← Адаб

Адаб · id 12046

في تاريخ الأدب الجاهلي

علي الجندي

Полный текст (554 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

يعصموا أنفسهم من هذا النحل الذي كانوا يضطرون إليه اضطرارًا ليسكتوا خصومهم من الشعوبية، فليس من اليسير أن نصدق أن كل ما يرويه الجاحظ من الأشعار والأخبار حول العصا والمخصرة ويضيفه إلى الجاهليين صحيح. ونحن نعلم حق العلم أن الخصومة حين تشتد بين الفرق والأحزاب فأيسر وسائلها الكذب". ويستمر فيقول: "إن الخصومة بين العرب والعجم، دعت العرب وأنصارهم إلى أن يزعموا أن الأدب العربي القديم لا يخلو ولا يكاد يخلو من شيء تشتمل عليه العلوم المحدثة.. ومن هنا لا نكاد نجد شيئًا من هذه الأنواع الحيوانية التي عرض لها الجاحظ في كتاب الحيوان إلا وقد قالت العرب فيه شيئًا قليلًا أو كثيرًا، طويلًا أو قصيراً، واضحًا أو غامضًا.. هم مضطرون إلى ذلك اضطرارًا ليثبتوا فضلهم على هذه الأمم المغلوبة، واضطراهم يشتد ويزداد شدة بمقدار ما يفقدون من السلطان السياسي، وبمقدار ما ترفع هذه الأمم المغلوبة رءوسها". هذا هو مجمل ما قيل عن أثر الشعوبية في نحل الشعر الجاهلي، ويتلخص في أن الكراهية التي حدثت بين العرب والفرس بسبب الفتح والغلبة جعلت كلًّا من الفريقين يحاول أن يثبت تفوقه على الآخر قبل الإسلام، فاختلق الأشعار ليؤيد بها دعواه. والحقيقة أن العرب فتحوا بلادًا كثيرة واسعة، وعاش الجميع إخوة في ظل الإسلام، وتحت لواء قانونه الذي يتساوى بمقتضاه الجميع، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ و "لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى". فالإيمان جمع بين قلوبهم، وشد من أزرهم، وكان المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا. فاختلط العرب بالعجم، وانتقل كل منهم إلى ديار الآخر، وأقاموا معًا في اتحاد ووئام، وارتبطوا بالأخوة الصادقة، والمصاهرة، ونشأ من تصاهرهم أبناء جمعوا بين الدمين. فكانت الظاهرة العامة إخاءً وتعاونًا، وحبًّا وثقة، حتى أصبح كثير من الموالي مقربين إلى الحكام العرب، وكان منهم مشيرون ووزراء، ومن الناحية العلمية، وبخاصة في النواحي العربية والإسلامية برع فيها كثير من الموالي، وأصبحوا علماء، يرجع إليهم في كثير من المعضلات، وتركوا مؤلفات لا تزال حتى يومنا هذا من أهم المراجع العلمية، فقد كان من الموالي من لا ينكر فضلهم في خدمة اللغة العربية وآدابها، بالرواية والتأليف كسيبويه، وأبي عبيدة، وابن السكيت؛ وكذلك في

стр. 282

النواحي الإسلامية، ومن آثارهم هذه المؤلفات الضخمة في التفسير والحديث والفقه وعلم الكلام والفلسفة الإسلامية. ومن الطبيعي أن يحدث في كل مجتمع تنافس بين أفراده ومجموعاته، حتى ولو كانوا من جنس أو أصل واحد، فما بالك إذا كان المجتمع يتكون من عناصر مختلفة الجنس أو الأصل، لا بد أن نتوقع أن يحدث شيء من ذلك في كل مجتمع، ولكنه لن يكون عامًّا، وإنما يكون على صورة حوادث فردية، ولا تشمل الرأي العام بحال من الأحوال. وإلا تفككت أوصال هذا المجتمع، وانقسموا على أنفسهم، فتذهب ريحهم، وينتهي أمرهم. حقيقة حدثت شعوبية بين العرب والموالي، بطبيعة الحال، وقد تحدث عنها التاريخ والأخبار بما لا يدع مجالًا للشك فيها، ولكنها لم تكن بهذه الصورة المخيفة المفزعة التي تبدو من تصوير الدكتور طه حسين. إنما كانت حوادث فردية، وما كتب فيها من شعر أو مؤلفات كان بحكم ما في هؤلاء الأفراد من غريزة حب الظهور والتعالي بالنفس والجنس، كما كان من أبي عبيدة والجاحظ. ولا يستطيع أحد أن ينكر صلة العرب بالفرس قبل الإسلام، وقد تحدثت عنها كتب التاريخ والأدب، وكان من الطبيعي أن تؤثر هذه الصلة في الأدب، وأن تؤثر كذلك في لغة العرب، وقد أشرنا إلى ذلك فيما سبق. وقد كانت هذه الصلة سببًا في اتصال بعض الشعراء والأدباء بالفرس بطريق مباشرة أو غير مباشرة عن طريق العرب الذين كانوا يتصلون بالفرس، وقد أثبت التاريخ اتصال بعض أدباء العرب الجاهليين بالفرس كالأعشى وعدي بن زيد ولقيط الإيادي، فكان من الطبيعي حينئذ أن نجد لهم آثارًا أدبية تتصل بهم. ولكنا لا نتوقع بأي حال من الأحوال أن نجد لأديب عربي نصًّا أدبيًّا يمدح فيه أحدًا من الأعاجم مهما علا شأنه مدحا يرفعه فوق قومه، أو يعليه إلى درجة قومه، فذلك غير معهود في العربي، فمثل هذه النصوص إن وجدت يغلب عليها الاختلاق والتزوير. وكذلك الحال إن وجدنا فيما ينسب إلى العرب ما يدل على علمهم بالجزئيات الدقيقة في محيط العلوم المحدثة، فذلك يبدو افتعاله؛ لأنه لم يؤثر مثل هذه الإحاطة العلمية الدقيقة عنهم قبل الإسلام. أما الحوادث الثابتة تاريخيًّا، كيوم ذي قار، فالإنصاف يقتضي ألا تكون موضع شك أو جدال، فالعرب والفرس لا بد -بحكم الاتصال والاختلاط- قد حدث بينهم خلاف في

стр. 283

بعض وجهات النظر، أدى في بعض الأحيان، إلى اتساع هوة الشقاق، إلى أن وصل الحال بينهم إلى وقوع صدام مسلح، وهكذا حدثت بينهم مواقع وحروب سجلها التاريخ، وتحدثت عنها الروايات والأخبار. هذه الحروب والمواقع التي حدثت بين العرب والفرس، شأنها شأن أي صدام مسلح أي قتال يحدث بين فريقين من العرب أو من غيرهم، من حيث روايتها بالحقيقة كما حدثت لا أكثر ولا أقل، أو من حيث تجاوز الحقيقة بالمبالغة ومطالعة الخيال، ومن ثم يجوز أن يكون قد دخلها شيء من المبالغات بحكم طبيعة الإنسان. ولكن مما يغلب على الظن، بل قد يكون من المؤكد أن العرب قد تحدثوا عن هذه الأيام، وقال فيها الأدباء ما يصور عواطفهم ومشاعرهم نحو هذه الأحداث التي كانت ولا شك أبعد أثرا في نفوسهم من حروبهم الداخلية التي تكون بين فريقين من العرب. وفي الحديث عن الرواة ونحل الشعر، يقول الدكتور طه حسين "ولعل أهم هذه المؤثرات التي عبثت بالأدب العربي، وجعلت حظه من الهزل عظيمًا: مجون الرواة وإسرافهم في اللهو والعبث، وانصرافهم عن أصول الدين وقواعد الأخلاق إلى ما يأباه الدين وتنكره الأخلاق". ولكنه لا يتحدث هنا إلا عن اثنين من الرواة، فيقول: "ولست أذكر هنا إلا اثنين إذا ذكرتهما فقد ذكرت الرواية كلها والرواة جميعًا فأما أحدهما فحماد الراوية، وأما الآخر فخلف الأحمر". ويتحدث عنهما فيقول: "كان حماد الراوية زعيم أهل الكوفة في الرواية والحفظ، وكان خلف الأحمر زعيم أهل البصرة في الرواية والحفظ أيضَا، وكان كلا الرجلين مسرفًا على نفسه، ليس له حظ من دين ولا خلق ولا احتشام ولا وقار، وكان كلا الرجلين سكيرًا فاسقًا، مستهترًا بالخمر والفسوق وكان كلا الرجلين صاحب شك ودعابة ومجون". ويذكر أن حمادًا كان صديقًا لحماد عجرد، وحماد الزبرقان، ومطيع بن إياس، وأن خلفا كان صديقًا لوالبة بن الحباب وأستاذًا لأبي نواس، وأن "هؤلاء جميعًا كانوا من أمصار

стр. 284

العراق الثلاثة ومظهر الدعابة والخلاعة، ليس منهم إلا من اتهم في دينه، ورمي بالزندقة، يتفق على ذلك الناس جميعًا، لا يصفهم أحد بخير، ولا يزعم لهم أحد صلاحًا في دين أو دنيا". ثم يسوق جملة من الأقوال التي قيلت ضد كل منهما، فيذكر ضد حماد، قول المفضل الضبي فيه، ورأي يونس بن حبيب، وحادثة حماد مع بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، ثم يعقب على ذلك، فيقول: "وفي الحق أن حمادًا كان يسرف في الرواية والتكثر منها، وأخباره في ذلك لا يكاد يصدقها أحد، فلم يكن يسأل عن شيء إلا عرفه". ويقول عن خلف: "وأما خلف فكلام الناس في كذبه كثير". ويتطرق في حديثه هنا إلى أبي عمرو الشيباني فيقول إنه "راوية كوفي، لم يكن أقل حظًّا من صاحبيه هذين في الكذب والنحل ... ويقول خصومه: إنه كان ثقة لولا إسرافه في شرب الخمر". ويذكر رأيه في أبي عمرو الشيباني فيقول: "وأكبر الظن أنه كان يؤجر نفسه للقبائل، يجمع لكل واحدة منها شعرًا، يضيفه إلى شعرائها، وليس هذا غريبًا في تاريخ الأدب، كان مثله كثيرًا في تاريخ الأدب اليوناني والروماني". وينتهي الأمر إلى أن يقول: "وإذا فسدت مروءة الرواة، كما فسدت مروءة حماد وخلف وأبي عمرو الشيباني، وإذا أحاطت بهم ظروف مختلفة تحملهم على الكذب والنحل، ككسب المال، والتقرب إلى الأشراف والأمراء وظهور على الخصوم والمتنافسين ونكاية العرب ـ نقول: إذا فسدت مروءة هؤلاء الرواة فأحاطت بهم مثل هذه الظروف، كان من الحق علينا ألا نقبل مطمئنين ما ينقلون إلينا من شعر القدماء". وبعد أن انتهى من رواة الأمصار التفت إلى رواة الأعراب، فرماهم بأنهم كانوا يتخذون النحل في الشعر واللغة، وسيلة من وسائل الكسب، وقال عنهم: "فليس من شك عند من يعرف أخلاق الأعراب في أن هؤلاء الناس حين رأوا إلحاح أهل الأمصار عليهم في طلب الشعر والغريب وعنايتهم بما كانوا يلقون إليهم منها، قدروا بضاعتهم، واستكثروا منها.

