← Адаб

Адаб · id 12046

في تاريخ الأدب الجاهلي

علي الجندي

Полный текст (554 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

سبق جمع بين الروايتين البصرية والكوفية. وأما الخلاف الواقع بين هاتين المدرستين، فإنه لا يعود إلى زمن تأسيسها، بل إلى أواخر القرن الثالث للهجرة "التاسع الميلادي" وهو ناشئ عن العداوات الشخصية بين رئيسي المدرستين حيئنذ، وهما: المبرد في البصرة، وثعلب في الكوفة٨٥. ولكن الخلاف كان واضحًا بين المدرستين في المنهج، فالبصريون كانوا يتجهون إلى إدخال كل شيء إلى ضمن قواعد ثابتة، وهم كالفقهاء يلتزمون القياس، ويجعلون ما سواه خطأ، وإذا كان مسموعًا قالوا: شاذ لا يقاس عليه: أما الكوفيون فيفسحون المجال للاستعمال، ورأوا أن يحترموا ما جاء عن العرب، وأجازوا استعماله، ولو كان لا ينطبق على القواعد العامة. ومن ثم "كان ٨٦ البصريون أكثر اعتدادًا بأنفسهم، وأكثر ثقة بما يروون، وأشد ارتيابًا بما يرويه الكوفيون. لذلك كان الكوفي يأخذ عن البصري، ولكن البصري يتحرج عن أن يأخذ عن الكوفي ... وظل الحال كذلك حتى تأسست مدينة بغداد "في أواخر القرن الثالث" وهدأت الأمور السياسية، وأخذ الخلفاء والأمراء يشجعون العلماء، ويدعونهم لتربية أولادهم فتسابق العلماء إلى بغداد.. وكان التقاء الكوفيين والبصريين في بغداد سببًا في عرض المذهبين ونقدهما والانتخاب منهما، ووجود مذهب منتخب كان من ممثليه ابن قتيبة. وقد أدى التنافس والعداء الشخصي الذي كان بين الرواة كالذي كان بين أبي عبيدة والأصمعي، وهما بصريان، والذي كان بين المبرد البصري وثعلب الكوفي، إلى تدقيق الرواة فيما يأخذون، وتمحيصهم لكل ما يسمعون فكانوا على حذر دائم تجاه ما ينقل إليهم، يحصرون أذهانهم، ويوجهون كل وعيهم لكل ما يسمعون سواء من الأعراب أو من الرواة، فيمحصون ويقابلون بين مختلف الروايات، ولا يقبلون شيئًا إلا بعد التحقيق والتثبت من صدقه وحقيقته، خوفًا من نقد الزملاء، أو تشنيع الأعداء، وحبا في الشهرة بالأمانة والنزاهة والدقة، بل كان كثير من جمهور السامعين لديه من الفطنة وسعة الاطلاع، وقوة الذوق الأدبي ما يمكنه من معرفة الصحة والزيف في كل ما يلقى أمامهم من نصوص. فكان العلماء رقباء على الرواة، كما كان الرواة رقباء على الأعراب الذين ينقلون عنهم، وكتب الأدب فيها

стр. 177

كثير من الحوادث التي تؤيد ذلك، منها ما أورده ابن سلام إذ يقول: "أخبرني أبو عبيدة أن داود بن متمم بن نويرة قدم البصرة في بعض ما يقدم له البدوي في الجلب والميرة، فنزل النحيت، فأتيته أنا وابن نوح العطاردي، فسألناه عن شعر أبيه متمم، وقمنا له بحاجته، وكفيناه ضيعته، فلما نفد شعر أبيه جعل يزيد في الأشعار ويصنعها لنا، وإذا كلام دون كلام متمم، وإذا هو يحتذي على كلامه، فيذكر المواضع التي ذكرها لمتمم، والوقائع التي شهدها، فلما توالى ذلك علمنا أنه يفتعله"٨٧. فلم يكن الرواة على العموم، يقبلون كل ما يلقى إليهم، دون فحص وتمحيص، ولم يكن كل ما يقوله الرواة ليسمع منهم ويقبل دون حجة أو برهان. فالتنافس وما جره في بعض الأحيان من خصومات، أفاد النصوص الأدبية، إذ حمل الرواة على الاستزادة منها بقدر ما يستطيعون، مع التثبت والتحري الدقيق في كل ما ينقلون. ومما ذكرناه عن الرواة، يتبين أنه كان فيهم بصريون وفيهم كوفيون، وفي كل من الفريقين أمين ثقة، ومنهم مطعون في أمانته، فكما كان في البصريين ثقات عدول، كان ذلك في الكوفيين أمناء مصدقون، وكما كان في الكوفيين من ليس أهلًا للثقة، كذلك كان في البصريين من أثر عنهم الخلط والادعاء، فمسألة الثقة وعدمها ليست متصلة ببلد، ولا بمدرسة معينة، إنما هي تتعلق بطبيعة الشخص وأخلاقه، وميوله ونزعته. ومن ثم فلا ينبغي أن يرمى الرواة كلهم بالطعن والاتهام، لوجود من يطعن في نزاهته من بينهم، كما لا يصح أن نشك في رواة بلد معين أو مدرسة، لأن من بين رجالها من كان موضع الشك والاتهام، فالكل لا يؤخذ بجريرة بعضه، ولا تزر وازرة وزر أخرى، فمن كان ثقة أمينًا، فهو عدل، مصدق، يقبل منه ما يقول، ما دام لا يوجد ضده دليل قوي ولا برهان ثابت محقق. وواضح أن هؤلاء الرواة الذين ذكرناهم كانوا يعيشون في المدن، فهم من أهل الحضر، وليس معنى هذا أن البدو لم يكن منهم رواة، بل كان منهم رواة كثيرون، وقد ذكر منهم صاحب الفهرست عشرات، ومن بينهم: أبو البيداء الرياحي٨٨: أعرابي نزل البصرة، وكان يعلم الصبيان بأجر.

стр. 178

وأبو مالك عمرو بن أبي كركرة٨٩: وهو أعرابي كان يعلم في البادية، وهو بصري المذهب. وأبو سوار الغنوي٩٠: وعنه أخذ أبو عبيدة. وأبو الجاموس ٩١ ثور بن يزيد: أعرابي كان يفد البصرة على آل سليمان وعنه أخذ ابن المقفع الفصاحة. وأبو ملحم الشيباني: أعرابي كان أعلم الناس بالشعر واللغة توفي سنة ٢٤٨، وقيل أصله ومولده بفارس، لكنه انتسب إلى بني سعد، ويقال إنه كان أحفظ الناس٩٢. وأبو شبلي العقيلي ٩٣: وقد وفد على الرشيد واتصل بالبرامكة. والبهدلي: وعنه أخذ الأصمعي. وفي بدء الرواية العلمية لم يكن الرواة في القرن الأول بحاجة إلى الارتحال إلى البادية إذ كانت الصلة ما زالت شديدة بعرب الجاهلية وأعرابها؛ لأن عرب الجاهلية أو من أخذوا عنهم كانوا لا يزالون أحياء. كما سبقت الإشارة إلى ذلك عند الكلام عن الطبقة الأولى من الرواة، لكن لما اتسعت الدولة، واستقر الناس في المدن، واختلط العرب بغيرهم من الأعاجم، أراد الرواة والعلماء استقاء اللغة والأدب من مصادرهما الأصيلة النقية؛ لذلك رحلت الطبقة الثالثة من الرواة إلى البادية، وقد سبق أن ذكرنا الاحتياطيات الشديدة التي أخذ العلماء أنفسهم بها في جمع اللغة ليكون ما يأخذونه عربيًّا حقًّا وأصيلًا، فحصروا ميدانهم في نطاق معين من القبائل التي تسكن منطقة بعيدة كل البعد عن تأثير الاختلاط الأجنبي، ومن أقدم من رحل إلى البادية يونس بن حبيب الضبي المتوفى سنة ١٨٣، وخلف الأحمر المتوفى سنة ١٨٠هـ، والأصمعي. وظل شأن العلماء والرواة في الذهاب إلى البادية والأخذ عن أهلها إلى أواخر القرن الرابع ٩٤، وقد أشرنا آنفا إلى أن بعض الأعراب كانوا هم أنفسهم يفدون إلى

стр. 179

الحواضر والمدن، يقيمون فيها، أو يملون على الرواة ما يعرفون من اللغة والأدب. فالطبقات المتأخرة من الرواة كانوا يأخذون عمن سبقهم من الرواة، ومن كان في عصرهم من أعراب البادية الفصحاء الذين يحفظون الأدب. ولم يكن المتأخرون من الرواة ليقبلوا كل ما يلقى عليهم أو يصل إليهم، دون بحث أو تمحيص، بل كانوا يتحرون الحقيقة بالدرس والمقارنة والاستنباط، كما حدث عن أبي عبيدة مع ابن متمم بن نويرة، حين قدم البصرة.

стр. 180

تدوين الأدب الجاهلي يقصد بالتدوين الكتابة، وكانت الكتابة معروفة للعرب في العصر الجاهلي، بدليل وجود إشارات إليها في الأدب الجاهلي، كقول طرفة١: كسطور الرق رقشه ... بالضحى مرقش يشمه وقول المرقش الأكبر: الدار وحش والرسوم كما ... رقش في ظهر الأديم قلم٢ وقول امرئ القيس٣: لمن طلل أبصرته فشجاني ... كخط زبور في عسيب يمان وقوله٤: أتت حجج بعدي عليها فأصبحت ... كخط زبور في مصاحف رهبان وفي هذه الأمثلة نجد الإشارة إلى الأقلام وبعض ما كان يكتب عليها كالأديم، والعسيب، والصحف. وقد وجدت نقوش للعرب الجنوبيين تدل على وجود الكتابة عند أهل اليمن منذ ألف عام على الأقل قبل الميلاد, كما عثر في آثار الشماليين على نقش النمارة الذي يرجع تاريخه إلى سنة ٣٢٨م وهو مكتوب بخط مشتق من الآرامي٥. وكانت العهود والمواثيق في غالب الأحيان تدون، تسجيلًا لها، لتكون أقوى ارتباطًا، وأشد إلزامًا، ومن ذلك صحيفة قريش التي علقوها في جوف الكعبة٦.

