← Адаб

Адаб · id 12046

في تاريخ الأدب الجاهلي

علي الجندي

Полный текст (554 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

٣- محمد بن إسحاق: صاحب السيرة، مطعون فيه، غير مرضي الطريقة، يقال: كان يعمل له الأشعار، ويؤتى بها، ويسأل أن يدخلها في كتابه في السيرة فيفعل، فضمن كتابه من الأشعار ما صار فضيحة عند رواة الشعر، وأخطأ في النسب الذي أورده في كتابه، وكان يحمل عن اليهود والنصارى، ويسميهم في كتبه أهل العلم. وأصحاب الحديث يضعفونه ويتهمونه، مات سنة ١٥٠هـ٢٨ ويقول عنه ابن سلام٢٩: وكان ممن هجن الشعر وأفسده، وحمل كل غثاء محمد بن إسحاق، مولى آل مخرمة بن المطلب بن عبد مناف وكان من علماء الناس بالسير، فنقل الناس عنه الأشعار وكان يعتذر منها ويقول: لا علم لي بالشعر، أوتى به فأحمله، ولم يكن ذلك له عذرًا، فكتب في السير أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعرًا قط، وأشعار النساء فضلًا عن الرجال، ثم جاوز ذلك إلى عاد وثمود، فكتب لهم أشعارًا كثيرة، وليس بشعر إنما هو كلام مؤلف، معقود بقوافٍ. أفلا يرجع إلى نفسه فيقول: من حمل هذا الشعر، ومن أداه منذ ألوف السنين، والله ﵎ يقول: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي لا بقية لهم. وقال أيضاً: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى،

стр. 142

وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ . وقال في عاد: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ وقال: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ وقال: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ﴾ . وقال ابن سلام في موضع آخر: "فلو كان الشعر مثل ما وضع لابن إسحاق، ومثل ما رواه الصحفيون، ما كانت إليه حاجة ولا فيه دليل على علم".

стр. 143

٤- أبو عمرو بن العلاء: ولد سنة ٧٠ هـ -٦٨٩م ومات سنة ١٥٤-٧٧٠، أحد القراء السبعة، وهو رئيس مدرسة البصرة، أمين، ثقة، عالم بالقرآن والعربية والشعر وأيام العرب، وقد وجه عناية كبيرة إلى تدوين كميات هائلة من الشعر الجاهلي والأخبار المتعلقة به ويقال إنه أحرقها فيما بعد تحت تأثير ديني٣٠. وقد قال عنه الأصمعي: جلست إليه ثماني حجج، فما سمعته يحتج ببيت إسلامي٣١. وقال عنه ابن سلام: "وكان أبو عمرو أوسع علمًا بكلام العرب ولغاتها٣٢". وقال ابن سلام كذلك: "سمعت يونس يقول: لو كان أحد ينبغي أن يؤخذ بقوله كله كان ينبغي لقول أبي عمرو بن العلاء في العربية أن يؤخذ كله"٣٣.

стр. 144

٥- حماد الرواية: هو ابن أحد الموالي، من سبي الديلم، سباه عروة بن زيد الخيل، ووهبه لابنته ليلى يخدمها خمسين سنة، ثم ماتت فبيع بمائتي درهم، فاشتراه عامر بن مطر الشيباني وأعتقه٣٤. ولد سنة ٧٥ هـ ٧٩٤م ولم ينعم في طفولته وحداثته بالاستقرار، حتى عد من الصبيان الأشرار، يروى أنه كان في أول أمره يتشطر، ويصحب الصعاليك واللصوص، فنقب ليلة على رجل فأخذ ماله، وكان فيه جزء من شعر الأنصار، فقرأه حماد، فاستحلاه وتحفظه، ثم طلب الأدب والشعر وأيام الناس ولغات العرب بعد ذلك وترك ما كان عليه فبلغ في العلم ما بلغ٣٥ وطارت شهرته فيما بعد بالكوفة كراوية، وكان رئيس مدرسة

стр. 145

الكوفة، وقد نال حظوة عند الخليفة الوليد بن يزيد، وكان أحد الثلاثة الذين يقال لهم "الحمادون" بالكوفة: حماد عجرد، وحماد الزبرقان، وحماد الراوية. وكانوا يتنادمون على الشراب ويتناشدون الأشعار، وكانوا يرمون بالزندقة، وكان هؤلاء مع يحيى بن زياد ومطيع بن إياس يعيشون عيشة عبث ومجون يثير نقمة الطبقة المحافظة. وقد مرت الإشارة إلى ما روي عن قوة حافظته حتى سمي بالراوية، ولكنه كان متهمًا في روايته، غير موثوق به ويرمى بأنه كان يزيد في أشعار الشعراء ويدس عليهم ما ليس لهم، قال ابن سلام: "وكان أول من جمع أشعار العرب وساق أحاديثها حماد الرواية، وكان غير موثوق به؛ كان ينحل شعر الرجل غيره، ويزيد في الأشعار"٣٦. وروى صاحب الأغاني عن جماعة: أنهم كانوا في دار أمير المؤمنين بعيسا باذ٣٧، وقد اجتمع فيه عدة من الرواة والعلماء بأيام العرب وآدابها وأشعارها ولغاتها، إذ خرج بعض أصحاب الحاجب فدعا بالمفضل الضبي الراوية فدخل، فمكث مليًّا، ثم خرج إلينا ومعه حماد والمفضل جميعًا، وقد بان في وجه حماد الانكسار والغم، وفي وجه المفضل السرور والنشاط، ثم خرج حسين الخادم معهما، فقال: يا معشر من حضر من أهل العلم، إن أمير المؤمنين يعلمكم أنه قد وصل حمادًا بعشرين ألف درهم لجودة شعره، وأبطل روايته لزيادته في أشعار الناس ما ليس منها، ووصل المفضل بخمسين ألفا لصدقه وصحة روايته، فمن أراد أن يسمع شعرًا جيدًا محدثًا، فليسمع من حماد، ومن أراد رواية صحيحة فليأخذها عن المفضل. فسألنا عن السبب فأخبرنا أن المهدي قال للمفضل لما دعا به وحده: إني رأيت زهير بن أبي سلمى افتتح قصيدته بأن قال: دع ذا وعد القول في هرم ولم يتقدم له قبل قول، فما الذي أمر نفسه بتركه؟ فقال له المفضل ما سمعت يا أمير المؤمنين في هذا شيئًا إلا أني توهمته أنه كان يفكر في قول يقوله، أو يروي في أن يقول شعرًا، فعدل عنه إلى مدح هرم، وقال: دع ذا، أو كان مفكرًا في شيء من شأنه، فتركه، وقال: دع ذا، أي دع ما أنت فيه من الفكر، وعد القول في هرم. فأمسك عنه، ثم دعا بحماد، فسأله