стр. 285

ثم لم يلبثوا أن أحسوا ازدياد حرص الأمصار على هذه البضاعة، فجدوا في تجارتهم، وأبوا أن يظلوا في باديتهم ينتظرون رواة الأمصار.. وكذلك انحدروا إلى الأمصار في العراق خاصة، وكثر ازدحام الرواة حولهم، فنفقت بضاعتهم، وأنت تعلم أن نفاق البضاعة أدعى إلى الإنتاج، فأخذ هؤلاء الأعراب يكذبون، وأسرفوا في الكذب، حتى أحس الرواة أنفسهم ذلك". ويبدو من ذلك أن الدكتور طه يطعن في الرواة كلهم سواء كانوا من الأمصار أو من البادية بحجة سوء أخلاقهم، ويؤيد ذلك بما قيل في حق الرواة الذين تحدث عنهم. وقد سبق أن ذكرنا أهم ما قيل عن الرواة، وتبين أن الكثرة منهم كانوا أهل ثقة واشتهروا بالنزاهة والأمانة، وقليل منهم رموا بالاتهام، وقد اختار الدكتور طه من بين هؤلاء اثنين أورد عنهما ما قال فيهما الخصوم والأعداء، وذكر سوء أخلاقهما وفساد سلوكهما، مما كان شائعًا عنهما ثم طعن بقية الرواة وهم الأكثرية؛ لأن في الرواة هذين الراويتين. وأعتقد أنه كان عدلًا أن نقصر الاتهام على من شاع عنهم عدم الصدق والأمانة ولا نأخذ غيرهم بجريرتهم، كما سبق أن أشرنا إلى ذلك. فالرواة لم يكونوا كلهم أصحاب لهو ومجون، بل فيهم -وهم الأكثرية الغالبة- من كان ثقة صادقًا، مثال النزاهة والأمانة، ومن كان يمحص ويدقق في كل ما يسمع ويأخذ ويروي، فلا يقبل إلا ما ثبتت لديه صحته، كأبي عمرو بن العلاء، والمفضل الضبي، والأصمعي. على أن ما أورده من أقوال تطعن في نزاهة كل من حماد وخلف، إنما هي من أقوال خصومهما وأعدائهما، والمعروف أن المنافسة في كل شيء كفيلة بتوليد الخصومة والعداوة، خصوصًا إذا كان ما يتنافس عليه الأفراد مما يجلب منفعة، أو يحقق مصلحة، أو يعلي المكانة والمنزلة. وقد كان كل من حماد وخلف من المشهود لهم بالتفوق الكامل، والبراعة الفائقة في ميدان الحفظ والرواية، فليس عجيبًا حينئذ أن يخلق ذلك من منافسيهما، وبخاصة من المعاصرين لهم، خصومًا وأعداء، وتعتبر هفوتهم، ولو هينة، جريمة لا تغتفر، وكبوتهم، ولو مرة، سقوطًا إلى الأبد، وليس هناك من بني الإنسان من هو الكامل في كل شيء، فالكمال المطلق لله وحده، ومن الأقوال المشهورة: " لكل عالم هفوة، ولكل جواد كبوة" فالكل معرض للزلات والهفوات، ومن طبيعة الإنسان: السهو والنسيان. ومن ثم فليس عجيبًا من حماد وخلف أن يجيء منهما بعض الخطأ، أو تحدث منهما زلات وهفوات. وليس

стр. 286

ببعيد أن يستغل خصومهما ذلك فيشيعون عنهما سوء الخلق، والكذب، وعدم الأمانة والبعد عن النزاهة. على أننا إذا بحثنا في أخبار الرواة جميعًا سوف لا نجد واحدًا منهم لم ينسب له خطأ، أو لم نلتمس له هفوة، حتى أولئك الذين شهد لهم بالثقة والنزاهة التامة، ولا شك أن كلا منهم إنسان، وهو معرض لكل ما يتعرض له الإنسان من السهو والنسيان، وما تجره المنافسة من الخصومة والعداوة، والاتهام والتشهير. ولذلك يجب ألا يغيب عن البال أن "المعاصرة حجاب" والمنافسة على الشهرة قد تدفع إلى الحسد والافتراء والبهتان. ويبدو أن خصوم حماد وخلف، قد رأوا في سلوكهما، ما ساعدهم على التشهير بهما، ومحاولة إسقاطهما من المجتمع، ذلك أنهما كانا من زمرة اشتهرت في العراق بالخلاعة والمجون والفسوق والسكر والعربدة، وهذه الصفات كفيلة بإسقاط الشخص مهما كان. وواحدة من هذه الصفات تكفي لإهدار كرامة الشخص، ورفض شهادته، وبخاصة الخمر، فهي تذهب العقل، وتفقد الشعور، وتجعل صاحبها يهذي ويخلط في كلامه، ولا يعرف ما يقول. ومن ثم ليس بعجيب ممن يدمن عليها أن يدعي ما ليس له، وأن ينسب الأشياء لغير أصحابها، وأن يشيع في كلامه الاضطراب، ويظهر في سلوكه العوج والفساد وطبيعي إذا كانت هذه صفات كل من حماد وخلف، أن يحدث من كل منهما في روايته خلط واضطراب، ونسيان وهذيان وكذب وادعاء، ويكثر ذلك منهما بكثرة سكرهما وعربدتهما، وفقدهما الوعي والإدراك. ومن العجيب أن كل واحد منهما كان في لحظات وعيه، وتكامل صحوه ويقظته، أعلم الناس وأذكاهم وأصدقهم، ولعل مما يؤيد ذلك قول الأصمعي في حماد: "كان حماد أعلم الناس إذا نصح"، وقال ياقوت في ذلك: "يعني إذا لم يزد وينقص في الأشعار والأخبار". ومن الإسراف في الخمر وأثره في أمانة الرواة، جاء تشنيع خصوم أبي عمرو الشيباني عليه إذ قالوا فيه: "إنه كان ثقة لولا إسرافه في شرب الخمر"؛ ولكن يبدو أن شربه الخمر، لم يكن كعادة حماد وخلف وإسرافهما في ذلك، فإذا أضيف إلى ذلك ما أثر عنهما من الخلاعة والفسق والمجون، كانت الطامة الكبرى، وحق لهما أن يضرب بروايتيهما عرض الحائط. ومن ثم لا ينبغي أن يكون لقول الخصوم والأعداء أي أثر في الحكم على نزاهة الشخص وأمانته، ما لم تقم البراهين القاطعة على ثبوت الدعوى، وأحقية الاتهام. وما دامت سيرة كل

стр. 287

من حماد وخلف كما وصفت، فليسا حينئذ أهلا للثقة، ولا يصح الاعتماد على روايتهما في أي شيء. ولكن إذا سقطت عدالة هذين الراويين، فليس معنى ذلك أن تسقط عدالة غيرهما من الرواة؛ فلم يكن الجميع مثلهما في الخلق والسيرة والسلوك، بل كثير منهم شهد له بالورع والتقوى والبعد عن الشبهات، وإذا رفضت روايتهما لاحتمال بعدهما عن الأمانة والنزاهة والصدق، فليس معنى ذلك أن نرفض رواية الآخرين، فكثير منهم شهد له بالأمانة والصدق، والدقة والتحري في كل ما يسمع ويروي، مما جعلهم في نظر النقاد والعلماء والباحثين عدولًا صادقين، وهؤلاء أهل للثقة بهم، والاعتماد عليهم. وأما رواة الأعراب، فهم كغيرهم من أهل الأمصار، يجوز أن يكون فيهم الأمين النزيه، وأن يكون فيهم المدعي المختلق، فالأولون أهل للثقة، والأخذ عنهم باطمئنان، والآخرون جديرون بالطعن والرفض، وحسن الحظ أن العلماء والنقاد الأوائل كانوا في منتهى الذكاء والفطنة، فكان لديهم مقدرة فائقة تمكنهم من التمييز بين الأصل والدخيل، فبحكم مخالطتهم للأعراب، وكثرة مدارستهم لما يسمعون ويروون، وتحصيل قدر كبير من التراث العربي القديم، ومداومة ترديده وتفهمه ودرسه، تكون لديهم ذوق أدبي حاد، مكنهم من معرفة الصحيح من الزائف. والمثال الذي ساقه الدكتور طه ليطعن به رواة الأعراب في أمانتهم، وهو حادثة أبي عبيد مع داود بن متمم بن نويرة يؤيد ذكاء الرواة الممتازين وفطنتهم؛ إذ إن أبا عبيدة عرف ما زاده داود لوقته. وفي كتب التاريخ والأدب والنقد كثير من الأمثلة على ذلك. هذا هو ما قيل عن الانتحال في الأدب الجاهلي، أوردناه بإجمال، وعلقنا على كل جزئية بما استطعنا. ومما سبق يمكن أن نستخلص الحقائق التالية: من الثابت قطعًا أن العرب في الجاهلية كان لهم أدب، فيه شعر ونثر، وكان هذا الأدب في درجة عالية من النضج والكمال في التعبير والتصوير، بدليل نزول القرآن الكريم بلغة فهمها العرب حق الفهم، وتحدي القرآن للعرب يثبت تفوقهم في الفصاحة والبيان، وقد وردت في القرآن إشارات تؤكد وجود الشعر والشعراء عند العرب الجاهليين. ثم إن الشعراء والأدباء كانوا موجودين وقت ظهور الإسلام، أمثال حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن زهير، والنابغة الجعدي، وأمية بن أبي الصلت،

стр. 288

لا بد أنهم كانوا يسيرون في فنهم الأدبي على نمط أدبي، استقر وضعه منذ أمد بعيد، فآثار هؤلاء وأمثالهم الأدبية، وهي في درجة عالية من الكمال الفني تؤكد أنهم لم يبتدعوا هذا النظم من عندهم، بل لا بد أنهم كانوا ينسجون على منوال معروف، ويتبعون نهجًا واضحًا، وأسلوبًا متفقًا عليه قبل أن يوجدوا، فكانوا يقتفون آثار رجال سبقوهم حينًا من الدهر، في التعبير والتصوير، ومذاهب الكلام، وأساليب الأدب الكامل الرفيع. وفي الطبيعة الإنسانية عادة ميل إلى التعبير العاطفي "تنفيسًا عما تحسه من عواطف وانفعالات"، وفيها ميل كذلك إلى حفظ شيء من هذه النصوص التي تصور أحوال النفس البشرية، ومن هنا نعتقد أن العرب حتمًا قد حفظوا بعض آثار أدبائهم الذين كانوا قبل الإسلام؛ لكي يتغنوا بها في الأوقات المناسبة، ومنها تغذى الأدباء بعد ظهور الإسلام، وترسموا خطاها، وساروا على تقاليدها، وإذا عرفنا أن العرب كانوا يهتمون بآثار ذويهم الأدبية -وبخاصة الشعر، إذ كان للشعر تأثير كبير في نفوسهم، وكان للشعراء منزلة سامية بين جميع القبائل- إذا عرفنا ذلك، استطعنا أن نتصور مدى اهتمام العرب بحفظ هذه النصوص التي كانت تحظى منهم بالاحترام والتقديس؛ لأنهم كانوا يعدونها سجل مفاخرهم وأمجادهم، ومن ثم قيل: "الشعر ديوان العرب". وإذا كان للأدب هذه المنزلة في نفوسهم، فلا بد أن نصوصه التي كانت موضع اهتمامهم، قد لقيت منهم عناية كبيرة، فحفظوها بدقة، وعملوا على أن يلقنها الآباء للأبناء، وليس بعجيب أن يتلقاها الخلف عن السلف بشغف واهتمام، إذ كانوا يرون ما لها في نفوس الآباء من إكبار وإجلال فانتقلت هذه الآثار من جيل إلى جيل، ولم تكن الكتابة قد شاعت، فاعتمدوا في ذلك على الذاكرة مدة طويلة، حتى أذن الله لها أن تسجل في بطون الكتب، عندما تهيأت الظروف لهذا التدوين. وفي أثناء هذه الرحلة الطويلة للنصوص الأدبية الجاهلية منذ إنشائها إلى وقت تدوينها، لا بد أنها قد تعرضت لكثير من الأشياء، كالنقص أو الزيادة، أو التغيير، أو التبديل، أو التحريف، نظرًا للظروف الكثيرة المختلفة التي مرت بالعرب، والدولة الإسلامية على العموم في النواحي السياسية والدينية والاقتصادية والاجتماعية، ونظرا لاعتماد هذه النصوص في البقاء على المشافهة والذاكرة. ومن ثم ضاعت من آثار العرب الجاهلية أشياء، ودخلها أشياء، وغيرت بعض الكلمات، أو بدلت، بقصد أو بغير قصد، بحكم ما تتعرض له