стр. 181

كما كانت الرسائل، على وجه العموم، تبعث مكتوبة، كالصحيفة التي وجهها عمرو بن هند ملك الحيرة إلى عامله بالبحرين في شأن طرفة والمتلمس٧. ومن ذلك أيضًا القصيدة التي أرسلها لقيط بن يعمر الإيادي٨ الذي كان كاتبًا في ديوان كسرى، حين علم أن كسرى مجمع على غزو إياد، فكتب إليهم هذه القصيدة ينذرهم بما يتهددهم من خطر، وهي قصيدة طويلة، وفي آخرها يقول: هذا كتابي إليكم والنذير لكم ... لمن رأى رأيه منكم ومن سمعا وأكبر دليل على وجود الكتابة في الجاهلية بين العرب، هذه الكتب التي أرسلها النبي ﷺ إلى الملوك والرؤساء يدعوهم فيها إلى الإسلام، ثم كتاب الوحي الذي كان الرسول ﵊ يأمرهم بكتابة آي القرآن الكريم كلما نزل عليه الوحي، كل هذه الأمثلة تدل دلالة قاطعة على أنه كان بين العرب الجاهليين من يعرفون القراءة والكتابة بالعربية. ولكن وجود الكتابة في زمان أو مكان، ليس بلازم أن يكون معناه شيوعها، وانتشارها، شأنها شأن كل شيء في الوجود، فقد تكون موجودة، ولكنها قليلة أو نادرة، وذلك هو ما كان في العصر الجاهلي، كانت الكتابة موجودة ومعروفة لديهم ولكنها كانت بنسبة قليلة قد تصل إلى حد الندرة أحيانًا، فكانت غالبية الشعب لا تعرف القراءة والكتابة بخاصة بين البدو سكان الصحراء؛ وذلك لأن ضرورات الحياة، ومشاغلها، والسعي لطلب الرزق والقوت كانت تستغرق كل أوقاتهم أو جلها، فلم يكن لديهم فراغ يجلسون فيه منذ الطفولة ليتعلموا القراءة والكتابة، ثم إن وسائلها من الجلود والعظام وسعف النخل، وقطع الخشب وأمثالها كانت غير ميسرة، ولا تحبب في استعمالها والاهتمام بها لكي يسجلوا بها كل آثارهم، ومن ثم كان هناك نفر يسير من بينهم يعرفون القراءة والكتابة، وكان السواد الأعظم من السكان يجهلها، وطبيعي أن تكون الحال كذلك بين الأدباء: كثرة منهم أميون، وقلة منهم يقرءون ويكتبون، ومن هؤلاء: عدي بن زيد العبادي ولقيط بن يعمر الإيادي، وسويد بن صامت الأوسي، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك والربيع بن زياد، ولبيد

стр. 182

بن ربيعة. وقد وردت الأخبار القاطعة بأن كثيرًا منهم كانوا لا يعرفون القراءة والكتابة، وأظهر مثل لذلك طرفة والمتلمس فقد حمل كل منها صحيفة فيها الأمر بإعدامه ولقى طرفة حتفه بسبب ذلك. وربما كان بعض الأدباء -وبخاصة الشعراء الذين اشتهروا بالحوليات، وأخذهم وقتًا طويلًا في إعداد آثارهم الأدبية، وتحويرها، وتنميقها لتكون في أروع ما يستطيعون، ربما كان هؤلاء- ممن يعرفون القراءة والكتابة، على أنه ليس هناك ما يمنع من أن يقوم الأمي بالتنميق والتحسين في إطار ذاكرته، أو حيز حافظته، لا على قرطاس أو صحيفة فذلك يحدث كثيرًا، حتى بين الذين يحسنون القراءة والكتابة. ولكن على العموم لم نسمع أن وجد بين الأدباء في الجاهلية من كان يلقي نصه الأدبي من صحيفة، بل كان الجميع، حتى من يعرفون القراءة والكتابة. يلقون نتاجهم مشافهة، ومن الذاكرة. ولا شك أن ذلك أدعى للإعجاب والإكبار، فهو يوحي بأن كلامه من فيض الخاطر حين إلقائه، وذلك مشاهد بين ظهرانينا اليوم، فكثير من الخطباء والأدباء يعدون كلماتهم قبل إلقائها، ومعظمهم يسجلها، ويكرر إلقاءها بينه وبين نفسه، لتثبت في ذاكرته، فإذا ما وقف بين الناس، خطيبًا، أو متحدثًا، أو منشدًا، تتابعت العبارات على لسانه في دقة وإحكام، كأنما تنثال عليه البلاغة انثيالًا بالطبيعة والسليقة، هؤلاء الأدباء الذين كانوا يقرءون ويكتبون يحتمل جدًّا أنهم قد قاموا بتدوين آثارهم الأدبية أو بعضها على الأقل. ولكن مما لا شك فيه أن بعض القبائل قد قامت بجمع آثار أدبائهم وتدوينها، بدليل ذكر كتب يحمل كل منها اسم قبيلة معينة يضم أخباره وآثارها، مثل كتاب قريش وكتاب ثقيف٩ وكتاب تميم، وغير أولئك، جاء في المفضليات. وجدنا في كتاب بني تميم ... أحق الخيل بالركض المعار١٠. ويبدو أن فكرة تدوين الآثار الأدبية قديمة عند العرب، يقول حماد الراوية: "إن ملك الحيرة النعمان بن المنذر المتوفى سنة ٦٠٢ أمر فنسخت له أشعار العرب في الطنوج -وهي الكراريس- ثم دفنها في قصره الأبيض، فلما كان المختار بن أبي عبيدة الثقفي، قيل له: إن

стр. 183

تحت القصر كنزًا، فاحتفره، فأخرج تلك الأشعار، فمن ثم أهل الكوفة أعلم بالشعر من أهل البصرة١١. وبعض الباحثين يشك في هذه الدعوى، بسبب أن راويها حماد، وأنه ربما افتعلها ليفضل أهل الكوفة على أهل البصرة في الخلافات التي نشبت بين البلدين١٢. ولكني أعتقد أن مضمون هذه القصة يغلب عليه أن يكون صحيحًا، فمن الطبيعي أن يعتز الملوك والسادة الكبار بما قيل فيهم من مدائح، وما لهم من آثار، فيعملوا على تسجيلها وتدوينها لتظل خالدة. وفي ذلك يقول ابن سلام في كلامه عن الشعر العربي القديم: "وقد كان عند النعمان بن المنذر منه ديوان فيه أشعار الفحول، وما مدح به هو وأهل بيته فصار ذلك إلى بني مروان"١٣ وقد ورد أنه في زمن الوليد بن عبد الملك تولى الخطاط خالد بن أبي الهياج كتابة المصاحف والشعر والأخبار للخليفة المذكور، كما أن الخليفة الوليد بن يزيد المولود سنة ٩٠-٧٠٨ والمتوفى سنة ١٢٧-٧٤٤ أمر بجمع ديوان العرب وأشعارها وأخبارها، وأنسابها ولغاتها١٤. وكما كان في الأدباء من يقرأ ويكتب، كان من الرواة من يعرفون القراءة والكتابة: فيروى عن أبي عمرو بن العلاء أن كتبه ملأت بيتًا له إلى قريب من السقف، ثم إنه تقرأ فأحرقها كلها، فلما رجع بعد إلى علمه الأول لم يكن عنده إلا ما حفظه بقلبه١٥. وجاء في الأغاني١٦ أن حمادًا الراوية قال: "أرسل الوليد بن يزيد إليَّ بمائتي دينار، وأمر يوسف بن عمر بحملي إليه على البريد. قال: فقلت: لا يسألنى إلا عن طرفيه: قريش وثقيف، فنظرت في كتابي قريش وثقيف". ويقول صاحب الأغاني في موضع آخر. كان حماد الراوية في أول الأمر يتشطر ويصحب الصعاليك واللصوص فنقب ليلة على رجل فأخذ ماله، وكان فيه جزء من شعر الأنصار، فقرأه حماد فاستحلاه وتحفظه١٧.

