← Адаб

Адаб · id 12046

في تاريخ الأدب الجاهلي

علي الجندي

Полный текст (554 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الشرف، وتهدم المجد، ومقام الحليم عظة لمن انتفع به". فأذعن له الفريقان بالطاعة، وتصالحا. ومن ذلك ما حدث من هرم بن قطبة الفزاري حين نفر إليه عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة العامريان، فقد روي: أن عامرًا وقف لعلقمة يومًا، فجعل ينازعه الشرف في قومه، وتفاقم بينهما الأمر، فكان مما قاله عامر: والله لأنا أشرف منك حسبًَا، وأثبت منك نسبًا، وأطول قصبًا! قال علقمة: أنا فرك، وأنا أشرف منك أمة، وأطول قمة، وأبعد همة. وطال بينهما الكلام. فتواعدا على الخروج إلى من يحكم بينهما. وجعلا يطوفان الأحياء. وهاب الناس أن يحكموا بينهما. خيفة أن يقع في حييهما الشر. حتى دفعا إلى هرم بن قطبة الفزاري "وهو غير هرم بن سنان المري ممدوح زهير". فلما علم بأمرهما، أمر بنيه أن يفرقوا جماعة الناس تفاديًا للفتنة، وجعل يطاولها، ويخوف كل واحد منهما من صاحبه حتى لم يبق لواحد منهما هم سوى أن يسوي في حكمه بينهما، ثم دعاهما بعد ذلك، والناس شهود، فقال لهما: أنتما كركبتي البعير، تقعان إلى الأرض معًا، وتقومان معًا". فرضيا بقوله، وانصرفا عنه إلى حييهما. وقد عمر هرم هذا إلى أيام عمر بن الخطاب ﵁. فقال عمر: أيهما كنت منفرًا؟ فقال: يا أمير المؤمنين لو قلتها الآن لعادت جذعة "يعني الحرب أو الفتنة" فقال له عمر: "إنك لأهل لموضعك من الرياسة".

стр. 317

الخطابة: الخطابة حديث يقصد به إثارة المشاعر وإلهاب العواطف في الحال. والحياة الجاهلية جعلت الخطابة ضرورية لهم، فهم في اجتماعاتهم وفي عرض آرائهم، وفي القيام بواجباتهم في السفارات والوفود كانوا -ولا شك- يحتاجون إلى الإفصاح عما يريدونه؛ رغبة في الوصول إلى مقاصدهم وكلما كان إفصاحهم أقوى وأعذب كان تأثيره في القلوب أشد، فساعد ذلك على وجود الخطابة بينهم. وقد ثبت أنهم كانوا يخطبون في مناسبات شتى، فبالخطابة كانوا يحرضون على القتال؛ استثارة للهمم، وشحذًا للعزائم، وبها كانوا يحثون على شن الغارات؛ حبًّا في الغنيمة، أو بثًّا للحمية رغبة في الأخذ بالثأر، وبالخطابة كانوا يدعون للسلم؛ حقنًا للدماء، ومحافظة على

стр. 318

أواصر القربى أو المودة والصلة، ويحببون في الخير والتصافي والتآخي، ويبغضون في الشر والتباغض والتنابذ، وبالخطابة كانوا يقومون بواجب الصلح بين المتنافرين أو المتنازعين، ويؤدون مهام السفارات جلبًا لمنفعة، أو درءًا لبلاء، أو تهنئة بنعمة، أو تعزية أو مواساة في مصيبة، فوق ما كانت الخطابة تؤديه هذه المصاهرات، فتلقى الخطب ربطًا لأواصر الصلة بين العشائر، وتحبيب المتصاهرين بعضهم في بعض. وأشهر الخطباء في الجاهلية: قس بن ساعدة الأيادي، وقد أدركه النبي ﷺ فرآه في سوق عكاظ على جمل أحمر، وسحبان بن وائل الباهلي الذي ضرب بفصاحته المثل. فقيل: "أخطب من سحبان" ويقال إنه كان إذا خطب يسيل عرقًا، ولا يعيد كلمة ولا يتوقف ولا يقعد حتى ينتهي من كلامه. ومن خطباء تميم المشهورين: ضمرة بن ضمرة، وأكثم بن صيفي، وعمرو بن الأهتم المنقري، وقيس بن عاصم. وكان الخطباء يحفلون بخطبهم، ويتخيرون لها أشرف المعاني، وأقوى الألفاظ، وأشدها وقعًا على القلوب؛ ليكون تأثيرها أعظم، ويقال إنهم كانوا يخطبون، وعليهم العمائم، وبأيديهم المخاصر، ويعتمدون على الأرض بالقسي، ويشيرون بالعصي والقنا، راكبين أو واقفين على مرتفع من الأرض٧. وقد أثارت الشعوبية في موقفها من العرب عادة اتخاذهم العصي والمخاصر في أثناء خطابتهم، فرد عليهم الجاحظ في كتابه البيان والتبيين، مبينًا فوائد العصا، ومما قاله: "إن حمل العصا والمخصرة دليل على التأهب للخطبة والتهيؤ للإطناب والإطالة. وذلك شيء خاص في خطباء العرب، ومقصور عليهم، ومنسوب إليهم، حتى إنهم ليذهبون في حوائجهم، والمخاصر بأيديهم إلفًا لها، وتوقعًا لبعض ما يوجب حملها، والإشارة بها"٨. ومن الخطب التي تحرض على القتال: خطبة هانئ بن قبيصة في يوم ذي قار، يحرض قومه بكرًا على القتال، ومنها: "يا معشر بكر، هالك معذور خير من ناج فرور، إن الحذر لا ينجي من القدر، وإن الصبر من أسباب الظفر، المنية ولا الدنية، استقبال الموت خير من

