← Адаб

Адаб · id 12046

في تاريخ الأدب الجاهلي

علي الجندي

Полный текст (554 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

والغش، مثل: بيع الحصاة٤٦ وبيع الغرر٤٧ وبيع الملامسة٤٨ وبيع النجش٤٩؛ وكذلك التطفيف في الوزن والكيل، وغير ذلك من المفاسد الاقتصادية التي كانت منتشرة بين الجاهليين، وهي تضر بالفرد والمجتمع، وقد نهى الإسلام عن كل ذلك، وحرمه تحريمًا قاطعًا، وأوعد كل من يتعامل بأي نوع من هذه العلامات الضارة بالويل والثبور، والمعروف أن المعاملات بين الناس ضرورية لهم جميعًا؛ لأنها تتصل بحياتهم، ولا يستغني عنها فرد من الأفراد، ولا شك أن الشعراء كانت لهم صلة بها؛ فهل إذا لم نجد للأدباء نتاجًا يصور هذه الحالة الشنيعة، ويصف آثارها السيئة على النفوس، كان ذلك مطعنًا في أصالة الأدب؟ أعتقد أن أصالة الأدب شيء، وتصويره لمثل هذه الحالات وغيرها شيء آخر، ولا صلة لهذا بذلك. فهناك ظواهر اقتصادية وغير اقتصادية لم يظهر لها أثر في الأدب؛ لأنها لم تثر عواطف الأدباء، كما أن هناك ظواهر أخرى كان لها تأثير في مشاعرهم، فسجلوها في نصوصهم الأدبية. وإن أدب الصعاليك ليصف الفقر في الجاهلية، ويدل دلالة واضحة على الشكوى والتألم من الفقر وآثاره في الإنسان. ثم يتحدث الدكتور طه حسين في جانب آخر من جوانب الناحية الاقتصادية فيقول٥٠: "ثم لا يمثل القرآن هذه الناحية وحدها من الحياة الاقتصادية الداخلية، وإنما يمثل ناحية أخرى أقوم وأعظم خطرًا منها: يمثل هذه الناحية التي كنا ننتظر أن يمثلها الشعر لأنها خليقة به، وتكاد تكون موقوفة عليه - نريد هذه الناحية النفسية الخالصة، هذه الناحية التي تظهر لنا الصلة بين العربي والمال، هذه الناحية التي فكرنا فيها قليلًا لم نلبث أن نتساءل عن هذا

стр. 247

الشعر الجاهلي: أصادق هو أم كاذب؟ فالشعر الجاهلي يمثل لنا العرب أجوادًا كرامًا مهينين للأموال، مسرفين في ازدرائها، ولكن في القرآن إلحاحًا في ذم البخل، وإلحاحًا في ذم الطمع، قد كان البخل والطمع إذن من آفات الحياة الاقتصادية والاجتماعية في الجاهلية ... إن العرب في الجاهلية لم يكونوا كما يمثلهم هذا الشعر أجوادًا منفقين للمال، مهينين لكرامته، وإنما كان منهم الجواد والبخيل، وكان منهم المتلاف والحريص، وكان منهم من يزدري المال، ومنهم من يزدري الفضيلة والعاطفة في سبيل جمعه وتحصيله". وهذه النقطة أيضا لا ينبغي أن تكون سببًا في الطعن في الأدب الجاهلي ورميه بأنه لا يصور هذه الناحية الاقتصادية النفسية من حياة العرب الجاهليين، ففي زعم الطاعنين هنا مغالطة واضحة؛ ذلك لأن الأدب الجاهلي اشترك مع القرآن الكريم في تصويرها تصويرًا دقيقًا، ففي كليهما ذم للبخل، ومدح للجود والكرم. فالقرآن الكريم ذم البخل وذم الطمع، والأدب الجاهلي ذم البخل وذم الطمع كذلك، وحينما يتحدث القرآن الكريم عن هذه الأمور وأمثالها، فإنه لا يقصد العرب وحدهم، وإنما يريد أينما وجدت. ولم يصور الأدب الجاهلي العرب قبل الإسلام أجوادًا كرامًا، مهينين للمال، مسرفين في ازدرائه، بل صور العرب بأنهم كان فيهم أجواد كرماء، وفيهم أشحاء بخلاء، ففي الأدب الجاهلي كثير من النصوص يهجو فيها أصحابنا أعدائهم بالبخل والشح، ويذمونهم بالطمع والجشع، وفيه كذلك كثير من النصوص التي يتغنى فيها أصحابها بالجود والكرم، ولكن لا ينبغي أن يغيب عن البال أن هذه النصوص التي تفيض بذكر الجود والكرم إنما تكون عادة في الفخر والمدح، ومن المعلوم البدهي أن المدح أو الفخر لا يكون له شأن، ولا يؤدي معناه الحقيقي إلا إذا كان بشيء نادر، أو عظيم، وليس شائعًا بين الناس، ولا في متناول الجميع، وإلا لما كان للمدح أو الفخر به أي معنى، وبهذا يتبين أن الجود والكرم، والسخاء والبذل والعطاء والإنفاق والإسراف والإتلاف، وغيرها من الصفات التي يتردد المدح والفخر بها في نصوص الأدب الجاهلي، كانت صفات غير متيسرة للجميع، ولا يتصف حقيقة بها جميع العرب. ولكن ليس هناك ما يمنع من أن يدعيها لنفسه كل فرد وكل قبيلة، وما كل ما ينسبه المرء لنفسه صحيح، ولا كل ما يدعيه واقع وحق، ومن المعروف أن الشعر فيه كثير من الأماني والأحلام. ثم يذكر الدكتور طه بعد ذلك جزئيات يدعي أنها ذكرت في القرآن الكريم، ولم تذكر في

стр. 248

الشعر الجاهلي، هي البحر، والسفن، والصيد، واللؤلؤ، والمرجان فيقول٥١: "ولكني ألاحظ أن ذكر القرآن لهذا كله، وامتنانه على العرب بهذا كله، دليل قاطع على أن العرب لم يكونوا يجهلون هذا كله، بل كانوا يعرفونه حق المعرفة، كانت حياتهم تتأثر به تأثرًا قويًّا، وإلا فما عرض القرآن له، وما أقام الحجة به عليهم. فأين تجد هذا أو شيئًا من هذا في الشعر الجاهلي؟ ". هذا ما يقوله الدكتور طه حسين، وفي هذا تحامل على الشعر الجاهلي فقد ذكرت هذه الأشياء بكثرة في الشعر الجاهلي كلما سنحت الفرصة، أو جاءت المناسبة التي تستدعي ذكر أحد منها، وإليك من هذه الكثرة مثالا جاءت فيه كل هذه الأشياء، وهو من معلقة طرفة المشهورة، إذ يقول فيها٥٢: كأن حدوج المالكية غدوة ... خلايا سفين بالنواصف من دد عدولية، أو من سفين ابن يامن ... يجور به الملاح طورًا ويهتدي يشق حباب الماء حيزومها بها ... كما قسم الترب المفايل باليد ويقول فيها: وفي الحي أحوى ينفض المرد شادن ... مظاهر سِمطي لؤلؤ وزبرجد تلك هي الشبهات التي أثارها الدكتور طه حسين، وبسببها دعا الباحثين إلى أن يتجهوا -إذا أرادوا صورة صحيحة صادقة للعصر الجاهلي- إلى القرآن الكريم، وأن يتجاهلوا الأدب الجاهلي. وغني عن البيان أن القرآن الكريم ليس خاصًّا بالعرب وحدهم، وما ورد فيه ليس بلازم أن يكون موجودًا في العرب، فهو لم ينزل مؤرخًا لهم، وحتى إذا كانت الأمور التي أثارها الدكتور طه حسين موجودة بين العرب في الجاهلية، فمما سبق يتبين أن القرآن الكريم لا يصور بها حياة العرب من جميع النواحي، ولكنه يصورها في النواحي التي تعرض لها، وهي تلك

стр. 249

التي تتصل بمبادئه وأهدافه، وأهمها الناحية الدينية، وبعض النواحي الاجتماعية التي تنظم حياة الناس، وتجعل مجتمعهم مجتمعًا صالحًا بعيدًا عن المفاسد والعيوب، فنبههم إلى أمثل النظم، ووجوه الفساد وطرق إصلاحها، فبجانب تبيانه للعقيدة الصحيحة والدين القويم، وضح لهم الصفات الذميمة والعادات السيئة التي كانت منتشرة بينهم، وحاول تنفير الناس منها، فأظهر ما فيه من فساد وقبح؛ لكي يبتعدوا عنها، فنهاهم عن الربا، والغيبة، والنميمة، وأكل أموال الناس بالباطل، والاعتداء على الآخرين، والمساس بشرفهم، كما حرم الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، ووأد البنات وغير ذلك من الأمور التي تحتاج إلى إصلاح وتهذيب؛ لأن ذلك مما يتصل بغرضه وهو هداية الناس إلى الحياة السعيدة المثلى، أما نواحي الحياة وأحوالها الأخرى التي لا تتصل بأغراض الدين الجديد ومبادئه فلم يتعرض القرآن الكريم لها. ومن ثم، لم يتحدث القرآن الكريم عن جميع أحوال العرب سيئها وحسنها، وشرها وخيرها، ولا يتوقع منه ذلك أبدًا؛ لأنه لم ينزل واصفًا للعرب ولا مؤرخًا لهم. فمن يقتصر -في البحث عن صورة للعرب قبل الإسلام- على ما ورد في القرآن الكريم خاصًا بهم، فلن يأخذ منه صورة العرب كاملة من جميع النواحي لأنه اقتصر على ذكر علاج النواحي السيئة التي كانت فيهم ولم يتعرض لذكر ما كان فيهم من محاسن؛ ذلك لأن غرضه التهذيب والإصلاح وذلك لا يكون إلا لنواحي النقص والعيب، فهي التي تحتاج إلى تهذيب وإصلاح. أما نواحي الحسن فمسكوت عنها، وإن وعد بالثواب من يفعل الطيب أو يتبع الحسن، كما أوعد بالعقاب من يرتكب إثمًا، أو يقترف جرمًا. فالخلاصة أن القرآن الكريم وحده لا يصور حياة العرب الجاهليين من كل النواحي، وإنما يصور تلك النواحي التي تتصل بالأغراض التي جاء من أجلها الدين الإسلامي. وفي دعوة الدكتور طه حسين إلى تجاهل الأدب الجاهلي عند البحث عن صورة صحيحة للعرب قبل الإسلام، تحامل على الأدب الجاهلي، الذي جاء إلينا عن طريق أهل العلم والثقة، وإنكار لما تضمنه هذا الأدب من حقائق في غاية الأهمية يجدر بالباحث أن يدرسها، ويستقصيها، لتعينه على تكوين صورة صحيحة صادقة للعرب قبل الإسلام، فقد ثبت أن الأدب الجاهلي في الحقيقة مصدر أساسي من مصادر تاريخ العرب الجاهليين، إذ اعترف بذلك كثير من العلماء والباحثين، من العرب والمستشرقين.

стр. 250

ومما يثير الدهشة أن ينصح الدكتور طه حسين الباحثين والمتطلعين إلى تصوير الحياة الجاهلية بالبحث عنها في الشعر الأموي نفسه؛ لأنه لا يعرف أمة من الأمم القديمة استمسكت بمذهب المحافظة في الأدب، ولم تجدد فيه إلا بمقدار كالأمة العربية، فحياة العرب الجاهليين في نظره ظاهرة في شعر "الفرزدق وجرير وذي الرمة والأخطل والراعي أكثر من ظهورها في هذا الشعر الذي ينسب إلى طرفة وعنترة وبشر بن أبي خازم". وسبب هذا الدهش أن الدكتور طه يعترف بأن الأدباء العرب في العصر الأموي كانوا متمسكين بالمحافظة على التقاليد الأدبية التي كان يتمسك بها العرب القدماء، وهذا معناه أنه كانت هناك تقاليد أدبية قبل الإسلام، هي التي استمسك بها الأدباء الأمويون، ومن قبلهم بالطبع. وهذا معناه كذلك اعتراف بنتاج أدبي كان موجودًا في العصر الجاهلي، وأن هذا النتاج ظل موجودًا حيًّا حتى اقتدى به الأدباء في العصر الأموي وساروا على منواله، وترسموا خطاه. وهذا يفيد أنهم عرفوا النصوص الجاهلية الصحيحة، فجاء أدبهم تقليدًا صحيحًا كاملًا من جميع الوجوه، ومعنى ذلك أيضا أن الرواة الذين حملوا هذه النصوص الجاهلية التي قلدها الأدباء الأمويون، كانوا موضع ثقة واحترام من العلماء والأدباء وبخاصة هؤلاء الشعراء الذين سماهم الدكتور طه حسين، وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا نثق بالتقليد وهو أدب الشعراء الأمويين ولا نثق بالأصل وهو الأدب الذي استمسك بالمحافظة على مذهبه الأدباء الأمويوين، وساروا على أسسه ومبادئه! وأيهما أولى بالتصديق والقبول: الأصل أم صورته؟ وكيف تكون حياة العرب الجاهليين في شعر الفرزدق وجرير وذي الرمة والأخطل والراعي، أكثر من ظهورها في هذا الشعر الذي ينسب إلى طرفة وعنترة وبشر بن أبي خازم؟. أذلك لأنه مختلف ومنحول ولم يقله من نسب إليهم، أم لأن صانعيه لم يوفقوا فيه إلى تصوير الحياة الجاهلية تصويرًا دقيقًا؟ إن كان الاحتمال الأول، فأقصى ما يمكن أن يقال حينئذ إنه اختلق في عصر الجمع والتدوين وذلك كان زمنه حوالي زمن هؤلاء الشعراء الذين سماهم ومن ثم لن يكون هناك فرق بين أدباء الدولة الأموية والأدباء الذين اختلقوا هذا الأدب ونسبوه إلى أدباء العصر الجاهلي، لن يكون هناك من فرق بين هؤلاء وأولئك لا من حيث الاتصال بالحياة العربية القديمة، ولا من حيث الإلمام بالتقاليد الأدبية، ومعرفة أساليب