стр. 184

كما يروى أن ابن الأعرابي لما بعث إليه أبو أيوب أحمد بن محمد بن شجاع غلامًا من غلمانه يسأله المجيء إليه، عاد إليه الغلام، فقال: قد سألته ذلك، فقال لي: عندي قوم من الأعراب فإذا قضيت أربي معهم أتيت. قال الغلام: وما رأيت عنده أحدًا إلا أني رأيت بين يديه كتبًا ينظر فيها، فينظر في هذا مرة، وفي هذا مرة١٨. وقال ابن السكيت عن أبي عمرو الشيباني: مات أبو عمرو الشيباني وله مائة وثماني عشرة سنة، وكان يكتب بيده إلي أن مات، وكان ربما استعار مني الكتاب وأنا إذ ذلك صبي آخذ عنه وأكتب من كتبه١٩. ويقولون عن اختيار أبي تمام لديوان الحماسة إن الثلج عاقه عن السفر وكان في العراق، فاستضافه أبو الوفاء بن سلمة، وأحضره خزانة كتبه فطالعها واشتغل بها، وصنف خمسة كتب في الشعر، منها كتاب الحماسة، والوحشيات٢٠. ثم إن التصحيف نفسه يدل على وجود الكتب المؤلفة في الأدب، كما أن الأخبار قد وردت بوقوع بعض أئمة الرواة في التصحيف، هذا معناه أنهم كانوا بجانب الأخذ مشافهة كانوا يأخذون كذلك من الكتب، رغبة في ازدياد المعرفة، وسعة أفق الرواية، ومما يروى في هذا الشأن ما حدث من الأصمعي إذ يقول أبو حاتم السجستاني: "قرأ الأصمعي على أبي عمرو بن العلاء الحطيئة، فقرأ قوله: وغررتنى وزعمت أنّـ ... ـك لابنٌ بالصيف تامر أي كثير اللبن والتمر، فقرأها. "لا تنى بالضيف تأمر" أي لا تتوانى عن ضيفك تأمر بتعجيل القِرى له. فقال له أبو عمرو: أنت والله في تصحيفك هذا أشعر من الحطيئة٢١. وأخبار التصحيف كثيرة، وقد ألفت فيه كتب، منها: التصحيف والتحريف للعسكري، والتنبيه على أغاليط الرواة للبصري. ولعل الخوف من الوقوع في التصحيف هو الذي جعل الرواة يعتمدون اعتمادًا كليًّا على الأخذ مشافهة، ويتحاشون الأخذ مباشرة من الكتب لأنه عرضة للتحريف، خصوصًا قبل

стр. 185

حدوث النقط والشكل. ومن ثم نجد الرواة -حتى من كانوا ينقلون عن كتب- يذكرون روايتهم بسند يوحي بأنهم أخذوها مشافهة وسماعًا، وعدوا النقل من الكتب عيبًا، قال ابن سلام في معرض حديثه عن الشعر القديم: "وقد تداوله قوم من كتاب إلى كتاب، لم يأخذوه عن أهل البادية، ولم يعرضوه على العلماء، وليس لأحد إذا أجمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شيء منه أن ينقل من صحيفة ولا يروي عن صحفى"٢٢. هذا طرف من الأخبار التي تؤيد وجود الكتب التي دون فيها الأدب الجاهلي، وكثير من هذه الأخبار التي سقناها يدل على أن تدوين الآثار الأدبية كان موجودًا قبل الإسلام. ولكننا لا نعرف بالضبط متى بدأ، ولا أي الآثار الأدبية كان أسبق في التدوين. ولا شك أن حركة التدوين كانت تتقدم مع الزمن شيئًا فشيئًا فبعد أن كانت قليلة أو في حدود ضيقة في العصر الجاهلي، أخذت تنمو وتطرد في الازدياد بعد ظهور الإسلام، واتساع الدولة الإسلامية، واختلاط العرب بغيرهم، وشيوع القراءة والكتابة، ووقوفهم على ما لدى غيرهم من علوم ومعارف ومدنية وتقدم، فهذه الظروف كلها أوجدت ميادين فسيحة للمجال الفكري والعلمي عند العرب، فاستحدثت علوم كثيرة كالتفسير والحديث والفقه واللغة والنحو، والبلاغة. وهذه كلها تحتاج إلي الأدب، ولهذا لا يخلو كتاب ألف في أحد هذه العلوم من آثار أدبية جاهلية، إذ إن جميع هذه العلوم تعتمد في تقرير أسسها ومبادئها على كلام العرب القدامى الفصيح، وبسبب ذلك دون كثير من الأدب الجاهلي في ثنايا هذه العلوم، وكلما تقدم الزمن، اتسعت آفاق الباحثين، فزاد تبعًا لذلك التأليف في هذه النواحي، ومن ثم اهتموا بالأدب القديم اهتمامًا عظيمًا، فوق ما كان له من الأهمية العظمى في نفوس العرب جميعًا قبل الإسلام، فتخصص بعض العلماء والباحثين في جمعه وتدوينه، وقد أشرنا إلى كثير من ذلك في حديثنا عن الرواة الذين ذكرنا نبذًا يسيرة عن بعضهم فيما سبق. ومما بيناه هناك يتبين أن حركة التدوين كانت في نشاط متزايد خلال القرنين الثاني والثالث وتدل الأخبار الموثوق بها على أن كثيرًا من هؤلاء الرواة قد عنوا بجمع الأدب الجاهلي وتدوينه، كل منهم بقدر ما استطاع، وأن اللاحق منهم كان يحاول أن يزيد عن السابق في هذا الميدان. وبعضهم كانت له تعقيبات وآراء في السابقين وأعمالهم الأدبية، كأنما كانوا يتبارون في الجمع والتدوين

стр. 186

والدراسة. ونظرة إلى ما ذكرناه عن الرواة ومجهود كل منهم العلمي تبين ذلك بوضوح، فهناك مثلًا أبو عمرو الشيباني المتوفى سنة ٢١٣ يروى عنه أنه جمع أشعار القبائل، وكانت نيفًا وثمانين قبيلة، وكان كلما عمل قبيلة كتب مصحفًا، هذا بالإضافة إلى الدواوين التي عملها مثل دواوين: امرئ القيس، والحطيئة، ولبيد، ودريد بن الصمة، والأعشى، وهذا الأصمعي المتوفى سنة ٢١٥، يقال عنه إنه جمع الشعر المبعثر في دواوين ومجموعات، ومنها الأصمعيات المشهورة، كما عمل دواوين امرئ القيس، والنابغة، والحطيئة، ولبيد، والأعشى، وبشر بن أبي خازم، والمهلهل، والمسيب بن علس، والمتلمس، وهناك ابن الأعرابي المتوفى سنة ٢٢٥، وقد قال عنه أبو العباس: قد أملى على الناس ما يحمل على أجمال، ثم ابن السكيت المتوفى سنة ٢٤٥ الذى يقال عنه إنه جمع دواوين امرئ القيس، والحطيئة، ولبيد، والأعشى، وبشر بن أبي خازم، والمهلهل، والخنساء، وهناك السكري المتوفى سنة ٢٧٥، وقد قام بعمل دواوين امرئ القيس، وزهير، والنابغتين، والحطيئة، ولبيد، ودريد بن الصمة، والأعشى، وبشر بن أبي خازم، والمهلهل، والمتلمس، والمسيب وعدي بن زيد، والخنساء، وقيس بن الحطيم، وتميم بن مقبل، وأشعار اللصوص وأشعار هذيل، وهدية بن خشرم، ومزاحم العقيلي، والأخطل، وغيرهم، ثم أبو الفرج الأصبهاني، المتوفى سنة ٣٥٧ قد كتب عشرات الكتب، منها كتاب التعديل والانتصاف في أخبار القبائل وأنسابها، وكتاب الأخبار والنوادر، وكتاب مجموع الآثار والأخبار، وكتاب أيام العرب، وكتاب الأغاني الذي طبقت شهرته الآفاق وهو كتاب يعتبر موسوعة عربية ضخمة، وحكي عن الصاحب بن عباد أنه كان في أسفاره وتنقلاته يستصحب ثلاثين جملا، من الكتب، فلما وصل إليه كتاب الأغاني استغنى به عنها، وقال عنه الصاحب بن عباد إنه "للزاهد فكاهة، وللعالم مادة وزيادة، وللكاتب والمتأدب بضاعة وتجارة، وللبطل رجلة وشجاعة، وللمتظرف رياضة وصناعة، وللملك طيبة ولذاذ، ولقد اشتملت خزانتي على مائة ألف وسبعة عشر ألف مجلد ما فيها سميري غيره، ولا راقني منها سواه". ومما سبق يتبين أن التدوين كان: إما إملاء من الأستاذ على التلاميذ أو الكتبة كما حدث من ابن الأعرابي الذي قيل عنه إنه أملى ما يحمل على أجمال، وإما كتابة بخط التلميذ بعد السماع من الأستاذ، أو النقل من الكتب، كما قال ابن السكيت عن نفسه إنه كان يأخذ من

стр. 187

أبي عمرو الشيباني ويكتب من كتبه، وإما كتابة بخط الأستاذ نفسه، كما كان من أبي عمرو الشيباني. ويتضح كذلك أنه منذ القرن الثاني الهجري وجدت نهضة عظيمة في الجمع والتدوين للنصوص الأدبية الجاهلية، ولم يبدأ جمع الشعر العربي إلا في عصر الأمويين، ولم يبلغ هذا الجمع ذروته إلا في عصر العباسيين٢٣. ولا شك أن مما ساعد على وجود هذه النهضة العظيمة في التدوين شيوع عادة الكتابة العربية وسهولتها في أواخر القرن الأول للهجرة٢٤، حوالى سنة ٧٠٠٠م بعد أن كانت نادرة، وأدواتها صعبة غير ميسرة. وقد كانت هناك عوامل كثيرة دفعت القوم إلى جمع الأدب الجاهلي وتدوينه، فقد كانت العصبية في الجاهلية هي التي تدفع الناس إلى حفظ آثارهم الأدبية، كل قبيلة تعنى بجمع نصوص أدبها وتعمل على نشره وإذاعته لأنه سجل مفاخرهم وأمجادهم، وضياعه فيه انهيار لمكانة القبيلة، وضياع لشرفها، وهذه العصبية وإن اختفت في عصر صدر الإسلام، إبان ظهور الدعوة الجديدة التي حرمت التباهي بالأحساب والأنساب والتحيز للأقارب والأصحاب بسبب الحمية الجاهلية، فإنها قد عادت بوضوح في أيام الدولة الأموية، بل إن الأمويين أنفسهم كثيرًا ما كانوا يعملون على إثارتها، وإلهاب نار العصيبة بين القبائل، لكي يلهو الناس بها عن التفكير في الحكم والسياسة، وكان لهذا أثره في إنشاء الأدب إذ ذاك وفي جمع الشعر القبلي القديم وتدوينه، لتتباهى كل قبيلة بما كان لها في الماضي من عوامل الزهو والافتخار التي كان الأدب أهم أسسها وأركانها. ثم إن إنشاء الدولة، وما يتبعه من تنظيمات سياسية وإدارية واجتماعية وتخصيص رواتب وأعطيات معينة لكل فئة ممن يقومون بالأعمال، أو يتولون مناصب خاصة، كل ذلك جعل العرب يهتمون بالأنساب، ومعرفة الأصول والفروع من الآباء والجدود، والأبناء والحفدة، ومن ثم رجعوا إلى الشعر القديم الذي قلما تخلو قصيدة منه من ذكر الأنساب، ومن هنا حوت الكتب التي ألفت في الأنساب كثيرًا من القصائد والمقطوعات الشعرية والقطع