стр. 146

عن مثل ما سأل عنه المفضل، فقال: ليس هكذا قال زهير يا أمير المؤمنين؛ قال: فكيف قال؟ فأنشده: لمن الديار بقُنّة الحجر٣٨ ... أقوين مُذ حِجج ومذ دهر قفر بمندفع النحائب٣٩ من ... ضَفْوى٤٠ أولات الضّال والسِّدْر دع ذا وعد القول في هرم ... خير الكهول وسيد الحضر قال: فأطرق المهدي ساعة، ثم أقبل على حماد، فقال له: قد بلغ أمير المؤمنين عنك خبر لا بد من استحلافك عليه. ثم استحلفه بأيمان البيعة، وكل يمين محرجة ليصدقنه عن كل ما يسأل عنه، فحلف له بكل ما توثق منه. قال له: اصدقنى عن حال هذه الأبيات من أضافها إلى زهير، فأقر له أنه قائلها، فأمر فيه، وفي المفضل بما أمر به من شهرة أمرهما وكشفه٤١. ويروى عن صالح بن سليمان٤٢، قال: قدم حماد الراوية على بلال بن أبي بردة البصرة، وعند بلال ذو الرمة، فأنشده حماد شعرًا مدحه به. فقال بلال لذي الرمة: كيف ترى هذا الشعر؟ قال: جيداً: وليس له. قال: فمن يقوله؟ قال: لا أدري إلا أنه لم يقله. فلما قضى بلال حوائج حماد وأجازه، قال له إن لي إليك حاجة، قال: هي مقضية. قال: أنت قلت ذلك الشعر؟ قال: لا. قال: فمن يقوله؟ قال: بعض شعراء الجاهلية، وهو شعر قديم وما يرويه غيري. قال: فمن أين علم ذو الرمة أنه ليس من قولك؟ قال: عرف كلام أهل الجاهلية من كلام أهل الإسلام. وروي عن ابن الأعرابي، أنه قال٤٣: "سمعت المفضل الضبي يقول: قد سلط على الشعر من حماد الراوية ما أفسده فلا يصلح أبدًا، فقيل له: وكيف ذلك؟ أيخطئ في روايته أم يلحن؟ قال: ليته كان كذلك، فإن أهل العلم يردون من أخطأ إلى الصواب، لا، ولكنه رجل عالم بلغات العرب وأشعارها ومذاهب الشعراء ومعانيهم، فلا يزال يقول الشعر، يشبه به

стр. 147

مذهب رجل ويدخله في شعره، ويحمل ذلك عنه في الآفاق، فتختلط أشعار القدماء ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد، وأين ذلك! ". وروي عن الطرماح أنه قال٤٤ أنشدت حمادًا الراوية في مسجد الكوفة -وكان أذكى الناس وأحفظهم- قولي: بان الخليط بسحْرة فتبددوا وهي ستون بيتًا، فسكت ساعة ولا أدري ما يريد، ثم أقبل علي، فقال: أهذه لك؟ قلت: نعم. قال: ليس الأمر كما تقول، ثم ردها عليّ وزيادة عشرين بيتًا زادها فيها في وقته، فقلت: ويحك! إن هذا الشعر قلته منذ أيام ما اطلع عليه أحد. قال: قد قلت أنا هذا الشعر منذ عشرين سنة، وإلا فعلىَّ وعلىَّ. فقلت: لله علىَّ حِجَّة حافيًا راجلًا إن جالستك بعد هذا أبدًا. فأخذ قبضة من حصى المسجد وقال: لله علىَّ بكل حصاة من هذا الحصى مائة حجة إن كنت أبالي. فقلت: أنت رجل ماجن والكلام معك ضائع. ثم انصرفت. وقال فيه الأصمعي: "كان حماد أعلم الناس إذا نصح"، وقال خلف: "كنت آخذ من حماد الراوية الصحيح من أشعار العرب، وأعطيه المنحول، فيقبل ذلك مني ويدخله في أشعارها، وكان فيه حمق"٤٥. ومع أنه كان واسع العلم غزير المادة، حاد الذاكرة، فياضًا في الرواية، فقد كان لا يتورع عن الزور والادعاء كما يتبين من الحوادث التي ذكرناها آنفًا عنه، ويظهر أنه كان من الذين يعدون من المهانة ألا يجيبوا على كل سؤال يطرح عليهم، وقد أخذت عليه أبيات مخترعة، وتفسيرات للألفاظ مستغربة. ومن كان مثل حماد عديم التشدد أمام نفسه وأمام غيره فهو يقبل كل شيء من كل الناس دون رادع، فتعجبه الأسطورة، ويهوى النادرة التي يبدع خلقها، ويظهر حماد على مر العصور كآفة للرواية الشعرية، ونادى زعماء المدرسة البصرية بعدم الثقة به، وكان أكثرها ما أخذ عليه إجمالًا وضع الشعر الجاهلي ونسبته إلى غير أهله"٤٦ومات حماد سنة ١٥٦هـ-٨٧٢م.

стр. 148

٦- المفضل الضبي: هو أبو عبد الرحمن بن محمد يعلى الضبي، من أصل عربي، ولد في فارس حيث كان أبوه من موظفي الديوان وكان شيعيًّا، وهو الذي أجار الإمام إبراهيم المسمى بالنفس الزكية، وكان المفضل من الرواة المشهورين، ويعد من فحول الكوفة في الرواية، فكان من تلاميذه ابن الأعرابي والفراء وخلف الأحمر وأبو زيد الأنصاري، مات في الكوفة سنة ١٧٠هـ-٧٨٦م في بدء خلافة الرشيد وهو الذي عمل الأشعار المختارة للمهدي المسماة بالمفضليات، كان راوية للأدب والأخبار، موثقًا في روايته. قال ابن سلام: أعلم من ورد علينا بالشعر وأصدق من غير أهل البصرة المفضل بن محمد الضبي٤٧ وعرف بصدقه فيما يروي واشتهر بمعرفة الأنساب والأيام ورواية الشعر.

