← Адаб

Адаб · id 12046

في تاريخ الأدب الجاهلي

علي الجندي

Полный текст (554 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ومن الشعراء الموالي: ١- عبد بني الحسحاس وهو حبشي واسمه سهم، اشتراه بنو الحسحاس، وهم بطن من أسد وأراد صاحبه أن يبيعه لعثمان بن عفان، فقال: لا حاجة لي به إذ الشاعر لا حريم له إن شبع تشبب بنساء أهله وإن جاع هجاهم.

стр. 352

ومن سائر الشعراء الجاهليين: ١- ابن الدمينة "أحمد بن عامر من خثعم" وأمه الدمينة من سلول. ٢- أوس بن حجر "من تميم". ٣- المتلمس "وهو جرير بن عبد المسيح من ضبيعة بن ربيعة" وهو خال طرفة. ٤- المثقب العبدي. ٥- المخبل اليشكري "من بكر". ٦- كعب بن زهير بن أبي سلمى. ٧- معن بن أوس "من مزينة. مضر". ٨- الأسود بن يعفر "من تميم". ٩- ربيعة بن مقروم "من ضبة". ١٠- عدي بن زيد العبادي "من تميم". ١١- عمرو بن شأس "من أسد". ١٢- عمرو بن قميئة "من ربيعة". ١٣- لقيط بن يعمر الإيادي.

стр. 353

١٤- المتنخل "من هذيل". ١٥- المخبل السعدي "من تميم". ١٦- الممزق العبدي. ١٧- النمر بن تولب. ١٨- هدبة بن الخشرم. ١٩- يزيد بن عبد المدان. ومع هذه الأسماء الكثيرة للشعراء الذين ورد ذكرهم في الطبقات والدراسات التي ذكرت آنفًا، فإن هناك عددًا ضخمًا سواهم خلدهم الباحثون في مختاراتهم ودراساتهم، من أمثال أصحاب دواوين الحماسة، وعلى رأسهم أبو تمام، وأصحاب المختارات وعلى رأسهم المفضل والأصمعي، وأصحاب معاجم الشعراء ومن أشهرهم المرزباني.

стр. 354

بناء القصيدة الجاهلية والوحدة فيها: كان الشاعر الجاهلي يبدأ قصيدته -إذا كانت تتضمن أفكارًا كثيرة متعددة- بافتتاحية يجعلها مقدمة لما سيأتي بعدها، وكان أكثر هذه الافتتاحات دورانًا على ألسنة الشعراء الحديث عن الأطلال وارتحال الحبيبة وأثرهما في نفس الشاعر، وسنتحدث عن ذلك إن شاء الله عند الكلام عن بدء المعلقات. وكان من بين الافتتاحيات: الحديث عن الصبا والشباب، والشيب، والخمر، والطيف، ثم الحديث عن ذكريات الحبيبة وجمالها، ومحاولة التسلي عنها، وبعد ذلك تتوالى الأفكار حسب ما يراه الشاعر، وسيتبين بمشيئة الله تعالى من تحليل بعض القصائد الطوال، أن الشاعر الجاهلي كان يحاول أن يعرض أفكاره في تسلسل منطقي، كل فكرة ترتبط بسابقتها برباط عقلي، ظاهر أو خفي، حتى الافتتاحية التي كان الشاعر يبدأ بها قصيدته كان يأتي بها مناسبة للفكرة الأساسية في القصيدة، والشعور العام الذي استولى عليه فيها. ومن أهم ما يمتاز به الشعر العربي اتحاد الوزن والقافية في جميع أبيات القصيدة الواحدة إلى آخرها، مهما كان طولها، كما تمسك العربي في شعره بوحدة البيت الواحد، وضرورة تمامه بنفسه، وأنه يجب ألا يكون معناه التام متوقفًا على شيء في بيت سابق أو بيت لاحق.

стр. 355

وقد ظن قوم أن التزام الوزن والقافية في القصيدة الواحدة إنما هو تشدد من المتزمتين لا مبرر له، يكبل الناشئين من الأدباء، ويقف حجر عثرة في سبيل انطلاقهم بحرية مطلقة نحو الإبداع الفني الذي يتطلبه طموحهم. والإنصاف يقتضي من أصحاب هذا الظن أن ينظروا إلى هذا نظرة موضوعية عميقة، لا نظرة شخصية ضحلة، فالشعر عمل فني رائع، مثله كمثل أي تخصص علمي أو فني يتطلب مؤهلات عليا وكفاءات ممتازة. والوصول إلى ذلك يحتاج إلى كفاح طويل وعمل متواصل والطريق إلى القمة دائمًا على درجات، يصعدها المتطلع إلى العلا واحدة تلو الأخرى، ولا يمكن أن يحدث ذلك طفرة واحدة. فعلى الطَّمُوح إلى المعالي أن يصعد إليها السلم درجة درجة، وفي كل منها يستجمع من القوة ما يؤهله للصعود إلى أعلى حتى يصل إلى القمة، ويحتل المركز الذي يليق بما بذل من جهد وكفاح، أما من يحاول أن يقفز إلى ما ليس أهلًا له، فلن يتحقق له ما يريد فالوضع الصحيح لكل إنسان يجب أن يكون مناسبًا لقدرته وكفاءته. فطريق الشعر طويل وشاق يحتاج إلى موهبة وكفاءات ومؤهلات، والشعراء يختلفون في الجودة والمكانة، وبعضهم يجعل الشعراء أربعة أنواع: ١- شاعر خنذيذ وهو الذي يجمع إلى جودة شعره رواية الجيد من شعر غيره. ٢- شاعر مفلق وهو الذي لا رواية له، لكنه مجيد. ٣- شاعر فقط وهو فوق الرديء بدرجة. ٤- شعرور وهو لا شيء. ومن أطراف ما قيل في ذلك شعرًا: الشعراء فاعلمنّ أربعة ... فشاعر يجري ولا يجرى معه وشاعر يخوض وسط المعمعة ... وشاعر لا تشتهي أن تسمعه وشاعر لا تستحي أن تصفعه٢

