الدهر"٢٢.
стр. 137
وفي عصر الأمويين، اشتد شغفهم بالأدب، ومما يروى في ذلك أن "الأصمعي ذكر يومًا بني أمية وشغفهم بالعلم، فقال: "كانوا ربما اختلفوا، وهم بالشام، في بيت من الشعر، أو خبر، أو يوم من أيام العرب، فيبردون فيه بريدًا إلى العراق"٢٣. وكان خلفاء بني أمية وحكامهم يشتهرون بحب الأدب وعقد المجالس الأدبية للمنافسة في صنع الأدب وراويته، فمعاوية وهو أولهم كان مولعًا بمعرفة أخبار الماضين فاستدعى عبيد بن شرية الجرهمي من صنعاء اليمن, وأخذ يسأله عن الأخبار المتقدمة والملوك السالفة، وغير ذلك، فأعجب معاوية، وأمر أن يدون وينسب إلى عبيد بن شرية٢٤. وأشرنا آنفا إلى موقف من مواقف الوليد بن يزيد مع حماد الراوية. ويقال إن زياد بن أبيه بعث بولده إلى معاوية، فكاشفه عن فنون من العلم، فوجده عالمًا بكل ما سأله عنه، ثم استنشده، فقال: لم أرو منه شيئًا، فكتب معاوية إلى زياد. ما منعك أن ترويه الشعر، فو الله إن كان العاق ليرويه فيبر، وإن كان البخيل ليرويه فيسخو، وإن كان الجبان ليرويه فيقاتل٢٥.
ولم يكن حال المجالس الأدبية في العصر العباسي أقل شأنًا مما كانت عليه أيام الأمويين، وليس هذا مكان الحديث عن الأدب في العصور التالية للعصر الجاهلي، ولكن لا ينبغي لنا أن نغفل في حديثنا عن رواية الأدب الجاهلي الإشارة إلى أن الاهتمام بالأدب وسماعه رواية ومشافهة كان من أهم مظاهر المجالس والمحافل في العصر الإسلامي وزمن الأمويين والعباسيين، وتزخر كتب الأدب والتاريخ بالكلام المستفيض عن مظاهر الاهتمام بالأدب وروايته في هذه العصور.
فبجانب اهتمام عشائر الأدباء وأصدقائهم بالآثار الأدبية التي ينتجونها، والعمل على نشرها وحفظها، وجد كثير -من غير الأهل والأصدقاء- يعشقون الأدب، يحفظونه ويروونه، حتى اتخذه قوم منهم حرفة ومهنة لهم، فوجدت طبقات من الرواة لم يكن لديهم الموهبة على صنع النصوص الأدبية، ولكن خصصوا أنفسهم لحفظ الأدب، فلم يكونوا منقطعين لأديب خاص أو أدباء معينين، كما سبق أن رأينا في بعض السلاسل الأدبية التي أشرنا إليها آنفاً، ولكنهم، عملوا على أن يحفظوا أكبر قدر مستطاع من الأدب من غير تحديد لأشخاص أو
стр. 138
قبائل، فكانت مهنتهم الرواية وذلك لما رأوا من اهتمام عظيم بالأدب وروايته، وبخاصة من الخلفاء والأمراء والولاة والحكام. وقد حفلت كتب الأدب والتاريخ بالكتابة عن عشرات من هؤلاء الرواة، ومما ورد إلينا يتبين أنه كان من هؤلاء الرواة، الأمين الثقة، والمتهم المشكوك في نزاهته. وفيما يلي نبذة عن أشهر هؤلاء الرواة ومن بينهم من قام بتدوين الأدب بجانب روايته، ونذكرهم هنا مرتبين ترتيبًا زمنيًّا بحسب وفاتهم:
стр. 139
١- محمد بن السائب الكلبي: من علماء الكوفة بالتفسير والأخبار وأيام الناس، ومقدم الناس بعلم الأنساب: توفي بالكوفة سنة ١٤٦هـ٢٦ -٧٦٣م وكان مصدرًا يعتمد عليه الأخباريون المتأخرون، وهو من أصل عربي قضى حياته بين البصرة والكوفة.
стр. 140
٢- عوانة بن الحكم بن عياض: من بني كلب، كان عالمًا بالشعر والأنساب. والأخبار، توفي سنة ١٤٧هـ-٧٦٤م وهو من علماء الكوفيين٢٧.
стр. 141
٣- محمد بن إسحاق: صاحب السيرة، مطعون فيه، غير مرضي الطريقة، يقال: كان يعمل له الأشعار، ويؤتى بها، ويسأل أن يدخلها في كتابه في السيرة فيفعل، فضمن كتابه من الأشعار ما صار فضيحة عند رواة الشعر، وأخطأ في النسب الذي أورده في كتابه، وكان يحمل عن اليهود والنصارى، ويسميهم في كتبه أهل العلم. وأصحاب الحديث يضعفونه ويتهمونه، مات سنة ١٥٠هـ٢٨ ويقول عنه ابن سلام٢٩: وكان ممن هجن الشعر وأفسده، وحمل كل غثاء محمد بن إسحاق، مولى آل مخرمة بن المطلب بن عبد مناف وكان من علماء الناس بالسير، فنقل الناس عنه الأشعار وكان يعتذر منها ويقول: لا علم لي بالشعر، أوتى به فأحمله، ولم يكن ذلك له عذرًا، فكتب في السير أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعرًا قط، وأشعار النساء فضلًا عن الرجال، ثم جاوز ذلك إلى عاد وثمود، فكتب لهم أشعارًا كثيرة، وليس بشعر إنما هو كلام مؤلف، معقود بقوافٍ. أفلا يرجع إلى نفسه فيقول: من حمل هذا الشعر، ومن أداه منذ ألوف السنين، والله ﵎ يقول: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي لا بقية لهم. وقال أيضاً: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى،
стр. 142
وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ . وقال في عاد: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ وقال: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ وقال: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ﴾ .