стр. 149

٧- خلف الأحمر: ولد سنة ١١٥هـ-٧٣٣م وهو خلف بن حيان ويكنى بأبي محرز، مولى أبي موسى الأشعري، وقيل مولى بني أمية، وأصل أهله من فرغانة. جيء بهم أسرى إلى البصرة، وقيل أصله من خراسان من سبي قتيبة بن مسلم، وذاق طعم الشقاء في طفولته٤٨. وظل بعد عتقه منتسبًا بالولاء لأبي بردة بن أبي موسى الأشعري، وقضى أيام حداثته كلها في أوساط البصرة العلمية، وعرف من أساتذته: عيسى بن عمر النحوي المتوفى حوالى سنة ١٤٩هـ-٧٦٦م وأبو عمرو بن العلاء، وقد كان خلف من مريدي حماد الراوية، فهو الذي تولى نقل محفوظاته، وقد أجمع الناس -سواء في الكوفة والبصرة- على الإقرار بمعرفته الصحيحة بالشعر الجاهلي القديم، وحدسه الصحيح الذي يميز به بين الصحيح والموضوع، قال عنه أبو زيد الأنصاري: "لم أر رجلًا أفرس ببيت شعر من خلف"٤٩، ويطيب لكثيرين الاعتراف بموهبته الشعرية. وكان من أعلم الناس بالشعر، ويقال إنه وضع لامية الشنفرى التي أولها: أقيموا بني أمي صدور مطيكم ... فإنى إلى قوم سواكم لأميل٥٠ وكذلك اللامية المنسوبة إلى تأبط شرا: إن بالشعب الذي دون سَلْع ... لقتيلا دمه ما يُطَلّ

стр. 150

ويقال إنه أيضًا وضع على شعراء عبد القيس شعرًا موضوعًا كثيرًا، وعلى غيره، وأخذ عنه أهل البصرة والكوفة، قال فيه المبرد٥١ "لم ير أحد قط أعلم بالشعر والشعراء منه، وكان يضرب به المثل في عمل الشعر، وكان يعمل على ألسنة الناس، فيشبه كل شعر يقوله بشعر الذي يضعه عليه، ثم نسك، فكان يختم القرآن في كل يوم وليلة، وبذل له بعض الملوك مالا عظيمًا خطيرًا على أن يتكلم في بيت شعر شكوا فيه، فأبى ذلك وقال: قد مضى لي في هذا ما لا أحتاج أن أزيد فيه. وعليه قرأ أهل الكوفة أشعارهم، وكانوا يقصدونه لما مات حماد، لأنه كان قد أكثر الأخذ عنه، وبلغ مبلغًا لم يقاربه حماد، فلما تقرأ ونسك خرج إلى أهل الكوفة، فعرفهم الأشعار التي قد أدخلها في أشعار الناس، فقالوا له: إنه كنت عندنا في ذلك الوقت أوثق منك الساعة. فبقي ذلك في دواوينهم إلى اليوم فكان مطعونًا في روايته، لكذبه وافترائه، مثل حماد الرواية، "ولكن يظهر أن خلفًا كان أقل جرأة من حماد على الكذب"٥٢. ومات خلف حوالي سنة ١٨٠هـ. وهكذا يرمى حماد وخلف بالاختلاق والكذب والانتحال، ويدعى أنهما كانا شاعرين ماهرين في عمل الشعر، وأنه بلغ من حذقهما واقتدارهما على الشعر أن كان كان منهما يقول شعرًا يشبه شعر القدماء، حتى إنه ليشتبه على كبار العلماء والنقاد، ولا يفرقون بينه وبين الشعر القديم. وأعتقد أن كلا منهما يستحق أن يطعن في صدقه ونزاهته لما شاع عنهما من الكذب وعدم الدقة فيما يرويانه، فيبدو أن أفق محفوظاتهما كان واسعًا جدًّا وتعددت في ذاكرتيهما الأمثلة المتشابهة من القطع الأدبية، مما أوجد عندهما اضطرابًا في الدقة المطلوبة، فكانا يخلطان بين هذه القطع، وينسبان بعض القطع لمن ليست لهم، أو يدعيانها لنفسيهما. ولا شك أن لمرور الزمن، وكثرة المحفوظ في الذاكرة، وتزاحمه فيها، وتشابه كثير منه، أثرًا كبيرًا في عدم الدقة في روايتي حماد وخلف وشيوع الكذب فيما يدعيان، وربما كان مما ساعدهما على المضي في ذلك ما كان فيهما من التبجح، والمجون وعدم المبالاة، كما شاهدنا في حادثة حماد مع الطرماح التي أشرنا إليها من قبل. ولكنني لا أعتقد أن كلا منهما كان شاعرًا موهوبًا

стр. 151

لديه القدرة على قول الشعر الجيد الرصين، إذ لو كانا كذلك، فما الذي منعهما أن يقولا ولو مرة واحدة إن هذا الأثر أو ذاك لأحدهما شخصيا؟ حقيقة كان للرواة والراوية الواسعة تقدير عظيم بين الناس وبخاصة من الخلفاء والولاة والحكام، وكان أصحاب الرواية الواسعة المدى يتلقون جوائز مالية ومادية ضخمة، ولكن الشعراء الفحول أصحاب الشعر الرائع الرصين كانوا يجازون الجزاء الأوفى، فكانت أعطياتهم كثيرة جزيلة، وسير الأمويين والعباسيين في هذه الناحية تفوق الوصف في السخاء الذي يعتبر في كثير من الأحوال إسرافًا كبيرًا. فلو كان كل من هؤلاء الرواة الذين اشتهروا بالكذب في الرواية والاختلاق والانتحال شاعرًا موهوبًا، لنال حظوة عظيمة، وانهالت عليه الأموال من كل جانب، كما حدث مع الشعراء في ذلك الوقت أمثال جرير والفرزدق. ومما يقوي اعتقادي في عدم وجود الموهبة الشعرية عند حماد وخلف أنهما كانا يختاران أروع القصائد ويدعيانهما لهما، كما رأينا مع حماد في قصيدة الطرماح التي كانت موضع إعجاب كل من أبي عبيدة والأصمعي، وكما في لامية العرب التي يدعيها خلف، وهي التي لها ما لها من الشهرة والإعجاب بين جميع الأدباء. ولعل مما يؤيد شبهتي في ادعائهما الشعر قول ابن سلام: "سمعت يونس يقول: العجب لمن يأخذ من حماد، وكان يكذب ويلحن ويكسر". ويستبعد جدا، بل يستحيل، أن يحدث لحن أو كسر من شاعر موهوب.

стр. 152

٨- هشام بن الكلبي: هو ابن محمد بن السائب الكلبي، من علماء الكوفة، عالم بالنسب وأخبار العرب ومثالبها ووقائعها، أخذ عن أبيه وعن جماعة من الرواة. ومات سنة ٢٠٦هـ ٥٤ وقيل سنة ٢٠٤. قال إسحاق الموصلي: "ورأيت ثلاثة كانوا إذا رأوا ثلاثة يذوبون: علويه إذا رأى مُخارقًا، وأبا نواس إذا رأى أبا العتاهية، والزهري إذا رأى هشامًا". وقد ذكر له ابن النديم كتبًا كثيرة جدًّا.

