← Адаб

Адаб · id 12046

في تاريخ الأدب الجاهلي

علي الجندي

Полный текст (554 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

أ- ديوان الحماسة لأبي تمام: هو منتخبات جمعها أبو تمام المتوفى سنة ٢٣١هـ/٨٤٥م وقسمها عشرة أقسام، جعل كل قسم منها بابًا، وهي: باب الحماسة، وباب المراثي، وباب الأدب، وباب النسيب، وباب الهجاء، وباب الأضياف والمديح، وباب الصفات، وباب السير والنعاس، وباب الملح، وباب مذمة النساء. وباب الحماسة، أول أبواب الكتاب وأكبرها، ولعل هذا هو السبب الذي جعل اسمه يطلق على المجموعة كلها، وكان أن أطلق هذا الاسم على ما تلاه من دواوين مماثلة في الاختيار، فيسمى كل منها بديوان الحماسة. وأبواب الكتاب العشرة متفاوتة الطول، فالأول أطولها، بل إنه يكاد يستغرق نصف الكتاب وحده والأبواب الأربعة الأخيرة قصيرة جدًّا. وقد أخذ أبو تمام هذه المختارات من كتب كانت مدونة. قال التبريزي٢٣: "وكان سبب جمع أبي تمام الحماسة أنه قصد عبد الله بن طاهر وهو بخراسان، فمدحه، وكان عبد الله لا يجيز شاعرًا إلا إذ رضيه أبو العميثل

стр. 212

ب- حماسة البحتري: وهذه المجموعة تلي المجموعة السابقة، وهي لأبي عبادة الوليد بن عبادة البحتري الشاعر المتوفى سنة ٢٨٤هـ/ ٨٩٧م ويقال إن البحتري ألفها إجابة لطلب الفتح بن خاقان وزير الخليفة العباسي المتوكل. وهي عبارة عن مختارات كثيرة، وكلها قطع قصيرة، قسمها البحتري على مائة وأربعة وستين بابًا. وكثيرًا ما تأتي القطعة من بيت واحد، وأكثر أبوابها من نزعات خلقية، وقطعها الكثيرة العدد تدور حول مختلف معاني الشعر. ولم تنل حماسة البحتري من الذيوع والاستحسان ما نالته حماسة أبي تمام، ولعل هذا كان السبب في أن القدماء لم يعنوا بشرحها، وقد طبعت في بيروت سنة ١٩١٠م عن نسخة ليدن الوحيدة مع مقدمة ونقد من عمل لويس شيخو، كما نشرت في القاهرة سنة ١٩٢٩م، وكتب بحثًا عنها كل من المستشرقين نولدكه Noldeke وجاير Geyer في مجلة الجمعية الشرقية الألمانية.

стр. 213

جـ- حماسة الخالديين: وهى مجموعة للأخوين: أبي عثمان سعيد المتوفى سنة ٣٥٠هـ ٩٦١م، وأبي بكر محمد المتوفي سنة ٣٨٠-٩٩٠ وهما ابنا هاشم الخالدي، وكانا من قرية من قرى الموصل، تعرف

стр. 214

د- حماسة ابن الشجرى: صاحبها هبة الله بن الشجري المتوفى سنة ٥٤٢هـ/ ١١٤٧م وهو صاحب المختارات السابقة. وقد طبعها كرنكو Kernkow في حيدر أباد سنة ١٣٤٥.

стр. 215

هـ - الحماسة المغربية: جمعها يوسف بن محمد البياسي في تونس سنة ٦٤٦هـ/ ١٢٤٨ويوجد، مختصر منها في مكتبة: جوتا ١٣.

стр. 216

و الحماسة البصرية: جمعها صدر الدين علي بن الفرج البصري، وقدمها سنة ٤٦٧هـ/ ١٢٤٩م إلى الملك الناصر أمير حلب. وفي دار الكتب المصرية مخطوطتان منها. ودواوين الحماسة على العموم، يظهر فيها بوضوح الميل إلى المقطعات القصيرة، والاختيار فيها من أشعار شعراء غير مشهورين في الغالب، وكثيرًا ما نجد قطعًا مختارة أصحابها مجهولون لجامع الديوان. وهي تضم معاني وأغراضًا كثيرة مختلفة غير الحماسة. وإنما سميت كلها بهذا الاسم مجاراة لديوان الحماسة لأبي تمام الذي كان أولها وأسبقها، وهذا كما أشرنا سابقا، سمي بهذا الاسم؛ لأن الباب الأول فيه كان باب الحماسة، وهو أطول الأبواب فغلب اسمه على كل الكتاب، وظاهر أن الغرض الأساسي من هذه الاختيارات كان أدبيًّا وخلقيًّا، يظهر كذلك أن جامعي هذه المختارات، كانوا يقصدون إبعاد السآمة والملل عن القارئ، فجعلوا المختارات مقطعات صغيرة في مواضيع مختلفة، كما لم ينسوا جانب الفكاهة فيها، فضمنوها بعض الطرائف والملح، ليشيعوا فيها جو المرح والمتعة، ولايتجلى ذلك بوضوح في حماسة أبي تمام، ولم يعن أصحابها بالرواية والسند فلم يهتموا بالتعريف بمصادرهم، وتوثيق ما يذكرون، ومن ثم فقيمة هذه الدواوين أدبية أكثر منها تاريخية, ويعود الفضل إلى دواوين الحماسة في التعريف بكثير من الشعراء. الذين لولا هذه الدواوين، لظلوا مجهولين، وقد بينت هذه الدواوين

стр. 217

بوضوح تام كثرة الشعراء العرب في العصر الجاهلي. والحق أن المجموعات والمختارات التي تحدثنا عنها، تعتبر من مصادر الشعر الجاهلي المهمة فقد جمعت كثيرًا من القصائد الطوال بأجمعها، وعددًا كبيرًا من القطع القصيرة التي تحتوي على المعاني السامية، والعواطف النبيلة، والصور الرائعة, وهي في مجموعها لو درست دراسة شاملة، لأعطت صورة واضحة عن العصر الجاهلي، كما أنها حفظت لنا أسماء كثير من الشعراء لولاها لضاعوا في زوايا النسيان والإهمال. ويبدو أن أصحاب الاختيارات القصيرة، رأوا أن هناك كثيرًا من المجموعات اهتم جامعوها بالقصائد الطوال. وكأنهم أحسوا أن ذلك ربما كان مدعاة للسأم أو الملل أو انصراف القارئ عنها فأحبوا أن يجددوا في الاختيارات، مع تنويعها وتخليد ذوي المواهب الذين لم يتح لهم من الشهرة والذيوع ما أتيح لأصحاب الطوال المعروفات. فاكتفوا بالبيت الواحد، أو الأبيات المعدودات في كل مقطعة، وأكثروا من ذلك. وبذلك أصبحت مجموعات الاختيارات كلها تتضمن القصائد الطوال والمقطعات القصار، وتضم الشعراء المشهورين والمغمورين، وجميعهم من ذوي المواهب الأدبية، فاكتسب الجميع الشهرة، وكتب لهم الخلود، ووقفنا على انتشار الروح الفنية الأدبية في العصر الذي نحن بصدد دراسته. وحفظت لنا سجلًّا أدبيًّا ممتازًا لذلك العصر. فهي مصدر من مصادر الأدب في العصر الجاهلي. الدواوين الشعرية: أما الدواوين الشعرية للعصر الجاهلي، فهي نوعان: دواوين القبائل، ودواوين الأفراد. دواوين القبائل: إذا رجعنا إلى كتب التراجم والأخبار والتاريخ، نجد أنه قد كان هناك كتب كثيرة ألفها الرواة والعلماء، تجمع أشعار القبائل وأخبارها، لكل قبيلة كتاب خاص، وربما كان عدد كبير من هذه الكتب من تأليف شخص واحد بنفسه، كما نرى مثلًا في ترجمة أبي عبيدة

стр. 218

معمر بن المثنى، وأبي عمرو الشيباني، فهذا قد سبق أن ذكرنا أن ابنه قال: "لما جمع أبي أشعار العرب كانت نيفًا وثمانين قبيلة". وفي كتاب الفهرست لابن النديم وكتاب المؤتلف والمختلف للآمدي مثلًا، نجد عشرات من الكتب التي ألفت لتجمع أشعار القبائل فمما ورد في الفهرست مثلًا: أشعار الأزد، وأشعار بني أسد، وأشعار أشجع، وأشعار بجيلة، وأشعار تغلب، وأشعار بني تميم، وأشعار بني حنيفة، وأشعار بني شيبان، وأشعار بني عدوان، وأشعار مزينة، وأشعار هذيل، وأشعار بني يربوع، وغيرهم. ومما ذكره الآمدى، أشعار الأزد، وأشعار بني تغلب، وأشعار الرباب، وأشعار فهم، أشعار بني عامر بن صعصعة، وأشعار بني عوف بن همام، وشعر هذيل، وشعر بني يشكر، وغيرهم. ومعنى هذا أن كل قبيلة كانت تعنى بجمع أشعارها وأخبارها، وجعلها في كتاب خاص ليبقى سجلا خالدًا لها، وأن الرواة والعلماء، لما رأوا اهتمام القبائل بهذه الناحية، تسابقوا في جمع أشعار القبائل وتدوينها، فرأينا من الرواة من قام بعمل عشرات من هذه الكتب كما تحكي كتب الأدب والتاريخ. ويبدو أن الرواة كانوا يجمعون في كل كتاب، كل ما استطاعوا أن يحصلوا عليه من أشعار القبيلة، سواء أكان الشاعر منهم غزير النتاج أو قليله، فكثرت أسماء الشعراء لدى كل قبيلة؛ والظاهر أن كل قبيلة كانت تحاول أن تنافس غيرها من القبائل في كثرة شعرائها، فحفظوا تراث أبنائهم الشعري، ولو لم يكن للواحد منهم سوى أبيات معدودات، حتى كان الشعراء في كل قبيلة كثيرين، ومن ثم ليس في الإمكان الآن أن تحصى أسماء جميع الشعراء -المكثرين والمقلين- لدى جميع القبائل. يقول ابن قتيبة٢٥: "والشعراء المعروفون بالشعر عند عشائرهم وقبائلهم في الجاهلية والإسلام أكثر من أن يحيط بهم محيط، أو يقف وراء عددهم واقف، ولو أنفد عمره في التنقير عنهم، واستفرغ مجهوده في البحث والسؤال. ولا أحسب أحدًا من علمائنا استغرق شعر قبيلة حتى لم يفته من تلك القبيلة شاعر إلا عرفه، ولا قصيدة إلا رواها".