стр. 319

استدباره، الطعن في ثغر النحور أكرم منه في الأعجاز والظهور، يا آل بكر، قاتلوا فما للمنايا من بد". ومن كلمات الوفود: كلمة قبيصة بن نعيم في وفد بني أسد، حين قدموا على امرئ القيس بعد مقتل أبيه، فيروى أنه وفد على امرئ القيس، بعد مقتل أبيه، رجالات من بني أسد، كهول وشبان، وفيهم عبيد بن الأبرص الشاعر، والمهاجر بن خداش، وقبيصة بن نعيم، فلما علم امرؤ القيس بمكانهم، أمر بإنزالهم، وتقدم في إفضالهم، والإكرام عليهم، واحتجب عنهم ثلاثًا، فقالوا لمن يباريه من رجال كندة: ما بال الرجل لا يخرج إلينا؟ فقال: هو في شغل بإخراج ما في خزائن حجر من العدة والسلاح، فقالوا: اللهم غفرًا! إنما قدمنا عليه في أمر نتناسى به ذكر ما فات، ونستدرك ما فرط. فليبلغ ذلك عنا. فخرج عليهم في قباء٩، وخف، وعمامة سوداء، وكانت العرب لا تعتم بالسواد إلا في الترات١٠. فلما رأوه نهضوا، وبدر قبيصة فقال: إنك في المحل والقدر، والمعرفة بتصرف الدهر، وما تحدثه أيامه، وتنتقل به أحواله، بحيث لا تحتاج إلى تبصير واعظ، ولا تذكرة مجرب. ولك من سؤدد منصبك، وشرف أعراقك، وكرم أصلك في العرب محتمل يحتمل ما حمل عليه من إقالة العثرة، والرجوع عن الهفوة، ولا تتجاوز الهمم إلى غاية إلا رجعت إليك، فوجدت عندك من فضيلة الرأي، وبصيرة الفهم، وكرم الصفح، ما يطول رغباتها، ويستغرق طلباتها؛ وقد كان الذي كان من الخطب الجليل. الذي عمت رزيته نزارًا واليمن، ولم تخصص به كندة دوننا؛ للشرف البارع الذي كان لحجر: التاج والعمة فوق الجبين الكريم، وإخاء الحمد، وطيب الشيم ولو كان هالك يفدى بالأنفس الباقية بعده لما بخلت كرائمنا على مثله ببذل ذلك، ولفديناه منه. ولكن مضى به سبيل لا ترجع أولاه على آخره ولا يلحق أقصاه أدناه، فأحمد الحالات في ذلك أن تعرف الواجب عليك في إحدى خلال ثلاث: إما أن اخترت من بني أسد أشرفها بيتًا، وأعلاها في بناء المكرمات صوتًا، فقدناه إليك بنسعة١١تذهب١٢مع شفرات حسامك بباقي قصرته١٣: فيقال: رجل امتحن بهلك

стр. 320

عزيز عليه فلم تستل سخيمته إلا بتمكينه من الانتقام، أو فداء بما يروح على بني أسد من نعمها، فهي ألوف تجاوز الحسبة، وكان ذلك فداء ترجع به القضب إلى أجفانها، لم يردده تسليط الإحن على البرآء، وإما أن تواعدنا حتى تضع الحوامل، فنسدل الأزر، ونعقد الخمر فوق الرايات. قالوا: فبكى امرؤ القيس ساعة؛ ثم رفع طرفه إليهم، فقال: قد علمت العرب أن لا كفء لحجر في دم، وإني لن أعتاض به ناقة أو جملًا، فأكتسب بذلك سبة الأبد، وفت العضد؛ وأما النظرة فقد أوجبتها الأجنة في بطون أمهاتها، ولن أكون لعطبها سببًا، وستعرفون طلائع كندة من بعد، تحمل في القلوب حنقًا١٤وفوق الأسنة علقًا١٥. إذا جالت الخيل في مأزق ... تصافح فيه المنايا النفوسا أتقيمون أم تنصرفون؟ قالوا: بل ننصرف بأسوأ الاختيار، وأبلى الاجترار١٦، لحرب وبلية، ومكروه وأذية. ثم نهضوا عنه، وقبيصة يقول متمثلًا: لعلك أن تستوخم الورد إن غدت ... كتائبنا في مأزق الموت تمطر فقال امرؤ القيس: لا، والله لا أستوخمه، فرويدًا ينكشف لك دجاها عن فرسان كندة؛ وكتائب حمير! ولقد كان ذكر غير هذا أولى بي، إذ كنت نازلًا بربعي، ومتحرمًا بزمامي، ولكنك قلت فأجبت، قال قبيصة إن ما نتوقع فوق قدر المعاتبة والإعتاب. قال امرؤ القيس: فهو ذاك، وفي ذلك يقول عبيد بن الأبرص: يا ذا المخوفنا بقتل أبيه إذلالًا وحينا هلا على حجر بن أم قطام تبكي لا علينا نحن الألى فاجمع جموعك ثم وجههم إلينا نحمي حقيقتنا وبعض القوم يسقط بين بينا

стр. 321

ونجد أمثلة من خطب الجاهليين في كتب الأدب والتاريخ؛ مثل العقد الفريد لابن عبد ربه؛ والأغاني؛ والأمالي؛ والبيان والتبيين للجاحظ، وفتوح الشام لأبي إسماعيل البصري، وفتوح الشام للواقدي، وفتوح البلدان للبلاذري وتاريخ الطبري، وابن الأثير.

стр. 322

الوصايا: الوصية بمعنى النصح والإرشاد والتوجيه، وهي قول بليغ مؤثر، ويتضمن حثًّا على سلوك طيب نافع، حبًا فيمن توجه إليه الوصية، ورغبة في رفعة شأنه وجلب الخير له. وعادة تكون من أولياء الأمور وبخاصة الأب والأم لأبنائهما عند حلول الشدائد، أو حدوث الأزمات أو الإحساس بدنو الفراق، وهي نتيجة الخبرة الطويلة والملاحظة الدقيقة، والعقل الواعي والتفكير السليم ويدفع إليها المودة الصادقة والحب العميق. ومن الوصايا: وصية عامر بن الظرب لقومه، ومنها: "يا معشر عدوان: لا تشمتوا بالذلة، ولا تفرحوا بالعزة، فبكل عيش يعيش الفقير مع الغني، ومن يَرَ يومًا يُرَ به، وأعدوا لكل أمر جوابه، إن مع السفاهة الندم، والعقوبة نكال، وفيها ذمامة، ولليد العليا العاقبة، وإذا شئت وجدت مثلك، إن عليك كما أن لك، وللكثرة الرعب، وللصبر الغلبة، ومن طلب شيئا وجده، وإن لم يجده أوشك أن يقع قريبا منه". ومنها وصية زوجة عوف بن ملحم الشيباني لابنتها حينما زفت إلى زوجها الحارث بن عمرو ملك كندة، وفيها تقول: "أي بنية، إن الوصية لو تركت لفضل أدب؛ تركت لذلك منك؛ ولكنها تذكرة للغافل، ومعونة للعاقل، أي بنية إنك فارقت الجو الذي منه خرجت، وخلفت العش الذي فيه درجت إلى وكر لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فكوني له أمة يكن لك عبدًا. يا بنية: احملي عني عشر خصال تكن لك ذخرًا وذكرًا، الصحبة بالقناعة، والمعاشرة بحسن السمع والطاعة، والتعهد لموقع عينه، والتفقد لموضع أنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح؛ ولا يشم منك إلا أطيب ريح؛ والتعهد لوقت طعامه؛ والهدوء عند منامه؛ فإن حرارة الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة، والاحتفاظ ببيته وماله، والإرعاء على نفسه وحشمه وعياله؛ فإن الاحتفاظ بالمال حسن التدبير، والإرعاء على الحشم والعيال جميل حسن التقدير، ولا تفشي له سرًّا، ولا تعصي له أمرًا؛ فإنك إن أفشيت سره لم تأمني غدره، وإن عصيت أمره أوغرت صدره، ثم اتقي -مع ذلك- الفرح إن كان ترحًا، والاكتئاب عنده

стр. 323

إن كان فرحًا، فإن الخصلة الأولى من التقصير، والثانية من التكدير، وكوني أشد ما تكونين له إعظامًا، يكن أشد ما يكون لك إكرامًا، وأشد ما تكونين له موافقة، يكن أطول ما تكونين له مرافقة، واعلمي أنك لا تصلين إلى ما تحبين حتى تؤثري رضاه على رضاك، وهواه على هواك فيما أحببت وكرهت، والله يخير لك"١٧.