стр. 153

٩- الهيثم بن عدي: عالم٥٥ بالشعر والأخبار والمثالب والمناقب والمآثر والأنساب وكان يطعن في نسبه، فهو أبو عبد الرحمن الهيثم بن عدي الطائي، ويقال إنه من أولاد الموالي، ولد بالكوفة حوالي سنة ١٣٠-٧٤٧م، وتوفي ببغداد سنة ٢٠٧-٨٢٢، ويستشهد به

стр. 154

صاحب الأغاني على اعتبار أنه حجة ومؤلفاته فيها معلومات ثمينة عن العصر الجاهلى الأدبي. وذكر له ابن النديم كتبًا كثيرة.

стр. 155

١٠- أبو عبيدة: معمر بن المثنى، ولد حوالى سنة ١١٠-٧٢٥ وتوفي سنة ٢١١-٨٢٥، وهو من أصل أعجمي، من الموالي، وينتسب إلى تيم قريش لا تيم الرباب، واشتهر بشعوبيته، وكان له علم بأخبار الجاهلية والإسلام، وقد حصر اهتمامه في الأنساب والأخبار، ولذا كان محصوله جوهريًّا بالنسبة لمعرفة الأجواء التاريخية٥٦، ومن ثم فهو ثقة يعتمد عليه في هذه الناحية، وكان بينه وبين الأصمعي عداوة شخصية، مع أنهما كانا من علماء البصرة. وشرحه لنقائض جرير والفرزدق يدل على غزارة علم وسعة أفق في ميادين الأدب والأنساب والأخبار. وكان هو واثقًا من نفسه في هذه الناحية، حتى إنه قال: "ما التقى فرسان في جاهلية ولا إسلام إلا عرفتهما وعرفت فارسيهما" وقد ظهر علمه واضحًا في أدب الأيام، فقد جاء في كشف الظنون لحاجي خليفة أن أبا عبيدة كتب كتابين عن الأيام، أحدهما يسمى "كتاب الأيام الصغير" وتحدث فيه عن خمسة وسبعين يومًا، وثانيهما يسمى "كتاب الأيام الكبير" وتحدث فيه عن ألف ومائتي يوم. وفي معجم الأدباء٥٧ يقول ياقوت إن أبا عبيدة بالإضافة إلى كتابيه السابقين عن أيام العرب كتب كتبًا أخرى عن أيام بني مازن وأخبارهم، ومقاتل الفرسان، والغارات. ويقول عنه السيوطي في معرض حديثه عنه وعن الأصمعى وأبي زيد: "وأما أبو عبيدة فإنه كان أعلم الثلاثة بأيام العرب وأخبارهم، وأجمعهم لعلومهم، وكان أكمل القوم، وجميع الكتب التي ألفت في أيام العرب بعده كانت تتخذ أبا عبيدة مصدرًا لها". وقال أبو العباس عن أبي عبيدة: "له علم الإسلام والجاهلية، وكان ديوان العرب في بيته". وذكر له ابن النديم عددًا كبيرًا من المؤلفات.

стр. 156

١١- أبو عمرو الشيباني: كوفي واسع العلم في اللغة، ثقة في الحديث٥٨ أصله من الموالي، وكان يؤدب في أحياء بني شيبان، فنسب إليهم بالولاء وقيل بالمجاورة٥٩ وبالتعليم لأولادهم، وأخذ عنه دواوين أشعار القبائل كلها، وكان يلزم مجلسه أحمد بن حنبل،

стр. 157

وكتب عنه حديثًا كثيرًا، روي عن ابنه عمرو بن أبي عمرو أنه قال: لما جمع أبي أشعار العرب كانت نيفًا وثمانين قبيلة، فكان كلما عمل فيها قبيلة وأخرجها إلى الناس كتب مصحفًا، وجعله في مسجد الكوفة حيث كتب نيفًا وثمانين مصحفًا بخطه، وكان يكتب بيده إلى أن مات. وبلغ ١٢٠ سنة ومات سنة ٢١٣ وقيل ٢٠٦، وأخذ عنه يعقوب بن السكيت، واسم أبي عمرو: إسحاق بن مرار ويقال إنه ولد حوالي سنة ١٠٠هـ - ٧١٩م وهو أحد رؤساء مدرسة الكوفة. وقال ابن السكيت: "مات أبو عمرو الشيباني وله مائة وثمان عشرة سنة وكان يكتب بيده إلى أن مات، وكان ربما استعار مني الكتاب وأنا إذ ذاك صبي، وكنت آخذ منه وأكتب من كتبه".

стр. 158

١٢- أبو زيد الأنصاري: هو سعيد بن أوس الأنصاري من الخزرج، وكان أعلم من أبي عبيدة والأصمعي بالنحو، ويقول ابن النديم: "ولا أعلم أحدًا من علماء البصريين في النحو واللغة أخذ عن أهل الكوفة شيئًا من علم العرب إلا أبا زيد فإنه روى عن المفضل الضبي". وقد حدث عن عمرو بن عبيد. وأبي عمرو بن العلاء، وروى عنه: أبوعبيد القاسم بن سلام ومحمد بن سعد الكاتب، وأبو حاتم السجستاني. وأبو زيد عن عمرو بن شبة، وكان ثقة، ثبتًا، من أهل البصرة، وكان أبوزيد أعلم من الأصمعي وأبي عبيدة بالنحو، وكان كثير السماع من العرب٦٠. وكان سيبويه إذا قال: "سمعت الثقة" فإنه يريد أبا زيد الأنصاري، وكان من أوثق الرواة، مات بالبصرة سنة ٢١٤هـ وله ٩٣ سنة, وله كتب كثيرة أثبتها ابن النديم في كتابه الفهرست.

стр. 159

١٣- الأصمعي: هو أبو سعيد عبد الملك بن قريب الأصمعي، ولد حوالى سنة ١٢٢-٧٣٩ وتوفي سنة ٢١٥-٨٣٠، ينسب إلى باهلة الضاربة في الجنوب الشرقي من البصرة، مكث في الحجاز وبغداد كثيرًا، وقضى معظم حياته في البصرة٦١. وكان مدققًا في مسائل النحو والألفاظ معتمدًا أحيانا على الشواهد الشعرية، وقد جمع الشعر الجاهلي المبعثر في دواوين ومجموعات، وله كتاب الأصمعيات المشهور. قال المبرد: "كان الأصمعي أنشد للشعر والمعاني، وكان أبو عبيد كذلك، ويفضل على الأصمعى بعلم النسب، وكان الأصمعي