стр. 219

ويمكن أن نفهم مما كتب عن القبائل، في المجال الأدبي وبخاصة الشعر، أن كل قبيلة كانت تحاول أن يكون لها كتاب يجمع أخبارها وأشعارها، يدل على ذلك هذا الثبت الكبير الضخم الذي يذكر في ترجمة أعلام الرواة والعلماء الذين عنوا بجمع الأشعار والأخبار. ومن ثم، نتوقع أن يكون هناك كتب في هذا المجال بعدد القبائل العربية في العصر الجاهلي. وبهذا يكون ما ذكر في كتب التاريخ والأدب منها، ليس إلا جزءًا من تراث القبائل الجاهلية، لأن هناك كثيرًا من القبائل الجاهلية لهم شعراء مشهورون، ولكن لم يرد باسم القبيلة كتاب يجمع أخبارها وأشعارها. ومع أن المفهوم من كتاب القبيلة أن يجمع أشعار كل شعرائها، فإننا نجد أحيانًا في كتب التاريخ ما يدل على أن كتاب القبيلة قد يخلو من بعض أشعار أبنائها. ومن ذلك مثلًا، ما تجده في كتاب "المؤتلف والمختلف" للآمدي، إذ يذكر بعض الشعراء، ويقول "إنه لم يجد لهم في كتب قبائلهم ذكرًا". وأحيانًا يقول: "وأظن شعره درس فلم يدرك"٢٦. وإذا كان الأمر كذلك، كان معناه أن هذه الكتب الكثيرة لا تضم جميع النتاج الأدبي لجميع القبائل العربية، بل تنقص منه أشياء رغم حرص القبائل والرواة على ألا يفوتهم من ذلك شيء. وعناوين الكتب التي ورد ذكرها إلينا تبين أن الواحد منها كان يسمى "كتاب بني فلان" أو "أشعار بني فلان" ويفهم من هذا أن الكتاب إذا كان عنوانه "أشعار بني فلان" كان يقتصر على ذكر الشعر وما يتصل به، كما نرى في الأثر الباقي لنا من ذلك، وهو "شعر الهذليين". أما إذا كان عنوانه "كتاب بني فلان" فيفهم منه أنه يحوي أخباراً، وآثارًا أدبية. وكل ما يتصل بالقبيلة من أمور مهمة كقصص وأحاديث وأنساب. وإذ كنا -مع هذه الكثرة التي توقعناها في كتب القبائل- لا نجد في كتب الأدب والتاريخ إلا ذكرًا لعدد قليل منها. فإننا كذلك لم يصل إلينا مما ذكر من هذه الكتب إلا شعر الهذليين. وإذا رجعنا إلى ما قيل عن عدد شعراء هذيل، تبين لنا أن الكتاب الذي وصل إلينا ويحمل عنوان أشعار الهذليين أو ديوان الهذليين، لا يحتوي على شعر جميع شعرائها

стр. 220

وإنما يضم جزءًا من أشعارهم. والجزء الذي وصل إلينا من أشعار الهذليين، أقل شعرائه جاهليون، وأكثرهم إسلاميون. وقد طبع ما وصل إلينا من الهذليين في مجموعتين إحداهما في أوروبا والأخرى بالقاهرة. أما مجموعة أوروبا فتتكون من أربع قطع: الأولى: أشعار الهذليين ج١، مع شرح أبي سعيد الحسن بن الحسين السكري، وقد قام بنشرها وتحقيقها المستشرق كوزجارتن Kosgarten في لندن سنة ١٨٥٤م. الثانية: أشعار الهذليين ج٢، نشرة فلهاوزن Welhausen مع ترجمة ألمانية في برلين سنة ١٨٨٧م. الثالثة: ديوان أبي ذؤيب، نشره المستشرق الألماني يوسف هل Hell في هانوفر سنة ١٩٢٦. الرابعة: ديوان ساعدة بن جؤية، وأبي خراش، والمتنخل، وأسامة بن الحارث ونشره كذلك يوسف هل، في ليبزج سنة ١٩٣٣. وأما طبعة القاهرة فهى طبعة دار الكتب المصرية، وهي تتداخل مع القطعة الرابعة في مجموعة طبعة أوروبا، واختلطت فيها نسخة السكري بنسخة أخرى مختصرة، ولذلك كان يقل فيها الشرح وإسناد الرواية. وقد قام بعض المستشرقين بدراسة وأبحاث حول أشعار الهذليين، ومن ذلك: حول شرح ديوان الهذليين بقلم فلهاوزن: ZDWG ٣٩-٤١١.٨٠ وآخر أشعار الهذليين بقلم كاسكل W. Caskel وما بين أيدينا من أشعار الهذليين يعتبر ثروة أدبية ولغوية ممتازة، ولو درس دراسة فنية لأظهر لنا جوانب قيمة هامة من الناحيتين اللغوية والأدبية بالنسبة للقبائل العربية في العصر الجاهلي. دواوين الأفراد: يقصد بها تلك الكتب التي يشتمل كل منها على شعر شاعر خاص، وقد كان لكثير من هذه الدواوين حظ البقاء إلى عصرنا هذا، وبعضها طبع عدة مرات، وبعضها لم يطبع إلا مرة واحدة، وبضعها ما يزال مخطوطًا، كما أن منها ما حظي بالشرح الواسع أو المختصر، ومنها ما لم تمسه يد بعد. ومن هؤلاء الشعراء من روى شعره أكثر من راوٍ واحد، فجاء شعره

стр. 221

عن طريق روايات متعددة، كثيرة أو قليلة، ومنهم من روي شعره عن طريق واحد، ولكن جميعها تتفق في أن السند في هذه الروايات كلها ينتهي إلى أحد رجال الطبقة الأولى من الرواية. كما سبقت الإشارة إلى ذلك. ومن أهم من ورد ذكر دواوين خاصة لهم من الشعراء: امرؤ القيس، وأعشى قيس، وأمية بن أبي الصلت، وابن الدمينة، والأفوه الأودي، وأوس بن حجر، وبشر بن أبي خازم، وحاتم الطائي، السموءل بن عادياء، والشنفرى، وطرفة بن العبد، وطفيل الغنوي، وعامر بن الطفيل، وعبيد بن الأبرص، وعدي بن زيد العبادي، وعروة بن الورد، وعلقمة بن عبدة، وعمرو بن قميئة، وعمرو بن كلثوم، وعنترة بن شداد، وقيس بن الخطيم، ولبيد بن ربيعة، والمتلمس، والمثقب، والمهلهل، والنابغة الذبياني. ولكن ما يزال شعر كثير من شعراء العصر الجاهلي مبعثرًا في شتى كتب الأدب والتاريخ، مثل عبد يغوث، وأبي قيس بن الأسلت، والحصين بن الحمام، وقيس بن عاصم، وجابر بن حني، وعبد القيس بن خفاف البرجمي، وهؤلاء الشعراء وأمثالهم ينتظرون من يلم شتات نتاجهم، ويجمع تراث كل منهم في ديوان خاص. وكثير من الدواوين التي وردت إلينا مصنوعة بعمل الرواة المتقدمين، قد حظي بأكثر من رواية واحدة، كما أشرت إلى ذلك آنفا، فمن هذه الدواوين مثلًا: ديوان امرئ القيس، قد رواه كل من الأصمعي، وأبي عمرو الشيباني ومحمد بن حبيب الطوسي، والمفضل الضبي، وأبي عبيدة، وصنعه ابن السكيت، والسكري. وديوان زهير بن أبي سلمى، اشترك في صنعه كل من ابن السكيت، والسكري، وابن الأنباري والشنتمري. وغيرهم. وديوان عدي بن زيد: صنعه جماعة من الرواة. وديوان لبيد: عمله الأصمعي، وأبو عمرو الشيباني. والطوسي. وابن السكيت. وديوان الأعشى الكبير: صنعه السكري وأبو عمرو الشيباني والأصمعي، وابن السكيت. وقد حظي بالشرح أو التعليق كثير من دواوين الشعراء القدامى مثل: شرح ديوان الشعراء الستة للبطليوسي، وشرح ديوان النابغة الذبياني، لابن السكيت، وللأعلم الشنتمري. وشرح ديوان طرفة للأعلم والشنقيطي برواية ابن السكيت. وشرح ديوان

стр. 222

زهير لثعلب والأعلم الشنتمري والسكري. وشرح ديوان علقمة للشنتمري. وشرح ديوان امرئ القيس للسكري، وللبطليوسي، والتبريزي، ولابن النحاس، وللبغدادي. وجمع لويس شيخو أشعار كثير من الشعراء الجاهليين في كتابه: "شعراء النصرانية". وقد قام كثيرمن العلماء والأدباء والباحثين بنشر كثير من هذه الدواوين نشرًا علميًّا دقيقًا، وإخراجها إخراجًا متقنًا مضبوطًا. وبعضهم يكتفي بنشر رواية معينة. وبعضهم يجمع بين الروايات المختلفة مع المقارنات الدقيقة بينهما، كما فعل الأستاذ أبو الفضل إبراهيم في ديوان امرئ القيس ورواياته الكثيرة. وبحكم اتصالي بالأدب الجاهلي، وكثرة مطالعتي في نصوصه وشروحها، كثيرًا ما أجد كلمات في أصول النصوص -وفي الشرح كذلك- تحتاج إلى تفسير، لأنها ليست من الألفاظ التي تدور على ألسنة الفصحاء في عصرنا الحاضر، ويصعب فهمها على القراء الآن، فوددت لو تنشر كنوزنا الأدبية الثمينة نشرًا علميًّا دقيقًا، ثم توضح نصوصها بلغة سهلة يسيرة تتناسب مع عصرنا الحاضر، فأخرجت على هذه الطريقة ديوان طرفة بن العبد. ولا يزال كثير من تراثنا الأدبي مخطوطًا، وإنا لنأمل في شباب أمتنا العربية الطموح، وعلمائها الفضلاء، وباحثيها الأجلاء، أن يزيحوا الستار عن هذه الكنوز الثمينة، ويقدموها للعلم والمعرفة والإنسانية في صور زاهية جميلة، فيظهروا للعالم آثار الأمة العربية الخالدة، وفنها الرائع العظيم. ودواوين الشعراء التي كان لها حظ الطبع والنشر، لم يقف حجمها عند القدر الذي وردت به أولًا، فقد اعتاد الأساتذة الفضلاء الذين يقومون بنشر هذه الدواوين، أن يراجعوا النسخة التي يريدون نشرها للديوان، ويقارنوها بنسخ أخرى منه إن وجدت، ويضيفوا إليها ما قد يجدونه من زيادات عنها في غيرها من الروايات، منبهين على ذلك في موضعه، ثم هم بعد ذلك قد يضيفون إلى الديوان كثيرًا من الأبيات التي قد يجدونها في كتب أخرى مثل كتب النحو أو اللغة أو التفسير، أو غير ذلك. وهكذا نجد أن الديوان يزيد عن أصله الأول، وكلما تعددت طبعاته ربما زادت الإضافات فيه بما قد يعثر عليه في أثناء المطالعات في كتب أخرى من زيادات جديدة لم تتضمنها الطبعات السابقة.

стр. 223

قضية الانتحال في الأدب الجاهلي مدخل ... قضية الانتحال في الأدب الجاهلي الأدب الجاهلي أدب قديم، كان يلقى، وينشد، ويحفظ، ويروى عن طريق المشافهة، والروايات الشفهية، ولم يدون إلا بعد زمن طويل، كما مر الحديث عن ذلك بالتفصيل فيما سبق. وكل أثر له قيمته وأهميته وتكتنفه مثل هذه الظروف، يكون عرضة للشك والاتهام، والقيل والقال، والظن، والطعن في أصله، ونسبه، وأصحابه، وصحته، وصدقه، وقيمته، وحجمه، ونقصه، والزيادة عليه، وما إلى ذلك مما قد يعرض لفكر الإنسان وعقله من شكوك وظنون حينما يتصدى لدرس أثر من الآثار لم ينل من وسائل المحافظة عليه والاحتياجات الدقيقة ما يكفل له البقاء سليمًا صحيحًا: والأدب -في كل أمة من الأمم، وبخاصة ما فيه من نصوص رائعة- من الآثار الفنية الممتازة، التي تعتز بها الأمم وتفتخر، وتعتبرها دليل مجدها، وسجل مفاخرها، ومن ثم تعرضت الآداب القديمة في كل الأمم للشك والاتهام، ورمي كثير منها بالاختلاق والافتعال، فاتهم الأدب الجاهلي بالوضع والانتحال، وحدث مثل هذا للآداب القديمة الأخرى كالآداب اليونانية١ والرومانية والإنجليزية، فقد رمي كل أثر من هذه الآثار القديمة الخالدة، بأنه ليس لأصحابه الذين يدعى أنه لهم، وأنه دخله كثير من التحريف والتزييف والادعاء، فليست الأمة العربية أول أمة رمي أدبها الجاهلي القديم بالوضع والانتحال، وإنما الأمم الأخرى رميت آدابها القديمة بمثل هذا الاتهام. والأدب بعامة، والشعر منه بخاصة، كانت العرب في جاهليتها وإسلامها تكبره وتجله، وكانت له منزلة سامية في نفوسهم، وكانت القطع الرائعة فيه تحظى بالعناية والاحترام، وكان أصحابها يلقون منهم مهابة وإجلالًا، لذلك نتوقع أن تكون الروائع الأدبية محلًا للادعاء،