стр. 289

الذاكرة الإنسانية مع طول العهد، من سهو أو نسيان، وبحكم ما في الطبيعة البشرية من ميل إلى العجب والزهو وحب الظهور والسيادة والسلطان، وميل إلى الشهرة وبعد الصيت. ومن هنا دخل الأدب الجاهلي -كغيره من الآداب الأجنبية القديمة- بعض النصوص الدخيلة، ورميت بعض نصوصه بالصنعة والاختلاق. واتهم بعض رواته بالتزوير والتزييف، ولكن الكثرة منهم كانوا من الدقة والأمانة بمنزلة جعلتهم أهلًا للثقة بهم والاعتماد عليهم منذ أقدم العصور. ووجد من العلماء والنقاد من كانوا ذوي فطنة قوية، وذوق أدبي ممتاز! ومن طول ممارستهم للنصوص الأدبية القديمة، وترديدها، ومدارستها، تكونت لديهم خبرة فائقة بطبيعة هذه النصوص وخصائصها، لدرجة أنهم كانوا يستطعون تمييز الدخيل من الأصيل، وبهذا صفوا لنا كثيرًا من النصوص الجاهلية، ودونوها بعد أن ثبت لهم بالأدلة القاطعة أنها صحيحة وأصيلة، ونبهوا على ما رفضوه، وما داخلهم شك فيه منها. وهؤلاء الرواة والعلماء والنقاد الثقات، لا نتوقع منهم إجماعًا على كل نص من نصوص الأدب الجاهلي، وذلك شيء طبيعي، فكلهم لم يكونوا في عصر واحد، وكلهم لم يتلقوا من مصدر واحد، والأمزجة والأذواق تختلف فيما بينهم، فالقبائل العربية كثيرة، ولكل قبيلة شعراؤها، والشعراء لا حصر لهم، والنصوص كل منها يختلف عن غيره طولًا وقصرًا، وغرضًا وموضوعًا، وبحرًا وقافيةً. فقد يحفظ الواحد منهم ما لا يحفظه غيره، وقد يحفظ في غرض، ويحفظ غيره في غرض أو أغراض أخرى، وقد يروق لأحدهم بحر أو قافية معينة، ويعجب غيره ببحر أو قافية أخرى. وقد يحفظ بعضهم القصائد الطوال، بعضهم القطع القصار، وقد يجمع نفر منهم بين هذا وذاك. وقد تدفع المنافسة في حب الشهرة، ونيل الحظوة، إلى الغيرة والحسد، وربما تقود إلى التشنيع والتشهير عن طريق الادعاء والافتراء، ومن ثم ينبغي ألا يعتمد على أقوال بعض الرواة التي تتضمن طعنًا في نزاهة بعض زملائهم، خصوصًا إذا كانوا من المتعاصرين، فالعبرة في نزاهة الشخص وأمانته بما شاع عنه من ناحية السيرة والسلوك والخلق، وما أجمع الكل على أمر إلا اشتهر وذاع، فمن عرف عنهم الأمانة والنزاهة، أهل للثقة بهم، والاعتماد عليهم. وما تقبله النقاد الأقدمون بنفس مطمئنة في ثقة ويقين، وما دونه الصدر الأول من العلماء والباحثين الثقات ليس لنا إلا أن نقبله ونصدقه؛ لأنهم كانوا أعرف الناس بصحة الصحيح، وأصالة الأصيل، وزيف الباطل، وتزوير المصطنع، فنفوا خبثه وزوره، وأثبتوا

стр. 290

صحيحه وأصيله، وقد حفظ لنا مما دونوه كثير من المجموعات والدواوين، وعلى هذا المحفوظ من التراث الأدبي الجاهلي المقطوع بصحته -مع نصوص القرآن الكريم والحديث الشريف- أسس الباحثون في اللغة والأدب علومهم مثل النحو والصرف واللغة، ومن هذه النصوص الأدبية الخالدة استخرج الباحثون البحور والأوزان، وكتبوا في علم العروض والقوافي والبلاغة والنقد الأدبي. أما ما ثبت وضعه واختلاقه بالدليل القاطع، وقد سبق أن أشرنا إليه، مثل ما ينسب من شعر إلى آدم، وعاد، وثمود، وطسم، وجديس، وغير ذلك، فهذا واضح أمره، وخارج عن دائرة البحث، إذ ليس له إلا أن يضرب به عرض الحائط، ووجود مثل هذه النصوص المزيفة في الأدب الجاهلي لا ينبغي أن يكون سببًا للطعن في أصالة الأدب الجاهلي، ورفضه كله، بل الرفض يجب ألا ينصب إلا على الزائف وحده. وأما هذه النصوص التي قطع الرواة والعلماء والنقاد والثقات بصحتها وأصالتها فيجب أن تكون موضع احترام، وأن نعتبرها مصدرًا هامًّا نعتمد عليه في تصوير الحياة الجاهلية، وفي تمثيل اللغة العربية في العصر الجاهلي تمثيلًا صادقًا صحيحًا. بل يمكننا، في تصوير حال العرب واللغة العربية في العصر الجاهلي، تصويرًا دقيقًا، أن نعتمد على نصوص الأدب الجاهلي، ولو كان فيها نصوص مختلفة ومدسوسة التبست بالأصيلة الصحيحة؛ ذلك لأن الذين اختلقوا هذه النصوص ونسبوها إلى الجاهليين، كانوا -ولا بد- يعرفون هذا العصر معرفة تامة، بل كانوا أعرف الناس به، وبحال الأدباء فيه، وبالألفاظ والتراكيب التي كانت شائعة ومستعملة في هذا العصر، وبطرق التعبير الأدبي، والتصوير الفني، والأساليب والتقاليد التي كان يحافظ عليها الأدباء الجاهليون، وينسجون على منوالها، ولا بد، وكذلك أنهم كانوا أقدر الناس على اتباع أساليب الأدباء الجاهليين وتقاليدهم، كأنهم يعيشون في زمنهم وبيئتهم. فكانت لديهم المهارة الفائقة التي استطاعوا بها أن يختلقوا نصوصًا تطابق نصوص الجاهليين الأدبية مطابقة تامة من جميع الوجوه، حتى التبست على النقاد والأدباء والعلماء أصحاب الفطنة والخبرة والذوق الممتاز، وهم كانوا يعرفون ما كان آباؤهم الأقدمون يترسمون في نسجهم الأدبي، فما دام هؤلاء النقاد والعلماء قد قبلوا نصوصًا هذا شأنها؛ لأنهم لم يجدوا فيها أية ظاهرة، ولو تافهة، توحي باختلاقها أو تثير عندهم أدنى شك فيها، فلنا حينئذ أن نعتمد عليها -كنص أدبي جاهلي- في تصوير حالة العرب واللغة العربية

стр. 291

في العصر الجاهلي، بقدر ما تحمل في طياتها من صور لهذا العصر. حقيقة، يمكن الاعتماد على مثل هذه النصوص في تصوير الحياة واللغة للعرب في الجاهلية، ولكنها لا يمكن الاعتماد عليها في تصوير نفسية الأديب الذي تنسب إليه وفنه، لأنها إذا لم تكن في الحقيقة والواقع لمن نسبت إليه فلن تكون معبرة عن شخصيته وميوله واتجاهاته، ومن ثم تكون الصورة التي تعطيها هذه النصوص لمن تنسب إليه غير مطابقة للحقيقة، ولذلك عند البحث في تراجم الأدباء وفنهم الأدبي، يجب أن نعتمد على ما ثبت بالدليل القاطع أنه لهم -ولو من راوية واحد- ما دام هذا الراوية مشهودًا له بالصدق والأمانة والنزاهة. وبعد، فما المقياس الذي ينبغي أن نتخذه للحكم على أي نص جاهلي بالأصالة أو الانتحال، وأنه جدير بالقبول أو الرفض، ومستحق للدراسة أو الإهمال؟. يرى الأستاذ أحمد أمين: أن النصوص الجاهلية ينبغي أن "نمتحنها من ناحيتين: من ناحية السند، أي الرواة الذين رووا الحادثة أو الحديث؛ ومن ناحية المتن، أي المنقول نفسه، فإذا كانت الناحيتان صحيحتين، وجب علينا أن نصدق ما قيل، حتى يظهر وجه للنقد جديد ... فإذا كان الراوي كاذبًا، أو ليس بثقة لم نعتمد على ما روى، وكذلك إذا قام برهان على ضعف المتن، كأن يتشبب شاعر بموضع ثبت تاريخيًّا أنه لم يذهب إليه، ولم يكن له به علاقة، أو نحو ذلك. فإذا لم يكن شيء من هذين صح الاستدلال بالشعر المروي، فالثقات مثلًا ضعفوا ما يروي ابن إسحاق من الشعر. وطعنوا في حماد الراوية وخلف الأحمر، فلندع ما يرويه هؤلاء إن لم يشاركهم غيرهم من الثقات في روايته، ولكنهم وثقوا أبا عمرو بن العلاء، والأصمعي، وأمثالهم، فلنأخذ بما رووا، ما لم يقم دليل من ضعف المتن على كذبه". وواضح من هذا أن الأستاذ أحمد أمين يرى أن نقتدي بعلماء الحديث، فقد ساروا على هذا المقياس، حينما أخذوا يدرسون الأحاديث النبوية الشريفة. ويعالج الدكتور طه حسين هذا الموضوع من عدة وجوه، فيقول إن "تصحيح السند وحده لا يكفي، فقد يكون الراوي صادقًا مأمونًا محتاطًا، ولكنه يخدع مع ذلك عن نفسه وعما

стр. 292

يروي له". فهو يرى أن العناية بالسند وحده لا تكفي، وأنه لابد لنا أن نتجاوز هذا النقد الخارجي إلى نقد داخلي، "نقصد يتناول النص الشعري نفسه في لفظه ومعناه ونحوه وعروضه وقافيته". ولكنه بعد آرائه في الأدب الجاهلي وبخاصة لغته، يستدرك على هذا المقياس، فيقول: "ولكنه مع الأسف الشديد ليس يسيرًا ولا منتجًا بالقياس إلى الشعر الجاهلي. فنحن لا نستطيع أن نقول في يقين أو ترجيح علمي، إن هذا النص ملائم من الوجهة اللغوية للعصر الجاهلي أو غير ملائم؛ لأن لغة هذا العصر الجاهلي لم تضبط ضبطًا تاريخيًّا ولا علميًّا صحيحًا". ونتيجة لعدم رضاه عن هذا المقياس يسأل قائلًا: "فكيف السبيل إلى تمييز الصحيح من غيره؟ " ثم يجيب بقوله: "هنالك مذهب خداع يذهبه القدماء والمحدثون في تحقيق الشعر الجاهلي، وخلاصته النظر إلى الألفاظ التي يأتلف منها الشعر؛ فإن كانت متينة رصينة كثيرة الغريب قيل إن الشعر جاهلي، وإن كانت سهلة لينة مألوفة قيل إن الشعر مصنوع". ويحلل هذا المذهب بأنه قائم على البداوة والحضارة وأثرهما في الأدب، ويتحدث عن مدى انطباق ذلك على كل من عدي بن زيد، والنابغة الذبياني، والمنخل اليشكري، والأعشى، ثم يسأل بعد ذلك:"أفترى أن نقبل من هذا الشعر ما صلب واشتد فنصححه، ونرفض منه ما سهل ولان؟ " ويستمر فيقول: "وقد يمكن أن يقبل هذا لولا أن في الأمر نظرًا يدعو إلى الوقوف والتردد والاحتياط؛ فلا ينبغي أن يؤخذ الغريب الصعب على أنه صحيح لغرابته وصعوبته، ولا أن يؤخذ اللين السهل على أنه منحول لسهولته ولينه؛ ذلك لأن الغرابة قد تكون متكلفة، وقد يتكلفها الراوي أو العالم، ويتخذها وسيلة إلى خداع العلماء والمتأدبين". ويزيد على ذلك بأن الغرابة قد وجدت في العصر الأموي في رجز رؤبة والعجاج وشعر ذي الرمة، وهنا يسأل فيقول: "أفترى أن رجز رؤبة والعجاج وذي الرمة يجب أن يكون جاهليا لا لشيء إلا أنه غريب اللفظ، مسرف في شدة المتن وقوة الأسر؟ " ويستمر قائلًا: "وما لنا نعرض لرؤبة والعجاج، والقرآن نفسه بين أيدينا نستطيع أن نقرأه وننظر فيه؛ فسنرى أنه على شدة متنه وقوة أسره يسير سهل قليل الغريب بالقياس إلى الشعر الجاهلي. ونحن نستطيع أن نقرأ السورة الطويلة من سوره فنفهمها من الوجهة اللغوية دون أن نحتاج احتياجًا شديدًا إلى المعاجم، أفترى أن سهولة القرآن ويسر ألفاظه وقربه من الأفهام تترك مجالًا للشك في صحة نسبته إلى العصر الذي تلي فيه؟ " وينتهي من ذلك إلى أنه "لا ينبغي أن تتخذ غرابة اللفظ دليلًا على الصحة والقدم، ولا ينبغي أن تتخذ سهولة اللفظ دليلًا على النحل