стр. 160

أعلم منه بالنحو٦٢. وقال السيوطي٦٣عنه وعن زميله أبي عبيدة وأبي زيد "وكان في العصر ثلاثة، هم أئمة الناس في اللغة والشعر وعلوم العرب، لم ير قبلهم ولا بعدهم مثلهم، عنهم أخذ جل ما في أيدي الناس من هذا العلم، بل كله، وهم أبو زيد وأبو عبيدة والأصمعي". وهو صاحب اللغة والأخبار والنحو والغريب والملح، وكان مشهورًا بالحفظ: قال عمر بن شبة: "سمعت الأصمعي يقول: أحفظ ستة عشر ألف أرجوزة". وقال عنه القفطي٦٤ "كان الأصمعي بحرًا في اللغة لا يعرف مثله فيها وفي كثرة الرواية، وكان دون أبي زيد في النحو". ويقول عنه كذلك "وعمل الأصمعي قطعة كبيرة من أشعار العرب ليست بالمرضية عند العلماء لقلة غريبها واختصار روايتها". وقال عنه ابن جني: "وهذا الأصمعي هو صناجة الرواة والنقلة، وإليه محط الأعباء والثقلة. كانت مشيخة القراء وأمثالهم تحضره وهو حدث لأخذ قراءة نافع عنه. ومعلوم كم قدر ما حذف من اللغة فلم يثبته؛ لأنه لم يقو عنده إذ لم يسمعه". ويقول عنه أبو الطيب اللغوي "إنه كان لا يفتي إلا فيما أجمع عليه العلماء، ويقف عما ينفردون به عنه، ولا يجوِّز إلا أفصح اللغات ويلج في دفع ما سواه"٦٥. من هذا نجد أن الأصمعي كان من أئمة الرواة المشهود لهم بالأمانة والصدق، وكان ثقة مصدقًا لدى جميع العلماء والنقاد والباحثين النزيهين. وله مؤلفات كثيرة العدد.

стр. 161

١٤- ابن الأعرابي: هو أبو عبد الله محمد بن زياد الملقب بابن الأعرابي، ولد سنة ١٤٥-٧٦٢ وتوفي بسامرا سنة ٢٢٥-٨٣٩ وقبل سنة ٢٣١، وكان عمره إحدى وثمانين سنة، وهو عالم كوفي، قال عنه أبو عباس: "قد أملى على الناس ما يحمل على أجمال، لم ير أحد في الشعر أغزر منه" ٦٦ وقال ثعلب: "شاهدت مجلس ابن الأعرابي، وكان يحضره زهاء مائة إنسان، وكان يسأل ويقرأ عليه، فيجيب من غير كتاب، قال: ولزمته بضع عشرة سنة ما رأيت بيده كتابًا قط، قرأ على القاسم بن معن، وسمع من المفضل بن محمد، وكان يذكر أنه ربيب المفضل".

стр. 162

١٥- ابن سلام الجمحي: أبو عبد الله محمد بن سلام٦٧، وهو مولى قدامة بن مظعون الجمحي، كان من أهل اللغة والأدب، وكان له ذوق أدبي ممتاز، وروى عنه مشايخ الأدب: ثعلب وغيره، وكان ثقة، صدوقًا وتتلمذ عليه كثير، منهم يحيى بن معين. مات سنة ٢٣٢هـ.

стр. 163

١٦- ابن السكيت: هو أبو يوسف، يعقوب بن السكيت، ولد حوالي سنة ١٧٨-٨٠٢، وتوفي حوالي ٢٤٥-٨٥٩م من أصل فارسي، شديد التشيع لعلي وآله، عاش في بغداد، وكان مؤدبًا لأولاد الأمراء، فكان من علماء بغداد، وأخذ من الكوفيين، وكان أبوه السكيت عالمًا، وكان الابن يعقوب متصرفًا في أنواع العلم، وكان يقول: "أنا أعلم من أبي بالنحو، وأبي أعلم مني بالشعر واللغة". وكان يعقوب عالمًا بنحو الكوفيين وعلم القرآن والشعر لقي فصحاء العرب وأخذ عنهم، وحكى في كتبه ما سمعه منهم وله حظ من الستر والدين٦٨وقام بعمل دواوين كثير من الشعراء، منهم: امرؤ القيس، والحطيئة ولبيد، والأعشى الكبير، وبشر بن أبي خازم، ومهلهل، وعدي بن زيد، والخنساء.

стр. 164

أبو حاتم السجستائي ... ١٧- أبو حاتم السجستاني: هو سهل بن محمد، كان كثير الرواية عن أبي زيد وأبي عبيدة والأصمعي، وكان عالمًا باللغة والشعر، حسن المعرفة، بالعروض، كثير التأليف للكتب في اللغة، يقول الشعر، صادق الرواية، وعليه اعتمد أبو بكر بن دريد في اللغة، توفي سنة ٢٥٥هـ. قال عنه ابن دريد: "كان يتجر في الكتب، ويخرج المعمى، حاذق بذلك، دقيق النظر في ذلك". وله كتب كثيرة٦٩.

стр. 165

١٨- ابن قتيبة: روى عن العلماء، أمثال ابن حاتم السجستانى، وكان ثقة، دينًا، فاضلًا، توفي سنة ٢٧٠ وقيل سنة ٢٧٦هـ. وهو قاضي دينور ولذلك نسب إليها فقيل الدينوري، وكان يغلو في البصريين إلا أنه خلط المذهبين وحكى عن الكوفيين، وكان صادقًا فيما يرويه، عالمًا باللغة والنحو وغريب القرآن ومعانيه، والشعر والفقه٧٠ وله مؤلفات مشهورة.

стр. 166

١٩- السكري: هو أبو سعيد الحسن بن الحسين السكري، ولد سنة ٢١٢- ٨٢٧، وتوفي حوالي سنة ٢٧٥-٨٨٨، وهو تلميذ ابن حبيب، وهو بصري٧١. عمل أشعار امرئ القيس والنابغتين، وقيس بن الخطيم، وتميم بن أبي مقبل، وأشعار اللصوص، وأشعار هذيل، وهدبة بن خشرم، والأعشى ومزاحم العقيلي، والأخطل، وزهير، وغيرهم، وكان حسن المعرفة باللغة والأنساب والأيام، مرغوب في خطه لصحته.

стр. 167

٢٠- المبرد: محمد بن يزيد، من الأزد، ولد سنة ٢١٠، ومات سنة ٢٨٥هـ.٧٢ وقد ذكرنا آنفًا شيئًا من آرائه في بعض الرواة وكان ثقة، ثبتًا، ومن أشهر كتبه: الكامل. وهو من أعلام البصرة، وأحد رؤساء مدرستها.