стр. 251

الكلام، وطرق التعبير الأدبي، والتصوير الشعري في العصر الجاهلي، فهؤلاء الذين اختلقوا بعض النصوص الأدبية، ونسبوها إلى أدباء جاهليين لم يقولوها، وما كانوا ليجرءوا على ذلك، إلا إذا كانوا قد أنسوا من أنفسهم إحاطة تامة بحياة العرب الجاهليين، ومعرفة شاملة لأساليبهم في التعبير الأدبي، بدليل اعتراف بعض العلماء، بأن من المختلق ما قد يلتبس على النقاد الضليعين في اللغة والأدب بحيث لا يستطيعون تمييز الدخيل من الأصيل. وإن كان الاحتمال الثاني، وهو قصور المزيفين عن التقليد الصحيح، فما أسهل -حينئذ- تمييزه، وما أحقه برميه والضرب به عرض الحائط. فالدعوة إلى نبذ ما ورد عن طريق الرواة الثقات، فيها تحامل بغير أساس، ولا تعتمد على حجة معقولة. بعد ذلك يتحدث الدكتور طه حسين عن لغة الأدب الجاهلي، ويتخذ منها سببًا قويًّا للطعن في أصالته، وللقول بأنه لا يمثل اللغة العربية في العصر الجاهلي، فيقول٥٣: "إن الأدب الجاهلي لا يمثل اللغة الجاهلية، ولنجتهد في تعرف اللغة الجاهلية هذه ما هي؟ أو ما إذا كانت في العصر الذي يزعم الرواة أن أدبهم الجاهلي هذا قد ظهر فيه؟ أما الرأي الذي اتفق عليه الرواة، أو كادوا يتفقون عليه، فهو أن العرب ينقسمون إلى قسمين: قحطانية، منازلهم الأولى في اليمن، وعدنانية، منازلهم الأولى في الحجاز. وهم متفقون على أن القحطانية عرب منذ خلقهم الله فطروا على العربية، فهم العاربة وعلى أن العدنانية قد اكتسبوا العربية اكتسابًا، كانوا يتكملون لغة أخرى هي العبرانية أو الكلدانية، ثم تعلموا لغة العرب العاربة؛ فمحيت لغتهم الأولى من صدورهم، وثبتت فيها هذه اللغة الثانية المستعارة. وهم متفقون على أن هذه العدنانية المستعربة إنما يتصل نسبها بإسماعيل بن إبراهيم ... على هذا كله يتفق الرواة، ولكنهم يتفقون على شيء آخر أثبته البحث الحديث، وهو أن هناك خلافًا جوهريًّا قويًّا بين لغة حمير و"هي العرب العاربة" ولغة عدنان "وهي العرب المستعربة". وقد روي عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقول: "ما لسان حمير بلساننا ولا لغتهم بلغتنا". ثم يستمر فيقول: "وفي الحق إن البحث الحديث قد أثبت خلافًا جوهريًّا بين اللغة التي كان يصطنعها الناس في جنوب البلاد العربية، واللغة التي كانوا يصطنعونها في شمال هذه البلاد

стр. 252

ولدينا الآن نقوش ونصوص تمكننا من إثبات هذا الخلاف في اللفظ وفي قواعد النحو، والتصريف أيضًا". وبعد أن يتحدث طويلًا عن العرب البائدة والعرب الباقية، يورد نصوصًا من اللغة الحميرية ليتبين الفرق بينها وبين العربية، ثم يقول٤٥: "الأمر إذن أوضح وأبين من أن نبين القول في تفصيله، فالقحطانية شيء، والعدنانية شيء آخر ... وإذن فما خطب هؤلاء الشعراء الذين ينتسبون إلى قحطان، والذين كانت كثرتهم تنزل اليمن، وكانت قلتهم من قبائل يقال إنها قحطانية قد هاجرت إلى الشمال؟ ما خطب هؤلاء الشعراء، وما خطب فريق من الكهان والخطباء يضاف إليهم نثر وسجع، وكلهم يتخذ لشعره ونثره اللغة العربية الفصحى كما نراها في القرآن؟ ". ويستمر، فيقول: "أما أن هؤلاء الناس كانوا يتكلمون لغتنا العربية الفصحى ففرض لا سبيل إلى الوقوف عنده فيما يتصل بالعصر الجاهلي، قد ظهر أنهم كانوا يتكلمون لغة أخرى، أو قل لغات أخرى. فما يضاف إليهم من الشعر والنثر، في لغتنا الفصحى، كما يضاف إلى عاد وثمود وطسم وجديس ومن إليهم من الشعر والنثر، منحول متكلف لا سبيل إلى قبوله، أو الاطمئنان إليه". وبعد ذلك يناقش القول بأن اليمنيين قد اتخذوا لغة العدنانيين لغة أدبية لهم، ينشئون بها شعرهم ونثرهم الفنيين، فيقبل هذا القول على أنه "حق لا يحتمل شكًّا ولا جدالًا بعد ظهور الإسلام؛ لأن اللغة العربية الفصحى -وهي لغة هذا الدين الجديد ولغة كتابه المقدس ولغة حكومته الناشئة القوية- أصبحت لغة رسمية، ثم لغة أدبية للدول الإسلامية كلها. أما قبل الإسلام، فلا يقبل هذا الرأي، بل يرفضه وينكره. معتمدًا على أن السيادة السياسية والاقتصادية -التي من شأنها أن تفرض اللغة على الشعوب- قد كانت للقحطانيين دون العدنانيين، ويقول: فما العلة إذن في أن تفرض لغة قوم لا حظ لهم من سيادة ولا ثروة ولا حضارة على قوم هم الساسة، وهم المترفون، وهم المتحضرون؟ وكيف لم تفرض القحطانية لغتها على العدنانية، والقحطانية -فيما يقول الرواة والمؤرخون- قد أذلت العدنانية وأخضعتهم لسلطانها المباشر في اليمن، كما أخضعتهم لسلطانها حين تسلط

стр. 253

فريق منها على أطراف العراق والشام، تحت حماية الفرس والروم فيما يقول الرواة والمؤرخون"؟ ثم ينكر كذلك هجرة فريق من القحطانيين إلى شمال البلاد العربية واستقرارهم فيها واتخاذهم لغة الشمال أداة للتخاطب والآثار الأدبية بحجة، أن هذه الدعوى تقوم على أساسين، هما: النسب، وسيل مأرب وهو لا يقبل هذين إلا إذا قام الدليل العلمي البين على صحتهما. فهو لا يصدق ما يقوله النسابون عن أن هذه القبائل التي يقال إنها هاجرت، كانت حقًّا من القحطانيين فذلك في نظره أحاديث "يتكلفها القصاص وأصحاب الأغراض والأهواء للذة والمنفعة". ويرى كذلك أن دعوى هجرة فريق من عرب اليمن اضطرارًا بعد حادثة سيل العرم، من أحاديث القصاص إلى أن تقوم عليها الأدلة العلمية، فيقول: "نعم! ذكر القرآن سيل العرم، وأثبت البحث الحديث أن كان سيل العرم. وذكر القرآن أن هذا السيل قد تمزقت له سبأ كل ممزق، ولم يزد القرآن على هذا، ولم يحدد تاريخ سيل العرم، ولم يقل كيف مزقت سبأ كل ممزق، ولم يسم لنا القبائل السبئية التي مزقت، ولم يبين لنا المواطن التي هاجرت إليها، ولم تستكشف بعد نصوص تسمي هذه القبائل أو تدل على هذه المواطن". وينتهي إلى أن يقول٥٥: "نحن إذن بإزاء لغتين: إحداهما كانت قائمة في الشمال وهي التي نريد أن نؤرخ آدابها، والأخرى كانت قائمة في الجنوب، وهي التي تمثلها النصوص الحميرية والسبئية والمعينية. ونحن لا نسرف، ولا نشتط حين ننكر ما يضاف إلى أهل الجنوب من شعر وسجع ونثر قيل بلغة أهل الشمال قبل الإسلام". الدكتور طه حسين كما نرى يرفض أدب اليمنيين الذي جاء بلغة الشماليين؛ لأن الجنوبيين كانت لهم لغة مخالفة للغة العدنانيين. حقيقة كان القحطانيون في أول الأمر يتخاطبون بلغة تختلف عن لغة العدنانيين، ولكنا نعتقد أنه ما كان خلافًا أساسيًّا، كاختلاف اللغة العربية عن اللغة الإنجليزية أو الألمانية أو الفرنسية، إنما كان اختلافًا بين أختين تفرعتا من أصل واحد، هو العربية الأصلية، فكل منهما لغة عربية، ولكن تبعا لاختلاف الظروف البيئية والحياة في كل قسم، اختلفت كل منهما عن الأخرى، وبطبيعة الحال لن يكون مثل هذا الاختلاف اختلافًا جوهريًّا، ربما يكون اختلافًا في بعض الألفاظ، أو في المدلولات لبعض الألفاظ، أو في

стр. 254

طريقة النطق، وما إلى ذلك من الاختلافات غير الجوهرية التي تكون بين الفروع التي جاءت من أصل واحد، بدليل وجود اتفاق كبير بين بعض ألفاظ النقوش التي أوردها، ونظيرها في العربية الفصحى، كما فسرها هو في كتابه، مثل٥٦: وأخهو- وأخوه. كلبت - كلبة "بالتاء المربوطة وليس في الكتابة الحميرية تاء مربوطة". هقنيو - أقنوا ومعناه أعطوا. والفعل الذي على وزن أفعل في اللغة الحميرية تبدل همزته هاء. والمعتل لا يحذف حرف العلة منه عند اتصاله بواو الجماعة. وسعدهم - ساعدهم "بحذف ألف المد في الكتابة". نعمتم - نعمة "والميم بدل التنوين". أخت أمهو - أخت أمه "هو في "أمهو" بدل الهاء في العربية". بعلتي - صاحبتي. بعل - صاحب. فتقارب هذه الألفاظ وتشابه بعض الألفاظ، ليس -كما يدعي- كتقارب الألفاظ وتشابه القواعد بين عربيتنا الفصحى من ناحية، والسريانية والعبرانية من ناحية أخرى. حقيقة، هذه اللغات فروع من الساميات، ولكن عربية الجنوب وعربية الشمال أختان قريبتان، من فرع واحد. فالاختلاف بينهما لن يكون كالاختلاف بين العربية والعبرية أو السريانية، فكلتاهما لغة عربية، وأصيلة في عربيتها، ومثلهما مثل عربية مصر وأخواتها العربيات في سوريا، ولبنان، والعراق، والمملكة العربية السعودية، وباقي أقطار العالم العربي، فلا يمكن أن يقال: إن لغة قطر تختلف اختلافًا جوهريًّا عن كل من أخواتها في الأقطار الأخرى. كلنا -نحن أبناء العالم العربي- يلمس أن هناك اختلافًا بين هذه الأقطار في اللغة، أو طريقة النطق لبعض الكلمات، ولا يمكن أن يقال: إن مثل هذا الاختلاف اختلاف أساسي بحيث يترتب عليه أن تكون كل منها مغايرة مختلفة تمام الاختلاف. ثم إن النص الذي أورده لأبي عمرو بن العلاء، ويعتمد عليه في اعتقاده أن لغة اليمنيين كانت غير

стр. 255

لغة العدنانيين، بالرجوع إلى المصدر الأساسي الذي جاء فيه هذا النص، تبين أنه هكذا: "ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا، ولا عربيتهم بعربيتنا"٥٧ وليس كما جاء في استدلال الدكتور طه حسين إذ أورده هكذا: "ما لسان حمير بلساننا ولا لغتهم بلغتنا"٥٨ والفرق بين العبارتين واضح، فالنص في العبارة الثانية يفهم منه أن لسان حمير غير لسان العدنانيين، وأن لغتهم غير لغة العدنانيين، كأن كلا منهما لسان خاص، ولغة مغايرة للأخرى. في حين أن العبارة الأولى تفيد أن كلتا الاثنتين عربية، فهما لغة عربية، وأن الاختلاف بين هاتين الأختين مقصور على الأماكن المتطرفة النائية من بلاد اليمن فقط. ثم إن تسليم الدكتور طه حسين بأن اللغة الفصحى سادت في جميع القبائل اليمنية بعد الإسلام، دليل على التقارب الشديد بين هاتين اللهجتين، قبل الإسلام بوقت كاف، إذ من غير المعقول أن يحدث ذلك بحيث يستطيع الكتاب والأدباء أن ينشئوا بها أدبهم في فترة وجيزة بعد ظهور الإسلام. ويؤيد التقارب التام بين اللهجتين الجنوبية والشمالية، نقش النمارة الذي عثر عليه لامرئ القيس وهو من أصل قحطاني، إذ ثبت أنه "بلهجة قريبة من لهجة القرآن.. بلهجة نستطيع أن نقول إنها من الأم التي ولدت عربية القرآن"٥٩. على أن سيادة اليمنيين على الشماليين التي يتذرع بها، ويرتب عليها أن تسود لغة اليمن على الشمال لم تكن سيادة عامة، إنما كانت سيادة على بعض قبائل من أهل الشمال لا كلهم، ولم تستمر طويلًا لمدة تكفي لفرض اللغة، بل كانت لفترة وجيزة، فلم يلبث الشماليون أن انتقضوا على الجنوبيين، وتخلصوا منهم إلى الأبد. ثم إنه ليس بلازم مطلقًا في كل فتح أو في كل سيادة، أن يستتبع ذلك فرض لغة الفاتحين أو السادة، بل قد يحدث، ومع ظروف وأسباب، ولكن ليس بلازم أبدًا أن يحدث ذلك، وكتب التاريخ والدراسات اللغوية خير شاهد على ذلك، وأقرب مثل لهذا في تلك البقعة، أن كلا من الفرس والأحباش قد احتلوا اليمن قبل الإسلام، ولكن لم نسمع أن اللغة الفارسية أو اللغة الحبشية قد فرضت سيادتها على اليمنيين المغلوبين وفي العصر الحديث مثلا