стр. 224

فيدعي أكثر من واحد أنها له، وكانت القبائل تعتز بما لها من نتاج أدبي، وتتيه على غيرها بالكثير المحفوظ لها منه، ويعتز السادة بما قيل فيهم وفي أسلافهم من روائع القول وفصيح البيان، فتسابق الكل في جمع ما كان لهم ولذويهم وأسلافهم من آثار، وأحس الرواة هذا الاهتمام من الجميع، فتسابقوا هم كذلك، في الجمع والرواية، وتنافسوا في الإكثار من ذلك ليفوق كل منهم سواه في الحظوة، والمنزلة، والمكافأة. وبطبيعة الحال نتوقع كذلك أن يتطرق إلى الأدب شيء من الدخيل، أو ما يظن أنه دخيل، وقد أشرنا إلى شيء من ذلك في حديثنا عن بعض الرواة فيما سبق. ولم تكن هذه الملاحظة لتغيب عن الثقات من العلماء والرواة والباحثين منذ جمع الأدب الجاهلي وتدوينه، فقد تنبهوا إلى ذلك ووقفوا على كثير من النصوص التي ليست أصيلة، فعرفوها، ولم يقبلوها، واستطاعوا أن يميزوا بين الأصلي والمختلق، ويتبينوا الصحيح من الزائف. وكتب الأدب والتاريخ مملوءة بذكر ملاحظات هؤلاء الثقات وتنبيهاتهم، وقد أشرنا كذلك إلى بعضها في حديثنا عن الرواة، وأمثال المفضل والأصمعي، وأبي عمرو بن العلاء، وأبي عبيدة معمر بن المثنى. من ذلك مثلًا، ما روي عن أبي عبيدة٢ أنه قال: "كان قراد بن حنش من شعراء غطفان، وكان جيد الشعر قليله، وكانت شعراء غطفان تغير على شعره، فتأخذه وتدعيه". ويروى أن أبا عمرو بن العلاء، ذكر أن ذا الإصبع العدواني قال يرثي قومه٣: وليس المرء في شيء ... من الإبرام والنقض إذا يفعل شيئا خا ... له يقضى وما يقضي جديد العيش ملبوس ... وقد يوشك أن ينضي ثم نص على أنه لا يصح من أبيات ذي الإصبع الضادية هذه إلا الأبيات التي أنشدها، وأن سائرها منحول. وكان محمد بن سلام المتوفى سنة ٢٣١هـ أول من درس قضية الانتحال وآثارها في كتابه "طبقات فحول الشعراء" إذ أورد فيه كثيرًا من الملاحظات والآراء التي تدل على دراسة

стр. 225

وتحقيق، وقد أوردنا فيما سبق بعض ملاحظاته عن محمد بن إسحاق صاحب السيرة النبوية، ومما يقوله عن انتحال الشعر٤: "فلما راجعت العرب رواية الشعر، وذكر أيامها ومآثرها، استقل بعض العشائر شعر شعرائهم، وما ذهب من ذكر وقائعهم، وكان قوم قلت وقائعهم وأشعارهم، وأرادوا أن يلحقوا بمن له الوقائع والأشعار فقالوا على ألسنة شعرائهم، ثم كان الرواة بعد، فزادوا في الأشعار، وليس يشكل على أهل العلم زيادة ذلك، ولأن ما وضع المولدون ... وإنما عضل بهم أن يقول الرجل من أهل بادية من ولد الشعراء أو الرجل ليس من ولدهم، فيشكل ذلك بعض الإشكال". فهو بهذا النص يبين أن الشعر الجاهلي قد وجد به شيء من الدخيل، الذي صنع ونسب إلى غير قائليه، ثم بين أسباب ذلك، وأرجعها إلى رغبة القبائل في الاستكثار من شعرها. وزيادة الرواة على ما كانوا يروون من محفوظ لديهم. ولكنه لم ينس أن يذكر الفضل لذويه، فاعترف بأن أهل العلم، بفطنتهم وخبرتهم، وعلمهم وذوقهم، كانوا يستطيعون أن يعرفوا الحقيقة، ويميزوا بين الأصيل والدخيل. وكتابه فيه كثير من الملاحظات والتعقيبات على الشعراء الجاهليين وأشعارهم. من ذلك مثلا قوله، وقد أوردناه سابقًا: "ومما يدل على ذهاب الشعر وسقوطه، قلة ما بقى بأيدي الرواة المصححين لطرفة وعبيد، اللذين صح لهما قصائد بقدر عشر. ونرى أن غيرهما قد سقط من كلامه كلام كثير، غير أن الذي نالهما من ذلك أكثر، وكانا أقدم الفحول، فلعل ذلك لذاك، فلما قل كلامهما حمل عليهما حمل كثير"٥. وقال عن عدي بن زيد "كان يسكن الحيرة ومراكز الريف، فلان لسانه وسهل منطقه، فحمل عليه شيء كثير، وتخليصه شديد، واضطرب فيه خلف وخلط فيه المفضل"٦. وقال عن حسان بن ثابت: "كثير الشعر جيده، وقد حمل عليه ما لم يحمل على أحد، لما تعاضهت قريش، واستبت، وضعوا عليه أشعارًا كثيرة، لا تليق به"٧. ولم يغفل ابن سلام حق الرواة، فذكر كثيرًا من الملاحظات التي تتصل ببعضهم، من

стр. 226

ذلك ما أورده٨ -وقد ذكرناه سابقا- عن أبي عبيدة مع داود بن متمم بن نويرة حين قدم البصرة في بعض ما يقدم له البدوي، في الجلب والمبرة. وكذلك قوله:٩ "أخبرني أبو عبيدة عن يونس قال، قدم حماد البصرة على بلال بن أبي بردة، وهو عليها، فقال: ما أطرفتني شيئًا، فعاد إليه، فأنشده القصيدة التي في شعر الحطيئة مديح أبي موسى، قال: ويحك، يمدح الحطيئة أبا موسى ولا أعلم به، وأنا أعلم شعر الحطيئة؟ ولكن دعها تذهب في الناس"١٠. وإذا كان ابن سلام قد رأى بعد بحثه ودراسته أن هناك في الشعر ما هو مختلق ومنتحل، وفي الرواة من هو ثقة عدل ومن هو متهم، فقد انتهى إلى أن أهل العلم والدراية لم يكن ليشكل عليهم ما زاده الرواة ولا ما وضعه المولدون، ومن ثم، فعلينا أن نقبل ما قبله الثقات، وأن نرفض ما رفضوه، وفي ذلك يقول١١: "وفي الشعر المسموع مفتعل موضوع كثير، لا خير فيه ولا حجة في عربيته ولا أدب يستفاد، ولا معنى يستخرج ولا مثل يضرب، ولا مديح رائع، ولا هجاء مقذع، ولا فخر معجب ولا نسيب مستطرف، وقد تداوله قوم من كتاب إلى كتاب، لم يأخذوه من أهل البادية، ولم يعرضوه على العلماء، وليس لأحد، إذا أجمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شيء منه، أن يقبل من صحيفة، ولا يروي عن صحفي. وقد اختلف العلماء في بعض الشعر كما اختلفت في بعض الأشياء، أما ما اتفقوا عليه، فليس لأحد أن يخرج عنه". فهو هنا يعتقد بوجود دخيل في الشعر، فقد افتعل وصنع صنعًا، ووضع على غير قائليه، وأن هذا الدخيل لا قيمة له، ومن الممكن تبينه ومعرفته لخلوه من نواحي الروعة والجمال في شتى الأغراض الشعرية، وأنه لم يكن مما رواه أهل الثقة عن مصادر موثوق بها من أهل البادية، ويرى أن الثقات من العلماء والرواة ينبغي أن يكونوا محل ثقة منا، فنقبل منهم كل ما ارتضوه، ونرفض كل ما رفضوه.

стр. 227

ولا شك أنه على حق في دعوته إلى الاعتماد على من وثق به الرواة الذين قاموا بجمع الأدب وتدوينه، فإذا كان هؤلاء أهلًا للثقة والتصديق في عصرهم فهم أولى بذلك في العصور التالية، وبخاصة في عصرنا الحاضر، فلقد كانوا قريبين في زمن هذا النتاج الأدبي الذين قاموا بجمعه وتدوينه وكان بينهم من يعرف الجاهليين، أو كان على صلة بمن عرف الجاهليين. على أن الظروف التي أحاطت بالرواة والعلماء في زمن الجمع والتدوين -وقد حملتهم على التنافس في الدقة والتحري- تستدعينا أن نجعلهم محل ثقة في جميع ما قبلوه، ما لم يقم لدينا الدليل القاطع على خلاف ذلك. ولا أظن دليلًا مثل ذلك سيحدث إلا إن كان معجزة لطول العهد بين زمن هذا الأدب، وبيننا الآن. وفي القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين، أثار الباحثون من المستشرقين والعرب قضية الانتحال من جديد. ففي سنة ١٨٦٤م "تناول المستشرق نولدكه الموضوع، فأشار إلى الشكوك التي يثيرها مظهر الشعر الجاهلي. وبعد ثماني سنوات تناول المستشرق أهلوارد المسألة بدون أي تجديد فيها، فعرضها بدقة لم يتناولها سلفه، وقال: إن الوثائق المروية غير موثوق بصحتها، إن من ناحية المؤلف، أو ظروف النظم، أو ترتيب الأبيات، فمن الواجب إذن إخضاع كل أثر من القرن السادس وأوائل السابع لفحص دقيق قبل قبوله". "وتابع العلماء أمثال موير وباسيه وليال وبروكلمان طوال ثلاثين سنة المستشرقين: نولدكه وأدلوراد في موقفها الحذر"١٢. وفي سنة ١٩١٦ نشر المستشرق مرجليوث margoliouth بحثا عن الشعر الجاهلي، في المجلة الأسيوية الملكية، وكان قد تحدث عن وضع الشعر الجاهلي قبل ذلك في مادة "محمد" من دائرة معارف الأديان والأخلاق encyclopaedia of religion and ethics وفي كتابه عن "محمد وظهور الإسلام" mohamed and the rise of islam وقد تصدى للرد عليه سير تشارلز ليال lyall في مقدمة ترجمة المفضليات، ولكن مرجيلوث عاد ونشر في المجلة السابقة "عدد يوليو سنة ١٩٢٥" بحثًا عنوانه: "أصول الشعر العربي" the origins of arabic poetry وقد أطال في هذا البحث، وذكر فيه الشبه التي

стр. 228

دعته إلى الشك في الشعر الجاهلي١٣، وحملته على أن يقول: إن الشعر الذي جمع ونسب إلى الجاهليين مصنوع ومنحول، صنع في العصور الإسلامية، ونسبه واضعوه إلى شعراء جاهليين زورًا وبهتانًا. وملخص مقالته باختصار: أنه كان قبل الإسلام في الجزيرة العربية شعر وشعراء بدليل ورود الإشارة إلى ذلك في القرآن، ثم يتعرض لوصف القرآن للشعراء، ويشير إلى العدد الكبير من الشعراء الجاهليين الذي وردت لهم أشعار في الأدب الجاهلي، ويشك في أن الشعر الجاهلي قد حفظ بالرواية الشفهية لأن الإسلام -في نظره- ما كان يحث على ذلك، ولكنه في الوقت ذاته يحاول أن ينفي أن الشعر الجاهلي كتب كذلك، إذ إنه لو حفظ بطريق الكتابة، لكان للعرب -في نظره- كتاب أو كتب، والقرآن ينفي أنه كان لهم كتاب، ويزعم أن الشعر الجاهلي الموجود مرحلة تالية للقرآن لا سابقة عليه، ويرى أن التطور من الأسلوب القرآني إلى الأسلوب الشعري المنتظم يبدو -في نظره- متمشيًا مع المألوف، وهو بهذا يعتقد أن الشعر الجاهلي وضع بعد الإسلام بعد أن سمع العرب القرآن، فتأثروا به، فقالوا شعرهم بلغته وساروا بفنهم من الصور الشاذة إلى المنتظمة. فكأنه يريد أن يقول: إن العرب قبل الإسلام، كان لهم شعر وفيهم شعراء ولكن شعرهم لم يكن كامل النضج، ولا في درجة عالية من التهذب والكمال كالتي نرى عليها الشعر الجاهلي المنسوب إلى الجاهليين، وبعد أن سمع العرب القرآن، تطوروا بفنهم الشعري إلى هذه الدرجة العليا من النضج والكمال. التي نرى عليها الشعر المنسوب إلى الجاهليين. ويجره الحديث إلى الرواية والرواة، فيتحدث عن سوء أخلاق الرواة أمثال حماد وخلف، ويذكر ما قاله كل من الرواة في الآخرين، ويدعي أنهم لم يكونوا يوثق بعضهم بعضًا، وينكر الرواية بحجة أن الشعراء الجاهليين كانوا لسان الوثنية الناطق، وقد أبطل الإسلام الوثنية وحاربها، فلم يكن هناك مجال -في نظره- لحفظ تلك الأشعار التي قيلت في نظام أبطله الإسلام. وهو بهذا كله يرى أن الشعر الذي وصلنا منسوبًا إلى الجاهليين، ليس لهم، وإنما قيل بعد الإسلام ونسب إليهم، ويستمر في إيراد الأدلة التي يعتقد أنها تؤيد رأيه هذا، فيدعي أن