стр. 356

وقد ذكر بعض المستشرقين أن اتحاد القافية في القصيدة في الشعر العربي، نشأ عن الحاجة إلى إعانة الذاكرة في عصر كان لا يعتمد في حفظ الأشياء فيه إلا على الذاكرة. كما أرجعوا إلى السبب نفسه تمسك العربي بوحدة البيت الواحد، وضرورة تمامه بنفسه. ولا شك أن وحدة الوزن والقافية في القصيدة الواحدة، تساعد الذاكرة على تلقيها بسرعة وسهولة، كما تعمل على بقائها فيها مدة أطول، وعلى ترديدها وقت الحاجة في يسر وتتابع. كما أنه لا ريب في أن وحدة الوزن والقافية في القصيدة الواحدة، وبخاصة إذا كانت طويلة تدل على اتساع الأفق اللغوي، وامتلاك زمام البيان، ودقة الحس الفني، وقوة النفس الشعري لدى الشاعر، وأعتقد أن العرب في تمسكهم بوحدة الوزن والقافية والبيت في شعرهم، كانوا يقصدون السمو بالشعر، والاحتفاظ له بدرجة عليا، بحيث لا يصل إليها إلا من توافرت فيه مؤهلات خاصة، وكفاءات فنية ممتازة، بحيث يكون قادرًا على التزام وحدة الوزن والقافية والبيت، مهما كان طولها، وواضح أن هذا يتطلب ثروة لغوية هائلة، وثقافة أدبية واسعة، ومقدرة فائقة على التنويع والتطوير في التعبير والتصوير. لكن وحدة البيت الواحد في القصيدة التي تعني استقلاله استقلالًا تامًّا في تركيبه وبنائه عن سابقه وعن لاحقه، ليست مما يعين الذاكرة على حفظ القصيدة بأكملها. بل إن ذلك ربما كان سببًا في حدوث شيء من الخلط في نظام القصيدة ومواضع الأبيات فيها، مما يظهر القصيدة في بعض الأحيان مختلطة مضطربة في الترتيب والنظام، ومن المعلوم، أنه كلما تماسكت أجزاء القصيدة بتشابك كل بيت فيما قبله وفيما بعده بأي نوع من أنواع الترابط، كانت أشد بناءً وأحكم نسجًا، فتجيء القصيدة كلًا واحدًا كالسلسلة الواحدة المتصلة الحلقات، المتينة الأحكام، فتتحقق فيها الوحدة الكاملة. وذلك يجعل القصيدة أسهل حفظًا، وأسرع علوقًا بالذهن، وأكثر بقاء في الذاكرة. وأيسر تذكرًا، وأكمل إلقاء، وأضبط رواية. وهذا الترابط الوثيق بين أبيات القصيدة، وبخاصة إذا كانت طويلة له الفضل الأكبر في حفظها تامة وروايتها كاملة. فحينما تجيء القصيدة مترابطة الأبيات في جميع أجزائها، تأتي كأنها قصة تسوق كل جزئية من الراوي أو القارئ أو السامع إلى ما يليها، كأنما ينتقل إليها من تلقاء نفسه بدون شعور بأدنى عسر أو مشقة. وإذا وجد اضطراب في ترتيب بعض الأبيات في قصيدة جيدة، فأغلب الظن أن ذلك

стр. 357

حدث من الرواة الذين يعتمدون على الذاكرة فهي عرضة للخلط والنسيان بسبب كثرة المحفوظ فيها. ومن المستبعد أن يكون هذا الاضطراب من الشاعر صاحبها، فالقصيدة الرائعة لابد أن يكون مؤلفها بارعًا ممتازًا، والشعراء الممتازون دائمًا أصحاب عقول ناضجة، وأذواق فنية مرهفة، تجعل تفكيرهم مرتبطًا منظمًا، لهذا لابد أن يجيء تعبيرهم متقنًا محكمًا في تسلسل منطقي دقيق. وبسبب هذا تعرضت القصيدة الجاهلية للقيل والقال، من حيث وجود الوحدة فيها وعدمها، وأثارت هذه القضية جدلًا كثيرًا بين النقاد والباحثين. لهذا رأينا أن نعرض بالتحليل والدراسة بعض القصائد الجاهلية الطوال المشهورة، لنتبين مدى مقدرة الشاعر الجاهلي الفنية في عرض أفكاره متصلة الحلقات في تسلسل فكري محكم. راجين أن يكن نصب أعيننا دائمًا حقيقتان هامتان، الأولى: أن الشعراء في الجاهلية، وبخاصة الممتازون المشهورون، كانوا يعدون من قمم الطبقات المثقفة في العقل والتفكير، والتعبير والتصوير. والثانية: أن من أهم نواحي البلاغة في اللغة العربية الإيجاز بالحذف اعتمادًا على فطنة القارئ وذكائه. وهذه القصائد هي المعلقات السبع، واخترناها لشهرتها وللوثوق من أصالتها، وفيما يلي عرض لكل منها على حدة، ثم تعليق ودراسة لها.

стр. 358

١- معلقة امرئ القيس عدد أبياتها ٧٨ بيتًا، موزعة فيما يلي: ٩: في ذكرى الحبيبة. ٢١: في بعض مواقف له. ١٣: في وصف الجمال الجسمي للمرأة. ٥: في وصف الليل. ١٨: في وصف الفرس والبقر الوحشي ورحلة الصيد. ١٢: في السحاب والبرق والمطر وآثاره. بدأ امرؤ القيس معلقته بالحديث عن ذكريات الحبيبة حينما رأى ما آلت إليه ديارها بعد أن هجرتها، فقد درست آثارها وعفت معالمها، وأصبحت موطنًا للحيوانات، تعيش فيها آمنة مطمئنة، وخيمت عليها الوحشة والرهبة، فأثار ذلك مشاعره، وحرك عواطفه، فطلب من رفيقيه أن يتوقفا معه عن السير ليسترجع ما فات من ذكريات، ويذرف الدمع حزنًا على ما مضى، وتخفيفًا مما يجد، ووفاء بحق هذه الديار: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها ... لما نسجتها من جنوب وشمأل وهنا عادت به الذاكرة إلى تلك اللحظة القاسية التي بدأت فيها أحزانه، وذلك حين رأى موكب الحبيبة في صباح مبكر يبدأ رحلة الفراق، وظل هو وحيدًا بين شجيرات ذات أشواك وقد تملكه الحزن والألم، وعلاه الهم والغم، وظهر عليه القلق والاضطراب، وأخذ الدمع ينهمر مدرارًا من عينيه حتى بلّ صدره ومحمله، والبكاء يشفي الإنسان أحيانًا، فما يريقه من عبرات كأنما يغسل آثار الحزن من نفسه، ولكن هل يجدي البكاء عند آثار بالية؟ هل يرجع ما كان من أنس وبهجة؟