стр. 256

احتل الإنجليز بعض الأقطار العربية مدة طويلة ولم تسيطر اللغة الإنجليزية على أهل هذه الأقطار، فسيادة اللغة في إقليم ما إذن تخضع لظروف وعوامل كثيرة مختلفة قد يكون منها الفتح أو الغلبة، ولكن ذلك ما كان ولا يكون السبب الوحيد. وأما إنكاره هجرة بعض القبائل اليمنية واستقراراها في الشمال؛ لأنه لا يصدق ما قيل عن نسبها، وعن وقت هجرتها بأنه كان بعد سد مأرب. فاعتراضه على النسب غير واضح في هذا المكان؛ لأن هذه القبائل إما أن تكون من القحطانية أو من العدنانية، فإن كانت من العدنانية فلا إشكال حينئذ؛ لأن أدبهم سوف يجيء مطابقًا لما ورد إلينا. وإن كانت من القحطانية فهذا ما يقول به معارضو رأي الدكتور طه حسين، ويحاولون أن يعللوا بسببه مجيء أدبهم بلغة الشماليين. وأما عن هجرتهم بسبب انهيار سد مأرب، فإنه مصدق بما جاء في القرآن وما أثبته التاريخ من أن سيل العرم قد حدث، وأنه مزق سبأ كل ممزق فمعنى هذا أن هناك قبائل من سبأ تركوا موطنهم الأصلي، واستقروا في مواضع أخرى، كل ذلك يوافق عليه الدكتور طه حسين ومن يعارضهم الدكتور طه حسين. والخلاف الذي يثيره هو بينه وبينهم هو: تحديد سيل العرم، وكيفية تمزيق هذه القبائل وأسماء هذه القبائل التي هاجرت، والمواطن الجديدة التي استقرت فيها، فمعارضوه يذكرون أن سيل العرم حدث في الجاهلية قبل ظهور الإسلام بوقت استقرت فيه هذه القبائل التي هاجرت، في موطنها الجديد، وأنها تفرقت في جهات شتى في الجزء الشمالي من شبه الجزيرة العربية ويذكرون أسماء قبائل معينة يحددون كلا منها بالاسم فإذا كان الدكتور طه حسين لديه معلومات أخرى عن تاريخ سيل العرم، وكيفية الهجرة، وأسماء أخرى غير هذه القبائل التي ذكروها، فإنه يؤدي للعلم والبحث خدمات جليلة بذكرها وتفصيلها. ولو أصر على اختلاف لغة النقوش التي أوردها عن لغة الشماليين، فليبين لنا أصحابها وأين كانوا يسكنون وفي أي العصور، فلعلهم كانوا من أقاصي اليمن الذي ورد ذكرهم في كلمة أبي عمرو بن العلاء. أو لعل لغة هذه النقوش كانت من اللهجات الدارجة في الجنوب وليست لغة الأدب الفصحى. والرأي المعقول في هذه المسألة، أن لغة الأدب كانت واحدة بين الجنوبيين والشماليين، فقد كان الأدباء في القسمين يؤلفون بها أدبهم، كما سبق أن وضحنا ذلك عند الكلام على لغة

стр. 257

الأدب، وهذه اللغة العربية الفصحى، وليس بعجيب أن يحدث ذلك بين القسمين وإن اختلفت لهجاتهم، كما هو حادث الآن بين جميع أقطار العالم العربي، فكل قطر يتكلم بلهجة تختلف عن اللهجات الأخرى في أحاديثهم اليومية وقضاء مطالبهم الحيوية، فإذا جاء دور اللغة الأدبية اتحدت على جميع الألسنة في جميع الأقطار، وذلك في جميع اللغات التي يكثر الناطقون بها، وهم في أقطار متعددة كعالم المتحدثين باللغة الإنجليزية مثلًا. والدليل على أن القسمين كانا متحدين في اللغة الأدبية وهي اللغة الفصحى: نزول القرآن الكريم، وفهم العرب جميعًا له، وجدالهم حوله. والدكتور طه حسين نفسه يعترف بأنهم كانوا يجادلون ويخاصمون في مسائل معضلة. وأن جدالهم كان قويًّا يشهد لأصحابه بالمهارة٦٠، ولم يقل أحد ولا الدكتور طه نفسه، أن هذا الجدال كان عن طريق ترجمته لفريق من العرب، أو للعرب الجنوبيين فقط. إنما الأخبار والتاريخ والمعلومات الوثيقة تؤيد أن العرب جميعهم فهموه حق الفهم، ولم يترجم كله أو بعضه لأحد من الجنوبيين، ومعنى ذلك أنهم جميعًا فهموا نصوصه، ولا يكون ذلك إلا إذا كانت لغته معروفة لهم جميعًا، ثم إن التحدي الذي وجهه القرآن كان للعرب جميعًا وليس لفريق الشماليين دون فريق الجنوبيين. والتحدي لا يكون له معنى إلا إذا كان في ناحية يدعي المتحدى أن له فيها تفوقًا ونبوغًا، وهذا معناه أن العرب الذين تحداهم القرآن بالفصاحة والبلاغة، كانوا العرب كلهم، لا العرب الشماليين دون الجنوبيين. ثم إن من الثابت تاريخيًّا، أن الرسول ﷺ ، كان يرسل مبعوثين إلى الجهات النائية في شبه الجزيرة العربية ومن بينها اليمن، وأطرافها، وكانوا يتفاهمون معهم باللغة العربية الفصحى، لغة القرآن، ولغة الرسول ﷺ ، ولم يثبت أن الترجمة كانت سبيل تفاهمهم. كما أن الرسول ﷺ كان يستقبل الوفود من جميع الجهات، ومن بينها اليمن، وكان يحدثهم، ويتفاهمون معه، بلغة يفهمها الجميع، ولم يثبت أن الترجمة كانت الوسيلة في التحدث والتفاهم بينهم، كما يحدث بين الذين تختلف لغاتهم، وهذا ليس معناه إلا أنه كانت هناك لغة مشتركة يفهمها الجميع، الشماليون والجنوبيون من العرب، هذه اللغة هي لغة القرآن وهى اللغة الفصحى، التي هي لغة الأدب الجاهلي.

стр. 258

والدكتور طه يعترف بصراحة ووضوح، أن لغة القرآن كانت اللغة الأدبية التي كان يستعملها الناس في العصر الجاهلي، فهو يقول ما يلي بالحرف٦١: "وليس من العسير أن نفهم أن العرب قد قاوموا القرآن، وناهضوه، وجادلوا النبي فيه إلا أن يكونوا قد فهموه، ووقفوا على أسراره ودقائقه، وليس من اليسير، بل ليس من الممكن أن نصدق أن القرآن كان جديدًا كله على العرب فلو كان كذلك لما فهموه ولا وعوه، ولا آمن به بعضهم، ولا ناهضه، وجادل فيه بعضهم الآخر. إنما كان جديدًا في أسلوبه، جديدًا فيما يدعو إليه. جديدًا فيما شرع للناس من دين وقانون، ولكنه كان كتابًا عربيًّا، لغته هي اللغة الأدبية التي كان يصنعها الناس في عصره، أي في العصر الجاهلي". وذلك معناه أن هذه اللغة كانت معروفة لهم وشائعة الاستعمال بينهم في الأدب. ثم إذا لم يكن هذا مقنعًا في إثبات أن الجنوبيين كانوا مع الشماليين يستعملون لغة أدبية واحدة، بل إن القسمين كانا يستعملان لغتين أدبيتين مختلفتين، فكيف غاب ذلك عن إدراك هؤلاء المزيفين الذين قاموا بصنع هذه النصوص الجاهلية المنسوبة إلى الجنوبيين؟ كيف ينسبون إليهم نصوصًا بلغة لم تكن معروفة لهم، ولا يؤلفون بها أدبهم؟ والمعروف أن هؤلاء المزيفين كانوا مشهورين بالذكاء الخارق، والفطنة التامة، والإحاطة الكاملة بكل نواحي الحياة الجاهلية عند العرب جميعًا وبخاصة التقاليد الأدبية التي كانت شائعة عند الجاهليين، جنوبيهم وشماليهم، حتى استطاعوا بمقدرتهم الفائقة أن يختلقوا نصوصًا مزيفة، مشابهة تمام المشابهة للنصوص الأصلية، حتى التبس الدخيل بالأصيل، ولم يتمكن أقدر النقاد، وأقواهم فطنة وذكاء من التمييز بين هذا وذاك. ثم إذا غفل المزيفون عن هذه الناحية، ووقعوا فيها، ألم يكن هناك من النقاد أو العلماء، أو حتى من عامة الناس من يستطيع لأول وهلة أن يرد عليهم ادعاءهم ويبين كذبهم، بحجة أن ما يختلقونه واضح التزييف؛ لأنه يختلف في لغته عن لغة المنسوب إليهم، المعروفة عنهم؟ على أننا أشرنا فيما سبق إلى أن الأدباء من الجنوبيين الذين جاءت لهم نصوص أدبية في تراث الجاهليين، إنما كانوا من أولئك الذين كانوا يعيشون في وسط العدنانيين أو قريبًا منهم،

стр. 259

فكانت ديارهم في الشمال، أو قريبًا منه، وليسوا من أولئك الذين كانوا يعيشون في أقاصي اليمن، فليس هناك من الأدباء الجاهليين الجنوبيين الذين وردت لهم نصوص أدبية جاهلية، من كانت داره في الجهات النائية من القسم الجنوبي. ولعل ذلك مما ينهي الخلاف أو يضيق شقته على الأقل. وبذلك ننتهي إلى أنه من المعقول -وهو الواقع فعلًا- أن يتحد الشماليون والجنوبيون في اللغة الأدبية، قبل ظهور الإسلام للأدلة التي وضحناها آنفًا، ومعظمها واقع وملموس. ولا ينبغي مطلقًا أن يكون اتحاد الجنوبيين والشماليين في لغة الأدب المنسوب إليهما سببًا في الطعن في أصالته. ويتحدث الدكتور طه حسين عن الشعر الجاهلي واللهجات الشمالية، فيحاول أن يتخذ من ذلك مطعنًا جديدًا في أصالة الأدب الجاهلي، وصدقه، فيقول ٦٢: "فالرواة مجمعون على أن قبائل عدنان لم تكن متحدة اللغة ولا متفقة اللهجة قبل أن يظهر الإسلام، فيقارب بين اللغات المختلفة، ويزيل كثيرًا من تباين اللهجات. وكان من المعقول أن تختلف لغات العرب العدنانيين، وتتباين لهجاتهم قبل ظهور الإسلام. فإذا صح هذا كله كان من المعقول جدًّا أن تكون لكل قبيلة من هذه القبائل العدنانية لغتها ولهجتها ومذهبها في الكلام، وأن يظهر اختلاف اللغات وتباين اللهجات في شعر هذه القبائل الذي قيل قبل أن يفرض القرآن على العرب لغة واحدة ولهجات متقاربة، ولكننا لا نرى شيئًا من ذلك في الشعر الجاهلي، فأنت تستطيع أن تقرأ هذه المطولات أو المعلقات التي يتخذها أنصار القديم نموذجًا للشعر الجاهلي الصحيح، وسترى أن فيها مطولة لامرئ القيس، وهو من كندة أي من قحطان، وأخرى لزهير، وأخرى لعنترة، وثالثة للبيد، وكلهم من قيس، ثم قصيدة لطرفة، وقصيدة لعمرو بن كلثوم، وقصيدة أخرى للحارث بن حلزة، وكلهم من ربيعة. تستطيع أن تقرأ هذه القصائد السبع دون أن تشعر فيها بشيء يشبه أن يكون اختلافًا في اللهجة، أو تباعدًا في اللغة، أو تباينًا في مذهب الكلام: البحر العروضي هو هو، وقواعد القافية هي هي، والألفاظ مستعملة في معانيها كما تجدها عند شعراء المسلمين، والمذهب الشعري هو هو. كل شيء في هذه المطولات يدل على أن اختلاف القبائل لم يؤثر في شعر الشعراء تأثيرًا ما. فنحن بين اثنتين: إما أن نؤمن بأنه لم يكن هناك اختلاف بين القبائل العربية من عدنان وقحطان

стр. 260

لا في اللغة ولا في اللهجة ولا في المذهب الكلامي، وإما أن نعترف بأن هذا الشعر لم يصدر عن هذه القبائل، وإنما حمل عليها بعد الإسلام حملا". ثم يقول: "ونحن إلى الثانية أميل منا إلى الأولى. فالبرهان القاطع قائم على أن اختلاف اللغة واللهجة كان حقيقة واقعة بالقياس إلى عدنان وقحطان". وظاهر أنه هنا يشك في الأدب الجاهلي المنسوب إلى شعراء من القبائل العدنانية، بحجة أن هذه القبائل كانت تختلف في اللهجات، وأن كل قبيلة كانت لها لهجة خاصة بها، ومن ثم يرفض الشعر الجاهلي المنسوب إليهم؛ لأنه جاء بلغة واحدة، ولا أثر لاختلاف لهجات القبائل فيه، ويعتقد أن هذا الأدب المنسوب إلى الأدباء الجاهليين الشماليين، لم يصدر عنهم، وإنما حمل عليهم حملا. حقيقة، كانت هناك لهجات بين القبائل العربية، لكل قبيلة لهجتها الخاصة، ولكن اختلاف اللهجات بين العرب العدنانيين -كالاختلاف بين لهجات القبائل القحطانية- كان اختلافًا يسيرًا، ولم يكن اختلافًا جوهريًّا؛ لأنه اختلاف بين أخوات من فرع واحد، وشأن الاختلاف بين هذه اللهجات أقل بكثير من الاختلاف بين عربية الشماليين وعربية الجنوبيين فالاختلاف بين هذه اللهجات العدنانية، بعضها وبعض، ليس إلا اختلافًا بين أخوات بينها تقارب شديد وكبير، مثله كمثل الاختلاف بين اللهجات في مناطق الدولة الواحدة، وإنا لنرى ذلك مشاهدًا في كل أمة وفي كل دولة في جميع العصور، ففي جمهورية مصر العربية مثلًا، هناك لهجة القاهرة، ولهجة الإسكندرية، ولهجة الوجه البحري، ولهجة الصعيد، بل وفي مناطق كل من الوجهين القبلي والبحري اختلاف في اللهجات بين سكانها فهناك لهجة الشرقية، ولهجة الغربية، ولهجة منطقة القنال، وهكذا في كل بلد عربي، وغير عربي، وفي كل دولة من دول العالم، في جميع العصور. ولكن اختلاف هذه اللهجات لا يعدو أن يكون خلافًا يسيرًا قليلًا، وجميع المناطق يفهم كل منها الآخر بسهولة ويسر، وهذا الاختلاف كذلك لا يستلزم اختلافًا في لغة الأدب، بل إن الواقع يثبت -والتاريخ على مر العصور يؤيد- أن سكان كل دولة، مهما اختلفت لهجاتهم المحلية في مناطقهم، فإنهم يتفقون جميعًا في اللغة الرسمية، لغة الأدب، فالجميع يؤلفون بها أدبهم، وكلهم يفهم هذه اللغة، فهم جميعًا متحدون في هذه اللغة، مع اختلاف اللهجات المحلية٦٣. وإذا كانت الأدلة