стр. 188

الأدبية، وأشهر من فعل ذلك في زمن معاوية دغفل وصحار العبدي، ومن تحقيقات النسابين جمعت مقطوعات شعرية كثيرة تحوي إشارات إلى منشأ محالفات القبائل والأرهاط٢٥. والخلافات السياسية التي حدثت في الدولة الإسلامية منذ نشب النزاع بين علي بن أبي طالب ﵁ ومعاوية بن أبي سفيان، كانت سببًا في حدوث انقسام بين المسلمين، فكانوا شيعًا وأحزابًا، كل يناصر فريقًا معينًا، وحدثت من جراء ذلك معارك دامية، كل هذا دعا كل فريق إلى الحديث عن نفسه في الماضي والحاضر، مما كان له كذلك أثر في جمع الأدب القديم وتدوينه. واتساع الدولة الإسلامية، وامتداد حكم العرب إلى أقاليم كثيرة خارج شبه الجزيرة العربية في مصر وسورية والعراق وفارس، واختلاطهم بسكان هذه البلاد، كل هذا كان له أثر في الاهتمام بالأدب القديم، ذلك أن العرب الغالبين، كانوا بحكم عربيتهم الخالصة، يعدونه سجل مفاخرتهم وأمجادهم، يتغنون بها أمام هذه الشعوب المختلفة، كأنما كانوا يريدون أن تعلم هذه الشعوب ما كان لأسلاف حاكميهم من أمجاد خالدة في شتى الميادين، بجانب ما يجدون في إنشاده وترديده من متعة ولذة. ولما رأى أهل هذه البلاد حب السادة الحاكمين للأدب القديم، وأنهم "أي الموالي" في حاجة إلى تعلم اللغة العربية، والتفوق فيها، أقبلوا هم كذلك على الأدب العربي يحفظونه، ويتدارسونه، ويروونه حتى برعوا فيه، وقد مر بنا عدد كبير من هؤلاء الموالي الذين كانوا من الرواة الأفذاذ، وكأنهم بعملهم هذا يرمون إلى إتقان اللغة العربية وآدابها، حفظًا، وفهمًا، ودراسة، فكان منهم العلماء الثقات، الذين يُرجَع إليهم كلما أشكل أمر كما كانوا يتمنون أن يكونوا محدثين ممتازين، فكان منهم الحفظة الأذكياء. ومما كان له أثر كبير في رواج جمع الأدب الجاهلي وتدوينه، ما كان من الخلفاء والولاة والحكام من ميول أدبية ممتازة، فقد كان فيهم حب شديد للأدب ملك عليهم أفئدتهم، فكان الخليفة كثيرًا ما يتوق إلى سماع قصيدة معينة، أو قطعة أدبية، فيسأل عنها. وقد فعل هذا رسول الله ﷺ ، وقد أشرنا إلى ذلك سابقًا، وكذلك كان الخلفاء الراشدون وبخاصة عمر بن الخطاب، وفي عصر الدولة الأموية اشتد اهتمام الخلفاء بالأدب، فكثيرًا ما كانوا

стр. 189

يرسلون في طلب عالم أو راوية لسؤاله عن خبر أو قصيدة شعرية. وكتب الأدب والتاريخ مملوءة بذكر الأمثلة الكثيرة في هذا الشأن. وقد كانت الفرحة تعم نفوسهم، والبشر يعلو وجوهم حينما يجدون الجواب الشافي عند من يسألونه فتنفرج أساريرهم، وتنبسط أيديهم عن واسع السخاء وكريم العطاء. ومن هنا تسابق الرواة في الحفظ والجمع والتدوين، حبًّا في الشهرة، وطمعًا في الغنى والثراء. وهذا ولا شك كان له أكبر الأثر في شحذ الهمم للبحث والتحصيل، فجمع بذلك شيء كثير من الأدب الجاهلي، وربما كانت الرغبة في حسن الصيت وكثرة الغنى، سببًا في دفع بعض الرواة إلى الاختلاق كما رأينا في سيرة بعضهم، ولكن المتنافسين والعلماء والنقاد كانوا لأمثال هؤلاء بالمرصاد، وقد أوردنا أمثلة لذلك فيما سبق. وتدوين النصوص الأدبية بالصورة التي وصلت إلينا بها الآثار الجاهلية تبدو فيها ظواهر كثيرة ترجع إلى عوامل شخصية أو نفسية أو عقلية أو وجهات نظر مختلفة لدى الأدباء أنفسهم، أو الرواة أو القائمين بالتدوين. فمما لا شك فيه أن كل عملية من الحفظ والجمع والتدوين تخضع خضوعًا كبيرًا للذوق الشخصي، فكل فرد له ميول خاصة، وأهواء معينة، فهذا يميل إلى نوع، وذاك إلى آخر وهكذا، بحكم اختلاف الأشخاص في الشخصيات، والميول، والرغبات، ومن ثم نجد الرواة قد يختلفون فيما بينهم اختلافًا كبيرًا في الكم والكيف، فقد يميل بعضهم إلى حفظ شيء معين، وبعضهم يميل إلى شيء آخر، وإن اتحدوا في النوع فقد يختلفون في الكم، فهذا يحب حفظ القطع الطويلة وذاك يحب المقطوعات القصيرة. ومع أن العرب كانوا يحرصون على الآثار الأدبية حرصهم على أعز الأشياء؛ لأنهم كانوا يعدونها من أهم الأشياء الضرورية لهم، فإننا مع ذلك نرى بعض القصائد فيها اختلاف بين الروايات بعضها وبعض، مما يدل على أن الرواة لم يكونوا يتفقون في حفظ القصائد، فنجد مثلًا قصيدة تروى طويلة في بعض الروايات وهي نفسها تروى في رواية أخرى قصيرة، وقد تجيء في رواية ثالثة أقصر من الأوليين، ويعلل بعضهم ذلك بأن النفس يبقى فيها ما ترى أنه أوثق اتصالًا بحالتها القائمة، وأصدق تعبيرًا عنها، أما بقية القصيدة مما لا يمت إلى نفس الذي يحفظها بسبب، فليست في حاجة إليه، ولذلك يكون مثل هذا الجزء أقرب إلى أن يضيع ويذهب أو ينسى من الذاكرة. وإن النفوس تتباين، والبواعث على قراءة الأدب وحفظه وتدوينه مثل البواعث على

стр. 190

إنشائه وقوله، وتختلف باختلاف الأشخاص، وباختلاف الأحوال للشخص الواحد، ومعنى هذا أن المحفوظ من قصيدة مثلًا قد يختلف باختلاف حالات النفوس، وباختلاف الأفراد، وهذا قد يؤدي إلى أن يتفرق النص الأدبي في عدد من الناس، وقد يذهب من القصيدة أكثرها، ولذلك لا تبقى كلها مجتمعة متصلة الأجزاء، وإنما هي أشلاء متناثرة، تتلقفها أفواه حافظة، ويذهب كل بنصيبه حيث يحلو له، فإذا جاء بعد ذلك دور الجمع والدراسة، كان في لم شتاتها، وترتيب أجزائها ما لا يخفى من عسر، فضلًا عما قد يصيبها به ذلك التفرق من نقص واضطراب واختلاط وتداخل مع غيرها من القصائد التي تتفق معها في الوزن والقافية، وقد تكون القصيدة أو القصائد الأخرى لصاحب القصيدة نفسه، وقد تكون لغيره. ولا شك أن تدوين ما لم يكن مدونًا من النصوص كان يتوقف على ما في ذواكر الحفاظ والرواة منه، والاعتماد على الذاكرة، مع مرور الزمن، وكثرة المحفوظ، يؤدي أحيانًا إلى حدوث اختلاف بين الرواة في ألفاظ النص الأدبي الواحد. والباحثون يرجعون ذلك إلى أحد الاحتمالات الآتية: أن الراوي قد يعمد إلى البيت نطق به الشاعر على لغته، فيغير منه الكلمة إلى ما يوافق لغته هو، ما دام ذلك لا يغير من جوهر المعنى شيئًا. أو أن الراوي قد تسقط منه بعض الكلمات على وجه النسيان، فيحاول أن يضع مكانها بديلًا عنها، وما كانوا يرون في ذلك من بأس ما دام الغرض الذي يرمي إليه الشاعر قائمًا، والمعنى الذي يقصده لم يتغير، والراوي عندما يقدم على ذلك إنما كان يستعمل ألفاظًا فصيحة مستعملة في التعبير الأدبي، ويبدو أن ذلك كان شائعًا ومعروفًا بين الشعراء والرواة، ولذلك نجد بعض الشعراء يطلب كتابة شعره، ولا يتركه للحفظ فقط، كما يروى عن ذي الرمة إذ قال لموسى بن عمرو: "اكتب شعري، فالكتاب أعجب إليّ من الحفظ؛ لأن الأعرابي قد ينسى الكلمة التي تعبت في طلبها ليلة، فيضع في موضعها كلمة في وزنها، ثم ينشدها الناس، والكتاب لا ينسى، ولا يبدل كلامًا بكلام"٢٦. أو أن الشاعر، أو الأديب نفسه قد يكون ألقى نصه الأدبي على وجهين أو وجوه مختلفة في أوقات عدة، وقد يبدو له أن كلمة أليق، أو أحسن، أو تسقط من حافظته الكلمة التي أنشأ