стр. 359

وإن شفائي عبرة مهراقة ... فهل عند رسم دارس من معول ثم انطلق في عالم ذكرياته فاسترجع ما كان له من متع ولذات، فأخذ خياله يصور ما يجول بخاطره من مواقف اللهو والمرح، ثم صور ملكة الجمال في نظره، فقال: مهفهفة بيضاء غير مفاضة ... ترائبها مصقولة كالسجنجل كبكر المقاناة البياض بصفرة ... غذاها نمير الماء غير المحلل تصد وتبدي عن أسيل وتتقي ... بناظرة من وحش وجرة مطفل وجيد كجيد الرئم ليس بفاحش ... إذا هي نصته ولا بمعطل وفرع يزين المتن أسود فاحم ... أثيث كقنو النخلة المتعثكل غدائره مستشزرات إلى العلا ... تضل المداري في مثنى ومرسل وكشح لطيف كالجديل مخصر ... وساق كأنبوب السقي المذلل وتعطو برخص غير شثن كأنه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل وتضحى فتيت المسك فوق فراشها ... نئوم الضحى لم تنتطق عن تفضل تضيء الظلام بالعشاء كأنها ... منارة ممسي راهب متبتل إلى مثلها يرنو الحليم صبابة ... إذا ما اسبكرت بين درع ومجول

стр. 360

وهذه الذكريات تثير الهموم، وما أشد الهموم في الليل، وما أقسى الليل على المهموم، إنه يقض مضجعه ويطير النوم من عينيه، ويلفه في ظلام حالك ويأخذه في دوامة تقلبه هنا وهناك لا يعرف أين هو، ولا كيف يسير، ولا ماذا يفعل، ويلقي عليه بأحماله وأثقاله حتى ليكاد يزهق أنفاسه، ويطول كأنه لا ينتهي، ويقف كأنه لا يتحرك، يتمنى أن يسفر الصبح، ولكن ماذا يفيد الإصباح ذا القلب الحزين: فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازًا وناء بكلكل ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح، وما الإصباح منك بأمثل فالهم في الصبح لا يزال، والحزن كما هو فماذا يفعل؟ إنه لا حيلة له إلا أن يترك هذا المكان في أقرب وقت، وبأقصى سرعة، فينهض منتفضًا، ويسبق الطيور قبل أن تغادر أماكن مبيتها، ويغدو ممتطيًا صهوة جواده في رياضة ممتعة، محببة إلى النفس فيمضي في رحلة جميلة للصيد، وفي هذا الجانب من معرض الشاعر نرى لوحات فنية رائعة: الحصان الجواد الكريم، القوي النشيط السريع، الضخم الجسم، المدرب على الكر والفر والإقبال والإدبار، كميت اللون ناعم الجسم، ضامر الخصر، قصير الساق، طويل وظيف الرجل والذراع، وظهره أملس مستوٍ ينزلق عنه اللبد، وذنبه سابغ قصير العسيب، في جريه تتابع وسهولة واتزان، وسرعته تشل حركة الوحوش، ويقذف براكبه الخفيف ويطيره في الهواء، ويمزق ثياب الثقيل المتشبث بظهره، لشدة ما يثيره من ريح عاتية، واندفاعه عنيف خاطف: وقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل مكر مفر مقبل مدبر معًا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل كميت يزل اللبد عن حال متنه ... كما زلت الصفواء بالمتنزل له أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل

стр. 361

كأن سراته لدى البيت قائمًا ... مداك عروس أو صلاية حنظل مسح إذا ما السابحات على الونى ... أثرن الغبار بالكديد المركل يطير الغلام الخف عن صهواته ... ويلوي بأثواب العنيف المثقل ويقترب الحصان من ميدان الصيد، فيظهر سرب من البقر الوحشي، بيض الظهور سود القوائم، يدور بعضه حول بعض، وما كاد السرب يلمحه من بعيد حتى ولى هاربًا بأقصى سرعة، ولكن الحصان اندفع في سرعة خاطفة حتى سد الطريق على أوله، فوقف الجميع لا يتحرك: فَعَنَّ لَنَا سِرْبٌ كَأَنَّ نِعَاجَه ... عَذَارَى دَوَارٍ في مُلَاء مُذَيَّلِ فَأَدْبَرْنَ كَالْجِزْعِ المُفَصَّل بينَه ... بجِيدِ مُعَمٍّ في العشيرة مُخْوِلِ فَأَلْحَقَنَا بالهاديات ودُونَهُ ... جَوَاحِرُهَا فِي صَرَّةٍ لم تزَيَّلِ فَعَادَى عِدَاءً بينَ ثَوْرٍ ونَعْجَةٍ ... دِرَاكًا ولمْ يُنْضَحْ بماءٍ فَيُغْسَلِ كأن دِمَاءَ الهاديات بنَحْرِهِ ... عُصَارَةُ حِنَّاءٍ بشَيْبٍ مُرَجَّلِ وهنا بدأت معركة الحصان مع البقر الوحشي، فأخذ الحصان يصول ويجول، ويضرب الذكور والإناث حتى صرع الكثير منهن، بدون أن يظهر عليه أي أثر للتعب أو الجهد، فلم تخرج منه قطرة عرق، وخضب صدره بدماء المتقدمات من القطيع: فعادى عداء بين ثور ونعجة ... داراكًا ولم ينضح بماء فيغسل