стр. 261

الواقعة التي سقناها لبيان إمكانية وجود لغة أدبية تجمع بين الشماليين والجنوبيين، مقبولة ومقنعة، فهي هنا تكون دلالتها أقوى، وإقناعها أشد، وقبولها أوجب. ومن ثم، فلم يكن هناك ما يمنع من أن تتحد جميع هذه القبائل في اللغة الأدبية، خصوصًا أن الإنسان دائمًا مدفوع بغريزته إلى حب الشهرة وبعد الصيت، والأدباء بالذات يحب كل منهم أن تشيع نصوصه في الآفاق، وتجري كلماتها على كل لسان في كل مكان. وهذا يستلزم الاتحاد في التعبير الأدبي ليكون المجال أمام النصوص الأدبية مفتوحًا، وكلما اتسع نطاق هذه الوحدة كانت الشهرة أكبر وأعظم. ومع ذلك يسوق الدكتور طه حسين دليلًا آخر ليؤيد به اعتقاده أن أدب الجاهليين الشماليين مصنوع ومنحول، فيسوق مسألة تعدد القراءات في القرآن، ويقول٦٤: "إن القرآن الذي تلي بلغة واحدة، ولهجة واحدة، هي لغة قريش ولهجتها، لم يكد يتناوله القراء من القبائل المختلفة حتى كثرت قراءاته، وتعددت اللهجات فيه، وتباينت تباينًا كثيرًا، جد القراء والعلماء المتأخرون في ضبطه وتحقيقه، وأقاموا له علمًا أو علومًا خاصة. ولسنا نشير هنا إلى هذه القراءات التي تختلف فيما بينها اختلافًا كثيرًا في ضبط الحركات سواء أكانت حركات بناء أو حركات إعراب.. إنما نشير إلى اختلاف آخر في القراءات يقبله العقل، ويسيغه النقل، وتقتضيه ضرورة اختلاف اللهجات بين قبائل العرب التي لم تستطع أن تغير حناجرها وألسنتها وشفاهها لتقرأ القرآن كما كان يتلوه النبي وعشيرته من قريش، فقرأته كما كانت تتكلم، فأمالت حيث لم تكن قريش تميل، ومدت حيث لم تكن تمد، وقصرت حيث لم تكن تقصر، وسكنت حيث لم تكن تسكن، وأدغمت أو أخفت أو ثقلت حيث لم تكن تدغم ولا تخفي ولا تثقل". ثم يقول: "وليست هذه القراءات بالأحرف: جمع حرف، والحرف. اللغة، فمعنى أنزل القرآن على سبعة أحرف، أنه نزل على سبع لغات مختلفة في لفظها ومادتها. يفسر ذلك قول ابن مسعود: "هل ينظرون إلا زقية واحدة" مكان ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ .. فأنت ترى أن هذه القراءات التي عرضنا لها إنما هي مظهر من مظاهر اختلاف اللهجات". وبعد أن يستطرد بحديث طويل عن القراءات للطبري، يقول الدكتور طه٦٥:

стр. 262

"إن هذا النوع من اختلاف اللهجات له أثره الطبيعي اللازم في الشعر: في أوزانه وتقاطيعه وبحوره وقوافيه بوجه عام، ولسنا نستطيع أن نفهم كيف استقامت أوزان الشعر وبحوره وقوافيه كما دونها الخليل لقبائل العرب كلها على ما كان بينها من تباين اللغات واختلاف اللهجات، وإذا لم يكن نظم القرآن، وهو ليس شعرًا ولا مقيدًا بما يتقيد به الشعر، قد استطاع أن يستقيم في الأداء لهذه القبائل، فكيف استطاع الشعر، وهو مقيد بما نعلم من القيود، أن يستقيم لها؟ وكيف لم تحدث هذه اللهجات المتباينة آثارها في وزن الشعر وتقطيعه الموسيقي، أي كيف لم توجد صلة واضحة بين هذا الاختلاف في اللهجات، وبين الأوزان الشعرية التي كانت تصطنعها القبائل؟ ". وهو بهذا يريد أن يقول: إن أثر اختلاف اللهجات بين القبائل العربية قد ظهر في قراءات القرآن، فلماذا لم يظهر هذا الأثر في الشعر الجاهلي كذلك؟ إن ظهور أثر هذه الاختلافات بين اللهجات في قراءات القرآن، وعدم ظهورها لا يستحق أن يكون سببًا لإثارة الشبهة والاتهام ضد الأدب الجاهلي. فالقراءات في القرآن إنما هي في الغالب ترجع إلى كيفية النطق ببعض الحروف والأصوات، فالاختلاف بينها في معظم الحالات راجع إلى كيفية النطق، كالإمالة والمد والقصر والتسكين والإدغام والإخفاء، وما إلى ذلك، كما نص على ذلك الدكتور طه حسين في نصه الذي أوردناه آنفًا. وذلك كان بطبيعة الحال يتلقى بالمشافهة والرواية حتى يستطيع السامع أن يعرف كيفية النطق الصحيح بالقراءة المطلوبة. ولذلك كان من المبادئ المقررة في علوم القرآن أن: "المقرئ هو من علم بالقراءات أداء، ورواها مشافهة، فلو حفظ كتابًا امتنع عليه إقراؤه بما فيه إن لم يشافهه من شوفه به مسلسلا؛ لأن القراءة شيء لا يحكم إلا بالسماع والمشافهة"٦٦. والأدب الجاهلي إنما وصلنا مكتوبًا، ولم يحافظ على الرواية والمشافهة في الانتقال من جيل إلي جيل حتى وصل إلينا بهذه الطريقة، وإنما من وقت تدوينه كتب بلغة واحدة. وإذا كان القرآن الكريم نفسه، وهو النص الكريم المقدس، قد كتب بلغة واحدة منذ زمن عثمان، فهل يتوقع أن يدون الأدب الجاهلي عندما بدأ تدوينه -وذلك كان بعد كتابة القرآن الكريم بزمن طويل- بلهجات العرب جميعًا حتى ولو كانوا فيه مختلفين؟

стр. 263

والاختلاف ولا شك كان موجودًا -كما رأينا في قراءات القرآن- في النطق ببعض الحروف والأصوات، فإذا لم يحافظ على تبيين هذا الاختلاف في كتابة القرآن الكريم، فهل يحافظ عليه في تدوين الأدب الجاهلي؟ ونحن الآن نقرأ الأدب الجاهلي، وننطق به وهو مكتوب أمامنا بلغة واحدة، وكل قارئ ينطق ألفاظه حسب عادته وطريقته في الأداء، ومن ثم قد يظهر بين الناطقين به في أقطار العالم العربي اختلاف في نطق بعض الحروف أو الألفاظ أو الأصوات، كل حسب ما تعوده لسانه ونشأ عليه منذ الصغر في بيئته الخاصة، ومثل هذا الاختلاف يصور -في نظري- الاختلاف الذي كان بين القبائل المختلفة في العصر الجاهلي. أما مسألة الاختلاف في بعض الكلمات واستبدالها بكلمات أخرى في بعض القراءات، فذلك قليل ونادر جدًّا، بل حدث ذلك في كلمات معدودات في القرآن الكريم، وكلها طبعًا كانت بتوقيف من النبي ﷺ أن القرآن الكريم نزل بها، ونظير ذلك نجد في الأدب الجاهلي، فكثيرًا ما نجد بعض الألفاظ في بيت أو قصيدة تختلف باختلاف الروايات، فلعل ذلك أثر من آثار اختلاف اللهجات، فيجوز أن الشاعر قالها بحسب لهجة قبيلته ثم غيرها كل راوٍ حسب لهجته، أو لعل الشاعر قالها بألفاظ مختلفة ليجمع في نصه ما يستطيع من لهجات، وذلك في نظري خير دليل على إثبات ظهور الاختلاف بين اللهجات القبلية في الأدب القديم، وإن دراسة شعر الهذليين في المجموعة التي بين أيدينا الآن من مجموعات القبائل التي دونها الرواة، تدل دلالة واضحة على كثير من الألفاظ القبلية التي جمعها العلماء والرواة القدماء بقيت لنا إلى اليوم، لاستطعنا أن نقف منها على كثير من الألفاظ القبلية الخاصة، وحينئذ كان يمكن أن تقوم عليها دراسات لغوية مقارنة ممتعة. وأما مسألة البحور والأوزان الشعرية، فهي ناحية موسيقية، وهذه تخضع للذوق السمعي للإنسان بحكم كونه إنسانًا، ولا يختلف الإنسان الطبيعي في شأن النغمات الجميلة المستحسنة، فهي ولا شك تنال منه ارتياحًا واستحسانًا مهما اختلفت ظروفه أو بيئته كما هو مشاهد بيننا، فالإنسان يطرب لسماع الموسيقى العذبة الشجية الصادرة من أي مكان وعن أي الأجناس من البشر فكلها توافق الذوق الإنساني السليم. ومن ثم كان لكل إنسان أن يحب، ويعشق، ويردد، ويكرر، ويستعمل، ما يشار منها ما دام قد وافق منه قبولًا ونال عنده الاستحسان

стр. 264

والإعجاب، ولا شك أن الذوق السمعي العام في كل مجموعة من البشر قد يألف أو يطرب لنوع خاص من الموسيقى والأنغام، فيجب أن يعشق نوعًا خاصًّا منها، وذلك شيء طبيعي لأنه خاضع للميول والرغبات التي تختلف في الأفراد والمجتمعات. ولكن المشاهد أيضًا، أن الذوق السمعي العام في كل أمة يكاد يكون واحدًا بين الأمة الواحدة، وإن اختلفت طبقاتها، أو تعددت مناطقها، أو كثر أفرادها، فإذا لقيت هذه الأوزان والبحور الشعرية قبولًا عامًّا من القبائل العربية في العصر الجاهلي، فذلك شيء طبيعي؛ لأنهم جميعًا قبائل عربية من أصل واحد، وفي بيئة واحدة، وظروف الحياة والمعيشة تكاد تكون واحدة، على أن البحور والأوزان التي استخرجها الخليل من الشعر القديم كانت متعددة وكثيرة، وكان للشاعر أن يختار منها ما يحلو له، وما يراه أنسب لغرضه، فاختلاف اللهجات -في اعتقادي- ليس له شأن في الأوزان الشعرية، فهذه مسألة موسيقية، وليس هناك ما يمنع أن تتفق هذه اللهجات العربية في كثير من النغمات الموسيقية، فتجمع على استحسانها والإعجاب بها، خصوصًا أن هذه اللهجات عربية، والقبائل من أصل عربي واحد. فيغلب على الظن بل إن الواقع الطبيعي يؤيد أن هذه القبائل كانت متفقة في الذوق السمعي. فاتحدت لديهم البحور والأوزان الشعرية. وختم الدكتور طه حسين حديثه في موضوع الاختلاق والنحل في الأدب الجاهلي بالكلام عن الشواهد الشعرية التي كان يستعملها العلماء، فقال٦٧: "ونلاحظ أن العلماء قد اتخذوا هذا الشعر الجاهلي مادة للاستشهاد على ألفاظ القرآن والحديث، ونحوهما، ومذاهبهما الكلامية، ومن الغريب أنهم لا يكادون يجدون في ذلك مشقة ولا عسرًا، حتى إنك لتحس كأن هذا الشعر الجاهلي، إنما قد على قد القرآن والحديث، كما يقد الثوب على قد لابسه لا يزيد ولا ينقص عما أراد طولًا وسعة، إذن فنحن نجهر بأن هذا ليس من طبيعة الأشياء وأن هذه الدقة في الموازاة بين القرآن والحديث والشعر الجاهلي لا ينبغي أن تحمل على الاطمئنان إلا الذين رزقوا حظًّا من السذاجة لم يتح لنا مثله. إنما يجب أن تحملنا هذه الدقة في الموازاة على الشك والحيرة، وعلى أن نسأل أنفسنا: أليس يمكن ألا تكون هذه الدقة في الموازاة نتيجة من نتاج المصادفة، إنما هي شيء تكلف وطلب، وأنفق فيه أصحابه بياض

стр. 265

الأيام وسواد الليالي؟ " ثم يستمر فيقول٦٨: "وهذا النحو من التكلف والنحل للأغراض التعليمية الصرفة كان شائعًا في العصر العباسي، ولا سيما في القرن الثالث والرابع.. ومثل هذا كثير شعرًا ونثرًا وسجعًا، نجده في الأمالي والعقد الفريد وديوان المعاني لأبي هلال، وغيرها من الكتب، وأكاد أعتقد أن هذا النحو من النحل هو أصل المقامات، وما يشبهها من هذا النوع من أنواع الإنشاء". حقيقة استخدمت كثير من الأبيات والعبارات العربية القديمة للاستدلال بها على تفسير لفظ، أو استخدام كلمة في معنى، أو الاستدلال على قاعدة، في كثير من العلوم، فتساق هذه المأثورات القديمة استشهادًا بها على المراد توضيحه من مثل الأغراض السابقة. والباحثون والمؤلفون في العلوم العربية والإسلامية حينما يستشهدون لا يقتصرون في استشادهم على أبيات الشعر، إنما كل ما كان يحضرهم، أو يعلمونه، ويرونه مناسبًا لغرضهم كانوا يستشهدون به. والحق يقال: إنهم في كل استشهاد يبدءون بالاستشهاد بالقرآن الكريم ثم الحديث الشريف، ثم مأثور الكلام العربي الفصيح، شعرًا ثم نثرًا، من كلمات الأدباء الموثوق بفصاحتهم وتمكنهم في اللغة العربية الفصحى الخالصة. ومن الطبيعي إذا وجد الباحث أو المؤلف اقتباسات من كل هذه المصادر تصلح شواهد على ما يقول أتى بها، فأكثر من شاهد من أكثر من مصدر، أوضح في الدلالة، وأقوى في البيان والإيضاح، ولكن أولها بطبيعة الحال هو القرآن الكريم ثم الحديث الشريف، ثم الشعر، ثم النثر، وذلك واضح تمام الوضوح في الكتب الدينية مثل: التفسير والحديث والفقه والأصول وعلم الكلام والفلسفة الإسلامية، وفي الكتب العربية الأدبية، وأهمها في الاستشهادات كتب النحو والصرف والبلاغة والمعاجم اللغوية، والمقصود طبعًا من هذه الاستشهادات هو التوضيح وزيادة البيان، وتقرير أن ذلك مستعمل، وشائع ومفهوم الدلالة في اللسان العربي الفصيح. وحينما يستشهد العلماء بالشعر في تفسير القرآن الكريم لا يقصدون من ذلك طبعا الاستدلال على عربية القرآن الكريم وفصاحته بعربية بيت من الشعر وفصاحته، كلا، ما كان هذا أو نحوه مقصودًا، إنما المقصود زيادة إيضاح المعنى، وتقريره في نفس القارئ أو السامع. ثم إن الاستشهاد على ألفاظ القرآن الكريم والحديث الشريف ونحوهما ومذاهبهما الكلامية، لم يقد