وقال ابن سلام في موضع آخر: "فلو كان الشعر مثل ما وضع لابن إسحاق، ومثل ما رواه الصحفيون، ما كانت إليه حاجة ولا فيه دليل على علم".
стр. 143
٤- أبو عمرو بن العلاء: ولد سنة ٧٠ هـ -٦٨٩م ومات سنة ١٥٤-٧٧٠، أحد القراء السبعة، وهو رئيس مدرسة البصرة، أمين، ثقة، عالم بالقرآن والعربية والشعر وأيام العرب، وقد وجه عناية كبيرة إلى تدوين كميات هائلة من الشعر الجاهلي والأخبار المتعلقة به ويقال إنه أحرقها فيما بعد تحت تأثير ديني٣٠.
وقد قال عنه الأصمعي: جلست إليه ثماني حجج، فما سمعته يحتج ببيت إسلامي٣١. وقال عنه ابن سلام: "وكان أبو عمرو أوسع علمًا بكلام العرب ولغاتها٣٢". وقال ابن سلام كذلك: "سمعت يونس يقول: لو كان أحد ينبغي أن يؤخذ بقوله كله كان ينبغي لقول أبي عمرو بن العلاء في العربية أن يؤخذ كله"٣٣.
стр. 144
٥- حماد الرواية: هو ابن أحد الموالي، من سبي الديلم، سباه عروة بن زيد الخيل، ووهبه لابنته ليلى يخدمها خمسين سنة، ثم ماتت فبيع بمائتي درهم، فاشتراه عامر بن مطر الشيباني وأعتقه٣٤. ولد سنة ٧٥ هـ ٧٩٤م ولم ينعم في طفولته وحداثته بالاستقرار، حتى عد من الصبيان الأشرار، يروى أنه كان في أول أمره يتشطر، ويصحب الصعاليك واللصوص، فنقب ليلة على رجل فأخذ ماله، وكان فيه جزء من شعر الأنصار، فقرأه حماد، فاستحلاه وتحفظه، ثم طلب الأدب والشعر وأيام الناس ولغات العرب بعد ذلك وترك ما كان عليه فبلغ في العلم ما بلغ٣٥ وطارت شهرته فيما بعد بالكوفة كراوية، وكان رئيس مدرسة
стр. 145
الكوفة، وقد نال حظوة عند الخليفة الوليد بن يزيد، وكان أحد الثلاثة الذين يقال لهم "الحمادون" بالكوفة: حماد عجرد، وحماد الزبرقان، وحماد الراوية. وكانوا يتنادمون على الشراب ويتناشدون الأشعار، وكانوا يرمون بالزندقة، وكان هؤلاء مع يحيى بن زياد ومطيع بن إياس يعيشون عيشة عبث ومجون يثير نقمة الطبقة المحافظة.
وقد مرت الإشارة إلى ما روي عن قوة حافظته حتى سمي بالراوية، ولكنه كان متهمًا في روايته، غير موثوق به ويرمى بأنه كان يزيد في أشعار الشعراء ويدس عليهم ما ليس لهم، قال ابن سلام: "وكان أول من جمع أشعار العرب وساق أحاديثها حماد الرواية، وكان غير موثوق به؛ كان ينحل شعر الرجل غيره، ويزيد في الأشعار"٣٦. وروى صاحب الأغاني عن جماعة: أنهم كانوا في دار أمير المؤمنين بعيسا باذ٣٧، وقد اجتمع فيه عدة من الرواة والعلماء بأيام العرب وآدابها وأشعارها ولغاتها، إذ خرج بعض أصحاب الحاجب فدعا بالمفضل الضبي الراوية فدخل، فمكث مليًّا، ثم خرج إلينا ومعه حماد والمفضل جميعًا، وقد بان في وجه حماد الانكسار والغم، وفي وجه المفضل السرور والنشاط، ثم خرج حسين الخادم معهما، فقال: يا معشر من حضر من أهل العلم، إن أمير المؤمنين يعلمكم أنه قد وصل حمادًا بعشرين ألف درهم لجودة شعره، وأبطل روايته لزيادته في أشعار الناس ما ليس منها، ووصل المفضل بخمسين ألفا لصدقه وصحة روايته، فمن أراد أن يسمع شعرًا جيدًا محدثًا، فليسمع من حماد، ومن أراد رواية صحيحة فليأخذها عن المفضل. فسألنا عن السبب فأخبرنا أن المهدي قال للمفضل لما دعا به وحده: إني رأيت زهير بن أبي سلمى افتتح قصيدته بأن قال:
دع ذا وعد القول في هرم
ولم يتقدم له قبل قول، فما الذي أمر نفسه بتركه؟ فقال له المفضل ما سمعت يا أمير المؤمنين في هذا شيئًا إلا أني توهمته أنه كان يفكر في قول يقوله، أو يروي في أن يقول شعرًا، فعدل عنه إلى مدح هرم، وقال: دع ذا، أو كان مفكرًا في شيء من شأنه، فتركه، وقال: دع ذا، أي دع ما أنت فيه من الفكر، وعد القول في هرم. فأمسك عنه، ثم دعا بحماد، فسأله