стр. 191

عليها النص في بادئ الأمر، ثم يتصادف أن يحملها عنه في كل مرة راوٍ أو رواة مختلفون، فيحمل كل منهم عنه ما سمعه منه، ويدعي صادقًا أن ذلك سمعه مشافهة من الأديب نفسه. ويدعي بعض العلماء أن الرواة كانوا أحيانًا يقومون بتغيير بعض الألفاظ إذا رأوا فيما ورد عن الأديب خطأ كما يروى في بيت امرئ القيس: فاليوم أشربْ غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل فقالوا: حذف الإعراب، وليس بالحسن، وذهبوا إلى أنه يريد "أشرب" فحذف الضمة، ولذلك غيروه، فجعله بعضهم، "فاليوم فاشرب"، بصيغة الأمر٢٧. وفي قول عدي بن زيد: ففاجأها وقد جمعت جموعاً ... على أبواب حصن مُصْلتينا فقددت الأديم لراهشيه ... وألفى قولها كذبًا ومَيْنا فقالوا إن في قوله "مينا" سناد، ولذلك أراد المفضل الضبي أن يفر من هذا السناد فغيرها، وجعلها كذبًا مبينًا٢٨. فكأن الرواة كانوا يقومون بالإصلاح والتهذيب، بجانب مهمتهم الأساسية التي هي الحفظ والنشر. وإذا كان الأمر كذلك فيبدو أن الذي دفعهم إلى هذا هو حرصهم على صحة اللغة وجمالها. وهناك ظاهرة واضحة في اختلاف الرواة في ترتيب أبيات القصائد الشعرية فرواية تحكيها بشكل معين، في حين أن أخرى تحكيها بشكل آخر، من حيث تقديم بعض الأبيات أو تأخيرها. وهذه الظاهرة ليس فيها شيء على الإطلاق، فلا تدل على تزوير ولا تحريف؛ لأنها كانت تروى عن الحافظة. والذاكرة عرضة لذلك دائمًا، وبخاصة إذا كان المحفوظ فيها كثيرًا، وقد يكون هناك الشيء الكثير من النوع الواحد، ولا ريب في أن مما ساعد على حدوث ذلك بشكل ملموس استقلال البيت الواحد، ووحدته التي قدسها الشاعر العربي والتزامها، وجعل الخروج عنها عيبًا في الشعر.

стр. 192

وفي بعض الأحيان نجد أن البيت أو البيتين أو الثلاثة تنسب لقائل مجهول، ويحدث ذلك غالبًا في الشواهد الشعرية، مما دعا الباحثين إلى الاعتقاد باختلاقها لتبرير رأي، وفي كثير من هذه الحالات يحاول الراوي أن يذكر أن القائل رجل أو أمراة، أو من قبيلة كذا. وفي نسبة الأثر إلى صاحبه، قد يحدث خلط واضطراب، بسبب تشابه الأسماء، فهناك مثلًا أربعة أدباء كل منهم اسمه كثير، وعشرة كل منهم امرؤ القيس، وثمانية باسم النابغة، وستة عشر باسم الأعشى، وقد ألفت في ذلك كتب عديدة، منها: معجم الشعراء للمرزباني، والمؤتلف والمختلف للآمدي، وقد يحدث هذا اللبس بين أدباء القبيلة الواحدة مثل هذيل، إذ فيها عشرات من الشعراء فإذا قيل الهذلي بدون تعيين، لم يعرف أيهم المقصود. ولذلك كثيرًا ما كانوا يضيفون الشعر المجهول النسب إلى شاعر اشتهر بقوله في الغرض الذي فيه النص، وفي ذلك يقول الجاحظ: "ما ترك الناس شعرًا مجهول القائل، قيل في ليلى إلا نسبوه إلى المجنون، ولا شعرًا هذا سبيله قيل في لبنى إلا نسبوه إلى قيس بن ذريح ٢٩، كما أنهم نسبوا إلى عنترة العبسي كل شعر حوى اسم عبلة". هذه هي أهم الظواهر التي نراها في تدوين الأدب الجاهلي، ولكن مهما يكن، فإن الرواة قد قاموا بمهمة جليلة، إذ حفظوا لنا هذا التراث الرائع. والرواية الشفهية -وإن ضاع بسببها شيء كثير، بسبب كثرة المحفوظ فيها وتزاحمه، مع تقادم الزمن، واختلاف الميول والأهواء- فقد كان لها الفضل الأكبر في تنقل هذا التراث من جيل إلى جيل، صحيحًا سليمًا في النطق والأداء والتلقي، بعيدًا عن التحريف والتصحيف، كما أن الرواة الذين قاموا بتدوين هذا التراث قد أدوا للأجيال التالية لهم وللأدب نفسه خدمات عظيمة الشأن، فقد حفظوا هذه الكنوز من الضياع وسط تيارات الحياة المضطرمة، ومشاغلها المعقدة المتشابكة التي تلت أيام هؤلاء الحفظة الأفذاذ، فسجلوها في بطون الكتب، فظلت خالدة، وما بقي منها إلى اليوم يعتبر من أمهات المراجع للأدباء والعلماء والباحثين, وإنه لمما يؤسفنا أشد الأسف أن كثيرًا مما دونه هؤلاء الرواة والعلماء في عصر التدوين قد ضاع بسبب عوادي الزمن والاضطرابات السياسية ونهب المراكز الحضرية على يد المغول. ومما بقي لنا من آثار العلماء الأجلاء نجد أنهم بذلوا مجهودًا ضخمًا في الجمع والتدوين، والدرس والبحث، وتمييز

стр. 193

الصحيح من الزائف، فأبعدوا النصوص المشبوهة المتهمة، ونصوا عليها، وأوصلوا إلينا -بفضل جهودهم المشكورة- قدرًا عظيمًا من الآثار الأدبية الجاهلية الصحيحة، التي لا يرقى إليها الشك. والكتب الأدبية تفيض بالأمثلة لكل هذا، وهي تشهد لهم بالجهد الكبير، والفضل العظيم.

стр. 194

مصادر الأدب الجاهلي مدخل ... مصادر الأدب الجاهلي مصادر الأدب الجاهلي هي تلك الذخائر الأدبية الباقية لنا من آثار العلماء والأدباء والرواة والباحثين الذين تحدثنا عنهم في الفصل السابق ومن أتى بعدهم من المؤلفين، مشتملة على تراث الجاهليين الأدبي من الشعر والنثر. ولم يحظ النثر الجاهلي حتى الآن بجمعه في مصدر واحد، أو كتاب خاص١، فما جاء إلينا منه مبعثر هنا وهناك في كتب الأدب والقصص والتاريخ، مثل العقد الفريد لابن عبد ربه، والكامل للمبرد، والحيوان، والبيان والتبيين للجاحظ، والأغاني للأصبهانى، والأمالي لأبي علي القالي وكتب الأمثال، وعيون الأخبار لابن قتيبة، وديوان المعاني للعسكري، والمزهر للسيوطي، والمخصص لابن سيده وشروح دواوين الشعراء، وشرح النقائض لأبي عبيدة، وكتب السيرة النبوية، وتاريخ الطبري، وابن الأثير، والمسعودي، وكتب المعاجم. ويأتي النص النثري في كل من هذه الكتب عندما تأتي المناسبة التي تستدعيه. أما الشعر فقد نال عناية عظيمة، فجمع في كتب خاصة، وحظي كثير منها بالجمع والبحث والدراسة والتحقيق والتعليق، هذا بالإضافة إلى وجود كثير من الأشعار الجاهلية في كتب الدراسات الأدبية، والدينية، واللغة والنحو والبلاغة والنقد والتاريخ والسير، ومن هذه الكتب الخاصة والعامة تتكون مصادر الشعر الجاهلي, ومصادره الخاصة وردت إلينا إما في صورة مجموعات ومختارات، وإما في صورة دواوين لقبائل أو لأفراد: لكل شاعر ديوان خاص وأهم المجموعات والمختارات ما يأتي:

стр. 195

١- المعلقات: هذا اسم مشهور لعدد من القصائد الطوال، وقد اختلف في عددها، وفي أصحابها؛ وأكثر الروايات على أنها سبع: لامرئ القيس، وطرفة بن العبد، وزهير بن أبي سلمى،

стр. 196

ولبيد بن ربيعة، وعمرو بن كلثوم، وعنترة بن شداد العبسي، والحارث بن حلزة، ولكن المفضل الضبي يضع مكان الأخيرين النابغة الذبياني، والأعشى، وقال: من زعم أن في السبع التي تسمى السموط لأحد غير هؤلاء فقد أبطل٢. وقد سار على رأي المفضل هذا صاحب جمهرة أشعار العرب. والرأي الأول صاحبه في الأصل حماد الراوية، ويرى نولدكه أن السبب الذي حمل حمادًا على ضم الحارث بن حلزة إلى مجموعته٣ أن حمادًا كان مولى لقبيلة بكر بن وائل، وكانت هذه القبيلة في عداء دائم مع قبيلة تغلب زمن الجاهلية، ولما كانت قصيدة عمرو بن كلثوم قد لقيت شهرة واسعة لتمجيدها قبيلة تغلب، ولانتشار هذه القبيلة في البلاد لم يسع حمادًا أن يعدل عن اختيارها، ولكن اضطر إلى التفكير في وضع قصيدة أخرى إلى جانبها تشيد بمجد سادته، وهم قبيلة بكر بن وائل، وهكذا اختار قصيدة سليل هذه القبيلة، وهو الحارث بن حلزة. وهناك بعض الروايات تجمع بين الرأيين فتعد المعلقات تسعة: بإضافة القصيدتين اللتين اختارهما المفضل إلى اختيارات حماد. وأما التبريزي فقد جعل المعلقات عشرًا بإضافة قصيدة لعبيد بن الأبرص. وكما اختلف في عددها وأصحابها، اختلف في اسمها، فوردت لها أسماء كثيرة هي: المعلقات السبع، والسبع الطوال، والقصائد السبع الطوال الجاهليات، والسبعيات، والمعلقات العشر، والسموط، والمشهورات، والمشهورة، والمذهبات. ولكن الاسم المشهور لها هو: المعلقات. ويرجع اختيارها في الأصل إلى حماد الراوية، فسماها السموط جمع سمط وهو العقد، وأراد حماد من هذه التسمية الدلالة على نفاسة ما اختاره. والافتخار بخالص اختياره٤، وقد اختلف في سبب تسميتها بالمعلقات. فقيل سميت بذلك الاسم لأن العرب اختارتها من بين أشعارها، لما رأوا من عظيم شأنها، ورفعة قدرها: فأكبروها، وعظموها، حتى بلغ من شدة تعظيمهم لها أنهم كتبوها بالذهب