стр. 168

٢١- ثعلب: وهو من العلماء المشهورين. توفي سنة ٢٩١، وقال عن نفسه: "ابتدأت بالنظر في العربية والشعر واللغة في سن ست عشرة، وحذقت العربية، وحفظت كتب الفراء حتى لم يشذ عني حرف منها، ولي خمس وعشرون سنة"٧٣. وكان رئيس مدرسة الكوفة، وكان بينه وبين المبرد عداوة شخصية. وقد عمل دواوين كثير من الشعراء٧٤.

стр. 169

٢٢- الطبري: هو محمد بن جرير الطبري، وكنيته أبو جعفر، ولد في سنة ٢٢٤هـ بآمل عاصمة إقليم طبرستان، وهو العالم الفقيه، المقرئ، النحوي، اللغوي، الحافظ الأخباري، له مؤلفات كثيرة، أهمها: تفسير القرآن، وكتاب التاريخ، وقد جمع في الأخير كثيرًا من الشعر والأخبار الأدبية، ومات سنة ٣١٠هـ. ويجمع الكل على أنه كان علامة وقته، وكان متفننًا في جميع العلوم: علم القرآن والنحو والشعر والفقه، كثير الحفظ ٧٥.

стр. 170

٢٣- أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري: قال عنه ابن النديم: كان ورعًا من الصالحين، وكان يضرب به المثل في حضور البديهة وسرعة الخاطر، وأكثر ما كان يمليه من

стр. 171

غير دفتر ولا كتاب٧٦. مات عن دون الخمسين، سنة ٣٢٨هـ. قال أبو علي القالي: "كان أبو بكر بن الأنباري يحفظ فيما ذكر ثلاثمائة ألف بيت شاهدة في القرآن" وكان ممن يقدم من الكوفيين، ثقة صدوقًا، دينًا. وله كتب كثيرة في القرآن والحديث والنحو والشعر والشعراء، منها شرح القصائد الطوال السبع، شرح المفضليات، كما صنع طائفة من داودين شعراء الجاهلية والإسلام.

стр. 172

٢٤- الأصبهاني: أبو الفرج، علي بن الحسين بن محمد الأصبهاني، ويتصل نسبه بعبد مناف، فهو من بني أمية. ولد بأصبهان سنة ٢٨٤هـ. وتوفي سنة ٣٥٧هـ، وهو الكاتب المعروف، النحوي، اللغوي، الشاعر. تلقى العلم عن أبي بكر بن الأنباري، والأخفش الصغير، وأبي بكر بن دريد، ومحمد بن جرير الطبري، وجعفر بن قدامة، وغيرهم من أساطين العلم والأدب واللغة والتاريخ، فكان عالمًا بأيام الناس والأنساب وكان شاعرًا محسنًا قال التنوخي: "كان أبو الفرج يحفظ من الشعر والأغاني والأخبار والآثار والأحاديث المسندة والنسب ما لم أر قط من يحفظ مثله". وكان أبو الحسن البستي يقول: "لم يكن أحد أوثق من أبي الفرج" ومات ببغداد، وله من المؤلفات عشرات الكتب، أهمها كتاب الأغاني المعروف٧٧.

стр. 173

٢٥- المرزباني: أصله من خراسان، ويقول عنه ابن النديم: "آخر من رأينا من الأخباريين المصنفين. راوية صادق اللهجة، واسع المعرفة بالروايات، كثير السماع ولد سنة ٢٩٧هـ، ومات سنة ٣٧٨هـ"٧٨، وذكر له ابن النديم كتبًا كثيرة، منها الموشح، ومعجم الشعراء. هذه نبذة قصيرة عن أشهر الرواة الذين حملوا لواء الأدب، وحفظوه من الضياع حتى سلموه بقدر ما استطاعوا إلى الأجيال التي أعقبتهم، وقد أوردنا عن كل منهم خاصة آراء النقاد والمؤرخين فيه. بعد ما قاموا به من الفحص والتحري والدراسة الشاملة لهم، وبخاصة فيما يتصل بالأمانة فيما يؤدون ومبلغ الثقة التي نالها كل منهم بقدر ما أثر عن أخلاقه ونزاهته وسيرته وسلوكه. وقد رأينا فيهم الكثير الذي قام بتدوين بعض الأثار الأدبية، لأن الرواية

стр. 174

متصلة بالتدوين، فالذين قاموا بتدوين الأدب أو إملائه إنما هم في الأصل رواة. ومما ذكرناه عن هؤلاء الرواة يتبين أن أقدمهم مات حوالي منتصف القرن الثاني، أي أن طائفة الرواة المحترفين في الإسلام ظهرت في أواخر القرن الأول عندما استتب أمر الدولة وهدأ روع المسلمين بعد الحركات الأولى، واتسعت رقعة العالم الإسلامي، وقد ساعد على رواج الرواية الأدبية حينئذ محافظة الأمويين على النزعة العربية، وحبهم الظاهر للآثار الأدبية، وتشجعيهم روايتها، ومكافأتهم الأدباء والرواة بسخاء، مع ما في نفس كل منهم -راوية كان أو منتجًا للأدب- من ميل إلى الشهرة وحب الظهور. ثم كان مما شجع على ظهور هؤلاء الرجال وتخصصهم في رواية الأدب أن المسلمين احتاجوا إلى النصوص الأدبية القديمة لما اشتغل علماؤهم بالتفسير، فاهتم الأدباء بجمع النصوص الأدبية لكي يستعينوا بها على فهم ما استغلق عليهم من ألفاظ القرآن وعباراته، لذلك قالوا: "إن علوم الأدب كلها وسيلة لفهم كتاب الله تعالى، وإن حكم البلاغة ومعرفة العلوم الأدبية حكم الوجوب الكفائي، وشرفها بشرف ما يتوصل إليه، فكلها علوم آلية"٧٩، وورد عن ابن عباس أنه قال: "إذا أشكل عليكم الشيء من القرآن فارجعوا فيه إلى الشعر، فإنه ديوان العرب"٨٠. فاهتمام المسلمين بفهم مفردات الكتاب والسنة كان مما شجع على الاشتغال بعلوم الأدب وروايته، ولذلك يقال إن الإمام الشافعي قال إنه طلب اللغة والأدب عشرين سنة ليستعين بهما على الفقه ومن هنا لما أرادوا أن يطرد علمهم في الدين والأدب من ينبوع واحد أوجبوا الإسناد في الأدب أيضًا. وكان الإسناد في الحديث ينتهي إلى الصحابة ثم رسول الله ﷺ ، أما في الأدب، فكانت أسانيد الأدباء على اختلاف عصورهم تنتهي إلى الطبقة الأولى كأبي عمرو بن العلاء وحماد الراوية. ولا نجد في كتب الأدب رواية واحدة يتصل سندها بالجاهلية؛ لأن هؤلاء الرواة "يعنى رواة الطبقة الأولى" أكدوا أنهم أخذوا أكثر ما يروونه عن قوم أدركوا عرب الجاهلية؛ أو نقلوا عمن أدركهم. والحقيقة أن أبا عمرو بن العلاء روى عن عرب أدركوا عرب الجاهلية، لأنه ولد سنة ٧٠ وتوفي سنة ١٥٩هـ. وكان لا يأخذ إلا عن