стр. 229

الشعر الجاهلي المنسوب إلى الجاهليين يحمل في طياته دلائل بطلانه، ذلك أن فيه كثيرًا من القصص الديني الذي ورد في القرآن، وفي كلمات إسلامية مثل الحياة الدنيا ويوم القيامة والحساب، وليس فيه ما يشير إلى الآلهة المتعددة التي كانت عند الجاهليين، وأن آراء الشعراء الجاهليين في الموضوعات الدينية تبدو مماثلة لما في القرآن. وأنه لا يرى في الشعر المنسوب إلى الجاهليين أثرًا للاختلاف بين لهجات القبائل، ولهجات الشماليين والجنوبيين، ويرى أنه من الصعب عليه أن يتصور أنه كانت هناك لغة مشتركة في أنحاء الجزيرة العربية قبل الإسلام، وينتهي إلى أن الشعر الذي ينسب إلى العرب قبل العصر الأموي مشكوك فيه، بحجة أن الممالك التي كانت في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام كانت لها حضارة راقية، ولكن النقوش التي عثر عليها لهم وبخاصة في اليمن، لا تدل على وجود أي نشاط شعري لها، فكيف يمكن تصديق أن بدوًا أقل رقيًّا من هذه الممالك المتحضرة بكثير، كان لهم شعر في هذه الدرجة العالية؟ ومن ينظر في كلام مرجليوث السابق يجد أنه تضمن أفكارًا عجيبة، لا تعتمد على سند عقلي سليم. فهل من المعقول أن التقاليد الشعرية التي كانت لدى العرب قبل الإسلام كانت شاذة وغير منتظمة، ولم تصبح في الدرجة العليا التي نرى عليها الشعر المنسوب إلى الجاهليين إلا بعد أن سمعوا ما في القرآن من سجع، وبعض التراكيب الموزونة؟. وإذا كان القرآن نفسه يهاجم الشعر والشعراء، فكيف يجيء فيه شعر يحاكي أسلوب الشعراء؟ إن ذلك لبعيد كل البعد عن القرآن. ثم هل من المعقول أن ما تضمنه القرآن من بعض الألفاظ الموزونة، كفيل بأن يجعل العرب في فترة أقل من قرن يطفرون بفنهم الشعري من بدائية وفطرية وشذوذ، إلى أوزان منتظمة موسيقية متنوعة، وإلى أسلوب شعري في درجة عليا من النضج والكمال؟ وإذا كان مرجليوث ينكر الرواية الشفهية، والكتابة، في المحافظة على الشعر الجاهلي، فبأي الوسائل كان يحفظ، أو يتناقل من مكان إلى آخر، ومن جيل إلى جيل؟ إنه لمن البديهي أن نقول: إن الأغاني والأناشيد التي يرتلها الأميون ومن هم على الفطرة، يتناقلونها من جيل إلى جيل عن طريق الرواية الشهفية، إن لم تجد من يدونها، والكتاب الذي ينفي القرآن وجوده بين العرب يقصد به الكتاب الديني المقدس. ثم إن الطعن في الرواة جميعهم، ورفضهم كلهم بحجة سوء أخلاق بعضهم أو بسبب

стр. 230

بعض كلمات تقال، طعنًا فيهم، بدافع الغيرة والتنافس، أمر لا يستسيغه المنطق، ولا يقبله منصف، ولماذا لا نأخذ في الاعتبار شهادات الاعتراف بالأمانة والصدق والنزاهة التي قيلت في كثير من الرواة الصادقين؟ وهل يتصور عاقل أن الإسلام اخترع ألفاظًا جديدة لم يكن للعرب بها سابق عهد؟ إذن كيف كان العرب يفهمونها لو كان الأمر كذلك؟ المعروف أن الإسلام قد أدخل معاني جديدة، ومفهومات جديدة لبعض ألفاظ كانت معروفة ومستعملة لديهم. وأما عدم وجود أثر للآلهة المتعددة عند العرب في الشعر المنسوب إلى الجاهليين، فهذا سوف نبحثه مع أشياء أخرى عندما نعرض لآراء بعض الباحثين فيما بعد إن شاء الله، وكذلك الحال في شأن اختلاف اللهجات بين العرب قبل الإسلام. ومن الأساتذة المستشرقين الذين أفاضوا في الحديث عن قضية الانتحال في الأدب الجاهلي الدكتور ريجيس بلاشير، فقد عقد لذلك فصلًا طويلًا١٤، بدأه بأن الحديث عن صحة الشعر الجاهلي قديم قدم الشعر نفسه، وأثنى على جهود علماء العراق وقت التدوين في تحريهم الحقيقة، ثم عرض بعد ذلك آراء كثير من المستشرقين أمثال مرجليوث، وبرونليخ، ونولدكه، وأهلوارد، وجولدزيهر، ونوراندريه، ووليم مارسيه، وتريتون، وعقد بعض مقارنات بين آرائهم حول هذه القضية، كما عرض لرأي الدكتور طه حسين، الذي سيأتي الحديث عنه بالتفصيل إن شاء الله، ثم يستعرض هو نفسه الموضوع من جوانب متعددة، فيقول١٥ عن الجوانب التي تثير الشك في الأدب العربي القديم: "إننا إذا فحصنا النصوص الشعرية الجاهلية بمجملها، وجدنا أولًا أن الشكوك التي أثارتها يجب أن تمتد إلى آثار معاصرة للإسلام، أو جاءت بعده بقليل. وتجدر الإشارة من جهة ثانية إلى أن الانتحال لا يبقى محصورًا في الشعر، بل يتناول النثر، حتى لنستطيع الجزم أن ليس لدينا -باستثناء القرآن- سطر واحد من النثر يرجع تاريخه إلى هذا العهد، ومن الضروري إذا أردنا أن نتبين حقيقة المسألة، أن نشير إلى أن هناك كمية من الآثار القديمة التي أفسدتها الرواية الشفهية والتدوين، امتزجت بآثار منحولة ذات مظاهر مختلفة، ومنها قطع

стр. 231

أدبية بديعة، صنعت حسب التقاليد الشعرية المتبعة طوال النصف الثاني للقرن السابع، في حين أن مصادرها أقدم من ذلك -دون ريب- وقسم آخر على العكس، قطع منحولة صنعت بسذاجة وقلة دراية، تكفي تجربة قليلة للكشف عن حقيقتها. ولا بد إذن من عمل مزدوج سواء أكان المقصود قطعًا أدبية، أو أشعارًا منحولة. ثم يذكر طائفة من الشعر المدسوس، فيقول١٦: "إننا نفرد دون تردد، كمية هائلة من الشعر المدسوس في أساطير وردت في سيرة ابن هشام، وكتاب التيجان لعبيد بن شرية، وكتاب الأغاني. إن هذا الإفراد يتناول قطعًا منسوبة إلى العمالقة، والثموديين، كما يتناول أيضا قصائد ذات طابع ديني، أمثال قصائد ورقة وأمية بن أبي الصلت، أو قصائد متأخرة ذات طابع سياسي، وديني، منسوبة إلى أقرباء النبي ﷺ ، كأبي طالب، وابنه علي" ويتطرق في حديثه إلى إنكار بعض نصوص فيها طابع ديني. وظاهر أنه في كلامه هذا، يردد كثيرًا مما قاله الباحثون القدماء من العرب، فهم قد تبينوا صنع كثير مما أشار إليه في كلامه السابق. وأما النصوص الجاهلية ذات الطابع الديني، فلنا عندها وقفة فيما بعد إن شاء الله. ثم يتحدث عن الطريقة التي يمكن بها معرفة الدخيل من الأصيل، في نصوص الأدب الجاهلي. ويثير الكلام عن الرواية الشفهية، ولغة الشعر، والرواة، ثم يتحدث عن الناحية الدينية في النصوص الجاهلية، ويعقب على آراء جولدزيهر، ودرونبوج وباسيه وليال، كل هذا سنعرض له فيما بعد إن شاء الله. أما الباحثون العرب فأشهر من تحدث في قضية انتحال الأدب الجاهلي منهم اثنان، هما الأستاذ مصطفى صادق الرافعي، والأستاذ الدكتور طه حسين. فالأستاذ مصطفى صادق الرافعي عرض هذه القضية عرضًا مفصلًا في كتابه "تاريخ آداب العرب" الذي ألفه سنة ١٩١١م، وقد جمع كل ما قاله الباحثون القدماء حول هذا الموضوع، فذكر ما قيل حول استكثار القبائل من أشعارها حينما وجدت أن ما لها منه قليل، وأن أكثرها في ذلك كانت قبيلة قريش١٧. ثم تحدث عما قيل في الشواهد وأنه دخلها كثير

стр. 232

من الوضع والاختلاق، فالعلماء كانوا في حاجة إلى الشواهد في تفسير الغريب ومسائل النحو١٨ ويذكر أن الكوفيين اتهموا بأنهم كانوا أكثر الناس وضعًا للشعر الذي يستشهدون به لضعف مذهبهم، وتعلقهم بالشواذ، واتخاذهم منها أصولًا يقاس عليها، فكانوا يتخذون من الشاذ أصلًا١٩، ويقال: إن أول من سن لهم هذه الطريقة شيخهم الكسائي، ولهذا يقولون إن الكوفيين اضطروا إلى الوضع فيما لا يصيبون له شاهدًا إذا كان العرب على خلافهم، ولذلك كثيرًا ما نجد في شواهدهم من الشعر ما لا يعرف قائله، بل ربما استشهدوا بشطر بيت لا يعرف قائله. ويتعرض كذلك للشواهد التي كان يخترعها بعض المتكلمين والمعتزلة ليستشهدوا بها على آرائهم٢٠، ويذكر ما جاءوا به ليثبتوا أن معنى الكرسي هو العلم في قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْض﴾ ، إذ قالوا شطر بيت لشاعر مجهول: هو: ولا بكرسي علم الله مخلوق ثم ذكر أثر القصص في انتحال الشعر، فقال: إن القصاصين لما كثروا واضطروا أن يضعوا الشعر لما يلفقونه من الأساطير، ليثبتوا تلك الأساطير في أفئدة العامة، فوضعوا الشعر على آدم، ومن دونه من الأنبياء، ثم جاوزوا ذلك إلى عاد وثمود، كما أن للأعراب شعرًا ينسبونه إلى الجن٢١. ثم عرض ما قيل في شأن الرواية، والرواة فقال: إن الاتساع في الرواية كان من أسباب الوضع، فالرواة كانوا يتهافتون على الشعر، ويتسابقون على روايته؛ لأنه عمود الرواية وزينتها، وكان التسابق فيه من جهتين: الاتساع في الرواية، ومعرفة تفسيره والبصر بمعانيه. ويذكر أن بعض الفحول من الرواة كانوا يحبون أن يتسعوا في روايتهم، فيستأثروا بما لا يحسن غيرهم من أبوابها، إظهارًا لتفوقهم، وأنهم يعرفون ما لا يعرف غيرهم، وأن ذاكرتهم أقوى من سواهم، ولذلك كانوا يضعون على فحول الشعراء قصائد لم يقولوها، ويزيدون في