стр. 324

سجع الكهان: وكانت الكهانة موجودة عند العرب في الجاهلية، وكان للكهان قداسة دينية، ونفوذ كبير، إذ كانوا يوهمون العامة بأنهم يعرفون الغيب عن طريق ما يتلقون من الجن، وكان الناس يتجهون إليهم يحكمونهم في المنازعات. والمنافرات. ويستشيرونهم في أمورهم وبخاصة المستقبلة. ويقصون عليهم أحلامهم لكي يفسروها لهم. وأحيانا كان الكهان ينذرون بعض القوم بأحداث تقع لهم. ولم تكن الكهانة مقصورة على الرجال، بل كان هناك نساء كاهنات كذلك. ومن أشهر الكهان: شق أنمار.وتحكي الأساطير عن خلقته أنه كان شق إنسان له عين واحدة. ويد واحدة ورجل واحدة. ومنهم سطيح الذئبي: ويقولون عنه إنه لم يكن فيه عظم سوى جمجمته؛ وأن وجهه كان في صدره؛ ولم يكن له عنق. ومنهم المأمور الحارثي: كاهن بني الحارث بن كعب، وعزى سلمة. ومن أشهر الكاهنات: طريفة الكاهنة: وكانت باليمن وفاطمة الخثعمية: وكانت بمكة، والزرقاء بنت زهير، وزبراء كاهنة بني رئام. وكان الكهان في أحاديثهم يعمدون غالبًا إلى سجع مصطنع، فيه غموض وإبهام، وكأنما كانوا يقصدون زيادة التأثير في السامعين، وإلهاءهم عن التتبع لما يلقى إليهم من الأخبار التي كانت في منتهى الغرابة والعجب. ومما ورد لهم١٨ ما يروى أن حجرا أبا امرئ القيس رق لبني أسد، فبعث في أثرهم؛ فأقبلوا حتى إذا كان على مسيرة يوم من تهامة تكهن كاهنهم وهو عوف بن ربيعة فقال لبني أسد: "يا عبادي! قالوا: لبيك ربنا، قال: من الملك الأصهب، الغلاب غير

стр. 325

المغلب، في الإبل كأنها الربرب، لا يعلق رأسه الصخب، هذا دمه ينشعب١٩، وهذا غدًا أول من يسلب. قالوا: من هو يا ربنا؟ قال: لولا أن تجيش نفس جاشية، لأخبرتكم أنه حجر صاحية، فركبوا كل صعب وذلول، فما أشرق لهم النهار حتى أتوا على عسكر حجر فهجموا على قبته وقتلوه". ويروى أن شقًّا وسطيحًا اتفقا على تعبير رؤيا رآها ربيعة بن نصر اللخمي أحد ملوك العرب، فأخبره سطيح بإغارة الحبشة على بلاد اليمن بسجع متكلف يبعث على التردد في تصديقه، إذ قال: "أحلف بما بين الحرتين من حنش، ليهبطن أرضكم الحبش، وليملكن ما بين أبين إلى جرش"٢٠. وقال شق: "أحلف بين الحرتين من إنسان ليهبطن أرضكم السودان، وليملكن ما بين أبين إلى نجران". ويقال إن زبراء أنذرت قومها غارة عليهم، فقالت: "واللوح الخافق والليل الغاسق، والصبح الشارق، والنجم الطارق، والمزن الوادق، إن شجر الوادي ليأدوا ختلًا، ويحرق أنيابًا عصلا٢٤، وإن صخر الطود لينذر ثكلًا، ولا تجدون عنه معلًا"٢٥. ومن المؤكد أن الكهان كانوا يسجعون في كلامهم بمثل هذا السجع بدليل أنهم لما سمعوا القرآن ظنوه من هذا القبيل، فرد الله زعمهم بقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ، وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ، وغير ذلك من الآيات. وظاهر من نماذج نثرهم أن الكهان كانوا يستعملون السجع المتكلف الغامض، وفي جمل قصيرة، وغير واضحة المعنى، لكي تتحير الأذهان في فهم المقصود منها وأغلب الظن، بل يكاد يكون من المؤكد أنهم لم يكونوا يدركون حقيقة ما يقولون فكانوا يأتون بالألفاظ.

стр. 326

ويرصفونها بعضها بجانب بعض بدون وعي تام لمعانيها، ما دام السجع موجودا فيها، ويكتنفها الغموض والإبهام، مكتفين بالإيماء والتلميح، متخذين من حال مخاطبيهم النفسية ما يساعدهم على ذلك، كما يفعل ضاربو الرمل والحصى بيننا الآن.

стр. 327

تعليق عام عن النثر الجاهلي: ومما سقناه من النماذج، نرى أن النثر الجاهلي شمل عدة نواح في الحياة الجاهلية، فطرق جميع المسائل التي تهم الإنسان في حياته واستخدم وسيلة فعالة في التأثير على النفوس، وفعلا كان -وما زال- له أثر كبير لا يقل عن أثر الشعر النفسي فهو بذلك نثر أدبي. ومن الفنون الجميلة الرفيعة. كما أنه صور كثيرًا من المشاعر الإنسانية، فجاء في أغراض مختلفة وبخاصة ما كان منه في الخطابة والحكم والوصايا وتبعًا لذلك جاء في صور متعددة. وأساليب متباينة. طبقًا للنواحي التي يعالجها. وفي النماذج النثرية التي سقناها للجاهليين، تجد منها ما هو طويل، ومنها ما هو قصير. ويتجلى القصر بشكل ظاهر في الحكم والأمثال. وتتراوح الخطب والوصايا بين الطول والقصر، ومن عادتهم في الخطب في الزواج يقول الجاحظ: إن الخاطب كان يطيل، ويقصر المجيب٢٦ ويقول عن خطابتهم بوجه عام: "اعلم أن جميع خطب العرب من أهل المدر والوبر والبدو والحضر على ضربين: منها الطوال، ومنها القصار. ولكل ذلك مكان يليق به، وموضع يحسن فيه. ومن الطوال ما يكون مستويًا في الجودة، ومتشاكلًا في استواء الصنعة ومنها ذوات الفقر الحسان. والنتف الجياد. ووجدنا عدد القصار أكثر، ورواة العلم إلى حفظها أسرع"٢٧. وفي النثر الجاهلي تتجلى العصبية القبيلة. في الفخر بالأحساب والأنساب في المفاخرات والمنافرات، ويظهر الحب والمودة والرغبة في الخير لأفراد الأسرة أو العشيرة الواحدة في النصائح والوصايا. ولئن شاع عنهم الغضب وسرعة التهور والحمق والسفه، فإننا نرى من