стр. 293

والجدة"، ولكنه في الوقت ذاته يميل إلى الشك في الشعر الذي يسرف صاحبه في الغريب، والشعر الذي يسرف صاحبه في السهولة واللين. ويعرض للذين اتخذوا مبدأ البداوة في المعنى مذهبًا لالتماس أسباب الصحة والنحل في المعنى دون اللفظ، ثم يعقب عليه بأن "هذا المذهب ليس أقرب إلى الحق من المذهب الذي سبقه"؛ لأن العرب لم يكونوا كلهم أهل بادية؛ فقد كانت هناك حضارة في اليمن، وفي مدن الشماليين كمكة والمدينة والطائف، ويستمر فيقول، بأنه تبعًا لهذا المذهب كان "يجب أن يكون الفرق ظاهرا بين ألفاظ الشعراء الذين نشئوا وعاشوا في المدن ومعانيهم، وألفاظ الشعراء الذين عاشوا في البادية ومعانيهم، ولكنا لا نجد هذا الفرق، فشعر المكيين والمدنيين موافق كل الموافقة لشعر البدويين من أهل الحجاز ونجد في الخيال والتصور والأغراض والمعاني بوجه عام، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لا نستطيع أن نعتمد على هذا المذهب؛ لأن العرب لم يتحضروا كلهم بعد الإسلام، وإنما ظلت كثرتهم بادية في الحجاز ونجد، وظلت تقول الشعر، كما كانت تقوله في البادية، ونحلت الشعر، فكيف تستطيع أن تقطع بأن التصور البدوي والخيال البدوي والمعنى البدوي تكفي ليكون الشعر جاهليًّا؟ " ويرى أنه ليس هناك ما يمنع مهرة الرواة والشعراء المتحضرين أن يتقنوا الحياة البدوية إتقانًا تامًّا، ويحسنوا تقليد شعراء البادية في ألفاظهم ومعانيهم وأغراضهم، ثم ينتهي إلى أن "تزييف المعنى ليس أشد عسرًا من تزييف اللفظ، وليس من الفطنة أن تتخذ بدوية المعنى مقياسًا لصحة الشعر الجاهلي، كما أنه ليس من الفطنة أن نتخذ غرابة اللفظ مقياسًا لصحة هذا الشعر أيضا". بعد هذا يقترح جديدًا، فيقول: "إننا لا ينبغي أن نعتمد على اللفظ وحده، ولا على المعنى وحده، ولا على المعنى واللفظ فقط، وإنما نعتمد على اللفظ والمعنى وعلى أشياء أخرى فنية وتاريخية. ومن مجموع هذه الأشياء كلها نستخلص لأنفسنا مقياسًا يقرب إلينا صواب الرأي في هذا الشعر الجاهلي". وبعد شرحه لهذا المقياس، يقول: إنه يصل إلى ذلك عن طريق المدارس الشعرية في العصر الجاهلي، فقد كانت مدارس شعرية، وكل مدرسة كانت لها قواعد فنية تقوم عليها وخصائص فنية مشتركة بين جميع أبنائها، فيرى "أنه لا ينبغي أن نبحث عن الشعر الجاهلي الآن من حيث شخصية الشعراء الذين يضاف إليهم، بل من حيث المدارس التي أنشأت هؤلاء الشعراء"، ومن نماذج المدارس التي ذكرها: مدرسة أوس بن حجر، وزهير، والحطيئة، وكعب بن زهير، والنابغة.

стр. 294

مدرسة المدينة: وتتألف من: أبي قيس بن الأسلت، وقيس بن الخطيم، وحسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، وعبد الرحمن بن حسان، وسعيد بن عبد الرحمن بن حسان، وشعراء الأنصار في المدينة بعد الإسلام. مدرسة مكة: وتتألف في نظره "من شعراء لم يكن لهم شأن في الجاهلية، ولكنهم ظهروا عندما اشتد جهاد قريش للنبي، وقويت شخصيتهم، حتى كونوا في مكة سنة شعرية قرشية خاصة، مثلها بعد الإسلام شعراء كعمر بن أبي ربيعة، والعرجي". مدارس أخرى: في البادية، كمدارس الشماخ بن ضرار وغيره. ثم يقول: "وامض على هذا النحو، خذ الشعراء الجاهليين المضريين جماعات، ولا تأخذهم أفرادا، حتى إذا استطعت أن تحقق لكل جماعة خصائصها، فالتمس خصائص الأفراد ومميزاتهم". هذا هو المقياس الذي يقترحه الأستاذ الدكتور طه حسين بعد أن عرض وجهات نظر مختلفة حول الموضوع، وعقب عليها، ولا شك أن ما قاله عن المقاييس السابقة معقول ومقبول. ولكن هل المقياس الذي ارتضاه في النهاية كفيل بأن يميز لنا الدخيل من الأصيل، ويبين لنا الصحيح الحق من المزيف الباطل؟ لا شك أنه كانت هناك مدارس شعرية في العصر الجاهلي، فمن دراسة الأدب الجاهلي يتبين بوضوح أنه كانت هناك مجموعات من الأدباء، كل مجموعة منها كانت لها سمات معينة، وخصائص فنية تميزت بها عما سواها، ولكن إذا أخذنا -في موضوعنا هذا- بفكرة الاعتماد على المدارس، هل يكون ذلك المقياس جامعًا لكل أدباء العصر؟ لا شك أنه -بجانب المجموعات التي كان لكل مجموعة منها سمات فنية معينة- كان هناك أفراد لهم شخصيات مستقلة. وتلك -على ما يبدو- سنة الكون، ولن نجد لسنة الله تبديلًا. فماذا يفعل هذا المقياس مع أمثال هؤلاء؟. ثم إننا إذا وجدنا نصًّا تتحقق فيه الخصائص الفنية لمدرسة من المدارس، نستطيع حقًّا أن نقول: إنه ينتمي إلى مجموعة هذه المدرسة. ولكن كيف نستطيع أن نثبت أنه لم يكن هناك راوية ماهر قد تخصص في هذه المدرسة، فاستطاع أن يختلق، على غرارها، وبذلك ينحل من يشاء من أبنائها ما يريد؟ إن هذا المقياس لم يتعرض لذلك، ولكن لنفرض جدلًا أننا تحققنا من أن هذا الراوية لم يوجد، فكيف نستطيع أن ننسب هذا النص إلى أحد أفراد هذه المدرسة دون غيره من زملائه المشتركين معه في نفس الخصائص الفنية لهذه المدرسة؟ وهذا

стр. 295

أيضًا لم يتعرض له ذلك المقياس، مع أننا أحيانا نكون في أشد الحاجة لمعرفة صاحب النص الحقيقي، وذلك حينما نبحث في شخصية معينة من الشخصيات الأدبية. إن موضوع الانتحال في الأدب الجاهلي والبحث عن الحقيقة فيه، موضوع قائم على الشك بسبب ما أثير حوله من الاتهامات، وإذا استرسلنا مع الشك -بدون حدود- فسوف ينتهي بنا الأمر إلى التوقف عن العمل؛ لأننا إذا أخذنا نشك -إلى غير نهاية- في كل شيء يتصل بالنصوص الأدبية الجاهلية، فسوف لا نصل إلى نتيجة، وستكبل عقولنا بسلاسل وأغلال تعوقنا عن البحث في هذه النصوص، بل تصرفنا عن النظر إليها، فنضرب بها عرض الحائط، ونهملها إهمالًا تامًّا. حقيقة أن الشك يقود إلى اليقين؛ لأنه يدفع إلى البحث، وهنا يؤدي إلى الحقيقة؛ ذلك يحدث إذا اتخذنا لأنفسنا -حيال الشك- مبادئ وأسسًا وحدودًا تكون واضحة المعالم، ينتهي عندها الشك، بحيث لا يمكن أن يمسها أو يتطرق إليها؛ لأننا اتفقنا على أن هذه المبادئ والأسس حقيقة ثابتة، صادقة مصدقة لدى الجميع. والمسائل التاريخية، وبخاصة تلك التي بعد العهد بيننا وبينها، لا نستطيع أن نبحث عن الحقيقة فيها إلا عن طريق الوثائق المسجلة، وهذه الوثائق قد تكون في بعضها وحيدة فريدة، وقد تكون في بعضها كثيرة وعديدة، وهذه قد يتفق المسجلون لها، وقد يختلفون تبعًا لميولهم وأهوائهم، ومن هنا كان على الباحث في التاريخ أن يعرف كل ما يتصل بهؤلاء المسجلين، وما شاع عن كل منهم فيما يتصل بشخصيته وخلقه، وسلوكه وعادته، ومدى أمانته ونزاهته، ثم يوازن بين الوثائق المختلفة؛ وبعقله الواعي، وتفكيره السديد يستطيع أن يستنبط الحقيقة من بين ثنايا هذه الوثائق، فالمسألة قضايا تعرض أمام القضاء ليفصل فيها؛ فقد تكون هناك قضية يتضح فيها الحق والصدق. وهذه قضية يسهل فيها الحكم لأنها بعيدة كل البعد عن الادعاء والبهتان؛ وقد تكون هناك قضية يتضح فيها التلفيق والتزوير، وهذه قضية يسهل فيها الحكم أيضًا لأنها بينة البطلان؛ وقد تكون هناك قضية يخفي الحقيقة فيها حجب وأستار، وهذه على درجات بحسب ما يغشاها من الحجب والأستار، قلة وكثرة، أو ضعفًا وقوة، وهنا تتجلى مهارة القاضي وفطنته، فهو بخبرته ودرايته، وعقله وتفكيره يستطيع أن ينفذ إلى أعماقها، ويسبر أغوارها، فيميز الخبيث من الطيب، ويفصل بين الباطل والحق. وعلى هذا الأساس، إذا نظرنا إلى النصوص الأدبية التي تنسب إلى الجاهليين نجد أنها