стр. 175

العرب في البادية حتى إن الأصمعي جلس إليه عشر حجج ما سمعه يحتج ببيت إسلامي٨١. فالطبقة الأولى وهم كبار الرواة: أبو عمرو بن العلاء، والكلبي، وعوانة، وحماد الراوية كانوا يستقون معلوماتهم ممن أدركوا عرب الجاهلية رأسًا، أو مما وثقوا به من كتب مدونة، لكن حماد الراوية أثار الشكوك وسوء الظن، كما أثارها غيره مثل الراوية المدني عيسى بن دأب الذي كان يضع الشعر وأحاديث السمر، وكلامًا ينسب إلى العرب٨٢. وأما من جاء بعد هذه الطبقة فكانوا تلاميذهم، وكانوا يروون عن أساتذتهم من رجال الطبقة الأولى، إلا أنه لكثرة المآخذ التي وجهت ضد حماد وخلف رأى جماعة من العلماء وخاصة جيل الأصمعي أن يقوموا بتصفية الروايات بالاعتماد على التحقيقات الشخصية لدى الأعراب، فكانوا على اتصال وثيق بالصحراء وأطلقوا على سكانها اسم فصحاء العرب وكان الإسناد للطبقة الأولى يتسلسل حتى يصل إلى أحد رجالها، ولكن كل طبقة كانت أوسع معرفة عمن قبلها بما تضيفه من جديد عن سابقيها. ولما اتسعت الدولة الإسلامية، واختلط العرب بغيرهم من أهل الأمم الأخرى بسبب الفتوح الإسلامية، شاع اللحن والخطأ، فوجدت الحاجة إلى وضع علوم النحو واللغة. فكان ذلك مما ساعد على ازدهار الرواية الأدبية، وجمع النصوص للشواهد التي تستنبط منها القاعدة أو تؤيدها. وبهذا ازدهرت سوق الرواية الأدبية، فاشتغل بها كثير من العلماء، حتى كان بينهم تنافس، وصل إلى عداء شخصي في بعض الأحيان، وأدى هذا التنافس إلى وجود مدرسة بالبصرة، ومدرسة بالكوفة، وكان على رأس رواة الأولى أبو عمرو بن العلاء، ورئيس الثانية حماد الراوية، وكان التعاون بين هاتين المدرستين ظاهرًا في القرن الثاني، حيث كان بينهما تبادل علمي؛ تلاميذ الكوفة يتلقون عن أساتذة البصرة وبالعكس، فالكوفيون أمثال الكسائي، وتلميذه اللحياني، وابن السكيت كانوا تلاميذ أساتذة البصرة٨٣؛ والبصريون أمثال أبي زيد التوزي والسكري درسوا على أساتذة الكوفة٨٤، وكثير من الرواة الذين تحدثنا عنهم فيما

стр. 176

سبق جمع بين الروايتين البصرية والكوفية. وأما الخلاف الواقع بين هاتين المدرستين، فإنه لا يعود إلى زمن تأسيسها، بل إلى أواخر القرن الثالث للهجرة "التاسع الميلادي" وهو ناشئ عن العداوات الشخصية بين رئيسي المدرستين حيئنذ، وهما: المبرد في البصرة، وثعلب في الكوفة٨٥. ولكن الخلاف كان واضحًا بين المدرستين في المنهج، فالبصريون كانوا يتجهون إلى إدخال كل شيء إلى ضمن قواعد ثابتة، وهم كالفقهاء يلتزمون القياس، ويجعلون ما سواه خطأ، وإذا كان مسموعًا قالوا: شاذ لا يقاس عليه: أما الكوفيون فيفسحون المجال للاستعمال، ورأوا أن يحترموا ما جاء عن العرب، وأجازوا استعماله، ولو كان لا ينطبق على القواعد العامة. ومن ثم "كان ٨٦ البصريون أكثر اعتدادًا بأنفسهم، وأكثر ثقة بما يروون، وأشد ارتيابًا بما يرويه الكوفيون. لذلك كان الكوفي يأخذ عن البصري، ولكن البصري يتحرج عن أن يأخذ عن الكوفي ... وظل الحال كذلك حتى تأسست مدينة بغداد "في أواخر القرن الثالث" وهدأت الأمور السياسية، وأخذ الخلفاء والأمراء يشجعون العلماء، ويدعونهم لتربية أولادهم فتسابق العلماء إلى بغداد.. وكان التقاء الكوفيين والبصريين في بغداد سببًا في عرض المذهبين ونقدهما والانتخاب منهما، ووجود مذهب منتخب كان من ممثليه ابن قتيبة. وقد أدى التنافس والعداء الشخصي الذي كان بين الرواة كالذي كان بين أبي عبيدة والأصمعي، وهما بصريان، والذي كان بين المبرد البصري وثعلب الكوفي، إلى تدقيق الرواة فيما يأخذون، وتمحيصهم لكل ما يسمعون فكانوا على حذر دائم تجاه ما ينقل إليهم، يحصرون أذهانهم، ويوجهون كل وعيهم لكل ما يسمعون سواء من الأعراب أو من الرواة، فيمحصون ويقابلون بين مختلف الروايات، ولا يقبلون شيئًا إلا بعد التحقيق والتثبت من صدقه وحقيقته، خوفًا من نقد الزملاء، أو تشنيع الأعداء، وحبا في الشهرة بالأمانة والنزاهة والدقة، بل كان كثير من جمهور السامعين لديه من الفطنة وسعة الاطلاع، وقوة الذوق الأدبي ما يمكنه من معرفة الصحة والزيف في كل ما يلقى أمامهم من نصوص. فكان العلماء رقباء على الرواة، كما كان الرواة رقباء على الأعراب الذين ينقلون عنهم، وكتب الأدب فيها