стр. 233

قصائدهم التي تعرف لهم، ويضرب مثلًا لهؤلاء الرواة بحماد الراوية وخلف، ويذكر نبذًا مما قيل عن رواية كل منهما٢٢. فالأستاذ الرافعي قد استقصى كل ما قاله الباحثون من العرب القدماء، وجمعه في القسم الذي خصصه لهذا الموضوع. أما الدكتور طه حسين، فقد ألم بالموضوع من جميع نواحيه، ووقف على ما قاله جميع الباحثين من العرب والمستشرقين حول قضية الانتحال، وكون له في ذلك رأيًا، شرحه في كتاب نشره في سنة ١٩٢٦، سماه "في الشعر الجاهلي" ثم نشره في السنة التالية باسم "في الأدب الجاهلي"، وقد أحدث هذا الكتاب حينئذ ضجة عنيفة، فألف بعض الباحثين كتبًا في الرد عليه، من أهمها: ١- النقد التحليلي لكتاب "في الأدب الجاهلي" للأستاذ محمد أحمد الغمراوي. ٢- نقد كتاب "في الشعر الجاهلي"، للأستاذ محمد فريد وجدي. ٣- نقض كتاب "في الشعر الجاهلي"، للأستاذ محمد الخضر حسين. ٤- "الشهاب الراشد" للأستاذ محمد لطفي جمعة. ٥- "تحت راية القرآن" للأستاذ مصطفى صادق الرافعي. وكتاب الدكتور طه حسين قسمه سبعة أقسام. سمى كل قسم منها كتابًا. وهذا الكتاب يدور حول رأي الدكتور طه حسين في الأدب الجاهلي الذي انتهى إليه بعد البحث والتفكير، والقراءة والتدبر، وقد لخص رأيه هذا بقوله٢٣: "إن الكثرة المطلقة مما نسميه أدبًا جاهليًّا ليست من الجاهلية في شيء، وإنما هي منحولة بعد ظهور الإسلام، فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم أكثر مما تمثل حياة الجاهليين. ولا أكاد أشك في أن ما بقي من الأدب الجاهلي الصحيح قليل جدًّا. لا يمثل شيئًا، ولا يدل على شيء، ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الصحيحة لهذا العصر الجاهلي". وظاهر أن الدكتور طه حسين في رأيه هذا متأثر بآراء الذين يطعنون في أصالة الأدب الجاهلي من المستشرقين، وعلى الأخص مرجليوث، ويعلق بلاشير على ذلك فيقول٢٤:

стр. 234

وينفرد طه حسين عن مرجليوث في نقطة واحدة، فهو يعلم مبدئيًّا، بأن ليس كل ما يسمى بالشعر الجاهلي مصنوعًا، ولكن ما بقي من القديم منه قليل لا يمثل شيئًا، ولا يدل على شيء، وهكذا فهو بوقوفه موقفًا حذرًا اقترب بفكرته من آراء عدد من المستشرقين، أمثال جولد زيهر، ونور أندريه، ووليام مارسيه، وتريتون، وغود فروا، وديمونتين، وبرونليخ "في نقده الثاني لبحث مارجليوث سنة ١٩٧٢"، ويعتقد هؤلاء أن نولدكه وأهلوارد، ومدرستيهما يفسحون مجالًا واسعًا للشعر المسمى بالجاهلي. وهم وإن لم يثبتوا نظرية مرجليوث الجريئة، فقد وقفوا موقفًا فيه تحفظ". ومن رأي الدكتور طه حسين، يتبين واضحًا، أنه لا يشك في كل الأدب المنسوب إلى الجاهليين، بل الشك عنده ينصب على الكثرة المطلقة من هذا الأدب، ومعنى هذا أن هناك قلة منه موضع الثقة والقبول، ولكنه يعود فيقول: إن هذا الجزء القليل الصحيح الباقي من الأدب الجاهلي لا يدل على شيء، ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الصحيحة لهذا العصر. ولكن إذا كان هذا الجزء -ولو قليلًا- صحيحًا وأصيلًا، فلماذا نهمله ولا نعتمد عليه في أي شيء؟ أعتقد أنه إن لم يكن كافيًا لإعطاء صورة كاملة للعصر الجاهلي، فليس أقل من أن يعطينا صورة صحيحة جزئية تمثل الناحية التي هو نص صريح فيها. وإذا كانت المسالة مسألة رأى واعتقاد، فهناك آراء كثيرة تجعل هذا الجزء الصحيح الباقي لنا من أدب الجاهليين موضع احترام، وترى أنه مرآة للعصر الجاهلي. وإذا كانت آراء الباحثين من العرب التي تؤيد ذلك موضع جدال، فهناك كثير من المستشرقين يعتقدون ذلك، فمنهم نيكلسون إذ يقول٢٥: "إن مزايا العصر الجاهلي، وخواصه، مرسومة صورها "كما تعكس صورة الأشياء في المرآة" بأمانة ووضوح في الأغاني والأناشيد التي نظمها الشعراء الجاهليون" ويقول٢٦: "إن الأدب الجاهلي، المنظوم منه والمنثور يمكننا من تصوير حياة تلك الأيام الجاهلية تصويرًا أقرب ما يكون من الدقة في مظاهره الكبرى". ويقول ثوربيكه THORBEKE في كتابه "عنترة أحد شعراء الجاهلية ص١٤": "لا نملك مصدرًا موثوقًا منها لتدوين تلك الغارات البدوية سوى القصائد والمقطوعات

стр. 235

المحفوظة عن شعراء الجاهلية، ويقول ص٢٩: "يمكن تعريف الشعر الجاهلي بأنه وصف مزين بالشواهد لحياة الجاهلية وأفكارها، فقد صور العرب أنفسهم في الشعر صورة منطبقة على الحقيقة بدون تزويق ولا تشويه"٢٧. ويقول نولدكه في كتابه من الشعر العربي القديم "ص١٧، طبع هانوفر سنة ١٨٦٤": "إن عادات عرب الجاهلية وأحوالهم معلومة لنا بدقة، نقلًا عن أشعارهم"٢٨. وقد كان الباحثون والمؤرخون الذين يتصدون للبحث في تاريخ العرب يتخذون من نصوص الأدب الجاهلي، أهم مصدر يعتمدون عليه في بحوثهم، وما زال الباقي منه إلى اليوم، من أهم المراجع للباحثين في أحوال العرب قبل الإسلام. وكأن الدكتور طه حينما دعا إلى عدم الاعتماد على البقية الباقية من تراث الجاهليين الأدبي في تصوير حالة الجاهليين، أحس أن الباحثين دائمًا يتطلعون إلى المصادر الهامة التي يعتمدون عليها في بحوثهم، فكان أن وجه الأنظار إلى المصدر الذي يعتقد أنه خير ما يصور حالة العرب قبل الإسلام، فقال٢٩: "إذا أردت أن أدرس الحياة الجاهلية فلست أسلك إليها طريق امرئ القيس والنابغة والأعشى وزهير وقس بن ساعدة وأكثم بن صيفي؛ لأني لا أثق بما ينسب إليهم، وإنما أسلك إليها طريقًا أخرى، وأدرسها في نص لا سبيل إلى الشك في صحته، أدرسها في القرآن، وأدرسها في شعر هؤلاء الشعراء الذين عاصروا النبي، وجادلوه، وفي شعر الشعراء الآخرين الذين جاءوا بعده، ولم تكن نفوسهم قد طابت عن الآراء والحياة التي ألفها آباؤهم قبل ظهور الإسلام. بل أدرسها في الشعر الأموي نفسه، فلست أعرف أمة من الأمم القديمة استمسكت بمذهب المحافظة في الأدب، ولم تجدد فيه إلا بمقدار، كالأمة العربية. فحياة العرب الجاهليين ظاهرة في شعر الفرزدق وجرير وذي الرمة والأخطل والراعي أكثر من ظهورها في هذا الشعر الذي ينسب إلى طرفة وعنترة وبشر بن أبي خازم". ثم يسير في بيان الأسباب التي دعته إلى توجيه الباحثين عن صورة صادقة لحياة الجاهليين

стр. 236

أن يلتمسوا ذلك في القرآن: فيحاول أن يشرح أن القرآن صور حالتهم الدينية خير تصوير، ووصف حياتهم العقلية والاقتصادية والاجتماعية أحسن وصف. فأما عن تصويره لحياتهم الدينية، فيقول٣٠: "فأنت ترى أن القرآن حين يتحدث عن الوثنيين واليهود والنصارى، وغيرهم من أصحاب النحل والديانات، إنما يتحدث عن العرب، وعن نحل وديانات ألفها العرب، فهو يبطل منها ما يبطل، ويؤيد منها ما يؤيد، وهو يلقى في ذلك من المعارضة والتأييد بمقدار ما لهذه النحل والديانات من السلطان على نفوس الناس، وإذن فما أبعد الفرق بين نتيجة البحث عن الحياة الجاهلية في هذا الأدب أو الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين فيظهر لنا حياة غامضة جافة، بريئة أو كالبريئة من الشعور الديني القوي والعاطفة الدينية المتسلطة على النفوس، والمسيطرة على الحياة العملية، وإلا فأين نجد شيئا من هذا في شعر امرئ القيس أو طرفة أو عنترة؟ أو ليس عجيبًا أن يعجز الشعر الجاهلي كله عن تصوير الحياة الدينية للجاهليين؟! أما القرآن فيمثل لنا شيئا آخر، يمثل لنا حياة دينية قوية تدعو أهلها إلى أن يجادلوا عنها ما وسعهم الجدال، فإذا رأوا أنه قد أصبح قليل الغناء لجئوا إلى الكيد، ثم إلى الاضطهاد، ثم إلى إعلان حرب لا تبقي ولا تذر". وواضح أن الدكتور طه حسين في هذا، يوافق مرجليوث في الطعن في أصالة الأدب الجاهلي لخلوه من تصوير الحياة الدينية عند العرب قبل الإسلام. أما أن القرآن نص ثابت، لا سبيل إلى الشك فيه، فذلك حق، ولا جدال فيه، وأما أن القرآن يصور حياة العرب الدينية قبل الإسلام، فذلك أيضًا مقبول، لأن الناحية الدينية أهم النواحي التي جاء الإسلام لإصلاحها، وبيان الحق فيها، فالدين الإسلامي جاء لهداية الناس، وتبصيرهم بالعقيدة الصحيحة والخلق القويم، وإخراجهم من ظلمات الكفر والشرك إلى نور الإيمان والتوحيد، فكان من الطبيعي أن يبين وجه الفساد والخطأ في المعتقدات الدينية التي لا تتمشى مع هذه المبادئ، ولا تتفق مع العقل السليم والتفكير السديد، ومن ثم كان لا بد أن يفيض في محاربة عبادة الأوثان التي لا تضر ولا تنفع، ومعارضة الذين يتمسكون باتباع آبائهم وأجدادهم بغير استعمال العقل والتفكير الصحيح، ومجادلة أصحاب العقائد التي

стр. 237

لا تتمشى مع مبادئه ومناهجه، ومن ثم نتوقع أن نجد في القرآن الكريم تصويرًا تامًّا للحياة الدينية التي يحياها العرب في الجاهلية؛ لأن الدين الصحيح كان الغرض الأساسي من الدعوة الإسلامية. ولكن مقارنة الشعر الجاهلي بالقرآن الكريم في هذه الناحية، أمر لا ينبغي أن يكون؛ ذلك لأن الشعر ليس من أهدافه الوعظ والإرشاد، ولا الدخول في جدل أيًّا كان نوعه، وبخاصة في النواحي الحساسة التي تمس مشاعر طوائف معينة كمسائل الدين والعقيدة، حقيقة أن الأديب -كغيره من الناس- له إحساسه الديني، وعواطفه الدينية، ولا شك أنه -من المحتمل جدًّا- قد تحركت مشاعره الدينية، فتغنى بشعره ليصور ما يجيش بجوانحه من عواطف دينية فياضة، كما نرى كثيرًا من النصوص الأدبية، في عصرنا الحاضر، وفي غيره من العصور، في جميع الأمم. ولذلك من الجائز -بل من المؤكد- أن كان من الشعراء الجاهليين من تغنى بعاطفته الدينية، وصور أثر عقيدته في نفسه، أو تحدث عن الشعائر الدينية في شعره، ولا شك أن ذلك قد وجد في الشعر الجاهلي، إن قليلًا وإن كثيرًا. ولكننا نعلم أن الشعر الجاهلي ظل يحفظ ويتناقل عن طريق الرواية والمشافهة منذ العصر الجاهلي، وفي العصر الإسلامي إلى أن دون فيما بعد. ومن المعلوم أن الدين الإسلامي الجديد جاء بمبادئ جديدة في العقيدة والدين المعاملات، وأبطل كل ما كان مخالفًا لمبادئه وقوانينه، وطالب متبعيه بتركها، والتمسك بأسس الدين الجديد وقواعده، والقيام بكل ما أمر به، والبعد عن كل ما نهى عنه. ومن ثم، كان من أول الأشياء التي لا يهتم بها الرواة المسلمون تلك النصوص التي تتصل بهذه الديانات والعقائد، التي جاء الدين الإسلامي لإبطالها والنهي عنها، ولذلك لن يكون عجيبًا ألَّا نجد في الأدب الجاهلي عامة والشعر منه خاصة، ما يصور فيض المشاعر الدينية عند العرب الجاهليين، وخلو الأدب الجاهلي من الحديث عن العواطف الدينية التي كانت مسيطرة على العرب الجاهليين لا ينبغي أن يتخذ سببًا للطعن في أصالة الأدب الجاهلي، ولا ينبغي أن يقال فيه لذلك إنه يصور لنا حياة غامضة جافة بريئة أو كالبريئة من الشعور الديني والعاطفة الدينية، المتسلطة على النفس والمسيطرة على الحياة العملية، فمن المقطوع به أن كثيرًا من الشعراء قد تغنوا في قصائدهم بذكر آلهتهم كاللات والعزى وغيرها، وتحدثوا عن شعائرهم الدينية الوثنية وغيرها التي كانت منتشرة بينهم، لكن مثل هذه النصوص لا ينتظر خلودها؛ لأنها كانت في عقيدة فاسدة، وطقوس دينية باطلة جاء الدين الإسلامي