стр. 266

عليهما قدًّا، إنما هو مثل يساق لتوضيح جزئية معينة في أحد تعبيرات القرآن ببيان الاستعمال العربي الفصيح لمثل لفظ أو ألفاظ هذه الجزئية المعينة المطلوب توضيحها أو تقريرها. هذا إلى أن الاستشهاد في كل العلوم على اختلافها إنما يقصد به توضيح المعنى أو القاعدة المطلوب بيانها، بإيراد كلام عربي فصيح. فالاقتباسات أو الاستشهادات التي يؤتى بها لا بد ستكون عربية الألفاظ والاستعمال حتمًا، وهذا بالطبع لا يطعن في أصالة ألفاظ الاستشهادات من ناحية الاستعمال اللغوي، ولا من حيث تصوير اللغة العربية في هذا العصر. فمن يورد هذه الشواهد، لا يستشهد بها إلا إذا كان واثقًا تمام الثقة من أنها كانت مستعملة -بألفاظها ومعانيها المطلوب الاستشهاد بها- في اللسان العربي الفصيح. فهي لا تمس أصالة اللغة العربية الفصحى ومن ثم فهي صالحة لتصوير اللغة الفصحى، تصويرًا تامًّا. غاية ما يقال فيها -إذا كانت مختلفة ومنحولة- أنها لا تصور شخصية الأديب المنسوبة إليه. ثم إن العلماء والمؤلفين كانوا يبذلون جهودهم بقدر ما يستطيعون ليوردوا شواهدهم منسوبة إلى أصحابها الذين قالوها، ومعظمها منسوب إلى قائلين معينين، والقلة القليلة مجهولة القائل. وقد يكون ذلك بسبب الاعتماد على الذاكرة في حفظ الأدب، ونقله ونشره، وإذاعته، فإذا كثر المحفوظ، أو تشابه بعضه، كان جزء أو أجزاء منه عرضة للنسيان أو الاختلاط أو الاضطراب، أو الضياع. حقيقة قد تكون بعض هذه الشواهد مختلفة ومنحولة، وقد قال بذلك بعض الباحثين منذ القدم، ولكن ليس من العدل أن نطعن في جميع هذه الاستشهادات، ونرميها بالزيف، ونصفها بأنها تطعن في أصالة الأدب الجاهلي، ولا تصور اللغة العربية في العصر الجاهلي. فالإنصاف يقضي، بأن ما كان منها في قصيدة أو قطعة معينة لشاعر أو أديب معين، وقد تظاهرت الروايات والأخبار الموثوق بها على صحته وأصالته، لا بد أن يقبل، وأن يعد صحيحًا صادقًا، ويصلح لكل ما صلح له النص الكامل الصحيح الصادق، أما ما وضح فيه الاختلاق، أو ما كان مثيرًا للشك والظنة، فيستدعي البحث والتحري حتى تتبين حقيقته، وإن كانت هذه الأنواع كلها صالحة للاستشهاد بها على أنها لغة فصيحة. وينتقل الحديث بعد ذلك عن أسباب الانتحال، فيحصرها الدكتور طه حسين في كتابه، في: السياسة، والدين، والقصص، والشعوبية، والرواة. وفي حديثه عن السياسة وتدخلها في اختلاق الأدب ونحله، يتحدث الدكتور عن

стр. 267

الظروف التي لابست الدعوة الإسلامية والدولة الإسلامية فيذكر ما كان من عداوة بين النبي ﷺ والكفار، وما حدث من عداوة بعد الهجرة بين مكة ومن فيها من قريش، والمدينة ومن فيها من الأنصار، ثم ما حدث بعد وفاة النبي ﷺ من خلاف بين المهاجرين وهم من قريش، والأنصار وهم من الأوس والخزرج، وما حدث من شقاق في خلافة عثمان ﵁، وما أعقب ذلك من فتنة بين علي ﵁ ومعاوية بن أبي سفيان، وما استمر بعد ذلك من عداوات بين الأمويين والفرق والأحزاب الأخرى. وهو في أثناء ذلك يذكر ما نتج بسبب هذه الاختلافات والعداوات من تسابق في قول الشعر والنصوص الأدبية فيقول: إن التنافس الذي كان بين قريش والأنصار جعل قريشًا تستكثر من الشعر وبخاصة ذلك النوع الذي يهجى فيه الأنصار، وفي هذا يقول٦٩: "ويستطيع الكاتب في تاريخ الأدب أن يضع سفرًا مستقلًّا فيما كان لهذه العصبية بين قريش والأنصار من التأثير في شعر الفريقين الذي قالوه في الإسلام، وفي الشعر الذي نحله الفريقان شعراءهما في الجاهلية. هذا دون أن يتجاوز المؤرخ السياسي أو الأدبي الخصومة بين قريش والأنصار، فكيف إذا تجاوزها إلى الخصومة بين القبائل الأخرى! ذلك أن العصبية لم تكن مقصورة على أهل مكة والمدينة، ولكنها تجاوزتهم إلى العرب كافة، فتعصبت العدنانية على اليمنية، وتعصبت مضر على بقية عدنان، وتعصبت ربيعة على مضر، وانقسمت مضر على نفسها، فكانت فيها العصبية القيسية، والتميمية، والقرشية، وانقسمت ربيعة، فكانت فيها عصبية تغلب وعصبية بكر، وقل مثل ذلك في اليمن، فقد كان للأزد عصبيتها، ولحمير عصبيتها، ولقضاعة عصبيتها". ويقول: "وإذا كان هذا تأثير العصبية في الحياة السياسية، قد رأيت طرفًا يسيرًا من تأثيرها في الشعر والشعراء، فأنت تستطيع أن تتصور هذه القبائل العربية في هذا الجهاد السياسي العنيف، تحرص كل واحدة منها على أن يكون قديمها في الجاهلية خير قديم، وعلى أن يكون مجدها في الجاهلية رفيعًا مؤثلًا بعيد العهد. وقد أرادت الظروف أن يضيع الشعر الجاهلي؛ لأن العرب لم تكن تكتب شعرها بعد، وإنما كانت ترويه حفظًا، فلما كان ما كان في الإسلام من حروب الردة، ثم الفتوح، ثم الفتن، قتل من الرواة والحفاظ خلق كثير، ثم

стр. 268

اطمأنت العرب في الأمصار أيام بني أمية، وراجعت شعرها، فإذا قد ضاع أكثره، وإذا أقله قد بقي، وهي بعد في حاجة إلى الشعر تقدمه وقودًا لهذه العصبية المضطرمة، فاستكثرت من الشعر، وقالت منه القصائد الطوال وغير الطوال، ونحلتها شعراءها القدماء". وينتهي إلى أن يقول: "إن العصبية وما يتصل بها من المنافع السياسية, قد كانت من أهم الأسباب التي حملت العرب على نحل الشعر للجاهليين.. إن مؤرخ الأدب مضطر حين يقرأ الشعر الذي يسمى جاهلياًّ، أن يشك في صحته كلما رأى شيئًا من شأنه تقوية العصبية التي يؤيدها هذا الشعر لدى قبيلة أو عصبية قد لعبت -كما يقولون- دورًا في الحياة السياسية للمسلمين". وهنا نجد الدكتور طه حسين يخلط السياسة بالعصبية. وحقيقة استغلت السياسة في الفترة التي تحدث عنها العصبية. وكان لهذا أثره في النواحي السياسية والاجتماعية. فكان للعصبية أثر ظاهر في السياسة التي سارت عليها الدولة في العصر الأموي. وفي حديثه الطويل في هذا الفصل، يذكر الأسباب التي كان من شأنها أن جعلت المسلمين يختلفون، ويتعصب كل منهم لفريق، وما نتج عن ذلك من آثار أدبية لدى كل فريق. ويورد بعض الأمثلة التي قالها الشعراء وكلها من الشعر الإسلامي، وليس فيها مثل جاهلي واحد، ويلخص قولًا لمحمد بن سلام في كتابه "طبقات فحول الشعراء" عن رغبة كل فريق من المتخاصمين في التعالي على الآخرين، مما اضطرهم إلى خلق الشعر لتقدمه وقودًا لهذه العصبية. وهذا الكلام الأخير كلام قاله الأولون، وأثبت التاريخ اشتعال العصبية من جديد بين المسلمين بعد أن كانت الدعوة الإسلامية أخمدتها، وقال بسببها الأدباء نصوصًا أدبية كثيرة. ونحن نعلم أن العصبية كانت سائدة بين العرب في الجاهلية، وكانت لهذا من أهم الأسباب التي دعت الشعراء والأدباء إلى قول الشعر والأدب في العصر الجاهلي، فنكاد لا نجد قصيدة واحدة. وبخاصة الطوال منها، تخلو من عصبية جاهلية. ولهذا كان معظم الشعر الجاهلي يفيض بهذه النغمة إذ إنها كانت الملهم الأول للشعراء والمثير الأقوى لعواطفهم، فإذا نحن أخذنا نشك في كل نص أدبي جاهلي فيه عصبية جاهلية، كان معناه الشك في معظم نصوص الأدب الجاهلي لشيوع العصبية فيه. إنما الذي يقتضيه الإنصاف هنا أن نأخذ في الاعتبار دراسة الثقات من العلماء والنقاد والرواة السابقين، فما ارتضوه وقبلوه على أنه أصيل، فليس لنا أن نشك فيه أو نتهمه، ما لم يقم الدليل الثابت القاطع بخلافه، وأنى لنا ذلك!.

стр. 269

وفي حديثه عن الدين ونحل الشعر يذكر أن الظروف المختلفة التي أحاطت بالحياة الدينية للعرب بخاصة وللمسلمين بعامة دعت إلى نحل الشعر، فيقول٧٠: "كان هذا النحل في بعض أطواره يقصد به إلى إثبات صحة النبوة وصدق النبي، وكان هذا النوع موجهًا إلى عامة الناس: وأنت تستطيع أن تحمل على هذا كل ما يروى من هذا الشعر الذي قيل في الجاهلية ممهدًا لبعثة النبي ﷺ ، وكان ما يتصل بها من هذه الأخبار والأساطير التي تروى لتقنع العامة بأن علماء العرب وكهانهم وأحبار اليهود ورهبان النصارى، كانوا ينتظرون بعثة نبي يخرج من قريش أو مكة. وفي سيرة ابن هشام وغيرها من كتب التاريخ والسير، ضروب كثيرة من هذا النوع. وأنت تستطيع أن تحمل على هذا لونًا آخر من الشعر المنحول لم يضف إلى الجاهليين من عرب الإنس، وإنما أضيف إلى الجاهليين من عرب الجن". ويقول معللًا هذه الظاهرة٧١: "والغرض من هذا النحل -فيما نرجح- إنما هو إرضاء حاجات العامة الذين يريدون المعجزة في كل شيء. ويقول: "القرآن يحدثنا بأن اليهود والنصارى يجدون النبي مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل. وإذن فيجب أن نخترع القصص والأساطير وما يتصل بها من الشعر، ليثبت أن المخلصين من الأحبار والرهبان كانوا يتوقعون بعثة النبي، ويدعون الناس إلى الإيمان به حتى قبل أن يظل الناس زمانه". ويستمر فيقول: "ونوع آخر من تأثير الدين في نحل الشعر وإضافته إلى الجاهليين، وهو ما يتصل بتعظيم شأن النبي من ناحية أسرته ونسبه إلى قريش". ويقول٧٢: "ونحو آخر من تأثير الدين في نحل الشعر، وهو الذي يلجأ إليه القصاص لتفسير ما يجدونه مكتوبًا في القرآن من أخبار الأمم القديمة البائدة كعاد وثمود ومن إليهم: فالرواة يضيفون إليهم شعرًا كثيرًا. وقد كفانا ابن سلام نقده وتحليله حين جد في طبقات الشعراء إثبات أن هذا الشعر وما يشبهه مما يضاف إلى تبع وحمير موضوع منحول، وضعه ابن إسحاق ومن إليه من أصحاب القصص. وابن إسحاق ومن إليه من أصحاب القصص، لا يكتفون بالشعر يضيفونه إلى عاد وثمود وتبع وحمير، وإنما هم يضيفون الشعر إلى آدم

стр. 270

نفسه، فهم يزعمون أنه رثى هابيل حينما قتله أخوه قابيل". ويتابع حديثه فيذكر أن من تأثير الدين في نحل الشعر ما كان يشعر بالحاجة إلى علماء العرب والموالي في إثبات أن القرآن عربي مطابق في ألفاظه للغة العرب: "فحرصوا على أن يستشهدوا على أن كل كلمة من كلمات القرآن عربية لا سبيل إلى الشك في عربيتها". ويعقب على ذلك بأنه يعتقد أنه "إذا كان هناك نص عربي لا تقبل لغته شكًّا ولا ريبًا وهو لذلك أوثق مصدر للغة العربية، فهو القرآن، وبنصوص القرآن وألفاظه يجب أن يستشهد على صحة ما يسمونه الشعر الجاهلي، بدل أن نستشهد بهذا الشعر على نصوص القرآن". ويستمر فيذكر أن الخصومات التي حدثت بين العلماء وأصحاب التأويل على فهم القرآن وتأويل نصوصه، "كان له تأثير غير قليل في مكانة العالم وشهرته، ورأي الناس فيه، وثقة الأمراء والخلفاء بعلمه، ومن هنا كان العلماء حراصًا على أن يظهروا دائمًا بمظهر المنتصرين في خصوماتهم، الموفقين للحق والصواب فيما يذهبون إليه من رأي، وأي شيء يتيح لهم هذا إلا الاستشهاد بما قالته العرب قبل نزول القرآن؟ وقد كثر استغلالهم لهذا الاستشهاد فاستشهدوا بشعر الجاهليين على كل شيء. وأصبحت قراءة الكتب الأدبية واللغوية وكتب التفسير والمقالات تترك في نفسك أثرًا قويًّا، وصورة غريبة لهذا الشعر الجاهلي، حتى ليخيل إليك أن أحد هؤلاء العلماء، على اختلاف ما كان ينظر فيه من فروع العلم، لم يكن عليه إلا أن يمد يده إذا احتاج، فيظفر بما شاء الله من كلام العرب قبل الإسلام، كأن كلام العرب قبل الإسلام قد وعى كل شيء، وأحصى كل شيء ... فالمعتزلة يثبتون مذاهبهم بشعر العرب الجاهليين، وغير المعتزلة من أصحاب المقالات ينقضون آراء المعتزلة معتمدين على شعر الجاهليين". ثم يتطرق إلى جانب آخر من جوانب الناحية الدينية، فيقول ٧٣: "وشاعت في العرب أثناء ظهور الإسلام وبعده فكرة أن الإسلام يجدد دين إبراهيم، ومن هنا أخذوا يعتقدون أن دين إبراهيم هذا قد كان دين العرب في عصر من العصور، ثم أعرضت عنه لما أضلها المضلون، وانصرفت إلى عبادة الأوثان. ولم يحتفظ بدين إبراهيم إلا أفراد قليلون يظهرون من حين إلى حين، وهؤلاء الأفراد يتحدثون، فنجد من أحاديثهم ما يشبه الإسلام. وتأويل ذلك