стр. 362

ثم أعد مكان الراحة والاستجمام، وجمع الخدم الصيد، وأخذ الطهاة يعدون الطعام وجلس الصياد يرمق حصانه فرحًا وإعجابًا، ويصعد فيه عينيه استحسانًا، وقد انتصب الحصان يفيض قوة ونشاطًا، إلى أن جاءت الموائد وعليها ما لذ وطاب من أنواع اللحم، الصفيف المشوي والمطبوخ المغلي: فظل طهاة اللحم من بين منضج ... صفيف شواء أو قدير معجل ورحنا وراح الطرف ينفض رأسه ... متى ما ترق العين فيه تسهل ويقفل راجعًا من رحلته الممتعة، وفي أثناء عودته يكفهر الجو، وتتجمع السحب، وتتلبد الغيوم، فانتحى هو وصحبه جانبًا، وقعدوا في مكان يحميهم مما يتوقع من مطر غزير، وأخذوا يتتبعون الحال، سحب تتراكم، ويتلاطم بعضها ببعض فيحدث رعد عنيف يملأ الجنبات ويلمح البرق خاطفًا فيضيء جميع الجهات، ثم يهطل المطر منهمرًا كأفواه القرب، فيملأ البطاح والأودية ويعلو الجبال والهضاب، ويعظم الفيضان، فينساب سيلًا عنيفًا، يقتلع الأشجار، ويجتث البيوت والآطام، ويجرف كل ما في سبيله من حيوان ونبات وجماد، وكان ذلك خليطًا هائلًا متنوعًا، ظهر حينما ترسب فوق المنخفضات والمترفعات بعد أن أقلعت السماء وغيض الماء: أصاح ترى برقًا أريك وميضه ... كلمع اليدين في حبي مكلل يضيء سناه أو مصابيح راهب ... أهان السليط بالذبال المفتل قعدت له وصحبتي بين ضارج ... وبين العذيب بعد ما متأمل فأضحى يسح الماء من كل فيفة ... يكب على الأذقان دوح الكنهبل ومر على القنان من نفيانه ... فأنزل منه العصم من كل منزل

стр. 363

وتيماء لم يترك بها جذع نخلة ... ولا أطمًا إلا مشيدًا بجندل كأن ثبيرًا في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مزمل كأن ذرا رأس المجيمر غدوة ... من السيل والغشاء فلكة مغزل كأن السباع فيه غرقى عشية ... بأرجائه القصوى أنابيش عنصل ويعقب المطر عبق عطري جميل، يملأ البقاع، ويفوح أريجه، ويتضوع شذاه فتشدو له الطيور وتخرج من أوكارها فرحة منتشية، كأنما ثملت من الخمر، وتغمرها البهجة والمتعة، ثم تظهر آثار المطر في الأرض، فتحيا وتهتز وتربو، ويكسوها بساط سندسي جميل فيه الأشجار والأزهار مختلفة الأنواع والألوان: وألقى بصحراء الغبيط بعاعه ... نزول اليماني ذي العياب المحمل كأن مكاكي الجواء غدية ... صبحن سلافًا من رحيق مفلفل هذه معلقة امرئ القيس التي يمكن أن يقال عنها: إنها لوحات فنية تصور أمثلة من مظاهر الجمال في بعض الكائنات.

стр. 364

٢- معلقة طرفة بن العبد مجموع أبياتها ١٠٥ موزعة فيما يلي: ٢: في الأطلال ٣: في موكب الارتحال ٥: في وصف الحبيبة ٣٣: في الناقة ٣٩: في الفخر الشخصي. ٤: في المسرف والممسك. ٧: في الموت والأيام. ١٢: في موقف ابن عمه منه. ومن بين هذا حكم تنتثر هنا وهناك في مناسباتها. بدأ طرفة معلقته بذكر الأطلال ووقوفه بها هو أصحابه، فظهر عليه الأسى، حتى كاد يهلك: لخولة أطلال ببرقة ثهمد ... تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد وقوفًا بها صحبي عليّ مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلد ثم عاد بذكرياته إلى الماضي، فاسترجع ساعة الفراق وعرض موكب الارتحال وضخامته وسيره السريع يشق الوديان والجبال غير مبالٍ بما يصادفه من عوائق أو عقبات: كأن حدوج المالكية غدوة ... خلايا سفين بالنواصف من دد وكانت فيه حبيبته الرشيقة، ذات الشعر المنسدل والشفاه الشديدة الحمرة، وقد نشأت في نعمة ورعاية، وبسمتها تفتر عن لثات ناضرات، وأسنان ناصعة البياض شديدة البريق واللمعان، ووجهها ناضر صافٍ نقي، يشع جمالًا ودفئًا، ويخطف البصر كأنه قرص الشمس:

стр. 365

وفي الحي أحوى ينفض المرد شادن ... مظاهر سمطي لؤلؤ وزبرجد خذول تراعي ربربًا بخميلة ... تناول أطراف البرير وترتدي وتبسم عن ألمى كأن منورًا ... تخلل حر الرمل دعص له ند سقته إياة الشمس إلا لثاته ... أسف -ولم تكدم عليه- بإثمد ووجه كأن الشمس حلت رداءها ... عليه نقي اللون لم يتخدد وهنا يحس أن الهم قد تملكه، وأظلم عليه المكان، وضاق الأفق حوله، فلم يجد بدًّا من اللجوء إلى مسلية همومه، تلك هي ناقته، فأخذ يصورها، وكأنما يريد أن يجسمها فتتبعها جزئية جزئية بكل صغيرة وكبيرة من رأسها إلى أرجلها، حتى ذنبها، والشعرات التي تحت لحييها، فتبدو في تصويره: ناقة ضخمة، جسمها قوي محكم البنيان، مفتول العضلات وجمجمتها صلبة شديدة الالتئام، وعنقها طويل مشرف يرتفع إذا سارت، وخدها أبيض مشرق خال من الشعر نقي، ومشفرها طويل جميل الشكل، وعيناها صافيتان لامعتان حادتا النظر نقيتان، وأذناها فيهما حسن ونقاء، تدلان على العتق والكرم، حادتا السمع حتى للصوت الخفي، ومشفرها الأعلى لين مشقوق مما يلي الأنف الذي إذا أومأت به إلى الأرض ازدادت سيرًا، وما تحت لحييها من الشعر أبيض مشوب بحمرة، وظهرها متين محكم، وفقاره قوية متراصة متدانٍ بعضها من بعض، وباطن عنقها شديد محكم، وأطراف أظلافها مقوسة، ويداها مفتولتان بعيدتان عن كركرتها، وفخذاها قد اكتنز لحمهما وفيهما طول ونعومة، وأميلت عضدها نحو جنبين، كأنهما سقف أحكم وضع لبناته، وقلبها حديد، شديد الارتياع، قوي النبض، خفيف، ومجتمع كأنه كتلة من صخر، وذنبها قوي فيه شعر غليظ متين، تدافع به عن نفسها وتحركه دائمًا في نشاط وقوة، فتارة تضرب به خلف الزميل، وتارة تضرب به ضرعها البالي الخالي من اللبن، ولا تترك حبال الرحل في جسمها آثارًا إلا كما يترك وراد الماء آثار سيرهم في صخرة ملساء. كما تحدث الشاعر عن غذائها وسيرها وجريها ونشاطها وذكائها: فقد ربيت على أحسن الغذاء، وهي معتادة الغدو والرواح. وسريعة السير وراكبها آمن، فإذا ما سلكت طريقًا فيه آثار السير، انطلقت كأنها في سباق مع إبل بيض كرام سراع، وكتفاها تتبعان يديها في سهولة ويسر، وحينما تجري تميل على أحد شقيها في تدفق لفرط نشاطها وهي طوع إرادة صاحبها إن