стр. 328

خلال هذه النماذج أنه كان فيهم ميل للصلح وحب للخير كهذا الذي نراه في كثير من تصرفات الحكام في المفاخرات والمنافرات وفي مساعي الصلح بين الأعداء والمتخاصمين لفض النزاع بالطرق السلمية. وربما تكون القصص والأخبار التي تحكي عن حوادث معينة لم تحتفظ بنفس ألفاظ النص الجاهلي وعباراته فاعتراها التغيير من جانب الرواة والقصاصين لكن لا شك أن الأحداث التي فيها، لها أصل تاريخي. أما الحكم والأمثال المنسوبة إلى الجاهليين، فهي في الغالب صحيحة في نسبتها إليهم، خصوصًا ما جاء عن راوية موثوق به كالمفضل الضبي؛ ذلك لأن الحكم والأمثال -على العموم- سرعان ما تعلق بالذهن، وتظل بالذاكرة مدة طويلة وبخاصة إذا أتيحت لها الفرص لإعادتها وتكرارها؛ ثم إنها دونت في عهد مبكر، منذ القرن الأول، فقد كتب فيها عبيد بن شرية كتابًا. وإن كان هذا الكتاب قد فقد، فغلب على الظن أن من كتب فيها من بعده قد انتفع بكتابه هذا. على أن النصوص الدخيلة يغلب على الظن أن تكون تقليدًا مطابقًا للأصل بحيث نستطيع أن نتبين منها خصائص النثر في العصر الجاهلي. والقصص الخرافية والأمثال الفرضية لا شك أنها كانت ترمي إلى تصوير حالات وتصرفات إنسانية ولم يرض مؤلفوها أن يكتبوا عن هذه الحالات أو التصرفات بالتصريح والتعيين، فاخترعوا هذه القصص مكتفين للوصول إلى أغراضهم بالتلميح والإشارة من طرف خفي. ولا ريب أنها كانت ترمي كذلك إلى الناحية التهذيبية والتوجيه إلى الخير والنفع وبخاصة ما كان منها حكمًا وأمثالًا. ولا ريب أن تأليفها يدل على الذكاء، وقوة الملاحظة، وخصوبة الخيال لدى مؤلفيها. وفي النثر الجاهلي ألفاظ وعبارات قد تبدو لنا غريبة. ولكن ذلك ليس لغرابتها في الأصل؛ ولكن لعدم استعمالنا لها، وفي بعض القطع النثرية تبدو السهولة في التعبير والمعنى بشكل واضح، ولا يجوز أن تكون هذه السهولة وحدها سببًا في الطعن في أصالة هذه النصوص، فليست السهولة متعارضة مع الأصالة الجاهلية، فكثير من النصوص الجاهلية شعرية ونثرية، سهلة الأسلوب، وهي مقطوع بصحتها وأصالتها، وفي القرآن الكريم يتجلى الأسلوب السهل الواضح في كثير من آياته، بل في كل سورة من سوره بأكملها. وواضح جدا أن أصحاب النثر الجاهلي كانوا يعنون عناية ظاهرة بالألفاظ والعبارات فكانوا -على ما يبدو- يختارون ويدققون في الاختيار، ويظهر ذلك في القوة والجزالة،

стр. 329

والتنغيم الموسيقي الذي نراه في الجمل النثرية على اختلاف الأشكال والأساليب ففي جميع أنواع النثر الجاهلي نجد الرصانة والانسجام التام بين الكلمات والعبارات بعضها وبعض، كما تظهر الناحية الموسيقية ظهورًا تامًّا في كل جملة، حتى إن الجملة قد تصلح أن تكون شطر بيت من الشعر لما فيها من النغمات الموسيقية المنتظمة، وبخاصة في الحكم والأمثال، مثل: "وتحت الرغوة اللبن الصريح"، فهي شطر من الوافر. وجاء في النثر الجاهلي نثر مرسل، ونثر مسجع، ويغلب النثر المرسل في خطب الصلح والمعاهدات، وأما النثر المسجع ففي المفاخرات والمنافرات وفي نثر الكهان، بل إنه التزم في هذا الأخير التزامًا فكان الكهان لا يقولون إلا سجعًا ولذلك أطلق على نثرهم "سجع الكهان" ويظهر أن الجاهليين كانوا يعجبون بالنثر المسجع، حتى إنه كان يجيء أحيانا في الجملة الواحدة، مثل "إذا فزع الفؤاد ذهب الرقاد" و "ليس من العدل سرعة العذل" و "رب قول أنفذ من صول" ولكنه على العموم كان سجعًا لطيفًا وجميلًا في موقعه مما يوحي بأنه طبيعي لا أثر للصنعة فيه، إلا في سجع الكهان، فالتكلف واضح فيه. ويغلب في النثر الجاهلي الميل إلى الجمل القصيرة وبخاصة في الحكم والأمثال حتى إن الجملة قد تجيء مكونة من لفظتين فقط مثل "حر انتصف" و"سميعًا دعوت". كما كان يتخلل نثرهم، وبخاصة الخطابة، أبيات شعرية، فتضفي على الكلام جمالًا، وروعة. وفي النثر الجاهلي الوضوح والصراحة بحيث لا يحتاج إلى كد الذهن أو التعمق في الخيال، وليس هناك غموض إلا في سجع الكهان، وقد ذكرنا آنفًا أن الكهان كانوا يتعمدون الإبهام في سجعهم، فكانوا يقصدون إليه قصدًا. وقد ورد في النثر بعض المحسنات البلاغية كالتشبيهات والاستعارات، والجناس؛ كما في "العدل" و"العذل" في "ليس من العدل سرعة العذل"؛ وكما في "قول" و"صول" في "رب قول أنفذ من صول". ومن هذا كله يتبين أن النثر الجاهلي يمكن أن نعتمد عليه في تصوير الحياة واللغة العربية في العصر الجاهلي تصويرًا صادقًا، ومن أنواعه المختلفة يتضح أنه كان متنوع الأغراض متعدد الاتجاهات. وهو يدل دلالة واضحة على قوة الملاحظة، ودقة الإحساس، ورقة الشعور لدى أصحابه، ويتجلى فيه ذوقهم الفني بما تحقق لهم فيه من حسن التعبير وجمال التصوير.