стр. 296

وثائق قام بتسجيلها قوم منذ أمد طويل، والآن قد يبعد العهد بيننا وبين الزمن الذي أنشئت فيه هذه النصوص. وبيننا وبين الزمن الذي دونت فيه. ولكن لا جدال في أن هؤلاء الذين قاموا بتسجيل هذه الوثائق كانوا أقرب منا عهدًا بالزمن الذي قيلت فيه هذه النصوص، فقد نقلوا -كما سبق أن ذكرنا- إما من أصحابها مباشرة، وإما ممن أخذوا عن أصحابها، ثم إنهم كانوا -ولا شك- أدرى منا بحال العصر الجاهلي الأدبية، وظروف الأدباء الجاهليين وحياتهم، والأساليب التي كانوا يتبعونها، وجميع التقاليد الأدبية التي كانوا يسيرون عليها في العصر الجاهلي، حتى كان لدى كثير منهم ذوق أدبي حاد، استطاع به -عند الحاجة- أن يعرف الأصيل والدخيل. وهؤلاء الذين اشتركوا في عمل هذه الوثائق -كل في ميدانه- كانوا يختلفون في الشخصيات والصفات، والسلوك والعادات، والميول والاتجاهات، ولكنهم -ككل البشر في جميع العصور- ليس بينهم ما يمنع أن يتفق بعض الأشخاص في قدر مشترك من الأخلاق أو السلوك أو الرغبات. ومن ثم، كان فيهم قوم اتخذوا جانب الحيطة والحذر، وسلكوا سبيل البحث وتحري الحقيقة في كل ما يقومون به من أعمال، فاشتهروا بالأمانة والنزاهة والصدق، ووجد فيهم من ثبت عنه الكذب والادعاء. ومن هنا أعتقد أن الأساس الذي يضع للشك حدًّا يقف عنده ويمنعه أن يجرنا إلى ما لا نهاية في هذا الشأن: أن نتخذ من هؤلاء الذين ثبت عنهم الأمانة والصدق موردًا معينًا، نقبل منه كل ما يمدنا به على أنه نقي، خالص من كل الشوائب والعيوب، ونرفض ما عداه لأنه معرض للشك والاتهام. وإذا بحثنا الأدب الجاهلي على هذا الأساس فسنجد فيه الأنواع الآتية:

стр. 297

١- نوع مقطوع بصحته وأصالته: وهو ما قبله واعتمده الثقات من الرواة والنقاد، ولم تقم ضده أدلة تقدح في صحته وأصالته، فجاء عن طريق شخص أو أشخاص، كان -أو كانوا- موضع الصدق والأمانة، وأهلا للثقة والاطمئنان، ولم يطعن بشيء حقيقي ثابت، فهذا النوع من النصوص يجب قبوله، والاعتماد عليه في كل شيء: في تصوير ما يتضمنه من مظاهر الحياة الجاهلية، وفي تبيين النواحي الفنية للعصر الجاهلي، والجوانب المختلفة لشخصيات من نسبت إليهم من الأدباء الجاهليين.

стр. 298

٢- نوع مقطوع بانتحاله: وهو ما نص الثقات على تلفيقه وتزويره، وقامت الأدلة

стр. 299

٣- نوع جاء عن طريق غير موثوق بها: وهو ما انفرد بروايته شخص أو أشخاص، ثبت عنه -أو عنهم- الكذب والادعاء كحماد الرواية، وخلف الأحمر، فإذا لم تشارك هذه الطريق المشبوهة، طريق أخرى موثوق بها، في رواية هذا النوع، ولم يقبله الثقات، بل رفضوه، فليس لنا إلا أن نرفضه ولا نتخذه على أنه يمثل أية ناحية من النواحي الأدبية في العصر الجاهلي، أما إذا لم يرد فيه تجريح أو اتهام من أحد الثقات النزيهين، فحينئذ لنا أن نقبله على أنه نص أدبي يمكن أن يمثل ما يتضمنه من نواحي العصر الجاهلي وهو -حقًّا- محتمل للصدق والكذب، ولكنه ما دام لم يثر أي اتهام فمعناه أنه -ولو كان منتحلًا- يحمل طابع الجاهليين الأدبي من جميع الوجوه، إلا أنه لا ينبغي أن يعتد به في تصوير الشخصية الأدبية التي نسب إليها. ورفضه في هذا المجال -بطبيعة الحال- إنما هو من باب الاحتياط، لا من قبيل التأكد واليقين.

стр. 300

٤- نوع جاء عن طريق رواة موثوق بهم: ولكنهم لم يتفقوا على نسبته لأديب معين، فراوية ينسبه لشخص، وراوية ثانٍ ينسبه لشخص آخر، وقد يتعدد المنسوب إليهم -أكثر من ذلك- بعدد الرواة الذين رووا النص. وهذا النوع الذي تعددت رواته ومن نسب إليهم من الجاهليين، يمكن القطع بجاهليته، ما لم يقم دليل ثابت على ضد ذلك؛ وبذلك يصح لنا أن نعتمد عليه في تصوير ما فيه من النواحي الجاهلية؛ لأن جميع من رووه ثقات، وقد أجمعوا على نسبته لجاهلي، ولكنهم اختلفوا على تعيين صاحبه. وواضح أنه لا ينبغي لنا أن نتخذ منه مقاسًا للحكم على شخصية معينة من هذه الشخصيات المتعددة ما لم يقم دليل قطعي على تعيين هذه الشخصية يثبت أحقيتها به.

стр. 301

٥- نوع منسوب إلى جاهلي بدون سند: وهذا النوع هو ما نجده مدونا في المصادر منسوبًا إلى أحد الأدباء الجاهليين من غير أن يذكر الراوي أو الرواة الذين وصل إلينا عن طريقهم، ولم يرد فيه طعن، ولم يثر أي شك. فأما من حيث جاهليته، فيجوز لنا أن نعتمده من هذه الناحية، فندرسه ونستفيد به في تصوير الحياة الأدبية في العصر الجاهلي، وأما من حيث نسبته للشخصية التي نسب إليها، فقد تكون نسبته إليها جزافًا، وعندئذ يكون النسب

стр. 302

مزورًا، وقد تكون النسبة حقيقية وأن الشخص المنسوب إليه هو صاحبه، وهذا النوع -ومثله النوع الرابع- إذا رجحت نسبته لشخصية معينة، يجوز لنا أن نستعمل في كل منهما أذواقنا الخاصة. وذلك يكون بعد أن نقرأ نتاج هذه الشخصية الأدبي الذي أجمع الرواة الثقات على أنه لها، ولم يتطرق لذلك أي احتمال. فبعد فهمنا لهذا النتاج الموثوق بصحة نسبه إلى الشخصية. حينئذ نستعرض النص الذي من أحد النوعين المشار إليهما، وندرسه دراسة تحليلية تفصيلية، فإذا أحسسنا أن فيه ما يخالف روح هذه الشخصية الأدبية رفضناه، وإن وجدنا أنه يتفق مع ما تكون لدينا من ذوق وإحساس نحو هذا الأديب، جاز لنا أن نقبله، وندخله -مع ذكر المبررات- ضمن النصوص التي نعتمد عليها في تحليل شخصية هذا الأديب، وتصوير نفسيته وموهبته الأدبية.

стр. 303

النثر والشعر في العصر الجاهلي تمهيد ... تمهيد الكلام مقدرة خص الله بها الإنسان، للتعبير عما في نفسه من مطالب ورغبات وحقائق وتصورات، وعواطف وانفعالات، وبها يكون الاتصال والتفاهم وتبادل الآراء والتعرف على وجهات النظر والحقائق والأفكار بين الإنسان وغيره من الناس. وطريقة الكلام، ونوعيته، والمقصود منه، ودرجته، وأثره: أمور يتوقف كل منها على المتكلم: عقليته، وبيئته، وظروفه، وأحواله، وثقافته، وثروته اللغوية، وقدرته اللسانية. والكلام من حيث الألفاظ، ومدلولاتها، واستعمالاتها، واختيارها، ووضعها في أماكنها، ورصفها في جمل وعبارات، بعضها مع بعض، يأتي على درجات متعددة، تتفاوت صحة ودقة وتأثيرًا، وأرقى درجات الكلام الإنساني: الأدب، والأدب الرفيع أعظم الكلام فنًّا وجمالًا وروعة، "وإن من البيان لسحرًا" لهذا يعد الأدب من الفنون الجميلة العليا. ومن المتفق عليه أن الأدب بمعناه الاصطلاحي الخاص الدقيق: هو ذلك التعبير اللفظي العاطفي المثير، فهو تصوير عواطف الإنسان ومشاعره نحو مظاهر الكون والحياة بألفاظ مختارة منتقاة بدقة وعناية، يشخص فيها كل ما يحسه الأديب من انفعالات، بصدق وقوة، وتوضع وضعًا خاصًّا، بحيث تتحول هذه الألفاظ في نفس مستقبلها، قارئًا كان أم سامعًا، إلى أصلها الأول من مشاعر وإحساسات، ولذلك لا بد أن يكون الأديب ذا موهبة خاصة، قد فطره الله عليها، تجعله حاضر البديهة، قوي الملاحظة، واسع الخيال، سريع التأثر، مرهف الحس، رقيق الشعور، قادرًا على الإبداع الأدبي. ولكي تؤتي هذه الموهبة ثمارها، يجب على صاحبها أن يعمل دائمًا على تغذيتها وتنميتها من جميع النواحي: علمًا وخبرةً وثقافةً واطلاعًا على أوسع مدى، فمثلها كمثل أي كائن حي، لا ينمو ولا يترعرع، ولا ينتج ولا يثمر إلا بالغذاء والعناية والرعاية. فالأديب الحقيقي هو الذي لديه موهبة أدبية فطرية ومكتسبة، وسماتها: العقل الصائب،

стр. 304

والفكر الثاقب، والذهن الصافي، والبديهة الحاضرة، والملاحظة الدقيقة، والشفافية الخالصة، والإحساس المرهف، والشعور الفياض، والخيال المبدع، والاطلاع الدائم، والثقافة المتنوعة، والوقوف على آثار السابقين، والإلمام بشتى أنواع النتاج الفكري، والتطور المستمر مع ركب الحياة المتجدد، ولن يتحقق ذلك إلا بعد قضاء وقت طويل في جهد شاق، وعمل متواصل، بدافع الرغبة الطبيعية الحقيقية، والمتعة الروحية المتجددة على الدوام. وبهذه الكفاءة، وبهضم هذا الغذاء وتمثله، والانتفاع به بحكمة وإتقان، يكون النتاج عظيمًا ورائعًا، ولصاحبه مكانة سامية في عالم الأدب الرفيع، فالغرس المعتنى به، في أرض طيبة صالحة، ينمو نباته ويترعرع، ويظل -بدوام العناية والرعاية- ريان ناضرًا، ثم يعطي نتاجًا غزيرًا، وثمارًا شهية، وينال صاحبه خير الثناء وأعظم التقدير. والأدب نتاج فكري إنساني، فهو من الظواهر الإنسانية، يتأثر بما يتأثر به الإنسان من البيئة والظروف والمناسبات والأحوال السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية وغيرها، ولذلك عند دراسة النص الأدبي لا بد من معرفة ما أحاط بصاحبه من ظروف وأحوال. هذا هو ما جعلنا نلقي نظرة عامة على أحوال الجاهليين المختلفة في القسم الأول من هذا الكتاب من حيث كونها مؤثرات عامة في الأدب الجاهلي. وقد استقرت آراء الباحثين في النهاية -مع اختلاف وجهات النظر- على أنه عند الرغبة في الإلمام بتاريخ أدب أمة من الأمم، يجب أن يعرف تاريخها وأحوالها على مر العصور. لذلك انتهى الأمر بالنسبة لتاريخ الأدب العربي -لكي تكون الإحاطة به أشمل وأكمل- أن قسم إلى عصور تاريخية خمسة، هي:- ١- العصر الجاهلي: وهو الزمن الذي سبق ظهور الإسلام ٢- عصر صدر الإسلام وبني أمية: من ظهور الإسلام إلى نهاية الدولة الأموية سنة ١٣٢هـ ٣- العصر العباسي: من قيام الدولة العباسية سنة ١٣٢هـ إلى انتهائها على يد التتار سنة ٦٥٦هـ وقد يقسم هذا الشعر قسمين: العصر العباسي الأول من سنة ١٣٢هـ وينتهي سنة ٣٣٤هـ، والعصر العباسي الثاني من سنة ٣٣٤ إلى سنة ٦٥٦هـ.