стр. 366

شاء أسرعت وإن شاء لم تسرع، وتلبي صوت راعيها، وأحيانا تتبختر في مشيها تبختر الأمة أمام سيدها، حين تجر أذيالها وتهز أعطافها. ثم ختم حديثه عن الناقة بأنه عليها يخترق المسالك الوعرة ويجوب المغاور المهلكة لأنه هو الفتى المرجى عند الشدائد، فكان ذلك افتتاحية للحديث عن نفسه في فخر شخصي: على مثلها أمضي إذا قال صاحبي ... ألا ليتني أفديك منها وأفتدي وجاشت إليه النفس خوفًا وخاله ... مصابًا ولو أمسى على غير مرصد إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني ... عنيت فلم أكسل ولم أتبلد وهنا تحدث عن نفسه بما يصوره شخصًا كريم الأخلاق، ذا مكانة اجتماعية ممتازة، وبطلًا شهمًا ذائع الصيت: فهو لا يحل في بيت متوارٍ من الناس حتى لا يعرفه ابن السبيل ولا الضيف، وهو من بين ذوي الرأي في المجتمعات، وبين الشاربين في الحوانيت، وإن افتخر الناس فهو في ذروة المجد، نداماه من علية القوم، يسرف في الإنفاق والإتلاف حتى غضبت منه العشيرة، ويقصده الفقراء والأغنياء؛ الأولون لأنه يعطيهم، والأغنياء لمكانته وجلالته. ولا يستمع لمن يلومه على دخوله الحرب والتمتع باللذات لأنه لا ضمان للخلود، وهنا يذكر رأيه في الحياة وهو رأي جاهلي لا يؤمن بالحياة الآخرة، فيرى أن الحياة تنتهي بالموت وخير للإنسان أن يغتنم فرصة حياته ليمتع نفسه بما يستطيع منها ولا يحرص على المال فلن يفيده شيئًا، ولن يتميز قبر الممسك عن قبر المتلف، فكلاهما كومة من تراب وحجارة، فمما يقوله: ولست بحلال التلاع مخافة ... ولكن متى يسترفد القوم أرفد وإن تبغني في حلقة القوم تلقني ... وإن تقتنصني في الحوانيت تصطد وإن يلتق الحي الجميع تلاقني ... إلى ذروة البيت الرفيع المصمد وما زال تشرابي الخمور ولذتي ... وبيعي وإنفاقي طريفي ومتلدي إلى أن تحامتني العشيرة كلها ... وأفردت إفراد البعير المعبد رأيت بني غبراء لا ينكرونني ... ولا أهل هذاك الطراف الممد ألا أيهذا اللائمي أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي فإن كنت لا تسطيع دفع منيتي ... فدعني أبادرها بما ملكت يدي

стр. 367

فذرني أروي هامتي في حياتها ... مخافة شرب في الحياة مصرد كريم يروي نفسه في حياته ... ستعلم إن متنا غدًا أينا الصدي أرى قبر نحام بخيل بماله ... كقبر غوي في البطالة مفسد ترى جثوتين من تراب عليهما ... صفائح صم من صفيح منضد وهنا يتحدث عن الموت والإنسان وعمره، فيقول: أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتشدد أرى الدهر كنزًا ناقصًا كل ليلة ... وما تنقص الأيام والدهر ينفد أرى الموت أعداد النفوس ولا أرى ... بعيدًا غدًا ما أقرب اليوم من غد لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطول المرخى وثنياه باليد متى ما يشأ يومًا يقده لحتفه ... ومن يك في حبل المنية ينقد ثم يذكر أمانيه في الحياة ومتعته منها، كأنه يرى من صفاته التي يخلعها على نفسه أنه شخص كريم سمح الأخلاق يريد أن يعيش أيامه في سلام وأمن ومتعة، يحب الناس ويحبونه، ويألفهم ويألفونه، وهنا يتعجب من سلوك الظالمين والمعتدين والوشاة والمفسدين، وبخاصة إذا كانوا من الأقارب الذين يجب أن يكونوا عونًا وسندًا، وملجأ وأمنًا، فسلوكهم المعيب بعضهم مع بعض مؤلم أشد الألم، واعتداء أحدهم على الآخر شديد المرارة وأنكى من ضرب السيوف، ولهذا يحز في نفسه أن يكون له ابن عم يسير إليه، ويعتدي عليه مع أنه لا يستحق ذلك فيقول: فمالي أراني وابن عمي مالكًا ... متى أدن منه ينأَ عني ويبعد يلوم وما أدري علام يلومني ... كما لامني في الحي قرط بن أعبد وأيأسني من كل خير طلبته ... كأنا وضعناه إلى رمس ملحد على غير ذنب قلته غير أنني ... نشدت فلم أغفل حمولة معبد وقربت بالقربى وجدك إنني ... متى يك أمر للنكيثة أشهد وإن أدع للجلى أكن من حماتها ... وإن يأتك الأعداء بالجهد أجهد وإن يقذفوا بالقذع عرضك أسقهم ... بكأس حياض الموت قبل التهدد