стр. 271

يسير، أتباع إبراهيم، ودين إبراهيم هو الإسلام، وتفسير هذا من الوجهة العلمية يسير أيضًا، فأحاديث هؤلاء الناس قد وضعت لهم وحملت عليهم حملًا بعد الإسلام، لا لشيء إلا ليثبت أن للإسلام في بلاد العرب قدمة سابقة، وعلى هذا النحو تستطيع أن تحمل كل ما تجده من هذه الأخبار والأشعار والأحاديث التي تضاف إلى الجاهليين، والتي يظهر بينها وبين ما في القرآن والحديث شبه قوي أو ضعيف". ولهذا يقول٧٤: "ونحن نعتقد أن هذا الشعر الذي يضاف إلى أمية بن أبي الصلت وإلى غيره من المتحنفين الذين عاصروا النبي ﷺ أو جاءوا قبله، إنما نحل نحلًا، نحله المسلمون ليثبتوا -كما قدمنا- أن للإسلام قدمة سابقة في البلاد العربية. ومن هنا لا نستطيع أن نقبل ما يضاف إلى هؤلاء الشعراء، والمتحنفين إلا مع شيء من الاحتياط والشك غير قليل". وينتقل إلى آخر نقطة في الناحية الدينية؛ وهي اليهودية والنصرانية وصلتهما بنحل الشعر، ويدعي أن هاتين الديانتين كانتا منتشرتين في بلاد العرب، ثم يقول٧٥: "مهما يكن من شيء فليس من المعقول أن ينشر هذان الدينان في البلاد العربية دون أن يكون لهما أثر ظاهر في الشعر العربي قبل الإسلام، وقد رأيت أن العصبية العربية حملت العرب على أن ينحلوا الشعر ويضيفوه إلى عشائرهم في الجاهلية بعد أن ضاع شعر هذه العشائر، فالأمر كذلك في اليهود والنصارى: تعصبوا لأسلافهم من الجاهليين، وأبوا إلا أن يكون لهم شعر كشعر غيرهم من الوثنيين وأبوا إلا أن يكون لهم مجد وسؤدد أيضًا، فنحلوا كما نحل غيرهم، ونظموا شعرًا أضافوه إلى السموءل بن عادياء، وإلى عدي بن زيد وغيرهما من شعراء اليهود والنصارى". وظاهر هنا أن الدكتور طه حسين أثار تحت هذه الناحية كثيرًا من المسائل، يعتقد أن ما قيل فيها من الشعر منحول، وهي: ما قيل من الشعر إرهاصًا لبعثة النبي ﷺ ، وما أضيف إلى الجن، وما ينسب إلى الأمم البائدة عند تفسير الآيات التي تتحدث عنهم، وما يستشهد به على تفسير القرآن ومعاني ألفاظه، وما يورده علماء اللغة والدين من

стр. 272

استشهادات لإثبات سعة علمهم وتأييد آرائهم، وما ينسب إلى من سموا بالموحدين، وما يضاف إلى شعراء اليهود والنصارى. ولا شك أن فيما ذكره عن هذه المسائل شيئًا من الشعر والنصوص الأدبية قيل بعد الإسلام ونسب إلى أدباء جاهليين، وقد فطن إلى ذلك العلماء والنقاد والقدماء، ونصوا على نحل بعض الآثار الأدبية التي تتصل بهذه المسائل، وقد رأينا فيما اقتبسناه من ابن سلام والرافعي ما يثبت ذلك. ومن الردود على مسألة النصوص الأدبية التي وردت ممهدة لبعثة النبي ﷺ ، قول الأستاذ محمد الخضر حسين٧٦: "أما الذين يعتقدون بأن نبوة أفضل الخلق حق، فمن الجائز عندهم أن يسبقها شعر أو خبر يتصل بها، وشأنهم أن يفحصوا ما يرد في هذا الصدد، ويضعوه بمنزلته من الوضع أو الضعف أو الصحة، وكذلك فعل علماء الإسلام فحكموا على جانب مما كان من هذا القبيل بالوضع كالأخبار والأشعار المعزوة إلى قس بن ساعدة". والمعروف دائمًا أن الثورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية تحدث عقب تدهور وفوضى وفساد. فسوء الحال في أية ناحية من نواحي الحياة يدفع المفكرين وذوي الفطنة، وأصحاب المواهب إلى البحث عن وسائل الإصلاح، فيضرعون إلى الله أن يلهمهم الصواب، ويفكرون، ويتعمقون في التفكير، فإذا ما هداهم الله سبيل الرشاد, وأنار لهم الطريق، قضوا على الفوضى، وأصلحوا الفاسد، وقوموا المعوج. فتزول الغمة وتستقيم الأمور. وإذا كان الحال كذلك في نواحي الحياة العملية فلماذا لا يكون ذلك في النواحي الروحية؟ لماذا لا يحدث ذلك في الناحية الدينية، حينما تنتشر فيها الفوضى، ويعم الفساد، ويسود الجهل، ويضل الإنسان الطريق الصحيح إلى الدين القديم؟ إن السنة الطبيعية للإنسان والحياة تؤكد أنه في أثناء الأزمات، وفي أحرج الأوقات توجد في المجتمعات عقول منيرة، وأفكار وضاءة ترسل أشعتها وسط الظلمات، وتتلمس المنافذ إلى آفاق الطمأنينة والاستقرار. وقد رأينا ما كانت عليه الحال من سوء وفساد بين العرب الجاهليين في شتى نواحي الحياة وبخاصة في الدين، فكانوا في الحقيقة يعيشون في فوضى سياسية واجتماعية ودينية؛ أمن

стр. 273

معدوم، وخطر يتهدد النفوس، وظلم واعتداء، وسلب ونهب، وضلال ديني، وفوضى ضاربة أطنابها في كل شيء: فساد وظلام، وزعزعة واضطراب. ومن الطبيعي حينئذ أن يكون من بين أبنائهم من كانت فيهم بصيرة نافذة، وعقول مفكرة، فرأوا ذلك وأحسوه، فاتجهوا بنفوسهم نحو التفكير السليم، والطريق الصحيحة، يتلمسون النور، ويرجون الحق والصواب، وربما كان من هؤلاء من رزقوا الموهبة الفنية الأدبية، فصوروا مشاعرهم، وخلجات نفوسهم في صورة من يرى النور، ويحدوه الأمل، وينتظر تحقيق الرجاء فكان ذلك إرهاص الخير، وبشير الاطمئنان. لذلك لا نستبعد أن في الجاهلية، وبخاصة تلك الفترة التي سبقت بعثة النبي ﷺ مباشرة، قد وجد بين القوم من صفت نفوسهم، وسما تفكيرهم، فوصلوا بتأملاتهم الدينية إلى شيء من الحقيقة في الدين، وتمنوا أن يتحقق لهم الأمل، وتتضح الحقيقة كاملة جلية. ويقول ابن سلام: "وكان أمية "يعنى ابن أبي الصلت" كثير العجائب، يذكر في شعره خلق السموات والأرض، ويذكر الملائكة، ويذكر من ذلك ما لم يذكره أحد من الشعراء، وكان قد شام أهل الكتاب". ثم يقول ابن سلام: "فحدث سفيان وابن دأب، أن أمية مر بزيد بن عمر بن نفيل أخي عدي بن كعب، وكان قد طلب الدين في الجاهلية هو وورقة بن نوفل، فقال أمية: يا باغي الخير، هل وجدت؟ قال: لا"٧٧. وأما ما ينسب إلى الجن من أشعار، فقد قال عنه الأستاذ محمد لطفى جمعة٧٨: "والحقيقة أن عرب الجاهلية كانوا يعتقدون بالجن ونظموا شعرًا جاهليًّا عن علاقة الجن بالشعر والشعراء ... ولم تكن أمة سامية أو آرية تخلو من الاعتقاد بالجن، أو الأرواح الخيرة والشريرة". ويقول: "نقرأ الكثير عن الشعر المروي عن الجن والأنس، ولم يخطر ببالنا يومًا، أن المقصود أن الجن قالته حقًّا وصدقًا، وأنها تنشر باللغة العربية والأوزان العربية شعرًا عربيًّا في أمور دينية أو سياسية، ولكنا لو قرأنا، وأدركنا، نعلم أن هذا الشعر يتضمن فكرة الشاعر المعلوم أو المجهول الذي نظمه، ولم ينسبه لنفسه، وأن الجن ليست إلا وسيلة لروايته، كما فعل شعراء الإفرنج، مثل غوته، وشكسبير، ودانتي، وميلتون، فقد أنطقوا الجن في دواوينهم بالشعر والنثر، وزاد دانتى وميلتون بالخوض في وصف الجنة والجحيم، ورويا لنا من شعر

стр. 274

الملائكة والأبالسة ما لم يخطر على قلب البشر، فهل صدقنا أن الملائكة والشياطين والجن قالت هذا الشعر حقًّا؟ وهل يؤمن المؤلف بشاعرية الجن.. بل نعد الشعر الذي نسب إلى الجن في مقتل سعد بن عبادة ورثاء عمر بن الخطاب من النوع التمثيلي الفطري الذي لم تتضح مواهب العرب في بابه؛ لأنهم وإن نظموا شعرًا تمثيليًّا، فإن خيالهم اتجه نحو هذا النوع من الأدب، وقد ألف اليونان قطعًا تمثيلية قوامها شخصيات خيالية أمثال ديونيس وجوبتر وباكوس وبروموتيه"، ويقول: "إن الشعر الذي تزعم الأعراب أنه للجن، والأخبار التي عقدوها لها، وتناقلها عنهم الرواة، إنما هو من قبيل الخيال الشعري". ويعلل بعض الباحثين الشعر الذي ينسبه الأعراب إلى الجن، بأن ذلك من أثر الفلاة والخلاء والوحشة والبعد عن الإنس، فأخبار الجن لا تعرف إلا عن رجل من الرواة الذين يقصون للعامة وأشياء العامة. ثم إن "شياطين الشعراء" فكرة، بل عقيدة راسخة عند العرب منذ القدم. وأما ما ينسب إلى عبد المطلب وهاشم وعبد مناف وقصي من أخبار، فيجوز أن يكون ذلك مما نسب إلى قريش أنها افتعلته فيما بعد، وأما المثال الشعري الذي أورده الدكتور طه حسين٧٩ ليدلل على نحل الشعر الجاهلي في قريش، فهو شعر إسلامي إذ ينسب إلى قائل قاله بعد ظهور الإسلام، ثم إن النقاد عرفوه ونبهوا عنه. وأما ما يذكره عن الشعر المنسوب إلى الأمم البائدة، فقد نبه عليه القدماء، وبينوا وجه انتحاله، واعترف الدكتور طه بأن ابن سلام كفاه ذلك "حين جد في طبقات الشعراء في إثبات أن هذا الشعر وما يشبهه مما يضاف إلى تبع وحمير.. وعاد، وثمود، منحول وضعه ابن إسحاق ومن إليه من أصحاب القصص". وأما عن الشعر الذي يساق الاستشهاد به في التفسير، وبين علماء التأويل، فقد سبق أن وضحنا القول في هذا الشأن. وأما ما ينسب إلى الموحدين من نصوص شعرية، فيجوز أن يكون ذلك من خلجات ذوي النفوس الشفافة الذين أشرنا إليهم سابقًا، ممن يرون بصيص النور في دياجير الظلام، فاهتدوا إلى شيء من الصواب، وجاء ما اهتدوا إليه موافقًا للحق والرشاد. وما قيل عن أدباء اليهود والنصارى وما نسب إليهم من أدب منحول، فشأنهم في ذلك

стр. 275

شأن غيرهم من الأدباء المسلمين وغيرهم من الطوائف الأخرى، ينطبق عليهم جميعًا المبدأ العام وهو دراسة آثارهم، ومعرفة آراء الثقات من العلماء والنقاد والباحثين السابقين في ذلك فما كان من نصوصهم موضع ثقة هؤلاء، كان موضع قبول واحترام، ما لم تكن هناك براهين قاطعة على خلاف ذلك. وفي أثر القصص في انتحال الأدب، يقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي٨٠: "فلما كثر القصاصون وأهل الأخبار اضطروا من أجل ذلك أن يصطنعوا الشعر لما يلفقونه من الأساطير حتى يوائموا بين رقعتي الكلام، وليحدروا تلك الأساطير من أقرب طريق إلى أفئدة العوام، فوضعوا الشعر على آدم فمن دونه من الأنبياء وأولادهم وأقوامهم، وأول من أفرط في ذلك محمد بن إسحاق". وفي هذا الموضوع يتحدث الدكتور حسين عن أهمية القصص عند العرب، ثم يقول٨١: "وأنت تعلم أن القصص العربي لا قيمة له ولا خطر في نفس سامعيه إذا لم يزينه الشعر.. وإذن فقد كان القصاص أيام بني أمية وبني العباس في حاجة إلى مقادير لا حد لها من الشعر، يزينون بها قصصهم ويدعمون بها مواقفهم المختلفة فيه. وهم قد وجدوا من هذا الشعر ما كانوا يشتهون وفوق ما يشتهون". ويتحدث عن فطنة العلماء والنقاد لهذه المسألة، فيقول٨٢: "كثر هذا الشعر الذي احتاج إليه القصاص لتزدان به قصصهم من ناحية، وليسيغها القراء والسامعون من ناحية أخرى.. وفطن بعض العلماء إلى ما في هذا الشعر من تكلف حينًا، ومن سخف وإسفاف حينًا آخر، وفطن إلى أن بعض هذا الشعر يستحيل أن يكون قد صدر عن الذين ينسب إليهم. ومن هؤلاء محمد بن سلام الذي أنكر -كما رأيت- ما يضيفه ابن إسحاق إلى عاد وثمود وحمير وتبع، وأنكر كثيرًا مما رواه ابن إسحاق في السيرة من شعر الرجال والنساء سواء منهم من عرف بالشعر، أو لم يقل شعرًا قط، وآخرون غير ابن سلام أنكروا ما روى ابن إسحاق وأصحابه القصاصون، نذكر منهم ابن هشام". ومن هذا الجانب ينكر الدكتور طه كل شعر يضاف إلى جذيمة الأبرش، وزهير بن