стр. 305

٤- العصر التركي: من سنة ٦٥٦هـ ينتهي بحكم محمد علي لمصر سنة ١٣٢٠هـ. وقد يقسم قسمين: عصر المماليك وعصر العثمانيين. ٥- العصر الحديث: من عهد حكم محمد علي لمصر سنة ١٢٢٠هـ إلى اليوم. وليس معنى هذا التقسيم أن أدب كل عصر ينتهي بانتهاء عصره فذلك مستحيل؛ لأن الأدب نتاج فكري إنساني متصل الحلقات، كل منها تعتمد على ما سبق، فالهيكل العام بناء عام مكون من لبنات، وإن كان لكل لبنة طبيعتها ونوعها وشكلها بحسب الوقت الذي وجدت فيه، فهذا التقسيم زمني فقط، ويقصد به محاولة الإحاطة والشمول بقدر الإمكان وبأقصى تفصيل مستطاع لهذه الظاهرة الإنسانية التي تتأثر بما يتأثر به الإنسان. والمقصود بدراسة تاريخ الأدب في العصر الجاهلي؛ هو معرفة أحوال النتاج الأدبي للعرب قبل ظهور الإسلام، وهذا العصر لا يمكن تحديد مدته بالضبط، فهو يبدأ من نشأة العرب، وهذه النشأة غير معروفة الزمن، وينتهي بمجيء الدعوة الإسلامية. وفي هذا العصر بدأ الأدب العربي، وتطور على مر الزمن تبعًا لتطور الإنسان بتعاقب الأجيال. ولو أن هذا النتاج حفظ منذ نشأته إلى نهاية العصر الجاهلي لعرفنا مراحل نموه وتطوره. فما بين أيدينا من التراث الأدبي لهذا العصر، لا يمثل إلا قمة التطور للنتاج الأدبي عند العرب، فما أثر للعرب من هذا العصر إنما هو فن أدبي كامل النضج، ولم يعثر الباحثون على ما سبق للعرب من محاولات أدبية، وأقدم نص في التراث الأدبي للعرب الجاهليين لا يتعدى قرنين من الزمان قبل ظهور الإسلام. وقد أشرنا -فيما سبق- إلى أن الأدب تختار كلماته اختيارًا دقيقًا، وتوضع وضعًا خاصًّا، ولكن الأديب -مع هذا- حينما يصنع نصه الأدبي، قد يتخذ أسلوبا حرًّا طليقًا من القيود والالتزامات من حيث الإيقاع والتنغيم، وقد ينحو منحى يلتزم فيه بتقسيم معين، وإيقاع خاص، وتنغيم لا يتغير في أية جزئية من النص من أوله إلى نهايته، والنوع الأول هو النثر، والنوع الثاني هو الشعر. وقد تبين لنا في القسم الثاني من هذا الكتاب أن لدينا عددًا من مصادر الأدب الجاهلي تضم كثيرًا من النصوص الجاهلية التي جاءت إلينا عن طريق الرواة الموثوق بأمانتهم وصدقهم،

стр. 306

وقد حازت القبول والاحترام من العلماء والنقاد والباحثين، واعتمد عليها الجميع في دراساتهم، واعتبرت مصدرًا أساسيًّا في تصوير الأدب واللغة في العصر الجاهلي تصويرًا صادقًا صحيحًا. تلك النصوص هي تراث الجاهليين الأدبي، وتعتبر الأساس الأول الذي قام عليه صرح الأدب العربي، فقد توارثته الأمم العربية جيلًا بعد جيل، ووجدوا فيه الزاد الفني والثقافة الأدبية الرفيعة، فعلى تراث الجاهليين أقبل أدباء العصر اللاحق، ينهلون من موارده، ويغذون أرواحهم وعواطفهم من زاده فصقل مواهبهم، ونمى مشاعرهم ووسع مداركهم حتى إذا اكتملت شخصياتهم الأدبية أضافوا إليه من نتاجهم ما يعتبر ذخيرة تعتز بها الأمة العربية. واتبع الخلف سيرة السلف، فكان كل جيل يتربى على ما ورثه من آبائه وأجداده، ويضيف إلى ميراثه ما ينتجه من روائع، واضعًا في صرح الأدب لبنات جديدة، وهكذا سار الأدب العربي منذ العصر الجاهلي إلى اليوم، وسيظل كذلك إلى ما شاء الله. والشعر في هذا التراث أكبر حظًّا من النثر فيه، فما ورد إلينا من شعر الجاهليين يفوق النثر في الكمية والعدد، وليس السبب في ذلك راجعًا إلى أن النتاج الشعري أسهل من النتاج النثري، بل العكس هو الصحيح، ففي الشعر -كما أشرنا- كلفة ليست في النثر، وهذه تجعله أشق تأليفًا، وأصعب منالًا، والنثر بالقياس إلى ذلك أسهل محاولة، وأيسر تركيبًا، وأقرب منالًا، فالشعر والنثر الأدبيان، كل منهما، تعبير عن العواطف في صورة مؤثرة مثيرة، لكن الشاعر -في نصه الشعري بجانب ذلك- يلتزم وزنًا وقافيةً، يجعلانه مقيدًا، مضطرًا لمراعاتهما في شعره، في حين أن الناثر متحرر منهما، فيجيء كلامه حرًّا خاليًا من القيود والالتزامات، فهو لذلك أيسر من الشعر، ثم إن الشعر -زيادة على ما تقدم- يتطلب موهبة خاصة، لا توجد في جميع الناس، وإنما تكون لدى قوم مخصوصين حباهم الله بها. ولذلك نرى رجال النثر أكثر عددًا من رجال الشعر في جميع الأمم قديمها وحديثها، وتبعًا لذلك يكون النتاج النثري -عادة- أكثر من النتاج الشعري. والقليل أو النادر، يحرص دائمًا عليه الفرد والجماعات، فيلقى من العناية والاهتمام والتقدير أكثر مما يلقى الكثير وما هو في متناول اليد؛ وإذن لا تعجب إذا لقي الشعر عناية واهتمامًا أكثر من النثر في جميع الأمم على مر العصور، ومن ثم حرص الجاهليون، والرواة، والمدونون من بعدهم، على الشعر أكثر من النثر، فوعته الأفهام، وتناقله الرواة؛ في وقت تفشو فيه الأمية، وتندر

стр. 307

الكتابة، التي لا يتسع لقيد النثر وحفظه سواها، ثم إن الشعر أيسر حفظًا، وأطول بقاء في الذاكرة من النثر. فإذا لاحظنا ذلك كله، مع ما سبق بيانه عن الظروف التي أحاطت بالأدب الجاهلي في روايته وتدوينه، تبين لنا بوضوح، السبب في قلة النثر عن الشعر في المدون من الأدب الجاهلي. وقد سبق أيضًا في القسم الثاني أن الأدب الجاهلي، بفرعيه: الشعر والنثر، جاء بلغة أدبية، فصيحة بليغة، تعهدها الأدباء بأذواقهم، وعنايتهم، واهتامهم، فنمت، وترعرعت، وثبتت أقدامها، وتوطدت دعائمها، حتى أصبحت قوية البنيان، متينة الأركان. فجاءت إلينا نصوصهم الأدبية في صورة لغوية ناضجة، كاملة، بحيث يستحيل معها الاعتقاد بأن النصوص الأدبية الجاهلية، كانت أول نصوص أدبية لهم، حقيقة هي أقدم نصوص أدبية للعرب، ولكنها ليست أول محاولاتهم في ميادين الأدب؛ لأنه لا يمكن أن يصدق العقل أن يخلق الأدب أول ما يخلق في صورة كاملة النضج، فالجنين لا يولد إنسانًا كاملًا، بل إنه لا بد أن يقضي زمنًا طويلًا، ينمو فيه جسمه، وتتكون خلاياه، ويبني لنفسه شخصية تمكنه من ملاقاة الزمن وأحداثه ليقوى على مغالبتها، ويبقى على الرغم منا حيًّا. فالمحاولات الأدبية الأولى قد ضاعت ضياعًا تامًّا من الوجود، وكذلك ضاع كثير مما تبعها من محاولات أرقى منها نوعًا. ولذلك لا يمكننا أن نعرف سلسلة التطور الأدبي عند العرب من بدايتها إلى أن وصلت إلى الحالة التي عليها النصوص الجاهلية. فالأصول الأولى للأدب العربي قد ضاعت، ولم يبق منها إلا هذا الذي طلع علينا من قلب الصحراء -نثرًا وشعرًا- تام الخلقة، ممثلًا الطور الأخير من أطوار نضجه وكماله. وفيما يلي الحديث عن النثر ثم يليه الحديث عن الشعر في العصر الجاهلي.

стр. 308

النثر الجاهلي مدخل ... النثر الجاهلي تؤيد الطبيعة والعقل أن الجاهليين كان لهم نثر أدبي، فليس هناك مانع يجعل ذلك مستحيلًا أو معدومًا، وإذا كان لهم شعر، فلا بد أنه كان لهم نثر، يتحلل فيه القائل من قيود الشعر التي قد تقف أمام الأديب فلا يستطيع أن يلتزمها، والواقع أنه كان لهم نثر، وأنهم حتمًا كانوا يجيدون النثر الأدبي، بدليل نزول القرآن، وفهمهم له، ومجادلتهم للنبي ﷺ فيما كان ينزل عليه، وما يتلوه عليهم، وبدليل تحدي القرآن لهم أن يأتوا بمثله أو بعضه، والقرآن الكريم ليس شعرًا، والتحدي لا يكون له معنى إلا إذا كان في الناحية التي يزعم المتحدى أن له فيها نبوغًا، ويدعي لنفسه عليها قوة واقتدارًا، ومن ثم لا بد أن الله قد أعجز أمة ذات قدرة فائقة على النثر. ونثر الجاهليين لا شك أنه كان كثيرًا، يفوق في الكم ما كان لهم من شعر، وقد سبق أن وضحنا ذلك، ولكن سنة الكون دائما تجعل الشعر أوفر حظًّا من العناية والاهتمام، فيحفظ، ويتناقل، ويروى على مر الأجيال أكثر من الشعر. ولهذا نتوقع أن يكون ما حفظ لنا من نثر الجاهليين أقل بكثير مما حفظ لنا من شعرهم. وإذا كان في الشعر قافية موحدة، ومقاطع موسيقية منتظمة تجعله أسهل علوقًا بالذهن، وأكثر دوامًا بالذاكرة، فإن ذلك أيضًا جعله يثبت في الحفظ، ويتناقل من جيل إلى جيل بنفس الألفاظ والعبارات اللهم في القليل النادر، فيغلب على الظن؛ حينئذ أن عدم وجود هذه الخاصية في النثر قد أثرت في حفظه وفي روايته، فكان أشق في الحفظ، وأقل دوامًا في الذاكرة، ثم كان عرضة للتغيير أو التحوير، مع المحافظة على المعنى المقصود، بطبيعة الحال، ومن هنا لا شك أن النثر الجاهلي كان من الصعب على الرواة أن يحفظوه كله، وإذا حفظوا بعضه، فالغالب أنه قد ضاعت منهم بعض ألفاظه. ولكن مهما يكن، فمن المؤكد أنه بقيت نصوص منه كان لها حظ الرعاية والاهتمام، فظلت سليمة كما صنعها أصحابها، حتى تسلمتها بطون الكتب وأمهات المراجع، فوصلتنا صحيحة سليمة.