стр. 238

لمحاربتها والقضاء عليها لن ينتظر من العرب أن يحافظوا عليها، وهم قد دخلوا في دين الله أفواجًا، وأعجبوا بتعاليمه ومبادئه، واقتنعوا عن عقيدة وإيمان ببطلان ما كانوا عليه. فمن المؤكد -أو على الأقل مما يغلب على الظن- أن العرب على العموم، والرواة على الخصوص، وكلهم من المسلمين المؤمنين الذين امتلأت قلوبهم بهذا الدين الجديد الصحيح، لم يهتموا بهذه النصوص ولم يحافظوا عليها، فلم يدونوها. ومن ثم، ليس غريبًا أن نسيها العرب أو تناسوها، وأغفلها الذين قاموا بتدوين هذا الأدب. ومع هذا فالشعر الجاهلي لا يخلو من أبيات فيها إشارات إلى العقائد والشعائر الدينية التي كانت شائعة بين العرب في الجاهلية، وفي كتاب الأصنام لابن الكلبي، ودواوين الشعراء كثير من الأمثلة على ذلك، إذ نجد في ثنايا بعض القصائد ما يشير إلى شيء من النواحي الدينية. كقول عدي بن زيد٣١: سعى الأعداء لا يألون شرًّا ... عليك ورب مكة والصليب وقول أوس بن حجر في وصف الرمح٣٢: عليه كمصباح العزيز يشبه ... لفصح ويحشوه الذبال المفتلا وقوله٣٣: وباللات والعزى ومن دان دينها ... وبالله إن الله منهن أكبر وقول امرئ القيس أو التوءم اليشكري٣٤: أحار ترى بريقًا هب وهنًا ... كنار مجوس تستعر استعارا وقول طرفة يخاطب عمر بن هند٣٥: إني وجدك ما هجوتك وال ... أنصاب يسفح بينهن دم وقوله: للفتى عقل يعيش به ... حيث تهدي ساقه قدمه

стр. 239

أخذ الأزلام مقتسمًا ... فأبى أغواهما زلمه عند أنصاب لها زفر ... في صعيد جمة أدمه٣٦ وقول النابغة الذبياني: فلا لعمر الذي مسحت كعبته ... وما هريق على الأنصار من جسد ما قلت من سيئ مما أتيت به ... إذا فلا رفعت سوطي إلي يدي٣٧ وقال جابر بن حني التغلبي النصراني، وكانت النصرانية لا تبيح سفك الدم: وقد زعمت بهراء أن رماحنا ... رماح نصارى لا تخوض إلى دم وقول امرئ القيس: فأدركنه يأخذن بالساق والنسا ... كما شبرق الولدان ثوب المقدس فهذا يشير إلى أن رجال الدين الرهبان كان يتبرك بهم، فالمقدس هو الراهب، وكان إذا نزل إلى صومعته يجتمع الصبيان إليه، فيخرقون ثيابه، ويمزقونها تمسحًا به وتبركًا٣٨. وأمثلة ذلك كثيرة من الأبيات المنتثرة في ثنايا القصائد يشير كل منها إلى عقيدة، أو شعيرة دينية. ولكنا لن نجد قصيدة كاملة خالصة في الشعور الديني، للأسباب المتقدمة: كما حفظت كتب التاريخ والأدب كثيرًا من الأبيات للمشركين والكفار وبخاصة إبان الدعوة الإسلامية وأيام الغزوات٣٩. ثم ينتقل الدكتور طه حسين إلى ناحية أخرى، فيقول٤٠: "ولكن القرآن لا يمثل الحياة الدينية وحدها، إنما يمثل شيئًا آخر غيرها لا نجده في هذا الشعر الجاهلي: يمثل حياة عقلية قوية، يمثل قدرة على الجدال والخصام أنفق القرآن في جهادها حظًّا عظيمًا، أليس القرآن قد وصف أولئك الذين كانوا يجادلون النبي بقوة الجدال، والقدرة على الخصام، والشدة في المحاورة؟ وفيم كانوا يجادلون ويخاصمون ويحاورون؟ في الدين وفيما يتصل بالدين من هذه

стр. 240

المسائل المعضلة التي ينفق الفلاسفة فيها حياتهم دون أن يوفقوا لحلها: في البعث، في الخلق، في إمكان الاتصال بين الله والناس، في المعجزة وما إلى ذلك، أفتظن قومًا يجادلون في هذه الأشياء جدالًا يصفه القرآن بالقوة، ويشهد لأصحابه بالمهارة؟ أفتظن هؤلاء القوم من الجهل والغباوة والغلظة والخشونة بحيث يمثله لنا هذا الشعر الذي يضاف إلي الجاهليين؟ " وهنا يقول: إن القرآن يصف الحياة العقلية للعرب الجاهليين ويصورهم بأنهم كانوا أقوياء في الجدال والمناظرة كالفلاسفة، في حين أن الأديب الجاهلي يصورهم بأنهم جهلاء أغبياء ولكن العكس هو الصحيح، فالقرآن وصفهم دائمًا في هذه المناسبات بأنهم لا يعقلون ولا يفقهون، وأنهم كالأنعام بل هم أضل سبيلًا وإني أوافق الأستاذ الغمراوي في رده على هذه النقطة إذ يقول٤١: "فأما الحظ الذي أنفقه القرآن في الجهاد بالحجة فعظيم، لكن عظمه لم يكن ناشئًا عن عظم قدرة على الجدال كانت عند المجادلين، ولا عن حسن بصرهم بمواطن الحجة، بل كان ناشئًا عن عظم رسوخ ما كان يجاهده القرآن فيهم، من اعتقادات وعادات، تأصلت فيهم على مر القرون. فالقرآن أنفق ذلك الحظ العظيم في جهاد العادة لا في جهاد مقدرة على المخاصمة". فلم يكن جدالهم في الناحية الدينية ناشئًا عن قوتهم العقلية في هذه الناحية، ولا عن حجج قوية أوردوها، أو براهين جاءوا بها بل كان عنادًا في الحق ومكابرة في الباطل أخذ القرآن في تخليصهم منها نصيبًا كبيرًا، فالحقيقة أن حججهم وبراهينهم هنا كانت واهية ضعيفة لا سند لها من عقل، أو تفكير سليم، إنما هو تأصل العادة، والتمسك بما كان عليه الآباء والأجداد. ولا يصور الأدب الجاهلي العرب قبل الإسلام جهلاء أغبياء، بل إن الأدب الجاهلي بعامة والشعر فيه بخاصة من أهم البراهين التي تنفي عن العرب قبل الإسلام الجهل والغباء، فهو يثبت أن العرب الجاهليين كان فيهم الذكاء والفطنة، وسعة الخيال، ورقة الشعور، وفيض العواطف النبيلة بما تضمنه من معانٍ سامية، ونظرات صادقة، في الكون، والإنسان، وحسن التعبير وجمال التصوير. وبعد ذلك يتحدث عن تصوير اتصال العرب بغيرهم، في القرآن، وفي الشعر الجاهلي فيقول٤٢: "والقرآن لا يمثل الأمة العربية متدينة مستنيرة، فحسب، بل هو يعطينا منها

стр. 241

صورة أخرى يدهش لها الذين تعودوا أن يعتمدوا على هذا الشعر الجاهلي في درس الحياة العربية قبل الإسلام. فهم يعتقدون أن العرب كانوا قبل الإسلام أمة معتزلة، تعيش في صحرائها لا تعرف العالم الخارجي، ولا يعرفها العالم الخارجي، وهم يبنون على هذا قضايا ونظريات، فهم يقولون: إن الشعر الجاهلي لم يتأثر بهذه المؤثرت الخارجية التي أثرت في الشعر الإسلامي: لم يتأثر بحضارة الفرس والروم. وأنى له ذلك؟! لقد كان يقال في صحراء لا صلة بينها وبين الأمم المتحضرة، كلا! القرآن يحدثنا بشيء غير هذا، القرآن يحدثنا بأن العرب كانوا على اتصال بمن حولهم من الأمم، بل كانوا على اتصال قوي، قسمهم أحزابًا، وفرقهم شيعًا. أليس القرآن يحدثنا عن الروم وما كان بينهم وبين الفرس من حرب انقسم فيها العرب إلى حزبين مختلفين: حزب يشايع أولئك، وحزب يناصر هؤلاء؟ أليس في القرآن سورة تسمى "سورة الروم" تبتدئ بهذه الآيات: ﴿الم، غُلِبَتْ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ ؟ لم يكن العرب إذن كما يظن أصحاب هذا الشعر الجاهلي معتزلين. فأنت ترى أن القرآن يصف عنايتهم بسياسة الفرس والروم، وهو وصف اتصالهم الاقتصادي بغيرهم من الأمم في السورة المعروفة: ﴿لإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ وكانت إحدى الرحلتين إلى الشام حيث الروم، والأخرى إلى اليمن حيث الحبشة، أو الفرس". والحق أن الأدب الجاهلي لا يصور العرب في الجاهلية منعزلين عما سواهم من الأمم، وبخاصة من كانوا يجاورونهم، كالروم والفرس والحبشة، من ذلك ما يقوله ابن سلام: "وكان أبو الصلت يمدح أهل فارس حين قتلوا الحبشة، في كلمة قال فيها: لله درهم من عصبة خرجوا ... ما إن ترى لهم في الناس أمثالا بيضا مرازبة غرًّا جحاجحة ... أسدًا تربب في الغيضات أشبالا لا يرمضون إذا حرت مغافرهم ... ولا ترى منهم في الطعن ميالا من مثل كسرى وسابور الجنود له ... أو مثل وهرز يوم الجيش إذ صالا فاشرب هنيئًا عليك التاج مرتفقًا ... في رأس غمدان دارا منك محلالا"٤٣