стр. 368

فلو كان مولاي امرأً هو غيره ... لفرج كربي أو لأنظرني غدى ولكن مولاي امرؤ هو خانقي ... على الشكر والتسآل أو أنا مفتدي بلا حدث أحدثته وكمحدث ... هجائي وقذفي بالشكاة ومطردي وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهند وهنا استشاط غضبًا، وثارت حميته لهذا السلوك الذي يتنافى مع ما يستحقه من التكريم والتعظيم، فانطلق ثانية مفتخرًا بنفسه، فصفاته تجعله في مصاف العظماء، فهو وإن كان فقيرًا فإنه شديد نشيط، يتوقد ذكاء وفطنة، ولا يفارق كشحه السيف الذي لا يثني ضربته، وقعه أسرع من الصوت، وهو كريم ترهبه الإبل إذا دخل عليها بسيفه لأنها تعلم أنه لا بد قاتلها وموته خسارة لا تعوض، فلن يملأ فراغه إنسان، وهو كريم طموح، سريع إلى العظائم، بطيء عن الدنايا، نابه الذكر، ذائع الصيت، ويرهبه الجميع، أفرادًا وجماعات، لا يغمه ولا يطول عليه ليل، فلا تستعصي عليه مشكلة يحبس نفسه على الشدائد، وفي الحروب ومواطن الهلاك، ويدخل الميسر بدون انتظار مغنم ومن قوله في هذا: أنا الرجل الضرب الذي تعرفونه ... خشاش كرأس الحية المتوقد فآليت لا ينفك كشحي بطانة ... لعضب رقيق الشفرتين مهند حسام إذا ما قمت منتصرًا به ... كفى العود منه البدء ليس بمعضد أخي ثقة لا ينثني عن ضريبة ... إذا قيل مهلا قال حاجزه قدي فإن مت فانعيني بما أنا أهله ... وشقي عليّ الجيب يا ابنة معبد ولا تجعليني كامرئ ليس همه ... كهمي ولا يغني غنائي ومشهدي بطيء عن الجلى سريع إلى الخنا ... ذلول بإجماع الرجال ملهد لعمرك ما أمري علي بغمة ... نهاري ولا ليلي علي بسرمد ثم يختم قصيدته بأن الحياة كثيرة العجائب، والأيام تظهر الخفي، وتسوق إليك من ينبئك بدون أن تكلفه أو تطلب منه. ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود ويأتيك بالأنباء من لم تبع له ... بتاتًا ولم تضرب له وقت موعد بهذا ترى أن هذه المعلقة تصوير لشخصية فيها طموح، وتنظر إلى الحياة نظرة خاصة، ولها أمنيات تسعى لتحقيقها ولكن مع مرور الأيام يظهر لها ما ليس في الحسبان.

стр. 369

٣- معلقة زهير بن أبي سلمى عدد أبياتها: ٥٩ موزعة فيما يلي: ٦: في الأطلال. ٩: في الأظعان. ١٠: في مدح الساعين في السلام. ٢١: في الحديث إلى المتحاربين. ١٣: في الحكم. بدأ معلقته بالحديث عما صارت إليه ديار الحبيبة، فقد هجرت منذ عشرين سنة، فأصبحت دمنًا بالية وآثارها خافتة، وسكنها البقر والظباء وأولادها، فكن ما بين قائمات ونائمات وماشيات، وحدانًا وأفواجًا، مقبلة مدبرة، وصاعدة ونازلة، وقد تغيرت المعالم تمامًا لدرجة أنه لم يعرفها إلا بعد وقت طويل، فلما تأكد منها، هتف محييًا ودعا لها بالنعيم والسلام. أمن أم أوفى دمنة لم تكلم ... بحومانة الدراج فالمتثلم ديار لها بالرقمتين كأنها ... مراجع وشم في نواشر معصم بها العين والأرآم يمشين خلفة ... وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم وقفت بها من بعد عشرين حجة ... فلأيًا عرفت الدار بعد توهم فلما عرفت الدار قلت لربعها ... ألا انعم صباحًا أيها الربع واسلم ثم عاد بالذاكرة إلى الوراء يسترجع ساعة الفراق، فصور الموكب بأن الرحلة بدأت في السحر واتجهوا مباشرة نحو وادي الرس، فاخترقوا بذلك كثيرًا من الأماكن وكم فيها من الأعداء والأصدقاء، وعلى الموكب دلائل النعيم والترف، فقد حليت الهوادج بالأقمشة الحمراء الثمينة، والستائر الرقيقة الغالية، وفرشت الرحال بالأثاث الفاخر، وفي كل مكان نزلوا فيه للراحة تركوا آثارًا من الصوف الأحمر، إلى أن وصلت الظعائن إلى الماء الغزير الصافي

стр. 370

فنزلن آمنات مطمئنات نزول من هو في أهله ووطنه، وكان منظرهن أنيقًا ساحرًا يخلب لب الباحث عن الجمال: بكرن بكورًا واستحرن بسحرة ... فهن ووادي الرس كاليد للفم جعلن القنان عن يمين وحزنه ... وكم بالقنان من محل ومحرم وعالين أنماطًا عتاقًا وكله ... وراد الحواشي لونها لون عندم ظهرن من السوبان ثم جزعنه ... على كل قيني قشيب ومفأم ووركن في السوبان يعلون متنه ... عليهن دل الناعم المتنعم فلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصي الحاضر المتخيم وفيهن ملهى للطيف ومنظر ... أنيق لعين الناظر المتوسم وكأنه حينما وصل إلى هذا المنظر الفتان، سبح به خاطره إلى جمال الخلق وروعة السلوك، وحب الخير والتضحية في سبيل الأمن والاستقرار، فشرع يتحدث عن الساعين في الخير، المحبين للسلام، الداعين إلى الإخاء والصفاء، فأشاد بموقف شخصين عظيمين قاما بعمل جليل، فقال إنهما تحملا ديات القتلى في حرب ضروس، بسببها قطعت الأرحام، وتفرق الأهل وتناحر الإخوان، فأصلحا ما أفسد، وجمعا الشمل, وأقسم بالبيت الحرام إنهما نعم السيدان في جميع الأحوال، وأنهما أصبحا في أعلى الدرجات بين العرب جميعهم، وقال لهما: لقد ضحيتما بكل ما تستطيعان في سبيل السلام وأخرجتما من أموالكما خيرها وأجودها، حتى ملأ البقاع صغيرها وكبيرها بدون أن يكون لكما في الحرب أي اتصال، ولكنه حبكما للخير ورغبتكما في السلام: سعى ساعيا غيظ بن مرة بعدما ... تبزل ما بين العشيرة بالدم فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله ... رجال بنوه من قريش وجرهم يمينًا لنعم السيدان وجدتما ... على كل حال من سحيل ومبرم تداركتما عبسًا وذبيان بعدما ... تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم وقد قلتما: إن ندرك السلم واسعًا ... بمال ومعروف من القول نسلم فأصبحتما منها على خير موطن ... بعيدين فيها من عقوق ومأثم عظيمين في عليا معد هديتما ... ومن يستبح كنزًا من المجد يعظم