стр. 177

كثير من الحوادث التي تؤيد ذلك، منها ما أورده ابن سلام إذ يقول: "أخبرني أبو عبيدة أن داود بن متمم بن نويرة قدم البصرة في بعض ما يقدم له البدوي في الجلب والميرة، فنزل النحيت، فأتيته أنا وابن نوح العطاردي، فسألناه عن شعر أبيه متمم، وقمنا له بحاجته، وكفيناه ضيعته، فلما نفد شعر أبيه جعل يزيد في الأشعار ويصنعها لنا، وإذا كلام دون كلام متمم، وإذا هو يحتذي على كلامه، فيذكر المواضع التي ذكرها لمتمم، والوقائع التي شهدها، فلما توالى ذلك علمنا أنه يفتعله"٨٧. فلم يكن الرواة على العموم، يقبلون كل ما يلقى إليهم، دون فحص وتمحيص، ولم يكن كل ما يقوله الرواة ليسمع منهم ويقبل دون حجة أو برهان. فالتنافس وما جره في بعض الأحيان من خصومات، أفاد النصوص الأدبية، إذ حمل الرواة على الاستزادة منها بقدر ما يستطيعون، مع التثبت والتحري الدقيق في كل ما ينقلون. ومما ذكرناه عن الرواة، يتبين أنه كان فيهم بصريون وفيهم كوفيون، وفي كل من الفريقين أمين ثقة، ومنهم مطعون في أمانته، فكما كان في البصريين ثقات عدول، كان ذلك في الكوفيين أمناء مصدقون، وكما كان في الكوفيين من ليس أهلًا للثقة، كذلك كان في البصريين من أثر عنهم الخلط والادعاء، فمسألة الثقة وعدمها ليست متصلة ببلد، ولا بمدرسة معينة، إنما هي تتعلق بطبيعة الشخص وأخلاقه، وميوله ونزعته. ومن ثم فلا ينبغي أن يرمى الرواة كلهم بالطعن والاتهام، لوجود من يطعن في نزاهته من بينهم، كما لا يصح أن نشك في رواة بلد معين أو مدرسة، لأن من بين رجالها من كان موضع الشك والاتهام، فالكل لا يؤخذ بجريرة بعضه، ولا تزر وازرة وزر أخرى، فمن كان ثقة أمينًا، فهو عدل، مصدق، يقبل منه ما يقول، ما دام لا يوجد ضده دليل قوي ولا برهان ثابت محقق. وواضح أن هؤلاء الرواة الذين ذكرناهم كانوا يعيشون في المدن، فهم من أهل الحضر، وليس معنى هذا أن البدو لم يكن منهم رواة، بل كان منهم رواة كثيرون، وقد ذكر منهم صاحب الفهرست عشرات، ومن بينهم: أبو البيداء الرياحي٨٨: أعرابي نزل البصرة، وكان يعلم الصبيان بأجر.

стр. 178

وأبو مالك عمرو بن أبي كركرة٨٩: وهو أعرابي كان يعلم في البادية، وهو بصري المذهب. وأبو سوار الغنوي٩٠: وعنه أخذ أبو عبيدة. وأبو الجاموس ٩١ ثور بن يزيد: أعرابي كان يفد البصرة على آل سليمان وعنه أخذ ابن المقفع الفصاحة. وأبو ملحم الشيباني: أعرابي كان أعلم الناس بالشعر واللغة توفي سنة ٢٤٨، وقيل أصله ومولده بفارس، لكنه انتسب إلى بني سعد، ويقال إنه كان أحفظ الناس٩٢. وأبو شبلي العقيلي ٩٣: وقد وفد على الرشيد واتصل بالبرامكة. والبهدلي: وعنه أخذ الأصمعي. وفي بدء الرواية العلمية لم يكن الرواة في القرن الأول بحاجة إلى الارتحال إلى البادية إذ كانت الصلة ما زالت شديدة بعرب الجاهلية وأعرابها؛ لأن عرب الجاهلية أو من أخذوا عنهم كانوا لا يزالون أحياء. كما سبقت الإشارة إلى ذلك عند الكلام عن الطبقة الأولى من الرواة، لكن لما اتسعت الدولة، واستقر الناس في المدن، واختلط العرب بغيرهم من الأعاجم، أراد الرواة والعلماء استقاء اللغة والأدب من مصادرهما الأصيلة النقية؛ لذلك رحلت الطبقة الثالثة من الرواة إلى البادية، وقد سبق أن ذكرنا الاحتياطيات الشديدة التي أخذ العلماء أنفسهم بها في جمع اللغة ليكون ما يأخذونه عربيًّا حقًّا وأصيلًا، فحصروا ميدانهم في نطاق معين من القبائل التي تسكن منطقة بعيدة كل البعد عن تأثير الاختلاط الأجنبي، ومن أقدم من رحل إلى البادية يونس بن حبيب الضبي المتوفى سنة ١٨٣، وخلف الأحمر المتوفى سنة ١٨٠هـ، والأصمعي. وظل شأن العلماء والرواة في الذهاب إلى البادية والأخذ عن أهلها إلى أواخر القرن الرابع ٩٤، وقد أشرنا آنفا إلى أن بعض الأعراب كانوا هم أنفسهم يفدون إلى

стр. 179

الحواضر والمدن، يقيمون فيها، أو يملون على الرواة ما يعرفون من اللغة والأدب. فالطبقات المتأخرة من الرواة كانوا يأخذون عمن سبقهم من الرواة، ومن كان في عصرهم من أعراب البادية الفصحاء الذين يحفظون الأدب. ولم يكن المتأخرون من الرواة ليقبلوا كل ما يلقى عليهم أو يصل إليهم، دون بحث أو تمحيص، بل كانوا يتحرون الحقيقة بالدرس والمقارنة والاستنباط، كما حدث عن أبي عبيدة مع ابن متمم بن نويرة، حين قدم البصرة.

стр. 180

تدوين الأدب الجاهلي يقصد بالتدوين الكتابة، وكانت الكتابة معروفة للعرب في العصر الجاهلي، بدليل وجود إشارات إليها في الأدب الجاهلي، كقول طرفة١: كسطور الرق رقشه ... بالضحى مرقش يشمه وقول المرقش الأكبر: الدار وحش والرسوم كما ... رقش في ظهر الأديم قلم٢ وقول امرئ القيس٣: لمن طلل أبصرته فشجاني ... كخط زبور في عسيب يمان وقوله٤: أتت حجج بعدي عليها فأصبحت ... كخط زبور في مصاحف رهبان وفي هذه الأمثلة نجد الإشارة إلى الأقلام وبعض ما كان يكتب عليها كالأديم، والعسيب، والصحف. وقد وجدت نقوش للعرب الجنوبيين تدل على وجود الكتابة عند أهل اليمن منذ ألف عام على الأقل قبل الميلاد, كما عثر في آثار الشماليين على نقش النمارة الذي يرجع تاريخه إلى سنة ٣٢٨م وهو مكتوب بخط مشتق من الآرامي٥. وكانت العهود والمواثيق في غالب الأحيان تدون، تسجيلًا لها، لتكون أقوى ارتباطًا، وأشد إلزامًا، ومن ذلك صحيفة قريش التي علقوها في جوف الكعبة٦.
следующие страницы →