стр. 242

كما وردت فيه إشارات كثيرة للهند، وبخاصة عند الكلام على السيوف، وقد سبق الحديث عن صلات العرب الخارجية، وما كان له من تأثير في لغتهم وأدبهم، وظهر ذلك واضحًا في كثير من الألفاظ الأجنبية التي عربها الجاهليون، وقد ورد بعضها في القرآن الكريم، فالواقع أن الأدب الجاهلي، وبخاصة الشعر، يدل دلالة قاطعة على صلة العرب الجاهليين بغيرهم من الأمم، فما كان للعرب أن يعيشوا في عزلة تامة، ولا بد أن يظهر أثر هذا الاتصال في لغة العرب الجاهليين وأدبهم. ولا يمكن أن يتجاهل دارسو الأدب الجاهلي هذا الأثر، فيعتقدوا "أن العرب كانوا قبل الإسلام أمة معتزلة تعيش في صحرائها لا تعرف العالم الخارجي ولا يعرفها العالم الخارجي". حقيقة أن التأثير الخارجي في لغة العرب وأدبهم كان كثيرًا بعد ظهور الإسلام، واتساع رقعة العالم الإسلامي بعد الفتوحات التي تمت للمسلمين، بحكم الاتصال الذي زاد واتسع عما كان الحال عليه قبل الإسلام. ثم ادعاء أن القرآن الكريم تحدث عن صلة العرب بغيرهم من الأمم الأخرى ليس صحيحًا، لأن القرآن لم يقصد ذلك وكان في آيتين أو آيات معدودات، وجاءت إشارته إلى هذه الصلة في تلك الآيات في معرض حديثه عن أغراض أخرى تتصل بمبادئه وأهدافه، ولم يكن الحديث فيه عن هذه الصلة مقصودًا لذاته. وجاء حديثه عنها مقتضبًا، بحيث لا يمكن أن يقال: إنه صور صلة العرب بغيرهم تصويرًا تامًّا من جميع النواحي. إنما هو صورها من الناحية التي تتصل بأغراضه ومقاصده فقط. وفي تصوير الحالة الاقتصادية بين العرب في الجاهلية يقارن الدكتور طه حسين بين القرآن الكريم والأدب الجاهلي في هذه الناحية فيقول٤٤: "وأنت إذا قرأت في القرآن رأيت أنه يقسم العرب إلى فريقين آخرين: فريق الأغنياء المستأثرين بالثروة، المسرفين في الربا. وفريق الفقراء المعدمين، أو الذين ليس لهم من الثروة ما يمكنهم أن يقاوموا هؤلاء المرابين، أو يستغنوا عنهم. وقد وقف الإسلام في صراحة وحزم وقوة إلى جانب هؤلاء الفقراء المستضعفين، وناضل عنهم، وذاد خصومهم والمسرفين في ظلمهم، وسلك في هذا النضال والذياد مسالك مختلفة: سلك فيها مسلك القوة والعنف حين حرم الربا وألح في تحريمه، ومثل الذين يأكلون

стр. 243

الربا بالذين يتخبطهم الشيطان من المس، وأمر الذين آمنوا أن يتقوا الله ويذروا ما بقي من الربا، وآذنهم بحرب من الله ورسوله إن لم يفعلوا، وسلك فيها مسلك اللين والرفق حين أمر بالصدقة، وأوصى الأغنياء بالفقراء، وضرب هذه الأمثال البينات يرغب بها أصحاب الأموال في البر بالفقراء والعطف عليهم، وجعل الصدقة قرضًا يقدمه صاحبها إلى الله على أن يرد إليه مضاعفًا يوم القيامة، وسلك فيها بين بين، فيه حزم وشدة وفيه لين ورفق، حين شرع الزكاة على أنها تطهير للأغنياء وسد لحاجة الفقراء". ثم يستمر فيقول: "أفتظن أن القرآن كان يعنى هذه العناية كلها بتحريم الربا والحث على الصدقة، وفرض الزكاة لو لم تكن حياة العرب الاقتصادية الداخلية من الفساد والاضطراب بحيث تدعو إلى ذلك؟ فالتمس لي هذا أو شيئًا كهذا في الأدب الجاهلي، وحدثني أين نجد في هذا الأدب الذي لا يمثل فقر الفقير، وما يحمل صاحبه من ضر، وما يعرضه له من أذى، والذي لا يمثل طغيان الغني وإسرافه في الظلم والبطش وامتصاص دماء المعدمين؟ ألم يكن بين هؤلاء العرب البائسين من انطلق لسانه مرة بالشكوى من هذه الحياة السيئة المنكرة؟ ألم يكن بين هؤلاء العرب المسرفين في الظلم من انطلق لسانه مرة بما يمثل كبرياءه وتسلطه على هؤلاء البائسين؟ ". وهو هنا كذلك يسهب في بيان أن القرآن وصف الحالة الاقتصادية للعرب الجاهليين بالتفصيل، ويستدل على ذلك بحديث القرآن عن الفقراء والأغنياء، وفرض الزكاة، وسن الصدقات، وتحريم الربا، ويذكر أن الأدب الجاهلي ليس فيه ما يشير إلى ذلك، ومن ثم فهو لا يصور حالة العرب الاقتصادية. حقيقة إن القرآن الكريم تحدث عن الأغنياء والفقراء، وحرم الربا، ونفر من البخل، وكره في الشح والحرص وذم الطمع والجشع؛ لأن من أهم مبادئ الدين الإسلامي، إصلاح الفاسد، وتقويم المعوج، ومحاربة الصفات الذميمة، والقضاء على العادات السيئة. فبجانب اهتمام الدعوة الإسلامية ببيان العقيدة الصحيحة، ودعوة الناس إلى الدين القويم، كانت تهتم بإصلاح النواحي الاجتماعية التي كان الفساد فيها ظاهرًا ومستشريًا، فحارب الإسلام كل المفاسد الخلقية والاجتماعية، ومن بينها الربا، والسرقة، والسلب، والنهب، والاعتداء على حقوق الآخرين، وأعراضهم، ودعا إلى المبادئ التي ترفع من شأن الإنسان

стр. 244

والمجتمع ومن بينها الزكاة والصدقات وبذل الأموال وتداولها فيما هو صالح للأفراد والمجتمعات. وإذا لم يرد ذكر الربا في الأدب الجاهلي فلا ينبغي أن يعتبر ذلك نقصًا فيه. ولا سببًا للطعن في أصالته، فالمعروف أن الأدب ليس إلا أثرًا لانفعال الأدباء بظاهرة تثير انفعالهم، وليس بلازم أن ينفعل الأدباء بكل الظواهر التي يحتويها الكون والحياة والظروف المختلفة، ومن ثم، ليس بلازم أن ينفعل الأدباء بظاهرة الربا، فقد تكون بين الظواهر التي لم تثر مشاعرهم فلم يقولوا فيها شعرًا، ويجوز أن الشعراء أو بعضهم قد ثارت مشاعرهم بسبب الربا، فقالوا فيه شعرًا، ولكنه ضاع ضمن ذلك الجزء الكبير الذي ضاع من نتاج الجاهليين الأدبي. ويجوز أنه لم يوجد من الأدباء من تعامل بالربا، فأحس بشاعته، فقال فيه نصًّا أدبيًّا، ويغلب على الظن أن ذلك قد حدث، فلم يكن بين الأدباء، وبخاصة الشعراء، من كان يدين أو يستدين بالربا، ذلك لأن من يقرض ماله بالربا لابد أن يكون غنيًّا، ذا ثراء ظاهر، ومال يفيض عن حاجته، وحقًّا كان في العرب من هذه حاله، ولكنا لا نعتقد أن أحد الشعراء الجاهليين كان من هذه الطبقة الثرية، فكتب التاريخ والأدب تتحدث عن الشعراء الجاهليين، سواء كانوا حضرًا أو بدوًا، وتصفهم بأنهم كانوا فقراء، ولم تصف واحدًا منهم بالغنى الكثير، والمال الفائض الذي يقرضه بربا أو بدون ربا. كما أنا لم نسمع عن أحد من الأدباء أنه اقترض من غنيّ مالًا بالربا، حتى ولا بدون ربا، رغم أنهم كانوا جميعًا فقراء، وإنما نعتقد أن حاجات الأدباء وبخاصة الشعراء كانت تقضى بسهولة ويسر، وكان جميع أفراد القبيلة يتسابقون في سد حاجات شعرائهم، وقضاء مصالحهم، بل ويتسامحون كثيرًا فيما يأخذه شعراؤهم من أموالهم ولو في غيبتهم، وبدون سابق إذن منهم. فالشعراء كانت لهم منزلة في قومهم وفي غير قومهم، جعلتهم موضع الاحترام والتبجيل، من الجميع وبخاصة الأغنياء وذوو الثراء، بل كثيرًا ما كان الناس يتهيبونهم، ويخافون ألسنتهم، ويرهبون تشهيرهم، فكانوا على الأقل، يتملقونهم، ويتظاهرون بإكرامهم وإكبارهم. ومن كانت هذه حالهم، فمن المستبعد جدًّا أن يقرضهم الأغنياء بربا، إن لم يقرضوهم بدون انتظار للوفاء أو السداد ومن ناحية أخرى لن ننتظر من الشعراء أن يقولوا شيئا يمس شعور المرابين ما دام الشعراء يلقون منهم كل احترام وإكبار.

стр. 245

على أن الثراء كان غالبًا يظهر في بعض أشخاص من الحضر الذين يعيشون على التجارة والزراعة، ومن هنا كان الربا يوجد عادة بين أهل المدن ولم نسمع عن أحد من الشعراء الحضريين، أنه كان يشتغل بإحدى هاتين المهنتين، فكان ثريًّا ثراء يمكنه من التعامل بالربا، أو أنه كان فقيرًا اضطر إلى مد يده لأحد الأغنياء ليقرضه على أن يرد أكثر مما أخذ. واستبعاد التعامل بالربا بين شعراء البدو أكثر احتمالًا؛ ذلك لأن التعامل بالربا لا يكون عادة إلا بين قوم في حياتهم استقرار، وفي ظروفهم ما يعمل على وجود ثقة متبادلة بين الدائن والمدين، فالمقرض، حتى بالربا، لا يعطي ماله لأي شخص دون أن يكون واثقًا من مقدرته على السداد من جهة، ومن إمكان العثور عليه بسهولة وبخاصة عندما يحين ميعاد السداد، من جهة أخرى، وذلك لا يكون إلا بين سكان المدن والقرى، الذين يستقرون فيها، ويعرف بعضهم بعضًا مثل مكة ويثرب والطائف واليمن، بعكس البدو الذين كانوا يسهل عليهم التنقل، ومن ثم يستبعد أن كان هناك تعامل بالربا بين سكان البدو على وجه العموم، وبين الشعراء على وجه الخصوص. وإذا علمنا أن معظم الأدب الجاهلي منسوب إلى شعراء البدو، فلن تكون هناك غرابة إذا لم يوجد ذكر للربا في الأدب الجاهلي، لهذا لا ينبغي أن يكون ذلك نقيصة في الأدب الجاهلي، وسببًا في رميه بأنه لا يصور الحياة الاقتصادية في العصر الجاهلي. على أن هذه الناحية بالذات، أعني التعامل بالربا ظاهرة موجودة بين الناس في جميع العصور ولم نرها سجلت في دواوين الشعراء، أو احتلت مكانًا بين الظواهر المثيرة الأخرى التي حركت مشاعر الأدباء٤٥، فهل يجوز لنا حينئذ أن نقول: إن أدب عصر من هذه العصور لا يصور الحياة الاقتصادية لأمة ذلك العصر لأنه لم يتحدث عن الربا. ثم لماذا يخص الربا دون غيره من الموضوعات الاقتصادية الأخرى، فهناك مثلًا: الرهن الضار، والتلاعب بالأسعار، وإخفاء السلع، والإتجار بها في السوق السوداء، وأساليب البيع العجيبة التي كانت منتشرة بين الجاهليين، وهي تتضمن أنواع الخداع والتحايل والمكر

стр. 246

والغش، مثل: بيع الحصاة٤٦ وبيع الغرر٤٧ وبيع الملامسة٤٨ وبيع النجش٤٩؛ وكذلك التطفيف في الوزن والكيل، وغير ذلك من المفاسد الاقتصادية التي كانت منتشرة بين الجاهليين، وهي تضر بالفرد والمجتمع، وقد نهى الإسلام عن كل ذلك، وحرمه تحريمًا قاطعًا، وأوعد كل من يتعامل بأي نوع من هذه العلامات الضارة بالويل والثبور، والمعروف أن المعاملات بين الناس ضرورية لهم جميعًا؛ لأنها تتصل بحياتهم، ولا يستغني عنها فرد من الأفراد، ولا شك أن الشعراء كانت لهم صلة بها؛ فهل إذا لم نجد للأدباء نتاجًا يصور هذه الحالة الشنيعة، ويصف آثارها السيئة على النفوس، كان ذلك مطعنًا في أصالة الأدب؟ أعتقد أن أصالة الأدب شيء، وتصويره لمثل هذه الحالات وغيرها شيء آخر، ولا صلة لهذا بذلك. فهناك ظواهر اقتصادية وغير اقتصادية لم يظهر لها أثر في الأدب؛ لأنها لم تثر عواطف الأدباء، كما أن هناك ظواهر أخرى كان لها تأثير في مشاعرهم، فسجلوها في نصوصهم الأدبية. وإن أدب الصعاليك ليصف الفقر في الجاهلية، ويدل دلالة واضحة على الشكوى والتألم من الفقر وآثاره في الإنسان. ثم يتحدث الدكتور طه حسين في جانب آخر من جوانب الناحية الاقتصادية فيقول٥٠: "ثم لا يمثل القرآن هذه الناحية وحدها من الحياة الاقتصادية الداخلية، وإنما يمثل ناحية أخرى أقوم وأعظم خطرًا منها: يمثل هذه الناحية التي كنا ننتظر أن يمثلها الشعر لأنها خليقة به، وتكاد تكون موقوفة عليه - نريد هذه الناحية النفسية الخالصة، هذه الناحية التي تظهر لنا الصلة بين العربي والمال، هذه الناحية التي فكرنا فيها قليلًا لم نلبث أن نتساءل عن هذا