стр. 309

دواعي النثر الجاهلي: وظروف الحياة التي كان يعيش فيها الجاهليون كانت تدعوهم إلى القول، ولا شك أن هذه الظروف نتج عنها نثر لهؤلاء الموهوبين في صناعة الكلام وليس لديهم موهبة الشعر، وهم ولا شك كانوا أكثر عددًا من الشعراء، بدليل ما نعلمه، وما نشاهده في الأمم القديمة والحديثة في العصور السالفة وعصرنا الحاضر. لقد كان للعرب اجتماعات خاصة وعامة، وعلى نطاق ضيق وعلى نطاق واسع، وكانت بينهم منافسات وتسابق في المفاخر، والأمجاد، والأفعال، والعادات، وحدثت بينهم مشكلات، وخصومات، وعداوات، كما كانت لهم تجارب في الحياة، فتكونت لديهم خبرات، كانوا يحبون -بطبيعة الحال- أن يضعوها بين أيدي من يحبون، لكي يستفيدوا بها في حياتهم، كل هذه المناسبات كانت تستدعي القول، ولسنا نعني القول العادي، كهذا الذي يتحدث به الشخص لقضاء مصالحه العاجلة، وحاجاته اليومية، إنما نقصد ذلك القول المؤثر الذي يحفل به صاحبه، ويودع فيه من طاقات الإثارة كل ما يستطيع. فالقبيلة في مجتمعها الخاص، وبخاصة حينما ينتهون من مشاغلهم اليومية، ويجتمعون بالليل في مجالس السمر، ولا شك أنهم كانوا يتجاذبون أطراف الحديث فيما يجري من شئونهم أو شئون غيرهم، أو يستمعون إلى من أوتي حظًّا أوفر من القدرة على الكلام الفصيح، ولا شك أن أحسن ما كان يشوقهم أن يستمعوا إليه أحاديث الآباء والأجداد، وما كان لهم من مفاخر وأمجاد، ومن ثم لا بد أنه كان هناك قصص طريف يحاول فيه القصاص أن يستعيد الحوادث، ويسردها للسامعين بأسلوب شيق أخاذ، ولا ريب أن هؤلاء القصاصين قد اتخذوا من الحوادث الجارية، والأحداث السابقة مادة لقصصهم، ومن هنا وجدت قصص الأيام التي تحكي تاريخ الحروب بين الجاهليين، وقد حفلت بها كتب كثيرة من أهمها شرح النقائض لأبي عبيدة، وغني عن البيان أن ما يحكيه أبو عبيدة وأمثاله عن الأيام وغيرها مما يتصل بالجاهليين، ليس من نثر الجاهليين ولا يمثل أسلوبهم، إلا ما يجيء في ثنايا كلام المؤلفين من محفوظات بنصوصها تنسب إلى قائلين فهذه جاهلية بالطبع، كذلك حفلت كتب التاريخ القديم بقصص الجاهليين عن ملوك المناذرة، والغساسنة، والحميريين, والفرس، وغيرهم، وبأخبار سادتهم، ورؤسائهم، وكهانهم، وعشاقهم، وشعرائهم، وما كان لهم من أساطير.

стр. 310

وهم في اتصالاتهم بعضهم ببعض، ومع غيرهم كانوا يتحدثون عن خبراتهم وتجاربهم في مختلف الاتجاهات، أو يتبارون في السيادة والشرف، أو في القوة والهيبة، أو في المكانة والاحترام، أو يتناقشون ويتبادلون الآراء لحل المشكلات وفض المنازعات، أو يتآلفون بالمحالفات أو المصاهرات، أو يزجون أوقات فراغهم بما يسر آذانهم ويمتع أفئدتهم، كل هذا هيأ فرصًا كثيرة لمن لديهم موهبة أدبية، وليست فيهم مقدرة شعرية لكي يمارسوا فنونًا أدبية نثرية متعددة. ومن ثم وردت لهم في كتب الأدب والتاريخ أنواع من النثر الأدبي، نجد منها: الحكم، والأمثال، والقصص، والمفاخرات، والمنافرات، والخطب، والوصايا، وسجع الكهان. وقد أشرنا فيما سبق إلى أن النثر الجاهلي لم يلق من العناية والاهتمام مثل ما لقي الشعر، فما بقي منه ما زال مبعثرًا في بطون الكتب، وعند قراءته تبين أنه كان يوجد في جميع المناسبات ومختلف الظروف، ولكن إلى الآن لم نجد من اهتم بجمع هذا النثر وتحقيقه وتصنيفه ودراسته. ولا شك أن هذا يحتاج إلى رغبة صادقة، وأناة، ومقدرة على البحث والدارسة، والقيام بذلك عمل عظيم يستحق أسمى التقدير. وفيما يلي عرض موجز لأهم ما ورد في كتب الأدب عن أنواع النثر الجاهلي بحسب طبيعة الكلام ومقصده.

стр. 311

الحكم والأمثال: والحكمة قول رائع يتضمن حكمًا صحيحًا مسلَّمًا به، أما المثل فهو قول يشبه مضربه بمورده فهو يقصد به تشبيه الحال التي حكي فيها بالحال التي قيل بسببها، ولذلك يحكى المثل بلفظه كما هو بدون تغيير مهما كان نوع الخطاب أو نسق الكلام. وكل من الحكمة والمثل، عبارة قصيرة بليغة، ولكنها غاية في تأدية المعنى المقصود. وكل منهما يكون شعرًا، ويكون نثرًا، لكنهما في النثر أكثر دورانًا، ولذلك يعدان في النثر. وهما ثمار ناضجة من ثمرات الاختبار الطويل، والتجربة الصادقة، والعقل الراجح، والرأي السديد. وكثيرًا ما تقتبس الحكم والأمثال، وتوضع في الأقوال والأشعار، فتضفي على الكلام زينة؛ فوق ما تؤديه من إصابة المعنى وحسن التشبيه، ولذلك كان من الأدباء من نظم

стр. 312

قصائد، كلها حكم وأمثال كأرجوزة أبي العتاهية التي سماها "الأمثال"١. وممن اشتهر بالحكمة من العرب: أكثم بن صيفي التميمي، وعامر بن الظرب العداوني، وهما من المعمرين، وكانت العرب تحتكم إليهما، ويقال إن عامر بن الظرب لما كبر واعتراه النسيان أمر ابنته أن تقرع بالعصا إذا جار عن القصد وكانت ابنته من حكيمات العرب مثل هند بنت الخس. ومن أقوال أكثم٢: "ويل للشجي من الخلي، لم يذهب من مالك ما وعظك، رب عجلة تهب ريثًا، ادرعوا الليل فإنه أخفى للويل، إذا فزع الفؤاد ذهب الرقاد، ليس من العدل سرعة العذل، لا تطمع في كل ما تسمع، رب قول أنقذ من صول، حافظ على الصديق ولو في الحريق". ومن أقوال عامر بن الظرب٣: "رب زارع لنفسه حاصد سواه، من طلب شيئًا وجده، وإن لم يجده أوشك أن يقع قريبا منه". ولا بد للأمثال من أصل تكون قد جاءت بسببه، وقد يكون ذلك الأصل حقيقيًّا، وقد يكون فرضيًّا، وذلك إن قيل عن حيوان أو نبات أو جماد وتسمى أمثال النوع الأول حقيقة والأخرى فرضية. ومن الأمثال الحقيقة: "تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها" يضرب في صيانة الشخص نفسه عن خسيس الكسب، وهو للحارث بن سليل الأسدي، "وسبق السيف العذل". ويضرب للفائت يستحيل تداركه، وقائله ضبة بن أد بن طابخة. وكتب الأمثال في العادة تذكر المثل وقائله وتشرح السبب الذي قيل من أجله. ومن الأمثال الفرضية: "كيف أعاهدك وهذا أثر فأسك" يضرب لمن لا يجاب إلى عهد لظهور آثار غدره. ويأتي هذا في خرافة الحية والفأس التي تقول٤: "إن أخوين كانا فيما مضى في إبل لهما فأجدبت بلادهما، وكان قريبًا منها واد فيه حية، قد حمته من كل أحد، فقال أحدهما للآخر: يا فلان لو أني أتيت هذا الوادي المكلئ فرعيت فيه إبلي وأصلحتها.

стр. 313

فقال له أخوه: إني أخاف عليك الحية، ألا ترى أن أحدًا لم يهبط ذلك الوادي إلا أهلكته. قال: فوالله لأهبطن، فهبط ذلك الوادي. فرعى إبله زمانًا، ثم إن الحية لدغته، فقتلته. فقال أخوه: ما في الحياة بعد أخي خير، ولأطلبن الحية فأقتلها، أو لأتبعن أخي، فهبط ذلك الوادي، فطلب الحية لقتلها، فقالت: ألست ترى أني قتلت أخاك، فهل لك في الصلح، فأدعك بهذا الوادي، فتكون به، وأعطيك ما بقيت دينارًا كل يوم، قال: أفاعلة أنت؟ قالت: نعم. قال: فإني أفعل. فحلف لها وأعطاها المواثيق: لا يضيرها. وجعلت تعطيه كل يوم دينارًا، فكثر ماله ونمت إبله، حتى كان من أحسن الناس حالًا، ثم إنه ذكر أخاه، فقال: كيف ينفعني العيش، وأنا أنظر إلى قاتل أخي فلان؟ فعمد إلى فأس، فأخذها، ثم قعد لها، فمرت به، فتبعها، فضربها فأخطأها، ودخلت الجحر. فرمى الفأس بالجبل فوقع فوق جحرها، فأثر فيه. فلما رأت ما فعل قطعت عنه الدينار الذي كانت تعطيه، ولما رأى ذلك تخوف شرها وندم، فقال: هل لك أن نتوافق، ونعود إلى ما كنا عليه؟ فقالت: كيف أعاهدك وهذا أثر فأسك". وقد تتضمن القصة الواحدة أكثر من مثل، سواء كانت حقيقية أو فرضية كما في حادثة الزباء وقصير٥، فقد ذكروا فيها أقوالًا كثيرة ذهبت أمثالها، منها، "لأمر ما جدع قصير أنفه" و "بيدي لا بيد عمرو" ومن ذلك ما تزعمه العرب من أن أرنبًا التقطت تمرة، فاختلسها ثعلب، فأكلها، فانطلقا يختصمان إلى الضب، فقالت الأرنب: يا أبا الحسل. قال: سميعًا دعوت، قالت: أتيناك لنختصم إليك. قال: عادلًا حكمتما، قالت: فاخرج إلينا، قال: في بيته يؤتى الحكم، قالت: إني وجدت تمرة. قال: حلوة فكليها، قالت: فاختلسها الثعلب. قال: لنفسه بغى الخير. قالت: فلطمته. قال: بحقك أخذت. قالت: فلطمني. قال: حر انتصف. قالت: فاقض بيننا، قال: قد قضيت، فذهبت أقواله كلها أمثالًا. وقد عني العرب بالأمثال، فألفت فيها كتب كثيرة، منها كتاب صحار العبدي أحد النسابين في أيام معاوية بن أبي سفيان. وكتاب آخر لمعاصره عبيد بن شرية ومنها كتاب أمثال

стр. 314

العرب للمفضل الضبي، وجمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري، ومجمع الأمثال للميداني المتوفى سنة ٥١٨هـ، وكتاب المستقصى للزمخشري المتوفى سنة ٥٣٨هـ.