стр. 276

جناب، ومالك وسعد ابني زيد مناة بن تميم، وأعصر بن سعد بن قيس عيلان. ويقول٨٣: "فليس لهذا كله إلا أصل واحد، وهو تفسير طائفة من الأمثال، ذكرت فيها أسماء هؤلاء الناس كلهم أو بعضهم، كقولهم: "لا يطاع لقصير أمر" وقولهم: "لأمر ما جدع قصير أنفه"، وقولهم: "شب عمرو عن الطوق"، أو ذكر فيها ما يتصل بهؤلاء الناس في هذه القصص التي كانت شائعة عند هؤلاء الأخلاط من سكان العراق والجزيرة والشام، وما يتصل بها من بوادي العرب، كفرس جذيمة التي كانت تسمى "العصا"، والبرج الذي بناه قصير على العصا بعد أن نفقت، وكان يسمى "برج العصا"، ودم جذيمة الذي جمعته الزباء في طست من الذهب، وجمال عمرو بن عدي التي احتال قصير في إدخالها تدمر، وعليها الرجال في الغرائر". ويدخل الدكتور طه حسين في هذا النوع أخبار المعمرين، كالمستوغر بن ربيعة بن سعد، ودريد بن زيد بن نهد. ثم يتحدث عن أيام العرب، فيقول ٨٤: "والرواة أشد انخداعًا حين يتصل الأمر بالبادية اتصالًا شديدًا، وذلك في هذه الأخبار التي يسمونها "أيام العرب"، أو "أيام الناس" فهم قد سمعوا بعض هذه الأخبار من الأعراب، ثم رأوها تقص مفصلة مطولة، فقبلوا ما كان يروى منها على أنه جد من الأمر، ورووه، وفسروه وفسروا به الشعر، واستخلصوا منه تاريخ العرب، مع أن الأمر فيه لا يتجاوز ما قدمناه. فليست هذه الأخبار إلا المظهر القصصي لهذه الحياة العربية القديمة، ذكره العرب بعد أن استقروا في الأمصار، فزادوا فيه، ونموه، وزينوه بالشعر؛ كما ذكر اليونان قديمهم فأنشئوا فيه "الإلياذة" و"الأوديسا" وغيرهما من قصائد الشعر القصصي التي لم يكن يبلغها الإحصاء. فحرب البسوس، وحرب داحس والغبراء، وحرب الفجار، وهذه "الأيام" الكثيرة التي وضعت فيها الكتب ونظم فيها الشعر، ليست في حقيقة الأمر -إن استقامت نظريتنا- إلا توسيعًا وتنمية لأساطير وذكريات كان العرب يتحدثون بها بعد الإسلام". ثم ينتهي إلى أن يقول ٨٥:

стр. 277

ومن هنا نستطيع أن نقول مطمئنين: إن مؤرخ الآداب العربية خليق أن يقف موقف الشك -إن لم يقف موقف الإنكار الصريح- أمام هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين؛ والذي هو في الحقيقة تفسير أو تزيين لقصة من القصص، أو توضيح لاسم من الأسماء، أو شرح لمثل من الأمثال". ثم يسمي ما يندرج تحت هذا، فيقول: "كل ما يروى عن عاد وثمود وطسم وجديس وجرهم والعماليق موضوع لا أصل له، وما يروى عن تبع وحمير وشعراء اليمن في العصور القديمة وأخبار الكهان، وما يتصل بسيل العرم وتفرق العرب بعده موضوع لا أصل له، وكل ما يروى عن أيام العرب وحروبها وخصوماتها وما يتصل بذلك من الشعر، خليق أن يكون موضوعًا، والكثرة المطلقة منه موضوعة من غير شك، وكل ما يروى من هذه الأخبار والأشعار التي تتصل بما كان بين العرب والأمم الأجنبية من العلاقات قبل الإسلام كعلاقاتهم بالفرس واليهود والحبشة، خليق أن يكون موضوعًا، وكثرته المطلقة موضوعة من غير شك". وظاهر من هذا أن الدكتور طه حسين يذكر كثيرًا مما قاله السابقون، ويعترف بأن العلماء والنقاد كانت لديهم فطنة يستطيعون بها أن يميزوا بين الأصيل والدخيل، فقبلوا الأول، ورموا الثاني بالصنعة والزيف. ولكن الأسماء التي ذكرها أسماء تاريخية، تحدثت عنها كتب التاريخ والأدب، وبعضهم لعب في حياته دورًا هامًّا لفت الأنظار إليه. ثم إن الأمثال العربية لها أصل حتمًا، فالمثل يضرب، لتشبيه الحالة التي يقال فيها، بالحال التي قيل بسببها، غير أن الأسماء السحيقة القدم، مثل أعصر بن قيس عيلان من المستبعد حقًّا -كما يقول الدكتور طه- أن يكون لسانهم الأدبي، هو اللغة الفصحى التي ورد بها الأدب الجاهلي الذي لا يتعدى أقدم نص فيه مدة قرنين قبل الإسلام. أما الأمم التي بادت، ولم يرد ذكرها إلا في الكتب السماوية، فواضح جدًّا أنهم لم يقولوا هذا الشعر الذي ينسب إليهم, وأن الذين قالوه ونسبوه إليهم، إنما فعلوا ذلك، تصويرًا لحالهم، ونطقًا بلسانهم، كي تتضح قصصهم، وتكون أكثر قبولًا لدى السامعين. وأما أيام العرب، فهي حقيقة، حدثت بينهم وأثرت في حياتهم، وتحدثوا عنها في الجاهلية، فأثارت مشاعر القوم، وحركت عواطف الشعراء، فقالوا فيها أروع قصائدهم، وأجمل نصوصهم الأدبية، وكان النصر فيها مجال فخرهم، والهزيمة فيها عار لا يمحى إلا بنصر

стр. 278

مؤزر، وكان الحديث عنها مادة شعرهم، ومجال سمرهم، وليست قصصها، وما فيها من أشعار، أساطير وذكريات كان العرب يتحدثون بها بعد الإسلام، فطبيعة الحياة تأبى ذلك؛ فالبيئة التي كان يعيش فيها الجاهليون سببت لهم حروبًا وغارات كثيرة خاضوا غمارها، والحرب دائمًا تقصد القتل والإهلاك، وما أشد مثل هذه الظاهرة إثارة لمشاعر الناس وعواطف الأدباء، ولهذا عد النقاد الحرب أعظم مثير للموهبة الشعرية، فبسببها يكثر الشعر، وتنحل عقدة اللسان. ومن ثم فالطبيعة الإنسانية تأبى إلا تصوير الحرب بما يحرك المشاعر ويثير الوجدان، وذلك هو الأدب. فالذي لا شك فيه أن الجاهليين قالوا في حروبهم نصوصًا أدبية، شعرًا ونثرًا، بما يصورها تصويرًا عاطفيًّا مثيرًا، ومن غير المعقول أن يظل العرب صامتين إلى أن تصبح هذه الحروب ذكريات عند ذرياتهم وأجيالهم المتأخرة، وهل يجوز أن تثير ذكريات الحرب مشاعر الأبناء، ولا تثير الحرب نفسها مشاعر الآباء؟ حقيقة قد تكون قصص الأيام دخلها شيء من المبالغات، أو الزيادة، بحكم مرور الزمن، وتعاقب الأجيال. ولكن مما لا شك فيه، أن الرواة الذين خصصوا أنفسهم للأخبار، من أمثال أبي عبيدة معمر بن المثنى قد بذلوا مجهودًا عظيمًا في استكشاف الحقائق، وتنقيتها من الشوائب، وشرح النقائض لأبي عبيدة خير شاهد على ذلك. وهنا يثير الدكتور طه حسين موضوع اتصال العرب بغيرهم من الأمم الأخرى بطريقة تناقض إثارته لهذا الموضوع نفسه من قبل، فقد سبق أن طعن في الأدب الجاهلي، ورماه بالزيف والتزوير، لأنه لم يصور العلاقات الخارجية للعرب، ولكنه هنا يطعن في الأدب الجاهلي، ويرميه بالصنعة والاختلاق لأن فيه نصوصًا تتصل بما كان بين العرب والأمم القديمة من العلاقات قبل الإسلام كعلاقاتهم بالفرس واليهود والحبشة، ألا يبدو ذلك مثيرًا للعجب أيضًا؟ إن لم يوجد نص في هذه العلاقات، فالأدب كله عيوب ونقائص ولا يصلح لشيء فهو كاذب، وإن وجدت هذه النصوص فهي مختلقة ومزيفة، لأنها لم تأت إلا لتفسير خبر أو تزيين قصة، وليست حقيقة لمن تنسب إليهم!!! فالحقيقة أن صلة العرب الجاهليين بالأمم الأخرى لا شك فيها، وتردد صداها في الأدب الجاهلي وظهر أثرها واضحًا في اللغة العربية وأدبها؛ لذلك ينبغي أن نطمئن إلى ما قيل في أيام العرب من نصوص أدبية، قبلها الثقات؛ أمثال أبي عبيدة معمر بن المثنى، وأبي عمرو بن

стр. 279

العلاء، والمفضل الضبي، والأصمعي، وغيرهم ممن اشتهروا بالتدقيق والتمحيص. وعن الشعوبية وصلتها بنحل الشعر، تحدث الدكتور طه حسين عن نشأة الشعوبية بعد دخول الموالي في الإسلام، وموقفهم من الأحزاب السياسية منذ قيام الدولة الأموية، واستغلالهم الخصومات السياسية التي كانت بين هذه الأحزاب ليعيشوا من جهة، وليخرجوا من الرق، أو من حياة الولاء إلى حياة تشبه حياة الأحرار والسادة من جهة أخرى، ثم ليشفوا ما في صدورهم من غل، وينفسوا عن أنفسهم ما كانوا يضمرون من ضغينة للعرب من جهة ثالثة٨٦؛ ثم ضرب أمثلة من حقد الموالي المغلوبين، على العرب الغالبين، وأعقب ذلك بأن الشاعر من الموالي كان يكفيه، عندما يحاول الافتخار، أن يثبت أن العرب أنفسهم كانوا قبل أن يتيح لهم الإسلام هذا التغلب يعترفون بفضل الفرس وتقدمهم، ويقولون في ذلك الشعر يتقربون به إليهم، ويبتغون به المثوبة عندهم، ولا سيما إذا كانت الحوادث التاريخية والأساطير تعين على ذلك وتدني منه٨٧: ويضرب أمثلة على سلطان الفرس قبل الإسلام بسيطرتهم على العراق، واحتلالهم اليمن بعد إخراجهم الحبشة منها، وما كان بين العرب والفرس من وقائع، وتبعية ملوك الحيرة لهم. ويرتب على ذلك أن الموالي أنطقوا العرب بكثير من نثر الكلام وشعره، فيه مدح للفرس وثناء عليهم، وتقرب منهم، وهم زعموا أن الأعشى زار كسرى ومدحه وظفر بجوائزه، وهم أضافوا إلى عدي بن زيد ولقيط بن يعمر وغيرهما عن أياد والعباد كثيرًا من الشعر، فيه الإشادة بملوك الفرس وسلطانهم وجيوشهم، وهم أنطقوا شاعرًا من شعراء الطائف بأبيات رواها الثقات من الرواة على أنها صحيحة لا شك فيها، وهي أبيات تضاف إلى أبي الصلت بن ربيعة، وهو أبو أمية بن أبي الصلت المعروف. ويتحدث عن الشعوبية عند العرب، فيقول٨٨: "فكان العرب مضطرين إلى أن يجيبوا بلون من النحل يشبه هذا اللون، فيه تغليب للعرب على الفرس، وفيه إثبات لأن ملك الفرس في الجاهلية وتسلطهم على العرب لم يكن من شأنه أن يذل هؤلاء أو يقدم عليهم أولئك. ومن هنا مواقف هذه الوفود التي تتحدث أمام كسرى بمحامد العرب وعزتها ومنعتها

стр. 280

وإبائها للضيم، ومن هنا هذه المواقف التي تضاف إلى ملوك الحيرة، والتي تظهر الملوك أحيانًا عصاة مناهضين للملك الأعظم، ثم من هنا هذه الأيام والوقائع التي كانت للعرب على الفرس كيوم ذي قار". ويستمر في الحديث عن الشعوبية، فيقول: "إنها في العصر العباسي تطورت إلى شعوبية عملية، كل من الفريقين يحاول أن يثبت لنفسه تقدمًا، وقدمًا راسخة في العلم والأدب، ويحط من شأن الآخر في هذا الميدان، وألفوا في ذلك كتبًا؛ ومن كتب الشعوبية ضد العرب كتاب "مثالب العرب" لأبي عبيدة معمر بن المثنى، وهو كتاب لا نعرف الآن إلا اسمه، ويقول٨٩: "وأما غير أبي عبيدة من علماء الموالي ومتكلميهم وفلاسفتهم فقد كانوا يمضون في ازدراء العرب إلى غير حد، ينالونهم في حروبهم، وينالونهم في شعرهم، وينالونهم في خطاباتهم، وينالونهم في دينهم أيضًا، فليست الزندقة إلا مظهرًا من مظاهر الشعوبية، وليس تفضيل النار على الطين، وإبليس على آدم، إلا مظهرًا من مظاهر الشعوبية الفارسية التي كانت تفضل المجوسية على النار". ويقول٩٠: "وأنت تجد في "البيان والتبيين" كلامًا كثيرًا تستبين منه إلى أي حد كان الفرس يعجبون بآثار الأمم الأعجمية، ويقدمونها على آثار العرب، فهم يعجبون بخطب الفرس وسياستهم، وعلم الهند وحكمتها، ومنطق اليونان وفلسفتهم، وهم ينكرون على العرب أن يكون لهم شيء يقارب هذا، والجاحظ ينفق ما يملك من قوة ليثبت أن العرب يستطيعون أن ينهضوا لكل هذه المفاخر الأعجمية وأن يأتوا بخير منها". ويقول: "ولعل أصدق مثال لهذه الخصومة العنيفة بين علماء العرب والموالي هذا الكتاب الذي كتبه الجاحظ في البيان والتبيين، وهو "كتاب العصا".. يثبت فيه أن العرب أخطب من العجم، وأن اتخاذ الخطيب العصا لا يغض من فنه الخطابي. أليست العصا محمودة في القرآن والسنة وفي التوراة وفي أحاديث القدماء؟ ". ثم يقول٩١: "والذي يعنينا من هذا كله هو أن نلاحظ أن الجاحظ وأمثاله من الذين كانوا يعنون بالرد على الشعوبية، مهما يكن علمهم ومهما تكن روايتهم، لم يستطيعوا أن