стр. 330

الشعر الجاهلي مدخل * ... الشعر الجاهلي الشعر لغة العواطف، وترجمان الأحاسيس، ويعنى بإظهار الجمال، وتصويره في صور تسحر القلوب، وتثير الوجدان، وتبعث في النفس الإعجاب والارتياح. ولذلك عد من الآداب الرفيعة، واعتبر فنًّا من الفنون الجميلة. وقد عرف العرب منذ أقدم عصورهم قيمة الشعر وأثره في النفس، وما له من شأن عظيم في تاريخ الأمم والشعوب، بإظهار مواهبها، وسمو عواطفها، ورقة مشاعرها وتخليد أمجادها ومفاخرها فقدروا الشعر حق قدره، وعظموا الشعراء وأكبروهم فكان للشاعر أعلى منزلة في قومه، وفي ذلك يقول ابن رشيق: "كانت القبيلة من العرب إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنأتها، وصنعت الأطعمة، واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر، كما يصنعون في الأعراس ويتباشر الرجال والولدان؛ لأنه حماية لأعراضهم، وذب عن أحسابهم، وتخليد لمآثرهم، وإشادة بذكرهم. وكانوا لا يهنئون إلا بغلام يولد، أو شاعر ينبغ، أو فرس تنتج". وإذا كان التاريخ لا يستطيع أن يخبرنا عن أول مخترع للكتابة، فكذلك لا يمكننا أن نعرف أول من قال الشعر، لكن المؤكد أن الإنسانية في طفولتها لا بد أنها قد عبرت عن إحساساتها ومشاعرها بنوع من الكلام يخالف ما تعبر به عن حاجاتها اليومية، ومشاغلها العادية، فكان ذلك -ولا شك- شعرًا، وهو -بطبيعة الحال- كان شعرًا بدائيًّا يتناسب مع الإنسان في ذلك الطور من أطوار سيره في سبيل التقدم نحو الترقي والمدنية والتهذيب. ولئن كانت المحاولات الشعرية الأولى قد ضاعت، فإنه يمكن أن يقال: إنه يغلب على الظن أنها كانت خالية من القيود، ومتحررة من أية التزامات في طريقة التعبير، وأساليب التصوير، ثم أخذت تتدرج وتتطور، شيئًا فشيئًا، شأنها شأن الإنسان، حتى انتهت إلى الصور التي نرى عليها الشعر الآن. وإن كان لنا أن نتصور بدءًا للشعر العربي فربما ساغ لنا أن نقول: إن أول خطوة خطاها في سبيل الشعر الموزون المقفى كانت متمثلة في الأسجاع بين جملتين، ثم بين أكثر من جملتين وبعدها كان تساوي الفواصل في هذه الأسجاع، ثم أخذ المنشئ يخضع هذا التساوي بين

стр. 331

الفواصل شيئا فشيئًا لأقيسة التفاعيل، فتحقق له الوزن في البيت الواحد، مع اتحاد الحرف الأخير في الشطرين، ثم تلا ذلك التقيد بحرف القافية في الأعجاز، مع التحرر منه في الصدور، وعلى توالي الزمن تنوعت الأوزان وطالت القطع الشعرية، مع اتحاد القافية، ثم أخذت القطع تطول شيئًا فشيئًا حتى أصبحت قصائد. ويقال: إن أقدم الأوزان الرجز؛ لأنه أبسطها، وفيه كل بيت ينفرد بقافية خاصة، ومما قيل في نشأة الأوزان، إنها في الأصل مأخوذة من توقيع سير الجمال في الصحراء، وتقطيعه يوافق وقع خطاها، فكانوا يقولون كلمات موزونة لسوق الإبل، وهو الحداء، ولكن إذا قيل ذلك في الحال عند العرب، فكيف يقال عن سواهم من الأمم ممن ليس لديهم إبل؟ ومن ثم يبدو أن الأقرب إلى الواقع والخيال، أن ذلك ربما كان مصدره الملاحظة الدقيقة لظواهر الحياة والحالات النفسية والمختلفة، فكثيرًا ما يرى الإنسان وما يفعل أشياء منتظمة الوقع، مرتبة المقاطع، ومتساوية الأجزاء، كما أنه كثيرًا ما يوقع أصواته توقيعًا موسيقيًّا متناسقًا، ولعل حركات الإبل كانت من بين الظواهر الكثيرة التي ساعدت العربي على التنظيم الموسيقي في الشعر فهناك بجانبها مثلًا: وقع أقدام الخيل، وحفيف الشجر، وصفير الرياح، وهديل الحمام، وتغريد الطيور، ثم العامل الأساسي، وهو ميل الإنسان بفطرته إلى سماع النغم الرتيب، واللحن الجميل، مما يشنف الآذان، ويشيع البهجة والنشوة في الجسم والروح، ولعل هذا هو السبب في ميل الإنسان بطبيعته إلى الغناء، ولذلك يرى بعض الباحثين أن الشعر والغناء من أصل واحد عند جميع الأمم، وأن الشعر وضع أولًا للتغني به، حتى إن اليونان والرومان يقولون: "غنى شعرًا" وليس "نظم شعرًا"، والعرب يقولون "أنشد شعرًا"، أي "غناء" ولا شك أن الإنشاد فيه لحن مطرب، ويقال: إن الرشيد كان يطرب للإنشاد أكثر مما يطرب للغناء، وعلى كل، فمما لا شك فيه أن الصلة وثيقة بين الشعر والغناء، ففي كل منهما لحن جميل، ومقاطع موسيقية منتظمة، وإذا غني الشعر كان أكثر جمالًا وأعذب سمعًا. ومن طبيعة الشعر الوزن، وتتعدد أوزانه في كل أمة تبعًا لذوقها الفني في ذلك. وإذا نظرنا في الأوزان التي وردت في الشعر الجاهلي الذي يعتبر أقدم ما بقي من الشعر العربي، نجد أنه جمع منها عددًا كبيرًا، وفي صور شتى، منها الطويل ومنها القصير، ومنها ما بين هذين، وعدد الأوزان التي استخرجها الخليل بن أحمد من الشعر الجاهلي، خمسة عشر وزنًا، أضاف إليها أبو الحسن الأخفش واحدًا آخر، وهذا العدد كبير إذا نحن قارناه بعدد

стр. 332

الأوزان الشعرية في الآداب الأخرى، ولا شك أن ذلك يدل على اتساع الذوق الفني والأفق الحسي عند العربي القديم، كما أنه يدل على أن الشعر العربي -في مرحلته التي انتهى بها إلى الحالة التي عليها الشعر الجاهلي- كان حتمًا قد استغرق زمنًا طويلًا مر خلاله بتجارب كثيرة، ومحاولات عديدة، استطاع فيها أن يتم ويكتمل، ويبني هذه الصور الموسيقية المختلفة، وهذا دليل آخر على أن الشعر العربي عريق، لا يقف عمر أقدمه على مائتي سنة قبل الإسلام، إنما هو موغل في الزمن، ومنحدر من أصول سحيقة في القدم.