стр. 247

الشعر الجاهلي: أصادق هو أم كاذب؟ فالشعر الجاهلي يمثل لنا العرب أجوادًا كرامًا مهينين للأموال، مسرفين في ازدرائها، ولكن في القرآن إلحاحًا في ذم البخل، وإلحاحًا في ذم الطمع، قد كان البخل والطمع إذن من آفات الحياة الاقتصادية والاجتماعية في الجاهلية ... إن العرب في الجاهلية لم يكونوا كما يمثلهم هذا الشعر أجوادًا منفقين للمال، مهينين لكرامته، وإنما كان منهم الجواد والبخيل، وكان منهم المتلاف والحريص، وكان منهم من يزدري المال، ومنهم من يزدري الفضيلة والعاطفة في سبيل جمعه وتحصيله". وهذه النقطة أيضا لا ينبغي أن تكون سببًا في الطعن في الأدب الجاهلي ورميه بأنه لا يصور هذه الناحية الاقتصادية النفسية من حياة العرب الجاهليين، ففي زعم الطاعنين هنا مغالطة واضحة؛ ذلك لأن الأدب الجاهلي اشترك مع القرآن الكريم في تصويرها تصويرًا دقيقًا، ففي كليهما ذم للبخل، ومدح للجود والكرم. فالقرآن الكريم ذم البخل وذم الطمع، والأدب الجاهلي ذم البخل وذم الطمع كذلك، وحينما يتحدث القرآن الكريم عن هذه الأمور وأمثالها، فإنه لا يقصد العرب وحدهم، وإنما يريد أينما وجدت. ولم يصور الأدب الجاهلي العرب قبل الإسلام أجوادًا كرامًا، مهينين للمال، مسرفين في ازدرائه، بل صور العرب بأنهم كان فيهم أجواد كرماء، وفيهم أشحاء بخلاء، ففي الأدب الجاهلي كثير من النصوص يهجو فيها أصحابنا أعدائهم بالبخل والشح، ويذمونهم بالطمع والجشع، وفيه كذلك كثير من النصوص التي يتغنى فيها أصحابها بالجود والكرم، ولكن لا ينبغي أن يغيب عن البال أن هذه النصوص التي تفيض بذكر الجود والكرم إنما تكون عادة في الفخر والمدح، ومن المعلوم البدهي أن المدح أو الفخر لا يكون له شأن، ولا يؤدي معناه الحقيقي إلا إذا كان بشيء نادر، أو عظيم، وليس شائعًا بين الناس، ولا في متناول الجميع، وإلا لما كان للمدح أو الفخر به أي معنى، وبهذا يتبين أن الجود والكرم، والسخاء والبذل والعطاء والإنفاق والإسراف والإتلاف، وغيرها من الصفات التي يتردد المدح والفخر بها في نصوص الأدب الجاهلي، كانت صفات غير متيسرة للجميع، ولا يتصف حقيقة بها جميع العرب. ولكن ليس هناك ما يمنع من أن يدعيها لنفسه كل فرد وكل قبيلة، وما كل ما ينسبه المرء لنفسه صحيح، ولا كل ما يدعيه واقع وحق، ومن المعروف أن الشعر فيه كثير من الأماني والأحلام. ثم يذكر الدكتور طه بعد ذلك جزئيات يدعي أنها ذكرت في القرآن الكريم، ولم تذكر في

стр. 248

الشعر الجاهلي، هي البحر، والسفن، والصيد، واللؤلؤ، والمرجان فيقول٥١: "ولكني ألاحظ أن ذكر القرآن لهذا كله، وامتنانه على العرب بهذا كله، دليل قاطع على أن العرب لم يكونوا يجهلون هذا كله، بل كانوا يعرفونه حق المعرفة، كانت حياتهم تتأثر به تأثرًا قويًّا، وإلا فما عرض القرآن له، وما أقام الحجة به عليهم. فأين تجد هذا أو شيئًا من هذا في الشعر الجاهلي؟ ". هذا ما يقوله الدكتور طه حسين، وفي هذا تحامل على الشعر الجاهلي فقد ذكرت هذه الأشياء بكثرة في الشعر الجاهلي كلما سنحت الفرصة، أو جاءت المناسبة التي تستدعي ذكر أحد منها، وإليك من هذه الكثرة مثالا جاءت فيه كل هذه الأشياء، وهو من معلقة طرفة المشهورة، إذ يقول فيها٥٢: كأن حدوج المالكية غدوة ... خلايا سفين بالنواصف من دد عدولية، أو من سفين ابن يامن ... يجور به الملاح طورًا ويهتدي يشق حباب الماء حيزومها بها ... كما قسم الترب المفايل باليد ويقول فيها: وفي الحي أحوى ينفض المرد شادن ... مظاهر سِمطي لؤلؤ وزبرجد تلك هي الشبهات التي أثارها الدكتور طه حسين، وبسببها دعا الباحثين إلى أن يتجهوا -إذا أرادوا صورة صحيحة صادقة للعصر الجاهلي- إلى القرآن الكريم، وأن يتجاهلوا الأدب الجاهلي. وغني عن البيان أن القرآن الكريم ليس خاصًّا بالعرب وحدهم، وما ورد فيه ليس بلازم أن يكون موجودًا في العرب، فهو لم ينزل مؤرخًا لهم، وحتى إذا كانت الأمور التي أثارها الدكتور طه حسين موجودة بين العرب في الجاهلية، فمما سبق يتبين أن القرآن الكريم لا يصور بها حياة العرب من جميع النواحي، ولكنه يصورها في النواحي التي تعرض لها، وهي تلك

стр. 249

التي تتصل بمبادئه وأهدافه، وأهمها الناحية الدينية، وبعض النواحي الاجتماعية التي تنظم حياة الناس، وتجعل مجتمعهم مجتمعًا صالحًا بعيدًا عن المفاسد والعيوب، فنبههم إلى أمثل النظم، ووجوه الفساد وطرق إصلاحها، فبجانب تبيانه للعقيدة الصحيحة والدين القويم، وضح لهم الصفات الذميمة والعادات السيئة التي كانت منتشرة بينهم، وحاول تنفير الناس منها، فأظهر ما فيه من فساد وقبح؛ لكي يبتعدوا عنها، فنهاهم عن الربا، والغيبة، والنميمة، وأكل أموال الناس بالباطل، والاعتداء على الآخرين، والمساس بشرفهم، كما حرم الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، ووأد البنات وغير ذلك من الأمور التي تحتاج إلى إصلاح وتهذيب؛ لأن ذلك مما يتصل بغرضه وهو هداية الناس إلى الحياة السعيدة المثلى، أما نواحي الحياة وأحوالها الأخرى التي لا تتصل بأغراض الدين الجديد ومبادئه فلم يتعرض القرآن الكريم لها. ومن ثم، لم يتحدث القرآن الكريم عن جميع أحوال العرب سيئها وحسنها، وشرها وخيرها، ولا يتوقع منه ذلك أبدًا؛ لأنه لم ينزل واصفًا للعرب ولا مؤرخًا لهم. فمن يقتصر -في البحث عن صورة للعرب قبل الإسلام- على ما ورد في القرآن الكريم خاصًا بهم، فلن يأخذ منه صورة العرب كاملة من جميع النواحي لأنه اقتصر على ذكر علاج النواحي السيئة التي كانت فيهم ولم يتعرض لذكر ما كان فيهم من محاسن؛ ذلك لأن غرضه التهذيب والإصلاح وذلك لا يكون إلا لنواحي النقص والعيب، فهي التي تحتاج إلى تهذيب وإصلاح. أما نواحي الحسن فمسكوت عنها، وإن وعد بالثواب من يفعل الطيب أو يتبع الحسن، كما أوعد بالعقاب من يرتكب إثمًا، أو يقترف جرمًا. فالخلاصة أن القرآن الكريم وحده لا يصور حياة العرب الجاهليين من كل النواحي، وإنما يصور تلك النواحي التي تتصل بالأغراض التي جاء من أجلها الدين الإسلامي. وفي دعوة الدكتور طه حسين إلى تجاهل الأدب الجاهلي عند البحث عن صورة صحيحة للعرب قبل الإسلام، تحامل على الأدب الجاهلي، الذي جاء إلينا عن طريق أهل العلم والثقة، وإنكار لما تضمنه هذا الأدب من حقائق في غاية الأهمية يجدر بالباحث أن يدرسها، ويستقصيها، لتعينه على تكوين صورة صحيحة صادقة للعرب قبل الإسلام، فقد ثبت أن الأدب الجاهلي في الحقيقة مصدر أساسي من مصادر تاريخ العرب الجاهليين، إذ اعترف بذلك كثير من العلماء والباحثين، من العرب والمستشرقين.

стр. 250

ومما يثير الدهشة أن ينصح الدكتور طه حسين الباحثين والمتطلعين إلى تصوير الحياة الجاهلية بالبحث عنها في الشعر الأموي نفسه؛ لأنه لا يعرف أمة من الأمم القديمة استمسكت بمذهب المحافظة في الأدب، ولم تجدد فيه إلا بمقدار كالأمة العربية، فحياة العرب الجاهليين في نظره ظاهرة في شعر "الفرزدق وجرير وذي الرمة والأخطل والراعي أكثر من ظهورها في هذا الشعر الذي ينسب إلى طرفة وعنترة وبشر بن أبي خازم". وسبب هذا الدهش أن الدكتور طه يعترف بأن الأدباء العرب في العصر الأموي كانوا متمسكين بالمحافظة على التقاليد الأدبية التي كان يتمسك بها العرب القدماء، وهذا معناه أنه كانت هناك تقاليد أدبية قبل الإسلام، هي التي استمسك بها الأدباء الأمويون، ومن قبلهم بالطبع. وهذا معناه كذلك اعتراف بنتاج أدبي كان موجودًا في العصر الجاهلي، وأن هذا النتاج ظل موجودًا حيًّا حتى اقتدى به الأدباء في العصر الأموي وساروا على منواله، وترسموا خطاه. وهذا يفيد أنهم عرفوا النصوص الجاهلية الصحيحة، فجاء أدبهم تقليدًا صحيحًا كاملًا من جميع الوجوه، ومعنى ذلك أيضا أن الرواة الذين حملوا هذه النصوص الجاهلية التي قلدها الأدباء الأمويون، كانوا موضع ثقة واحترام من العلماء والأدباء وبخاصة هؤلاء الشعراء الذين سماهم الدكتور طه حسين، وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا نثق بالتقليد وهو أدب الشعراء الأمويين ولا نثق بالأصل وهو الأدب الذي استمسك بالمحافظة على مذهبه الأدباء الأمويوين، وساروا على أسسه ومبادئه! وأيهما أولى بالتصديق والقبول: الأصل أم صورته؟ وكيف تكون حياة العرب الجاهليين في شعر الفرزدق وجرير وذي الرمة والأخطل والراعي، أكثر من ظهورها في هذا الشعر الذي ينسب إلى طرفة وعنترة وبشر بن أبي خازم؟. أذلك لأنه مختلف ومنحول ولم يقله من نسب إليهم، أم لأن صانعيه لم يوفقوا فيه إلى تصوير الحياة الجاهلية تصويرًا دقيقًا؟ إن كان الاحتمال الأول، فأقصى ما يمكن أن يقال حينئذ إنه اختلق في عصر الجمع والتدوين وذلك كان زمنه حوالي زمن هؤلاء الشعراء الذين سماهم ومن ثم لن يكون هناك فرق بين أدباء الدولة الأموية والأدباء الذين اختلقوا هذا الأدب ونسبوه إلى أدباء العصر الجاهلي، لن يكون هناك من فرق بين هؤلاء وأولئك لا من حيث الاتصال بالحياة العربية القديمة، ولا من حيث الإلمام بالتقاليد الأدبية، ومعرفة أساليب
следующие страницы →