стр. 371

فأصبح يجري فيهم من تلادكم ... مغانم شتى من إفال مزنم تعفى الكلوم بالمئين فأصبحت ... ينجمها من ليس فيها بمجرم ينجمها قوم لقوم غرامة ... ولم يهريقوا بينهم ملء محجم ثم وجه الكلام إلى الأحلاف المتحاربين قائلًا: هل أقسمتم أن تفعلوا ما لا ينبغي؟ لا تظهروا الصلح، وفي نيتكم الغدر؛ لأن الله سيدخره لكم ويحاسبكم عليه، إن عاجلًا أو آجلًا وليست الحرب إلا ما علمتموها عن خبرة وتجربة، فقد ذقتموها واكتويتم بنارها، فإذا أثرتموها تأججت وطحنتكم طحن الرحا، ولن تخلف لكم إلا المحن والمصائب والآلام: ألا أبلغ الأحلاف عني رسالة ... وذبيان هل أقسمتم كل مقسم فلا تكتمن الله ما في صدوركم ... ليخفى ومهما يكتم الله يعلم يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم الحساب أو يعجل فينقم وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجم متى تبعثوها تبعثوها ذميمة ... وتضر إذا ضريتموها فتضرم فتعرككم عرك الرحى بثقالها ... وتلقحْ كشافًا ثم تنتجْ فتتئم فتغللْ لكم ما لا تغل لأهلها ... قرى بالعراق من قفيز ودرهم ثم قال: إنما نريد الصلح بين قوم كثيري العدد، إذا ائتمروا أمرًا كان عصمة للناس وهم كرام أقوياء، لا ينال الموتور وتره منهم، ولا يسلم من ارتكب في حقهم جريمة، وتركوا الحرب مرة، ثم رجعوا فحاربوا، فدبت المنايا فيهم، وكانت العاقبة وخيمة، وقد جنى أحدهم جناية فجر إليهم ما لا ينبغي، إذ أضمر في نفسه فعلة، فلم يظهرها، ولم يترك تنفيذها، وفعل ما أراد، لا لقصد إثارة العامة ولكن للأخذ بالثأر، من بطل عظيم، قومه يستحقون أحسن الثناء وأعظم التقدير: لحي حلال يعصم الناس أمرهم ... إذا طرقت إحدى الليالي بمعظم كرام فلا ذو الظعن يدرك تبله ... ولا الجارم الجاني عليهم بمسلم رعوا ما رعوا من ظمئهم ثم أوردوا ... غمارًا تفرى بالسلاح وبالدم فقضوا منايا بينهم ثم أصدروا ... إلى كلأ مستوبل متوخم

стр. 372

لعمري لنعم الحي جر عليهم ... بما لا يواتيهم حصين بن ضمضم وكان طوى كشحًا على مستكنة ... فلا هو أبداها ولم يتجمجم وقال سأقضي حاجتي ثم أتقي ... عدوي بألف من ورائي ملجم فشد ولم ينظر بيوتًا كثيرة ... لدى حيث ألقت رحلها أم قشعم لدى أسد شاكي السلاح مقذف ... له لبد أظفاره لم تقلم جريء متى يظلم يعاقب بظلمه ... سريعًا وإن لم يبد بالظلم يظلم وكأنما خشي الشاعر أن تطل الفتنة برأسها من جديد، فذكر المتحاربين مرة ثانية بأن الذين تحملوا ديات القتلى لم يرتكبوا فيها أية جناية، وإنما تبرعوا بأموالهم حبًّا في السلام ورغبة في الصلح، فدفعوا ديات جميع من طلبت لهم ديات، ومنهم من لم يقتل في الحرب، وقدموا عن طيب خاطر ألوف الإبل أفواجًا بعد أفواج. لعمرك ما جرت عليهم رماحهم ... دم ابن نهيك أو قتيل المثلم ولا شاركت في الحرب في دم نوفل ... ولا وهب فيها ولا ابن المخزم فكلا أراهم أصبحوا يعقلونه ... علالة ألف بعد ألف مصتم ثم أراد أن يتم المشروع بنجاح عظيم، وينفذ تنفيذًا صحيحًا كاملًا عن رضًا تام واقتناع حقيقي من جميع الأطراف، فساق لهم حكمًا تساعد على ذلك، فيها: أن من يرفض الصلح فسوف يكتوي بنار الحرب، والموفون بالعهود محمودون مكرمون، والميالون للخير يحبون السلام، والحذر لا ينجي من القدر، والبخيل بالفضل على أهله منبوذ ومذموم، ومهين نفسه مهان، ولا عز للمرء إلا بقومه، والضعيف مأكول، والقوي مهاب، وتارك المجاملة للناس في أكثر الأمور يصاب بما يكره. وصانع المعروف حفاظًا على الشرف مصون العرض. محفوظ الكرامة والجزاء من جنس العمل: ومن يعص أطراف الزجاج فإنه ... يطيع العوالي ركبت كل لهذم ومن يوف لا يذمم ومن يفض قلبه ... إلى مطمئن البر لا يتجمجم ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ... ولو رام أسباب السماء بسلم ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله ... على قومه يستغن عنه ويذمم