стр. 333

نوع الشعر الجاهلي: والشعر الجاهلي ليس فيه شيء من نوع الشعر القصصي Epic ولا الشعر التمثيلي Dramatic وإنما هو من النوع الغنائي Lyric فهو شعر غنائي يهتم بتصوير نفسية الشخص، وما يتصل به من وجدان وعاطفة، وصاحبه يتغنى بحبه وبغضه، وأمله وألمه، وغير ذلك من المشاعر المختلفة التي يحسها الإنسان، وعدم وجود الشعر القصصي أو الشعر التمثيلي بين الجاهليين العرب ليس فيه شيء عليهم من الناحية الفنية، وذلك لا يعني بحال نقصًا في شاعريتهم، أو غضًّا من مقدرتهم الأدبية لأن الشاعرية لا تقاس بالنوع فقط، إنما تقاس كذلك بالدرجة التي بلغتها الأمة في الناحية التي تهيأت لها، فيقال: أوصلت درجة الكمال فيها أم لا؟ وإذا لم تتهيأ لأمة من الأمم الظروف المناسبة لشيء من الأشياء، فلا ينبغي أن تحاسب عليه. والجاهليون لم توجد لهم الأسباب التي تدعو لقول الشعر القصصي أو الشعر التمثيلي، فلم يأت لهم فيهما شيء. وجاء شعرهم كله من النوع الغنائي. وقد بلغوا في هذا النوع درجة ممتازة، وذلك لعوامل كثيرة ساعدتهم على ذلك. وأهم هذه العوامل: صفاء البيئة التي كان يعيش فيها العربي، مما جعله يحس الجمال الطبيعي، ثم الحرية التي كان يتمتع بها، وحبه لشخصيته، وتعصبه لقبيلته التي هي عماده وملاذه، والاستقلال الذي كانت تتمتع به البلاد، والحروب التي كانت تنشب بينهم، وما كان يتسبب عنها من آثار تلهب العواطف، وتثير المشاعر، هذا إلى ما كانت تتطلبه صِلاتهم ومجتمعاتهم الخاصة والعامة من رصين الشعر، والتنافس بين الأفراد والقبائل في ميادين الفصاحة والبيان، وما كان يقام من مباريات الشعر، ومجالس النقد، وما كان يناله الشعراء الممتازون من تقدير وتكريم.

стр. 334

كثرة الشعراء في العصر الجاهلي: بسبب هذه العوامل التي مر ذكرها وجدت نهضة شعرية في العصر الجاهلي، فكثر الشعراء كثرة ظاهرة، حتى لم يستطع المؤرخون أن يحصوا جميع الشعراء، فقد فاقوا الحصر وكان في كل قبيلة شعراء، وكان عدد القبائل كثيرًا، كما رأينا في أنسابهم. وبطبيعة الحال لم تتساوَ القبائل في عدد الشعراء، فالناس لا يتساوون جميعًا في المواهب، والشاعرية موهبة يمنحها الله لمن شاء، ومن ثم، فقد كان هناك من القبائل من كثر فيهم الشعراء، ومنهم من كان حظه منهم قليلًا، كما أن الشعراء لا يتساوون في النتاج، كما لا يتساوى الناس في الأعمال والآثار، فمنهم من ذاع صيته، وعلا نجمه، ومنهم من لم يكن له حظ الذيوع والانتشار، وقد ادعت كل قبيلة أنها أكثر القبائل عددا في الشعراء، كما ادعت كل منها أن شعراءها أجود من غيرهم، ومن ثم حاول كثير من النقاد أن يقسموا هؤلاء الشعراء طبقات، وقد اختلف هؤلاء النقاد فيما بينهم على الأسس التي يقسمونهم عليها إلى طبقات، منهم من اتخذ الشهرة أساس التقسيم فراعى ذيوع الاسم، وانتشار الشعر، ومنهم من جعلها مبنية على أساس ما بقي من الشعر جملة، ومنهم من جعلها على أساس ما كان للشعراء من معانٍ وأساليب في طريقة التصوير الشعري؛ ومنهم من أسس التقسيم على الناحية الاجتماعية أو الغرض الشعري، أو الجهات التي كانوا ينزلونها، أو الديانة التي كانوا يعتنقونها، إلى غير ذلك من الاعتبارات التي رآها هؤلاء الدارسون صالحة لتقسيمهم طوائف تتميز كل منها عن الأخرى ببعض الأمور الخاصة حسب ما تبين لهم من دراساتهم. وقد ذكر الأستاذ جورجي زيدان١ أنه وقف على تقسيم لشعراء الجاهلية استخرجه من كتاب طبقات الشعراء لإسكندر إيكاريوس المطبوع في بيروت، ولم يذكر الأساس الذي اعتمد عليه في هذا التقسيم. وقد أوردهم في جدول ذكر فيه بجانب كل شاعر اسم قبيلته وبلده وسنة وفاته على التقريب. ولفائدة هذا الجدول العلمية رأيت أن أورده بنصه، وهو ما يلي:

стр. 335

شعراء الطبقة الأولى اسم الشاعر نسبه وطنه امرؤ القيس الكندي كندي من أهل نجد أمية بن أبي الصلت الثقفي من الطائف بشر بن أبي خازم الأسدي من نجد الحارث بن حلزة اليشكري من العراق زهير بن أبي سلمى المزني من الحجاز النابغة الذبياني الذبياني من نجد طرفة بن العبد البكري من البحرين عبيد بن الأبرص الأسدي من نجد المهلهل: عدي بن ربيعة التغلبي من نجد عدي بن زيد العبادي من الحيرة عمرو بن كلثوم التغلبي من الجزيرة عنترة بن شداد العبسي من نجد لبيد بن ربيعة العامري من نجد أعشى قيس البكري من اليمامة شعراء الطبقة الثانية أحيحة بن الجلاح الأوسي من أهل يثرب أوس بن حجر التميمي من نجد الأسود بن يعفر الدارمي من العراق البراق بن روحان التميمي من نجد تماضر بنت عمرو "الخنساء" السلمية من الحجاز