стр. 197

على الحرير، ثم علقوها على أركان الكعبة، وقيل بأستارها، يقول ابن عبد ربه٥: "لقد بلغ من كلف العرب بالشعر وتفضيلها له أن عمدت إلى سبع قصائد تخيرتها من الشعر القديم فكتبتها بماء الذهب في القباطي المدرجة، وعلقتها بين أستار الكعبة، فمنه يقال: مذهبة امرئ القيس، ومذهبة زهير، والمذهبات السبع، وقد يقال لها المعلقات". ويقول ابن رشيق"٣٩٠-٤٦٣" في كتابه العمدة٦: "وكانت المعلقات تسمى المذهبات؛ وذلك لأنها اختيرت من سائر الشعر، فكتبت في القباطي بماء الذهب، وعلقت على الكعبة؛ فلذلك يقال: مذهبة فلان إذا كانت أجود شعره، ذكر ذلك غير واحد من العلماء". وابن خلدون المتوفى سنة ٨٠٨ يقول في مقدمته٧: "حتى انتهوا إلى المناغاة في تعليق أشعارهم بأركان البيت الحرام موضع حجهم وبيت إبراهيم، كمل فعل امرؤ القيس بن حجر، والنابغة الذبياني، وزهير بن أبي سلمى، وعنترة بن شداد، وطرفة بن العبد، وعلقمة بن عبدة، والأعشى. من أصحاب المعلقات السبع وغيرهم، فإنه إنما كان يتوصل إلى تعليق الشعر بها من كان له قدرة على ذلك. بقومه. وعصبيته. ومكانه في مضر، على ما قيل في سبب تسميتها بالمعلقات". وقال البغدادي٨ "١٠٣٩-١٠٩٣": "ومعنى المعلقة أن العرب كانت في الجاهلية يقول الرجل الشعر منهم في أقصى الأرض فلا يعبأ به ولا ينشده أحد، حتى يأتي مكة في موسم الحج، فيعرضه على أندية قريش، فإن استحسنوه روي، وكان فخرًا لقائله، وعلق على ركن من أركان الكعبة، حتى ينظر إليه، وإن لم يستحسنوه طرح ولم يعبأ به، وأول من علق شعره في الكعبة، امرؤ القيس، وبعده الشعراء". ثم قال: "وروي أن بعض أمراء بني أمية أمر من اختار له سبعة أشعار، فسماها المعلقات". وظاهر من هذه الآراء أنهم يعللون سبب تسميتها بالمعلقات بأن ذلك من تعليقها بالكعبة، وهم يؤيدون تفسيرهم ذلك بأن تعليق الأشياء الهامة على الكعبة كان من دأب العرب،

стр. 198

جاهلية وإسلامًا فقد علقت قريش بها الصحيفة التي تآمرت فيها على قطيعة بني هاشم، وعلق بها الرشيد عهده بالخلافة للأمين والمأمون، ولما كانت هذه القصائد موضع الاستحسان والإعجاب من العرب، فقد نالت الاهتمام والإكبار منهم، فعلقوها على الكعبة. وهناك آراء تنكر خبر تعليقها وتعتقد عدم صحته، وقالوا: إنما سميت معلقات لعلوقها بأذهان صغارهم وكبارهم ومرءوسيهم ورؤسائهم؛ وذلك لشدة عنايتهم بها، فقد كانت مشهورة وتجرى بكثرة على أفواه الرواة وأسماع الناس. وقيل: إنما سميت بالمعلقات لا لتعليقها بالكعبة؛ وإنما لأن الملك٩ كان إذا استجيدت قصيدة الشاعر يقول: "علقوا لنا هذه" لتكون في خزانته. وأقدم من أنكر خبر التعليق على الكعبة أبو جعفر النحاس المتوفى سنة ٣٣٨هـ، فقد قال في شرحه للمعلقات: "وقيل إن العرب كان أكثرهم يجتمعون بعكاظ ويتناشدون الأشعار، فإذا استحسن الملك قصيدة قال: "علقوها وأثبتوها في خزانتي". ويقول أبو جعفر النحاس أيضًا: "إن حمادًا هو الذي جمع السبع الطوال، ولم يثبت ما ذكره الناس من أنها كانت معلقة على الكعبة"١٠. ويعتمد من يرون إنكار خبر التعليق بالكعبة، على أن من يوثق بروايتهم وعلمهم لم يشيروا إلى هذا التعليق، ولا سموا تلك القصائد بهذا الاسم، كالجاحظ والمبرد وصاحب الأغاني والزوزني والتبريزي. ويقولون إن الأسماء التي وردت بها تلك القصائد فيما لدينا من كتب الأدب واللغة إلى آخر للقرن الثالث هي: السموط والسبع الطوال، والسبعيات. أما التسمية الأولى فهي تسمية حماد، وأما الثانية فمن المفضل، وأما الثالثة فهي للباقلاني في إعجاز القرآن. وأصحاب هذا الرأي يؤيدون إنكار تعليق هذه القصائد على الكعبة بأن الكعبة حين تهدمت وجددت على عهد رسول الله ﷺ لم يرد ذكر ولا أثر لتعليق هذه القصائد في الكعبة. لكن من يرون أنها علقت على الكعبة يردون عليهم بأن تعليقها كان لفترة غير طويلة لا تعدو الموسم الذي قيلت فيه. ومن الذين ينكرون خبر تعليقها على الكعبة من يقول إن تسميتها بالمعلقات لم يكن لتعليقها

стр. 199

على الكعبة، وإنما لأن العرب في الجاهلية كانت إذا كتبت شيئًا في الرقاع المستطيلة من الحرير أو الجلد أو نحوهما، فخافت عليه قرض فأرة أو تآكل عثة، طوته على عود أو خشبة، وعلقته في جدار البيت، أو الخيمة، بعيدًا عن الأرض، لحرصهم عليه. فمن ينكر خبر تعليقها بالكعبة يرى أن سبب تسميتها بذلك يرجع إلى علوقها بالأذهان لأهميتها، أو لأمر الملك بتعليقها أي إثباتها في خزانته، أو إلى تعليقها على جدار المنزل، خوفًا عليها. ومنهم من يرى أنها سميت بذلك لنفاستها، أخذا من العِلق، بمعنى النفيس الثمين من الأشياء والحلى والثياب١١. وقد ورد التعلق بمعنى الكلف والعشق، كما في قول عنترة في معلقته: عُلِّقْتُها عَرَضًا، وأَقتل قومَها ... زعمًا لعَمْرُ أبيك ليس بمَزعمِ١٢ فعلقتها هنا من العلق والعلاقة وهما العشق والهوى، يقال علق فلان بفلانة إذا كلف بها. فلعل هذه القصائد سميت بالمعلقات لكلف الناس بها وحبهم لها فكأنهم عشقوها، وتعلقوا بها. وعلى كل، فهذا الخلاف ليس إلا في التسمية، والجميع يتفقون على أصالتها والثقة بها، وعلو درجتها الفنية، ولذلك كانت موضع اهتمام الأدباء في جميع العصور، فحظيت بالدرس والبحث والشرح، لا بين العرب وحدهم بل اهتم بها الأدباء غير العرب كذلك، وقد أورد بروكلمان في كتابه تاريخ الأدب العربي١٣ سجلًا لهذه الدراسات والشروح العربية والأجنبية، من بينها: شروح: أبي بكر محمد بن القاسم الأنباري، المتوفى سنة ٣٢٧/٩٣٩، وأحمد بن محمد النحاس المتوفى سنة ٣٣٨/٩٥٠ والحسين بن أحمد الزوزني المتوفى سنة ٤٨٦/١٠٩٣؛ ويحيى بن علي التبريزي المتوفى سنة ٥٠٢/١١٠٩، ودراسات ونشر كل من: أرنولد، ليبزج ١٨٥٠، وليدي بلنت، ومستر بلنت، ونولدكه، وجايجر.