стр. 315

المفاخرات والمنافرات: والمفاخرة: محاورة كلامية بين اثنين أو أكثر، وفيها يتباهى كل من المتفاخرين بالأحساب والأنساب، ويشيد بما له من خصال، وما قام به من جلائل الأعمال، وكانت تحدث بين القبائل كربيعة ومضر، وبكر وتغلب من ربيعة، وقيس وتميم من مضر، وقد تغلغلت المفاخرات في بطونهم حتى كانت بين ابني العم في العشيرة الواحدة مثل ما حدث بين عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة، وقد تنافرا إلى هرم بن قطبة الفزاري٦. والمنافرة كالمفاخرة وأشد، وكان الرجلان إذا تنازعا الفخر، وادعى كل منهما أنه متفوق على صاحبه، نفرا إلى حاكم يرضيانه، ليقضي بينهما، فمن فضله على صاحبه كان له غنم الحكم، وعلى صاحبه غرم الجعل المفروض من الإبل أو غيرها. ولكن الحكم كثيرًا ما كان يتحاشى الحكم لأحدهما على الآخر، ويعمد إلى الصلح بين المتنافرين، حسمًا للنزاع، وتفاديًا للشر. ويلقي عليهما كلامًا بليغًا يدعوهما فيه إلى الصفاء والسلام والمودة والمحبة. من ذلك ما كان من هاشم بن عبد مناف في خزاعة وقريش حين نفرتا إليه، فقال: "أيها الناس، نحن آل إبراهيم، وذرية إسماعيل، وبنو النضر بن كنانة، وبنو قصي بن كلاب، وأرباب مكة، وسكان الحرم، لنا ذروة الحسب والنسب، ومعدن المجد، ولكل في كل حلف يجب عليه نصرته، وإجابة دعوته، إلا ما دعا إلى عقوق عشيرة وقطع رحم. يا بني قصي، أنتم كغصني شجرة، أيهما كسر أوحش صاحبه، والسيف لا يصان إلا بغمده، ورامي العشيرة يصيبه سهمه. أيها الناس، الحلم شرف، والصبر ظفر، والمعروف كنز، والجود سؤدد، والجهل سفه، والأيام دول، والدهر غير، والمرء منسوب إلى فعله، ومأخوذ بعمله، فاصطنعوا المعروف تكسبوا الحمد، ودعوا الفضول تجانبكم السفهاء، وأكرموا الجلس يعمر ناديكم، وحابوا الخليط يرغب في جواركم، وأنصفوا من أنفسكم يوثق بكم، وعليكم بمكارم الأخلاق فإنها رفعة، وإياكم والأخلاق الدنية، فإنها تضع

стр. 316

الشرف، وتهدم المجد، ومقام الحليم عظة لمن انتفع به". فأذعن له الفريقان بالطاعة، وتصالحا. ومن ذلك ما حدث من هرم بن قطبة الفزاري حين نفر إليه عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة العامريان، فقد روي: أن عامرًا وقف لعلقمة يومًا، فجعل ينازعه الشرف في قومه، وتفاقم بينهما الأمر، فكان مما قاله عامر: والله لأنا أشرف منك حسبًَا، وأثبت منك نسبًا، وأطول قصبًا! قال علقمة: أنا فرك، وأنا أشرف منك أمة، وأطول قمة، وأبعد همة. وطال بينهما الكلام. فتواعدا على الخروج إلى من يحكم بينهما. وجعلا يطوفان الأحياء. وهاب الناس أن يحكموا بينهما. خيفة أن يقع في حييهما الشر. حتى دفعا إلى هرم بن قطبة الفزاري "وهو غير هرم بن سنان المري ممدوح زهير". فلما علم بأمرهما، أمر بنيه أن يفرقوا جماعة الناس تفاديًا للفتنة، وجعل يطاولها، ويخوف كل واحد منهما من صاحبه حتى لم يبق لواحد منهما هم سوى أن يسوي في حكمه بينهما، ثم دعاهما بعد ذلك، والناس شهود، فقال لهما: أنتما كركبتي البعير، تقعان إلى الأرض معًا، وتقومان معًا". فرضيا بقوله، وانصرفا عنه إلى حييهما. وقد عمر هرم هذا إلى أيام عمر بن الخطاب ﵁. فقال عمر: أيهما كنت منفرًا؟ فقال: يا أمير المؤمنين لو قلتها الآن لعادت جذعة "يعني الحرب أو الفتنة" فقال له عمر: "إنك لأهل لموضعك من الرياسة".

стр. 317

الخطابة: الخطابة حديث يقصد به إثارة المشاعر وإلهاب العواطف في الحال. والحياة الجاهلية جعلت الخطابة ضرورية لهم، فهم في اجتماعاتهم وفي عرض آرائهم، وفي القيام بواجباتهم في السفارات والوفود كانوا -ولا شك- يحتاجون إلى الإفصاح عما يريدونه؛ رغبة في الوصول إلى مقاصدهم وكلما كان إفصاحهم أقوى وأعذب كان تأثيره في القلوب أشد، فساعد ذلك على وجود الخطابة بينهم. وقد ثبت أنهم كانوا يخطبون في مناسبات شتى، فبالخطابة كانوا يحرضون على القتال؛ استثارة للهمم، وشحذًا للعزائم، وبها كانوا يحثون على شن الغارات؛ حبًّا في الغنيمة، أو بثًّا للحمية رغبة في الأخذ بالثأر، وبالخطابة كانوا يدعون للسلم؛ حقنًا للدماء، ومحافظة على

стр. 318

أواصر القربى أو المودة والصلة، ويحببون في الخير والتصافي والتآخي، ويبغضون في الشر والتباغض والتنابذ، وبالخطابة كانوا يقومون بواجب الصلح بين المتنافرين أو المتنازعين، ويؤدون مهام السفارات جلبًا لمنفعة، أو درءًا لبلاء، أو تهنئة بنعمة، أو تعزية أو مواساة في مصيبة، فوق ما كانت الخطابة تؤديه هذه المصاهرات، فتلقى الخطب ربطًا لأواصر الصلة بين العشائر، وتحبيب المتصاهرين بعضهم في بعض. وأشهر الخطباء في الجاهلية: قس بن ساعدة الأيادي، وقد أدركه النبي ﷺ فرآه في سوق عكاظ على جمل أحمر، وسحبان بن وائل الباهلي الذي ضرب بفصاحته المثل. فقيل: "أخطب من سحبان" ويقال إنه كان إذا خطب يسيل عرقًا، ولا يعيد كلمة ولا يتوقف ولا يقعد حتى ينتهي من كلامه. ومن خطباء تميم المشهورين: ضمرة بن ضمرة، وأكثم بن صيفي، وعمرو بن الأهتم المنقري، وقيس بن عاصم. وكان الخطباء يحفلون بخطبهم، ويتخيرون لها أشرف المعاني، وأقوى الألفاظ، وأشدها وقعًا على القلوب؛ ليكون تأثيرها أعظم، ويقال إنهم كانوا يخطبون، وعليهم العمائم، وبأيديهم المخاصر، ويعتمدون على الأرض بالقسي، ويشيرون بالعصي والقنا، راكبين أو واقفين على مرتفع من الأرض٧. وقد أثارت الشعوبية في موقفها من العرب عادة اتخاذهم العصي والمخاصر في أثناء خطابتهم، فرد عليهم الجاحظ في كتابه البيان والتبيين، مبينًا فوائد العصا، ومما قاله: "إن حمل العصا والمخصرة دليل على التأهب للخطبة والتهيؤ للإطناب والإطالة. وذلك شيء خاص في خطباء العرب، ومقصور عليهم، ومنسوب إليهم، حتى إنهم ليذهبون في حوائجهم، والمخاصر بأيديهم إلفًا لها، وتوقعًا لبعض ما يوجب حملها، والإشارة بها"٨. ومن الخطب التي تحرض على القتال: خطبة هانئ بن قبيصة في يوم ذي قار، يحرض قومه بكرًا على القتال، ومنها: "يا معشر بكر، هالك معذور خير من ناج فرور، إن الحذر لا ينجي من القدر، وإن الصبر من أسباب الظفر، المنية ولا الدنية، استقبال الموت خير من

стр. 319

استدباره، الطعن في ثغر النحور أكرم منه في الأعجاز والظهور، يا آل بكر، قاتلوا فما للمنايا من بد". ومن كلمات الوفود: كلمة قبيصة بن نعيم في وفد بني أسد، حين قدموا على امرئ القيس بعد مقتل أبيه، فيروى أنه وفد على امرئ القيس، بعد مقتل أبيه، رجالات من بني أسد، كهول وشبان، وفيهم عبيد بن الأبرص الشاعر، والمهاجر بن خداش، وقبيصة بن نعيم، فلما علم امرؤ القيس بمكانهم، أمر بإنزالهم، وتقدم في إفضالهم، والإكرام عليهم، واحتجب عنهم ثلاثًا، فقالوا لمن يباريه من رجال كندة: ما بال الرجل لا يخرج إلينا؟ فقال: هو في شغل بإخراج ما في خزائن حجر من العدة والسلاح، فقالوا: اللهم غفرًا! إنما قدمنا عليه في أمر نتناسى به ذكر ما فات، ونستدرك ما فرط. فليبلغ ذلك عنا. فخرج عليهم في قباء٩، وخف، وعمامة سوداء، وكانت العرب لا تعتم بالسواد إلا في الترات١٠. فلما رأوه نهضوا، وبدر قبيصة فقال: إنك في المحل والقدر، والمعرفة بتصرف الدهر، وما تحدثه أيامه، وتنتقل به أحواله، بحيث لا تحتاج إلى تبصير واعظ، ولا تذكرة مجرب. ولك من سؤدد منصبك، وشرف أعراقك، وكرم أصلك في العرب محتمل يحتمل ما حمل عليه من إقالة العثرة، والرجوع عن الهفوة، ولا تتجاوز الهمم إلى غاية إلا رجعت إليك، فوجدت عندك من فضيلة الرأي، وبصيرة الفهم، وكرم الصفح، ما يطول رغباتها، ويستغرق طلباتها؛ وقد كان الذي كان من الخطب الجليل. الذي عمت رزيته نزارًا واليمن، ولم تخصص به كندة دوننا؛ للشرف البارع الذي كان لحجر: التاج والعمة فوق الجبين الكريم، وإخاء الحمد، وطيب الشيم ولو كان هالك يفدى بالأنفس الباقية بعده لما بخلت كرائمنا على مثله ببذل ذلك، ولفديناه منه. ولكن مضى به سبيل لا ترجع أولاه على آخره ولا يلحق أقصاه أدناه، فأحمد الحالات في ذلك أن تعرف الواجب عليك في إحدى خلال ثلاث: إما أن اخترت من بني أسد أشرفها بيتًا، وأعلاها في بناء المكرمات صوتًا، فقدناه إليك بنسعة١١تذهب١٢مع شفرات حسامك بباقي قصرته١٣: فيقال: رجل امتحن بهلك

стр. 320

عزيز عليه فلم تستل سخيمته إلا بتمكينه من الانتقام، أو فداء بما يروح على بني أسد من نعمها، فهي ألوف تجاوز الحسبة، وكان ذلك فداء ترجع به القضب إلى أجفانها، لم يردده تسليط الإحن على البرآء، وإما أن تواعدنا حتى تضع الحوامل، فنسدل الأزر، ونعقد الخمر فوق الرايات. قالوا: فبكى امرؤ القيس ساعة؛ ثم رفع طرفه إليهم، فقال: قد علمت العرب أن لا كفء لحجر في دم، وإني لن أعتاض به ناقة أو جملًا، فأكتسب بذلك سبة الأبد، وفت العضد؛ وأما النظرة فقد أوجبتها الأجنة في بطون أمهاتها، ولن أكون لعطبها سببًا، وستعرفون طلائع كندة من بعد، تحمل في القلوب حنقًا١٤وفوق الأسنة علقًا١٥. إذا جالت الخيل في مأزق ... تصافح فيه المنايا النفوسا أتقيمون أم تنصرفون؟ قالوا: بل ننصرف بأسوأ الاختيار، وأبلى الاجترار١٦، لحرب وبلية، ومكروه وأذية. ثم نهضوا عنه، وقبيصة يقول متمثلًا: لعلك أن تستوخم الورد إن غدت ... كتائبنا في مأزق الموت تمطر فقال امرؤ القيس: لا، والله لا أستوخمه، فرويدًا ينكشف لك دجاها عن فرسان كندة؛ وكتائب حمير! ولقد كان ذكر غير هذا أولى بي، إذ كنت نازلًا بربعي، ومتحرمًا بزمامي، ولكنك قلت فأجبت، قال قبيصة إن ما نتوقع فوق قدر المعاتبة والإعتاب. قال امرؤ القيس: فهو ذاك، وفي ذلك يقول عبيد بن الأبرص: يا ذا المخوفنا بقتل أبيه إذلالًا وحينا هلا على حجر بن أم قطام تبكي لا علينا نحن الألى فاجمع جموعك ثم وجههم إلينا نحمي حقيقتنا وبعض القوم يسقط بين بينا
следующие страницы →