стр. 336

اسم الشاعر نسبه وطنه تميم بن أبي مقبل العامري من أهل نجد تأبط شرًّا الفهمي من تهامة الشنفرى الأزدي من اليمن الحطيئة العبسي من نجد المتلمس الضبعي من البحرين حاتم الطائي من نجد الحارث بن عباد البكري من العراق حسان بن ثابت الأنصاري من يثرب أبو دؤاد الأيادي من العراق خداش بن زهير العامري من نجد خفاف بن ندبة السلمي من الحجاز خويلد بن خالد الهذلي من الحجاز دريد بن الصمة الجشمي من نجد الربيع بن زياد العبسي من نجد المرقش الأصغر الضبعي من نجد المخبل ربيعة بن مالك التميمي من نجد ربيعة بن مقروم السعدي من نجد السموءل بن غريض اليهودي من الحجاز سلامة بن جندل التميمي من نجد أبو قيس بن الأسلت الأوسي من أهل يثرب عامر بن حليس التميمي من نجد عبد الله بن رواحة الأوسي من يثرب النابغة الجعدي العامري من نجد عروة الصعاليك العبسي من نجد عمرو بن أحمد الباهلي من اليمامة

стр. 337

اسم الشاعر نسبه وطنه عمر بن الأهتم التميمي من أهل نجد عمرو بن قميئة البكري من العراق قيس بن الخطيم الأوسي من يثرب كعب بن زهير المزني من الحجاز متمم بن نويرة اليربوعي من نجد المتنخل بن عويمر الهذلي من الحجاز المثقب العبدي العبدي من العراق المسيب بن علس البكري من العراق الشماخ بن ضرار السعدي من نجد معن بن أوس المزني من تهامة المنخل بن الحارث اليشكري من العراق شعراء الطبقة الثالثة أمية بن الأسكر البكري من العراق إياس بن الأسكر الطائي من الحجاز حاجز بن عوف الأزدي من نجد الحارث بن ظالم المري من نجد سليك بن السلكة السعدي من نجد زهير بن جناب الكلبي من نجد زيد الخيل النبهاني من نجد الممزق العبدي العبدي من اليمامة الفند الزماني الزماني من نجد عامر بن الطفيل العامري من نجد العباس بن مرداس السلمي من الحجاز

стр. 338

اسم الشاعر نسبه وطنه عبد الله بن العجلان النهدي من أهل اليمن عمرو بن معدي كرب الزبيدي من اليمن قيس بن زهير العيسي من نجد لقيط بن زرارة الدارمي من نجد مالك بن نويرة اليربوعي من نجد المستوغر بن ربيعة السعدي من نجد يزيد بن ورقاء اليربوعي من نجد وفي صفحة ٨٨ من كتابه "تاريخ آداب اللغة العربية جـ١" قسم الأستاذ جورجي زيدان الشعراء الجاهليين من حيث أغراضهم ومراتبهم إلى ١٣ طبقة. وهذه الطبقات هي "مع عدد الشعراء من كل طبقة":

стр. 339

عدد الشعراء ١٠ أصحاب المعلقات ١٤ الشعراء الأمراء ٢٨ الشعراء الفرسان ٤ الشعراء الحكماء ٨ الشعراء العشاق ٧ الشعراء الصعاليك ٤ الشعراء اليهود ١ الشعراء المغنون ٤ النساء الشواعر ٤ الهجاءون ٤ الوصافون للخيل ١ الموالي ٣٦ سائر الشعراء

стр. 340

وذكر الأستاذ جورجي زيدان ص١١٣ وما بعدها من:

стр. 341

الشعراء الأمراء: ١- الأفوه الأودي من مذحج. ٢- المهلهل "أخو كلب" من تغلب وهو خال امرئ القيس. ٣- عبد يغوث "من بني الحارث بن كعب بن كهلان". ٤- زهير بن جناب الكلبي "من قضاعة". ٥- عامر بن الطفيل العامري "ابن عم لبيد الشاعر". ٦- أبو قيس بن الأسلت "من الأوس". ٧- الحصين بن الحمام "من بني سهم بن مرة من قيس". ٨- قيس بن عاصم "من تميم". ٩- الأخنس بن شهاب "من سادات تغلب". ١٠- دريد بن الصمة "من هوازن" سيد جشم.

стр. 342

ومن الشعراء الفرسان: ١- حاتم الطائي "من طيئ" وهو من أجواد العرب وله أخبار في السخاء مشهورة. ٢- زيد الخيل من طيئ وسمي بذلك لكثرة خيله، وكان رجلًا جسيمًا طويلًا فارسًا مغوارًا. ٣- سلامة بن جندل "من تميم". ٤- علقمة الفحل "من تميم" وكان معاصرًا لامرئ القيس. ٥- عمرو بن معد يكرب "من مذحج" من فرسان اليمن. ٦- قيس بن الخطيم "من الأوس". ٧- أحيحة بن الجلاح "من الأوس". ٨- جحدر بن ضبيعة "من بكر بن وائل". ٩- أفنون "من تغلب". ١٠- جابر بن حني "من تغلب".

стр. 343

ومن الشعراء الحكماء: ص ١٢٦ جـ ١ ١- أميةَ بن أبي الصلت "ثقيف". ٢- زيد بن عمرو "من قريش". ٣- ورقة بن نوفل "من قريش". ٤- قس بن ساعدة "إياد".

стр. 344

ومن العشاق: عنترة عشق عبلة. والمخبل السعدي عشق الميلاء، وحاتم الطائي عشق ماوية، والنمر بن تولب عشق ممزة، وسحيم بن الحسحاس عشق عميرة.

стр. 345

ومن أشهر المتيمين: ١- المرقش الأكبر "من بكر" عشق ابنه عمه أسماء. ٢- عبد الله بن عجلان "من قضاعة" كان له زوجة يقال لها هند؛ طلقها لأنها لم تلد فتزوجها غيره، ثم ندم على ذلك ومات أسفًا عليها. ٣- عروة بن حزام شعره في عفراء بنت عمه.

стр. 346

ومن الشعراء الصعاليك: ١- الشنفرى من الأزد: وهو من العدائين الذين لا تلحقهم الخيل. ٢- تأبط شرًّا: ثابت بن جابر "من فهم من قيس" كان أشد العرب سمعًا وأحدهم بصرًا، وكان أعدى رجل ينظر إلى الظباء ثم يعدو خلفها فلا تفوته. ٣- السليك بن السلكة: "من تميم" أمه أمة سوداء، ويعده المفضل من أشد رجال العرب، وكان أدل الناس بالأرض، وأعلمهم بمسالكها. ٤- عروة بن الورد "من عبس" وكان يلقب عروة الصعاليك؛ لأنه كان رئيسًا عليهم.

стр. 347

ومن الشعراء اليهود: ١- السموءل بن غريض بن عادياء وهو صاحب حصن الأبلق بتيماء ويضرب المثل بوفائه.