стр. 200

٢- المفضليات: هي مجموعة من القصائد سميت باسم من اشتهر بجمعها، وهو المفضل بن محمد بن يعلى الضبي المتوفى سنة ١٦٤/٧٨٠هـ. وقيل سنة ١٦٨: وقيل سنة ١٧٠هـ، والشائع المعروف أن المفضل جمعها لتلميذه المهدي حينما جعله والده الخليفة العباسي المنصور مؤدبًا له. وكان المفضل سماها في الأصل كتاب الاختيارات، ولكنها بعد ذلك سميت باسمه. وهذه كسابقتها اختلف في عددها ومن جمعها. فقيل إنها مائة وست وعشرون قصيدة، أضيفت إليها أربع قصائد وجدت في بعض النسخ، ويقول ابن النديم: "وهي مائة وثمانية وعشرون قصيدة، وقد تزيد وتنقص، وتتقدم القصائد وتتأخر، بحسب الرواية عن المفضل، والصحيحة التي رواها ابن الأعرابي١٤ تلميذ المفضل وربيبه". وروى صاحب الأغاني أبو الفرج الأصبهاني في كتابه "مقاتل الطالبيين"١٥ عن ابن الأعرابي وعن أبي عثمان البقطري وعن علي بن أبي الحسن، ثلاثتهم عن المفضل، قال: كان إبراهيم بن عبد الله بن الحسن متواريًا عندى، فكنت أخرج وأتركه! فقال لي: إنك إذا خرجت ضاق صدري، فأخرج إليّ شيئًا من كتبك أتفرج به: فأخرجت إليه كتبًا من الشعر، فاختار منها السبعين قصيدة التي صدرت بها اختيار الشعراء، ثم أتممت عليها باقي الكتاب. وأما أبو علي القالي، فقد روى في كتابه الأمالي١٦ عن أبي الحسن علي بن سليمان الأخفش عن أبي جعفر محمد بن الليث الأصفهاني، قال: "أملى علينا أبو عكرمة الضبي المفضليات من أولها إلى آخرها، وذكر أن المفضل أخرج منها ثمانين قصيدة للمهدي، وقرئت بعد على الأصمعي، فصارت مائة وعشرين، قال أبو الحسن -يعني الأخفش- أخبرنا ثعلب أن أبا العالية الأنطاكي والسدري وعافية بن شبيب، وهؤلاء كلهم بصريون من أصحاب الأصمعي، أخبروه أنهم قرءوا عليه المفضليات، ثم استقرءوا الشعر، فأخذوا من كل شاعر خيار شعره وضموه إلى المفضليات، وسألوه عما فيه مما أشكل عليهم من معاني الشعر وغريبه، فكثرت جدا".

стр. 201

ويقول أبو محمد القاسم بن محمد بن بشار الأنباري في أول شرح المفضليات: "أملى علينا عامر بن عمران أبو عكرمة الضبي هذه القصائد المختارة المنسوبة إلى المفضل بن محمد الضبي أملاه مجلسًا مجلسًا، من أولها إلى آخرها، وذكر أنه أخذها عن أبي عبد الله محمد بن زياد الأعرابي، وذكر أنه أخذها عن المفضل الضبي. قال أبو محمد: وكنت أسأل أبا عمرو بندار الكرخي, وأبا بكر العبدي، وأبا عبد الله محمد بن رستم، والطوسي وغيرهم، عن الشيء بعد الشيء منها، فيزيدونني على رواية أبي عكرمة البيت والتفسير، وأنا أذكر ذلك في موضعه إن شاء الله. فلما فرغنا منها صرت إلى أبي جعفر أحمد بن عبيد بن ناصح، فقرأتها عليه إلى آخرها، شعرها وغريبها، فأنكر على أبي عكرمة أشياء، أنا مبينها في موضعها، ومسند إلى أبي جعفر ما فسر وروى، في موضعه إن شاء الله، والمعين الله ، والحول والقوة به: وعمود الكتاب على نسق أبي عكرمة وروايته.. وحدثت أن أبا جعفر المنصور تقدم إلى المفضل في اختيار قصائد للمهدي، فاختار له هذه القصائد فلذلك نسبت إلى المفضل"١٧. هذه روايات مختلفة، منها ما ينسب اختيارها كلها للمفضل، ومنها ما ينسب إليه اختيار بعضها، ومنها ما يشرك معه فيها الأصمعي، وهي رواية الأخفش. ويرى الدكتور شوقي ضيف أن ذلك كان من الأخفش، وأنه فعل ذلك بعامل التنافس بين البصريين والكوفيين، فالأخفش البصري يريد أن يقول إن المفضليات من صنع البصريين والكوفيين جميعًا لما كان لها من شهرة في عصره فاقت شهرة الأصمعيات. ثم يقول الدكتور شوقي ضيف: ولو أنه اطلع على رواية ابن الأعرابي خصم الأصمعي لزايله هذا الوهم١٨. ولكن ألا يرى الدكتور شوقي أن في عداوة ابن الأعرابي للأصمعي ما قد يمس النزاهة بين ابن الأعرابي والأصمعي؟ ألا يجوز أن يكون ابن الأعرابي لتحامله على الأصمعي أراد أن يحرم الأصمعى حق مشاركته في الاختيار؟ على كل، هذا خلاف شكلي لا يمس جوهر الموضوع، فالقصائد التي تتضمنها هذه المجموعة أصيلة، وأهل للثقة والاعتماد عليها، سواء نسب اختيارها إلى المفضل، أو إليه والأصمعي، فكلاهما ثقة، أمين، صادق في روايته.

стр. 202

وهي لسبعة وستين شاعرًا معظمهم من الجاهليين، فمنهم ستة شعراء إسلاميون وأربعة عشر شاعرًا من المخضرمين الذين ولدوا في الجاهلية وأدركوا الإسلام، والباقون وهم سبعة وأربعون شاعرًا كلهم جاهليون، عاشوا وماتوا قبل الإسلام. وقد لقيت المفضليات اهتمامًا كبيرًا من العلماء والأدباء والباحثين في شتى العصور، فكان لها شهرة عظيمة في الأوساط الأدبية والعلمية، وقام بدراستها كثير من الأدباء العرب والمستشرقين، ومن أهم شروحها شرح ابن الأنباري وقد نشره لايل Lyall مع ترجمة إنجليزية في جزأين، وقام بعمل فهرست لها في جزء ثالث المستشرق بيفان Bevan، كما شرحها المرزوقي المتوفى سنة ٤٢١-١٠٣٠ والتبريزي المتوفى سنة ٥٠٢-١١٠٨.

стр. 203

٣- الأصمعيات: وهذه المجموعات تسمى كذلك باسم الذي اختارها وجمعها، وهو الأصمعي الأديب الراوية المشهور، وتشتمل على اثنتين وتسعين قصيدة وقطعة، لواحد وسبعين شاعرًا، منهم ستة إسلاميون، وأربعة عشر مخضرمون، وأربعة وأربعون جاهليون، وسبعة مجهولون. وأغلب ما تحتويه قطع قصيرة، قد تكون الواحدة منها بيتين فقط، والأصمعيات تلتقي مع المفضليات في تسع عشر قصيدة. وكان ذلك من الأسباب التي دعت بعض الباحثين إلى أن يقولوا إن مجموعة المفضليات ليست كلها من اختيار المفضل الضبي، وإنما اشترك معه في اختيارها الأصمعي بأن زاد في مجموعة المفضل بعده بعض قصائد لم يخترها المفضل الضبي، والحقيقة أن هذه القصائد المشتركة بينهما هي في المفضليات والأصمعيات اللهم إلا في النادر اليسير، فقد تزيد قصيدة بيتًا أو تختلف لفظة في المفضليات عنها في الأصمعيات مما يثير شبهة في أصل الاختيار، أيكون ذلك مرجعه إلى أن المفضل قد اختار بعض القصائد في المفضليات، ثم جاء الأصمعي فزاد في المفضليات؟ أم كانت في الأصمعيات أصلًا ثم أدخلت في المفضليات؟ أم أنهما كانا في كتاب واحد ثم دخل بعضهما في بعض، حتى لم يتبين أيهما هذا وأيهما ذاك؟ اختلفت آراء الباحثين في ذلك١٩، وهذا كما أشرت إليه سابقًا، ليس إلا خلافًا لفظيًّا يرجع إلى صاحب الاختيار، ولا يمس جوهر الموضوع -وهو المختار

стр. 204

نفسه- بشيء، فقيمة القصائد والقطع المختارة في كلتا المجموعتين، في الدرجة العليا من الأصالة والصحة، ومن ينسب إليهما اختيارها كانا من الرواة الممتازين وموثوق بصدقهما وأمانتهما العلمية. والظاهرة الغالبة في الأصمعيات قصر القطع المختارة على وجه العموم. وربما كان الأصمعي يبغي من وراء اختياره "وجهة لغوية"، ففي الأصمعيات يتجلى مزاج الأصمعي الذي يرجح في نظره الناحية اللغوية والنحوية في كل أثر شعري، على كل الناحية الأدبية٢٠ ولعل هذا هو السبب فيما يقال عن الأصمعيات من أنها لم تلق ما لقيته المفضليات من الانتشار والقبول. والحق أن الأصمعيات والمفضليات جمع كل منهما ثروة أدبية لغوية ممتازة ولكن المفضليات تفوق زميلتها في كلتا الناحيتين الأدبية واللغوية، ولعل ذلك راجع إلى اختيارها في الأصل كان يقصد منه تثقيف ولي العهد تثقيفًا أدبيًّا لغويًّا يقوي فيه الذوق الأدبي الممتاز الذي يرضي الخليفة وولي العهد. وعلى كل فكلتا المجموعتين من أهم مصادر الشعر الجاهلي، ولها قيمة عالية في عالم الأدب. وقد نشرها بالقاهرة الأستاذان عبد السلام هارون وأحمد محمد شاكر، نشرة علمية مضبوطة مع شرح موجز.