стр. 281

يعصموا أنفسهم من هذا النحل الذي كانوا يضطرون إليه اضطرارًا ليسكتوا خصومهم من الشعوبية، فليس من اليسير أن نصدق أن كل ما يرويه الجاحظ من الأشعار والأخبار حول العصا والمخصرة ويضيفه إلى الجاهليين صحيح. ونحن نعلم حق العلم أن الخصومة حين تشتد بين الفرق والأحزاب فأيسر وسائلها الكذب". ويستمر فيقول: "إن الخصومة بين العرب والعجم، دعت العرب وأنصارهم إلى أن يزعموا أن الأدب العربي القديم لا يخلو ولا يكاد يخلو من شيء تشتمل عليه العلوم المحدثة.. ومن هنا لا نكاد نجد شيئًا من هذه الأنواع الحيوانية التي عرض لها الجاحظ في كتاب الحيوان إلا وقد قالت العرب فيه شيئًا قليلًا أو كثيرًا، طويلًا أو قصيراً، واضحًا أو غامضًا.. هم مضطرون إلى ذلك اضطرارًا ليثبتوا فضلهم على هذه الأمم المغلوبة، واضطراهم يشتد ويزداد شدة بمقدار ما يفقدون من السلطان السياسي، وبمقدار ما ترفع هذه الأمم المغلوبة رءوسها". هذا هو مجمل ما قيل عن أثر الشعوبية في نحل الشعر الجاهلي، ويتلخص في أن الكراهية التي حدثت بين العرب والفرس بسبب الفتح والغلبة جعلت كلًّا من الفريقين يحاول أن يثبت تفوقه على الآخر قبل الإسلام، فاختلق الأشعار ليؤيد بها دعواه. والحقيقة أن العرب فتحوا بلادًا كثيرة واسعة، وعاش الجميع إخوة في ظل الإسلام، وتحت لواء قانونه الذي يتساوى بمقتضاه الجميع، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ و "لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى". فالإيمان جمع بين قلوبهم، وشد من أزرهم، وكان المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا. فاختلط العرب بالعجم، وانتقل كل منهم إلى ديار الآخر، وأقاموا معًا في اتحاد ووئام، وارتبطوا بالأخوة الصادقة، والمصاهرة، ونشأ من تصاهرهم أبناء جمعوا بين الدمين. فكانت الظاهرة العامة إخاءً وتعاونًا، وحبًّا وثقة، حتى أصبح كثير من الموالي مقربين إلى الحكام العرب، وكان منهم مشيرون ووزراء، ومن الناحية العلمية، وبخاصة في النواحي العربية والإسلامية برع فيها كثير من الموالي، وأصبحوا علماء، يرجع إليهم في كثير من المعضلات، وتركوا مؤلفات لا تزال حتى يومنا هذا من أهم المراجع العلمية، فقد كان من الموالي من لا ينكر فضلهم في خدمة اللغة العربية وآدابها، بالرواية والتأليف كسيبويه، وأبي عبيدة، وابن السكيت؛ وكذلك في

стр. 282

النواحي الإسلامية، ومن آثارهم هذه المؤلفات الضخمة في التفسير والحديث والفقه وعلم الكلام والفلسفة الإسلامية. ومن الطبيعي أن يحدث في كل مجتمع تنافس بين أفراده ومجموعاته، حتى ولو كانوا من جنس أو أصل واحد، فما بالك إذا كان المجتمع يتكون من عناصر مختلفة الجنس أو الأصل، لا بد أن نتوقع أن يحدث شيء من ذلك في كل مجتمع، ولكنه لن يكون عامًّا، وإنما يكون على صورة حوادث فردية، ولا تشمل الرأي العام بحال من الأحوال. وإلا تفككت أوصال هذا المجتمع، وانقسموا على أنفسهم، فتذهب ريحهم، وينتهي أمرهم. حقيقة حدثت شعوبية بين العرب والموالي، بطبيعة الحال، وقد تحدث عنها التاريخ والأخبار بما لا يدع مجالًا للشك فيها، ولكنها لم تكن بهذه الصورة المخيفة المفزعة التي تبدو من تصوير الدكتور طه حسين. إنما كانت حوادث فردية، وما كتب فيها من شعر أو مؤلفات كان بحكم ما في هؤلاء الأفراد من غريزة حب الظهور والتعالي بالنفس والجنس، كما كان من أبي عبيدة والجاحظ. ولا يستطيع أحد أن ينكر صلة العرب بالفرس قبل الإسلام، وقد تحدثت عنها كتب التاريخ والأدب، وكان من الطبيعي أن تؤثر هذه الصلة في الأدب، وأن تؤثر كذلك في لغة العرب، وقد أشرنا إلى ذلك فيما سبق. وقد كانت هذه الصلة سببًا في اتصال بعض الشعراء والأدباء بالفرس بطريق مباشرة أو غير مباشرة عن طريق العرب الذين كانوا يتصلون بالفرس، وقد أثبت التاريخ اتصال بعض أدباء العرب الجاهليين بالفرس كالأعشى وعدي بن زيد ولقيط الإيادي، فكان من الطبيعي حينئذ أن نجد لهم آثارًا أدبية تتصل بهم. ولكنا لا نتوقع بأي حال من الأحوال أن نجد لأديب عربي نصًّا أدبيًّا يمدح فيه أحدًا من الأعاجم مهما علا شأنه مدحا يرفعه فوق قومه، أو يعليه إلى درجة قومه، فذلك غير معهود في العربي، فمثل هذه النصوص إن وجدت يغلب عليها الاختلاق والتزوير. وكذلك الحال إن وجدنا فيما ينسب إلى العرب ما يدل على علمهم بالجزئيات الدقيقة في محيط العلوم المحدثة، فذلك يبدو افتعاله؛ لأنه لم يؤثر مثل هذه الإحاطة العلمية الدقيقة عنهم قبل الإسلام. أما الحوادث الثابتة تاريخيًّا، كيوم ذي قار، فالإنصاف يقتضي ألا تكون موضع شك أو جدال، فالعرب والفرس لا بد -بحكم الاتصال والاختلاط- قد حدث بينهم خلاف في

стр. 283

بعض وجهات النظر، أدى في بعض الأحيان، إلى اتساع هوة الشقاق، إلى أن وصل الحال بينهم إلى وقوع صدام مسلح، وهكذا حدثت بينهم مواقع وحروب سجلها التاريخ، وتحدثت عنها الروايات والأخبار. هذه الحروب والمواقع التي حدثت بين العرب والفرس، شأنها شأن أي صدام مسلح أي قتال يحدث بين فريقين من العرب أو من غيرهم، من حيث روايتها بالحقيقة كما حدثت لا أكثر ولا أقل، أو من حيث تجاوز الحقيقة بالمبالغة ومطالعة الخيال، ومن ثم يجوز أن يكون قد دخلها شيء من المبالغات بحكم طبيعة الإنسان. ولكن مما يغلب على الظن، بل قد يكون من المؤكد أن العرب قد تحدثوا عن هذه الأيام، وقال فيها الأدباء ما يصور عواطفهم ومشاعرهم نحو هذه الأحداث التي كانت ولا شك أبعد أثرا في نفوسهم من حروبهم الداخلية التي تكون بين فريقين من العرب. وفي الحديث عن الرواة ونحل الشعر، يقول الدكتور طه حسين "ولعل أهم هذه المؤثرات التي عبثت بالأدب العربي، وجعلت حظه من الهزل عظيمًا: مجون الرواة وإسرافهم في اللهو والعبث، وانصرافهم عن أصول الدين وقواعد الأخلاق إلى ما يأباه الدين وتنكره الأخلاق". ولكنه لا يتحدث هنا إلا عن اثنين من الرواة، فيقول: "ولست أذكر هنا إلا اثنين إذا ذكرتهما فقد ذكرت الرواية كلها والرواة جميعًا فأما أحدهما فحماد الراوية، وأما الآخر فخلف الأحمر". ويتحدث عنهما فيقول: "كان حماد الراوية زعيم أهل الكوفة في الرواية والحفظ، وكان خلف الأحمر زعيم أهل البصرة في الرواية والحفظ أيضَا، وكان كلا الرجلين مسرفًا على نفسه، ليس له حظ من دين ولا خلق ولا احتشام ولا وقار، وكان كلا الرجلين سكيرًا فاسقًا، مستهترًا بالخمر والفسوق وكان كلا الرجلين صاحب شك ودعابة ومجون". ويذكر أن حمادًا كان صديقًا لحماد عجرد، وحماد الزبرقان، ومطيع بن إياس، وأن خلفا كان صديقًا لوالبة بن الحباب وأستاذًا لأبي نواس، وأن "هؤلاء جميعًا كانوا من أمصار

стр. 284

العراق الثلاثة ومظهر الدعابة والخلاعة، ليس منهم إلا من اتهم في دينه، ورمي بالزندقة، يتفق على ذلك الناس جميعًا، لا يصفهم أحد بخير، ولا يزعم لهم أحد صلاحًا في دين أو دنيا". ثم يسوق جملة من الأقوال التي قيلت ضد كل منهما، فيذكر ضد حماد، قول المفضل الضبي فيه، ورأي يونس بن حبيب، وحادثة حماد مع بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، ثم يعقب على ذلك، فيقول: "وفي الحق أن حمادًا كان يسرف في الرواية والتكثر منها، وأخباره في ذلك لا يكاد يصدقها أحد، فلم يكن يسأل عن شيء إلا عرفه". ويقول عن خلف: "وأما خلف فكلام الناس في كذبه كثير". ويتطرق في حديثه هنا إلى أبي عمرو الشيباني فيقول إنه "راوية كوفي، لم يكن أقل حظًّا من صاحبيه هذين في الكذب والنحل ... ويقول خصومه: إنه كان ثقة لولا إسرافه في شرب الخمر". ويذكر رأيه في أبي عمرو الشيباني فيقول: "وأكبر الظن أنه كان يؤجر نفسه للقبائل، يجمع لكل واحدة منها شعرًا، يضيفه إلى شعرائها، وليس هذا غريبًا في تاريخ الأدب، كان مثله كثيرًا في تاريخ الأدب اليوناني والروماني". وينتهي الأمر إلى أن يقول: "وإذا فسدت مروءة الرواة، كما فسدت مروءة حماد وخلف وأبي عمرو الشيباني، وإذا أحاطت بهم ظروف مختلفة تحملهم على الكذب والنحل، ككسب المال، والتقرب إلى الأشراف والأمراء وظهور على الخصوم والمتنافسين ونكاية العرب ـ نقول: إذا فسدت مروءة هؤلاء الرواة فأحاطت بهم مثل هذه الظروف، كان من الحق علينا ألا نقبل مطمئنين ما ينقلون إلينا من شعر القدماء". وبعد أن انتهى من رواة الأمصار التفت إلى رواة الأعراب، فرماهم بأنهم كانوا يتخذون النحل في الشعر واللغة، وسيلة من وسائل الكسب، وقال عنهم: "فليس من شك عند من يعرف أخلاق الأعراب في أن هؤلاء الناس حين رأوا إلحاح أهل الأمصار عليهم في طلب الشعر والغريب وعنايتهم بما كانوا يلقون إليهم منها، قدروا بضاعتهم، واستكثروا منها.

стр. 285

ثم لم يلبثوا أن أحسوا ازدياد حرص الأمصار على هذه البضاعة، فجدوا في تجارتهم، وأبوا أن يظلوا في باديتهم ينتظرون رواة الأمصار.. وكذلك انحدروا إلى الأمصار في العراق خاصة، وكثر ازدحام الرواة حولهم، فنفقت بضاعتهم، وأنت تعلم أن نفاق البضاعة أدعى إلى الإنتاج، فأخذ هؤلاء الأعراب يكذبون، وأسرفوا في الكذب، حتى أحس الرواة أنفسهم ذلك". ويبدو من ذلك أن الدكتور طه يطعن في الرواة كلهم سواء كانوا من الأمصار أو من البادية بحجة سوء أخلاقهم، ويؤيد ذلك بما قيل في حق الرواة الذين تحدث عنهم. وقد سبق أن ذكرنا أهم ما قيل عن الرواة، وتبين أن الكثرة منهم كانوا أهل ثقة واشتهروا بالنزاهة والأمانة، وقليل منهم رموا بالاتهام، وقد اختار الدكتور طه من بين هؤلاء اثنين أورد عنهما ما قال فيهما الخصوم والأعداء، وذكر سوء أخلاقهما وفساد سلوكهما، مما كان شائعًا عنهما ثم طعن بقية الرواة وهم الأكثرية؛ لأن في الرواة هذين الراويتين. وأعتقد أنه كان عدلًا أن نقصر الاتهام على من شاع عنهم عدم الصدق والأمانة ولا نأخذ غيرهم بجريرتهم، كما سبق أن أشرنا إلى ذلك. فالرواة لم يكونوا كلهم أصحاب لهو ومجون، بل فيهم -وهم الأكثرية الغالبة- من كان ثقة صادقًا، مثال النزاهة والأمانة، ومن كان يمحص ويدقق في كل ما يسمع ويأخذ ويروي، فلا يقبل إلا ما ثبتت لديه صحته، كأبي عمرو بن العلاء، والمفضل الضبي، والأصمعي. على أن ما أورده من أقوال تطعن في نزاهة كل من حماد وخلف، إنما هي من أقوال خصومهما وأعدائهما، والمعروف أن المنافسة في كل شيء كفيلة بتوليد الخصومة والعداوة، خصوصًا إذا كان ما يتنافس عليه الأفراد مما يجلب منفعة، أو يحقق مصلحة، أو يعلي المكانة والمنزلة. وقد كان كل من حماد وخلف من المشهود لهم بالتفوق الكامل، والبراعة الفائقة في ميدان الحفظ والرواية، فليس عجيبًا حينئذ أن يخلق ذلك من منافسيهما، وبخاصة من المعاصرين لهم، خصومًا وأعداء، وتعتبر هفوتهم، ولو هينة، جريمة لا تغتفر، وكبوتهم، ولو مرة، سقوطًا إلى الأبد، وليس هناك من بني الإنسان من هو الكامل في كل شيء، فالكمال المطلق لله وحده، ومن الأقوال المشهورة: " لكل عالم هفوة، ولكل جواد كبوة" فالكل معرض للزلات والهفوات، ومن طبيعة الإنسان: السهو والنسيان. ومن ثم فليس عجيبًا من حماد وخلف أن يجيء منهما بعض الخطأ، أو تحدث منهما زلات وهفوات. وليس
следующие страницы →