стр. 348

ومن النساء الشواعر: "ص١٣٧ جـ١ جورجي زيدان": ١- الخنساء: تماضر بنت عمرو بن الشريد "من سليم بن قيس". ٢- خرنق بنت بدر بن هفان "أخت طرفة لأمه". ٣- ليلى العفيفة بنت لكيز بن ربيعة. ٤- جليلة بنت مرة: أخت جساس الشيباني قاتل كليب، وكانت زوجة كليب.

стр. 349

ومن الشعراء الهجائين: ١- الحطئية: جرول بن أوس "من عبس" مخضرم أدرك بني أمية. ٢- حسان بن ثابت "من الخزرج". ٣- عبد الله بن الزبعرى. ٤- كعب بن الأشرف اليهودي.

стр. 350

ومن الشعراء الوصافين للخيل: ١- أبو دؤاد الإيادي. ٢- الطفيل الغنوي. ٣- النابغة الجعدي "من جعدة من قيس". ٤- الشماخ بن ضرار "ذبيان" وصاف للحمير.

стр. 351

ومن الشعراء الموالي: ١- عبد بني الحسحاس وهو حبشي واسمه سهم، اشتراه بنو الحسحاس، وهم بطن من أسد وأراد صاحبه أن يبيعه لعثمان بن عفان، فقال: لا حاجة لي به إذ الشاعر لا حريم له إن شبع تشبب بنساء أهله وإن جاع هجاهم.

стр. 352

ومن سائر الشعراء الجاهليين: ١- ابن الدمينة "أحمد بن عامر من خثعم" وأمه الدمينة من سلول. ٢- أوس بن حجر "من تميم". ٣- المتلمس "وهو جرير بن عبد المسيح من ضبيعة بن ربيعة" وهو خال طرفة. ٤- المثقب العبدي. ٥- المخبل اليشكري "من بكر". ٦- كعب بن زهير بن أبي سلمى. ٧- معن بن أوس "من مزينة. مضر". ٨- الأسود بن يعفر "من تميم". ٩- ربيعة بن مقروم "من ضبة". ١٠- عدي بن زيد العبادي "من تميم". ١١- عمرو بن شأس "من أسد". ١٢- عمرو بن قميئة "من ربيعة". ١٣- لقيط بن يعمر الإيادي.

стр. 353

١٤- المتنخل "من هذيل". ١٥- المخبل السعدي "من تميم". ١٦- الممزق العبدي. ١٧- النمر بن تولب. ١٨- هدبة بن الخشرم. ١٩- يزيد بن عبد المدان. ومع هذه الأسماء الكثيرة للشعراء الذين ورد ذكرهم في الطبقات والدراسات التي ذكرت آنفًا، فإن هناك عددًا ضخمًا سواهم خلدهم الباحثون في مختاراتهم ودراساتهم، من أمثال أصحاب دواوين الحماسة، وعلى رأسهم أبو تمام، وأصحاب المختارات وعلى رأسهم المفضل والأصمعي، وأصحاب معاجم الشعراء ومن أشهرهم المرزباني.

стр. 354

بناء القصيدة الجاهلية والوحدة فيها: كان الشاعر الجاهلي يبدأ قصيدته -إذا كانت تتضمن أفكارًا كثيرة متعددة- بافتتاحية يجعلها مقدمة لما سيأتي بعدها، وكان أكثر هذه الافتتاحات دورانًا على ألسنة الشعراء الحديث عن الأطلال وارتحال الحبيبة وأثرهما في نفس الشاعر، وسنتحدث عن ذلك إن شاء الله عند الكلام عن بدء المعلقات. وكان من بين الافتتاحيات: الحديث عن الصبا والشباب، والشيب، والخمر، والطيف، ثم الحديث عن ذكريات الحبيبة وجمالها، ومحاولة التسلي عنها، وبعد ذلك تتوالى الأفكار حسب ما يراه الشاعر، وسيتبين بمشيئة الله تعالى من تحليل بعض القصائد الطوال، أن الشاعر الجاهلي كان يحاول أن يعرض أفكاره في تسلسل منطقي، كل فكرة ترتبط بسابقتها برباط عقلي، ظاهر أو خفي، حتى الافتتاحية التي كان الشاعر يبدأ بها قصيدته كان يأتي بها مناسبة للفكرة الأساسية في القصيدة، والشعور العام الذي استولى عليه فيها. ومن أهم ما يمتاز به الشعر العربي اتحاد الوزن والقافية في جميع أبيات القصيدة الواحدة إلى آخرها، مهما كان طولها، كما تمسك العربي في شعره بوحدة البيت الواحد، وضرورة تمامه بنفسه، وأنه يجب ألا يكون معناه التام متوقفًا على شيء في بيت سابق أو بيت لاحق.

стр. 355

وقد ظن قوم أن التزام الوزن والقافية في القصيدة الواحدة إنما هو تشدد من المتزمتين لا مبرر له، يكبل الناشئين من الأدباء، ويقف حجر عثرة في سبيل انطلاقهم بحرية مطلقة نحو الإبداع الفني الذي يتطلبه طموحهم. والإنصاف يقتضي من أصحاب هذا الظن أن ينظروا إلى هذا نظرة موضوعية عميقة، لا نظرة شخصية ضحلة، فالشعر عمل فني رائع، مثله كمثل أي تخصص علمي أو فني يتطلب مؤهلات عليا وكفاءات ممتازة. والوصول إلى ذلك يحتاج إلى كفاح طويل وعمل متواصل والطريق إلى القمة دائمًا على درجات، يصعدها المتطلع إلى العلا واحدة تلو الأخرى، ولا يمكن أن يحدث ذلك طفرة واحدة. فعلى الطَّمُوح إلى المعالي أن يصعد إليها السلم درجة درجة، وفي كل منها يستجمع من القوة ما يؤهله للصعود إلى أعلى حتى يصل إلى القمة، ويحتل المركز الذي يليق بما بذل من جهد وكفاح، أما من يحاول أن يقفز إلى ما ليس أهلًا له، فلن يتحقق له ما يريد فالوضع الصحيح لكل إنسان يجب أن يكون مناسبًا لقدرته وكفاءته. فطريق الشعر طويل وشاق يحتاج إلى موهبة وكفاءات ومؤهلات، والشعراء يختلفون في الجودة والمكانة، وبعضهم يجعل الشعراء أربعة أنواع: ١- شاعر خنذيذ وهو الذي يجمع إلى جودة شعره رواية الجيد من شعر غيره. ٢- شاعر مفلق وهو الذي لا رواية له، لكنه مجيد. ٣- شاعر فقط وهو فوق الرديء بدرجة. ٤- شعرور وهو لا شيء. ومن أطراف ما قيل في ذلك شعرًا: الشعراء فاعلمنّ أربعة ... فشاعر يجري ولا يجرى معه وشاعر يخوض وسط المعمعة ... وشاعر لا تشتهي أن تسمعه وشاعر لا تستحي أن تصفعه٢
следующие страницы →