стр. 205

٤- جمهرة أشعار العرب: هذه مجموعة تنسب إلى أبي زيد بن محمد بن أبي الخطاب القرشي، وقد ورد ذكره في كل من خزانة الأدب للبغدادي، والمزهر للسيوطي، والعمدة لابن رشيق. ومن ثم يكون ابن رشيق أقدم من ذكر محمد بن أبي الخطاب القرشي "ونسب إليه كتاب جمهرة أشعار العرب" وإذا كان ابن رشيق مات سنة ٤٥٦ أو سنة ٤٦٣هـ فإن محمد بن أبي الخطاب القرشي يكون أقدم من ابن رشيق. وقد حدث خلاف في هذه المجموعة حول جامعها فقيل هو أبو زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي هذا، وقيل هو المفضل بن عبد الله بن محمد بن المجبر بن عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب، فمن يرى أنها للأول يحتج بأنه قد كتب على أول الكتاب أنه من تأليف أبي زيد

стр. 206

محمد بن أبي الخطاب القرشي، وأن أكثر الأخبار والروايات في القسم الأول من الكتاب وهو مقدمة مصدرة بقوله: "قال محمد"، ثم إن الكتاب ورد منسوبًا إليه في الكتب الثلاثة التي أشرنا إليها سابقًا وهي: خزانة الأدب، والمزهر، والعمدة. ومن يرى أن جامعها هو المفضل بن عبد الله الذي هو من سلالة عمر بن الخطاب يعتمد في هذا الرأى على أن المفضل هذا كان سند رواية أبي زيد في هذا الكتاب. وأن أبا زيد بعد أن تحدث عن تقسيم الاختيار في هذا الكتاب قال: قال المفضل فهذه التسع والأربعون قصيدة عيون أشعار العرب في الجاهلية والإسلام، وأنفس شعر كل رجل منهم. فكأن هذا كله كان من صنع المفضل، وأما محمد بن أبي الخطاب فليس له إلا أنه روى هذا التقسيم والشعر عن المفضل٢١. وهذا الخلاف أيضًا كالخلاف في المجموعات السابقة، حول صاحب الاختيار، فهو خلاف لا يمس صميم الموضوع بشيء، فالذى يهمنا هنا هو ما فيه من مادة أدبية. وهذه المجموعة سباعية في الاختيارات، وفي تقسيمها، فهي سبعة أقسام، وفي كل قسم سبع قصائد، على النحو التالي: أ- المعلقات: لامرئ القيس وزهير بن أبي سلمى، والنابغة الذبياني، والأعشى، ولبيد بن ربيعة، وعمرو بن كلثوم، وطرفة بن العبد، وظاهر أنه سار في رأيه هذا على رأي المفضل الضبي الذي أسقط من المعلقات معلقتي الحارث بن حلزة، وعنترة العبسي، ووضع مكانهما معلقتي الأعشى والنابغة الذبياني. ب- المجمهرات: وأصحابها عبيد بن الأبرص، وعنترة بن شداد العبسي، وعدي بن زيد، وبشر بن أبي خازم، وأمية بن أبي الصلت، وخداش بن زهير، والنمر بن تولب. جـ - المنتقيات: أي المختارات. وهي للمسيب بن علس، والمرقش، والمتلمس، وعروة بن الورد، والمهلهل، ودريد بن الصمة، والمتنخل بن عويمر. د- عيون المرائي: وأصحابها: أبو ذؤيب الهذلي، وعلقمة بن ذي جدن الحميري، ومحمد بن كعب الغنوي، والأعشى الباهلي، وأبو زيد الطائي، ومالك بن الريب النهشلي، ومتمم بن نويرة اليربوعي.

стр. 207

هـ- المذهبات: وربما كان يقصد بهذا الاسم أنها تستحق أن تكتب بالذهب، وهي لشعراء من الأنصار "الأوس والخزرج" خاصة، وهم: حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، ومالك بن العجلان، وقيس بن الخطيم، وأحيحة بن الجلاح، وأبو قيس بن الأسلت، وعمرو بن امرئ القيس. و المشوبات: وهي للمخضرمين، أي الذين شابهم الكفر والإسلام، وهم: النابغة الجعدي، وكعب بن زهير، والقطامي، والحطيئة، والشماخ، وعمرو بن أحمر، وابن مقبل. ز- الملحمات: وأصحابها إسلاميون كلهم، وهم: الفرزدق، وجرير، والأخطل، وعبيد الراعي، وذو الرمة، والكميت بن زيد، والطرماح بن حكيم. ومن ذلك نرى أن هذه المجموعة تضم تسعًا وأربعين قصيدة، ولم يبين لنا صاحب اختيارها سبب تقسيمها سباعيًّا، في نوعيتها وفي وحداتها، كما أنه لم يوضح أسباب هذه التسميات السبعة، ولماذا وضع كلًّا من هذه القصائد في قسم معين دون غيره، وربما كان اختيار هذه الأسماء لأسباب معنوية تكمن في معنى لفظ الاسم مثل المشوبات، التي شاب أصحابها زمن الجاهلية وزمن الإسلام، وظاهر أن اسم المعلقات، اسم تقليدي، تابع فيه غيره، وعلى كل فهذه الأسماء حلي من العناوين المختارة، ويبدو أن وضع كل قصيدة في قسمها من هذه الأقسام -ما عدا المعلقات- راجع لذوق جامع هذه المختارات الأدبي، ورأيه الشخصي. وعلى كل هي مجموعة طيبة من القصائد الجيدة، لشعراء مشهورين في الجاهلية والإسلام، يدل اختيارها على ذوق أدبي جيد، إذ تتضمن هذه المجموعة نماذج حسنة لأغراض شعرية متنوعة. وقد طبعت الجمهرة حتى الآن ثلاث طبعات كلها عن أصل واحد، فلا اختلاف بينها، وطبعت دون شرح في "نيل الأرب في فضائل العرب" بيروت سنة ١٨٩٥، واعتمدت هذه الطبعة على نص غير النص الذي اعتمدت عليه الطبعة الثانية للكتاب الآنف الذكر بعنوان: تزيين نهاية الأرب: بيروت ١٨٦٢ ٢٢.

стр. 208

وقام بدراسة عليها بعض المستشرقين مثل نالينو، ونولدكه في مجلة الجمعية الشرقية الألمانية.

стр. 209

٥- مختارات ابن الشجري: صاحب هذه المختارات هبة الله العلوي بن أحمد بن الشجري، المتوفى سنة ٥٤٢/١١٤٧، وقد جعلها ابن الشجري أقسامًا ثلاثة، وأهم ما في القسم الأول قصائد للشنفرى وطرفة ولقيط الإيادي والمتلمس، القسم الثاني به مختارات من شعر زهير وبشر بن أبي خازم، وعبيد بن الأبرص، وفي القسم الثالث اختيارات من ديوان الحطيئة.

стр. 210

٦- دواوين الحماسة: وهذه عدة مختارات، كل منها يسمى ديوان الحماسة، وفي العادة يقال الواحد منها منسوبًا لصاحبه الذي يقال إنه اختاره، ولعلها جميعًا قد تبعت في التسمية أول ديوان ظهر منها: وهو ما جمعه أبو تمام. وأشهر هذه المجموعات ما يلي:

стр. 211

أ- ديوان الحماسة لأبي تمام: هو منتخبات جمعها أبو تمام المتوفى سنة ٢٣١هـ/٨٤٥م وقسمها عشرة أقسام، جعل كل قسم منها بابًا، وهي: باب الحماسة، وباب المراثي، وباب الأدب، وباب النسيب، وباب الهجاء، وباب الأضياف والمديح، وباب الصفات، وباب السير والنعاس، وباب الملح، وباب مذمة النساء. وباب الحماسة، أول أبواب الكتاب وأكبرها، ولعل هذا هو السبب الذي جعل اسمه يطلق على المجموعة كلها، وكان أن أطلق هذا الاسم على ما تلاه من دواوين مماثلة في الاختيار، فيسمى كل منها بديوان الحماسة. وأبواب الكتاب العشرة متفاوتة الطول، فالأول أطولها، بل إنه يكاد يستغرق نصف الكتاب وحده والأبواب الأربعة الأخيرة قصيرة جدًّا. وقد أخذ أبو تمام هذه المختارات من كتب كانت مدونة. قال التبريزي٢٣: "وكان سبب جمع أبي تمام الحماسة أنه قصد عبد الله بن طاهر وهو بخراسان، فمدحه، وكان عبد الله لا يجيز شاعرًا إلا إذ رضيه أبو العميثل

стр. 212

ب- حماسة البحتري: وهذه المجموعة تلي المجموعة السابقة، وهي لأبي عبادة الوليد بن عبادة البحتري الشاعر المتوفى سنة ٢٨٤هـ/ ٨٩٧م ويقال إن البحتري ألفها إجابة لطلب الفتح بن خاقان وزير الخليفة العباسي المتوكل. وهي عبارة عن مختارات كثيرة، وكلها قطع قصيرة، قسمها البحتري على مائة وأربعة وستين بابًا. وكثيرًا ما تأتي القطعة من بيت واحد، وأكثر أبوابها من نزعات خلقية، وقطعها الكثيرة العدد تدور حول مختلف معاني الشعر. ولم تنل حماسة البحتري من الذيوع والاستحسان ما نالته حماسة أبي تمام، ولعل هذا كان السبب في أن القدماء لم يعنوا بشرحها، وقد طبعت في بيروت سنة ١٩١٠م عن نسخة ليدن الوحيدة مع مقدمة ونقد من عمل لويس شيخو، كما نشرت في القاهرة سنة ١٩٢٩م، وكتب بحثًا عنها كل من المستشرقين نولدكه Noldeke وجاير Geyer في مجلة الجمعية الشرقية الألمانية.

стр. 213

جـ- حماسة الخالديين: وهى مجموعة للأخوين: أبي عثمان سعيد المتوفى سنة ٣٥٠هـ ٩٦١م، وأبي بكر محمد المتوفي سنة ٣٨٠-٩٩٠ وهما ابنا هاشم الخالدي، وكانا من قرية من قرى الموصل، تعرف

стр. 214

د- حماسة ابن الشجرى: صاحبها هبة الله بن الشجري المتوفى سنة ٥٤٢هـ/ ١١٤٧م وهو صاحب المختارات السابقة. وقد طبعها كرنكو Kernkow في حيدر أباد سنة ١٣٤٥.

стр. 215

هـ - الحماسة المغربية: جمعها يوسف بن محمد البياسي في تونس سنة ٦٤٦هـ/ ١٢٤٨ويوجد، مختصر منها في مكتبة: جوتا ١٣.
следующие страницы →