стр. 373

ومن يغترب يحسب عدوًا صديقه ... ومن لا يكرم نفسه لم يكرم ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم ومن لم يصانع في أمور كثيرة ... يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم ومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره ومن لا يتق الشتم يشتم ثم ختم قصيدته بأن ما قاله إنما هو من واقع تجاربه وخبرته بالحياة. فقد حلب الدهر شطره، وعرك الحياة وعركته، وعرف خيرها وشرها، وخير للمرء أن يفيد من تجارب السابقين، ويجعل من أيام حياته هدوءًا وأمنًا بكل ما يستطيع، فالموت يأتي بغتة فمن مات فلن يعود، ومن عاش فإلى حين وإن عمر وهرم، وكل ما خفي يظهر، ولا مجهول إلا المستقبل: سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبا لك يسأم رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم هذه معلقة زهير بن أبي سلمى، وكأنها رمز إلى ميل النفس وارتياحها لكل مظاهر الأمن والسلام، فهي تصوير لروح خيرة، خبرت الحياة، فأحبت السلام، وعظمت أهل السلام، ودعت إلى السلام مهما تغيرت الظروف والأحوال، فمن طبيعة الحياة التقلب والتغير، ولكن لا متعة في الحياة إلا بالسلام العادل الصحيح، وليكن السلام من حق كل من في الوجود من الإنسان إلى الجماد، فالشاعر يرى الديار وما آلت إليه، وقد سكنتها الوحوش في أمن واستقرار، فيدعو للربع بالسلام، ويتابع الظعائن حتى يصلن إلى مكان يصلح للإقامة في أمن وسلام، والساعون في الصلح كرام عظماء لتضحيتهم في سبيل السلام، والمتحاربون عليهم أن يثوبوا إلى رشدهم، ويفتحوا عيونهم على ما نزل بهم ويقف كل منهم عند حده، فيعرفوا أن لا قيمة للحياة إلا بالسلام في ظل العدل والمبادئ القويمة.

стр. 374

٤- معلقة لبيد بن ربيعة عدد أبياتها: ٨٩، موزعة فيما يلي: ١١: في ديار الحبيبة. ١٠: في رحلة الحبيبة وبعدها وأثره ٣٣: في الناقة "منها": ٣: في الناقة مباشرة. ١١: في الأتان والحمار الوحشي. ١٩: في البقرة الوحشية. ٢١: في الفخر الشخصي. ١٤: في الفخر القبلي. بدأ لبيد معلقته بالحديث عن حال الديار وما آلت إليه، فقال إنها درست معالمها حتى كادت لا ترى، فقد هجرت منذ سنين وأصبحت لا يدخلها آمن ولا خائف لخرابها، وهطلت عليها سحب الربيع والأمطار الشديدة، في شدة أحيانا، وفي لين أحيانا، وفي الليل، وفي الصباح، وفي العشي، وأيام الدجن، برعود يتجاوب صداها فطال نباتها، وتناسلت فيها قطعان البقر والظباء والشاء، فوقف يسأل الأطلال ولكنه تعجب من سؤاله آثارًا صمًّا لا تستطيع الكلام: عفت الديار محلها فمقامها ... بمنى تأبد غولها فرجامها رزقت مرابيع النجوم وصابها ... ودق الرواعد جودها فرهامها من كل سارية وغادٍ مدجن ... وعشية متجاوب أرزامها فعلا فروع الأيهقان وأطفلت ... بالجلهتين ظباؤها ونعامها والعين ساكنة على أطلائها ... عوذا تأجل بالفضاء بهامها فوقفت أسألها وكيف سؤالنا ... صما خوالد ما يبين كلامها

стр. 375

ثم استعاد وقت الفراق، فتحدث عن الظعائن الجميلات الرشيقات وكانت هوادجهن قد كسيت بالقماش والستائر، وفرشت بالأثاث الفاخر، وسار بهن الموكب حثيثًا، في وسط الوديان والجبال يلفها السراب: شاقتك ظعن الحي يوم تحملوا ... فتكنسوا قطنًا تصر خيامها من كل محفوف يظل عصيه ... زوج عليه كلة وقرامها زجلا كأن نعاج توضح فوقها ... وظباء وجرة عطفا أرآمها حفزت وزايلها السراب كأنها ... أجزاع بيشة أثلها ورضامها ثم عاد يسأل نفسه: وماذا تذكر ممن بعدت عنك، وقد تقطع جديد وصلها وقديمه وهي ليست من أهلك، وبينك وبينها مسافات بعيدة شاسعة؟ ثم انتهى إلى قطع الصلة بمن تغير حاله: بل ما تذكر من نوار وقد نأت ... وتقطعت أسبابها ورمامها مرية حلت بفيد وجاورت ... أهل الحجاز فأين منك مرامها فاقطع لبانة من تعرض وصله ... ولشر واصل خلة صرامها وقطع الصلة يكون بمفارقته والتسلية عنه، وخير ما يكون ذلك بالسفر على ناقة مدربة على الأسفار حتى صارت ضامرة، ومهما نالها من التعب والإعياء فإن نشاطها يظل كما هو، فتجري بسرعة شديدة. بطليح أسفار تركن بقية ... منها فأحنق صلبها وسنامها فإذا تغالى لحمها وتحسرت ... وتقطعت بعد الكلال خدامها فلها هباب في الزمام كأنها ... صهباء راح مع الجنوب جهامها ثم أراد أن يوضح سرعتها فصورها بصورة أتان قد استبان حملها تجرى هاربة من فحل يطاردها، وهو حمار عنيف فيه آثار طرد الفحول وضربها بأرجلها وعضها، فأخذ يعلو بها الهضاب والمرتفعات، وقد رابه منها امتناعها عليه ورغبتها فيه، وكانت الحجارة التي تجعل أعلامًا ليعرف بها الطريق تثير خوفهما، فينطلقان بسرعة أكثر. ولما انقضى موسم البرد، وكان

стр. 376

قد طال صيامهما عن الماء، وجاء الصيف فتطايرت أشواك السنابل وهبت الريح الشديدة الحرارة، عزما على ورود الماء، فانطلقا مسرعين يثيران غبارًا كثيفًا يغطي الشمس، وقد حرص الحمار على أن تكون الأتان أمامه حتى لا تحاول الفرار أو العدول عن الطريق، إلى أن وصلا إلى جدول فتوسطا ناحية منه، وشققا عينًا محاطة بقصب منه ما هو مائل، ومنه ما هو قائم، وذلك حيث يقول: أو ملمع وسقت لأحقب لاحه ... طرد الفحول وضربها وكدامها يعلو بها حدب الأكام مسحجًا ... قد رابه عصيانها ووحامها حتى إذا سلخا جمادى ستة ... جزءا وطال صيامه وصيامها رجعا بأمرهما إلى ذي مرة ... حصد، ونجح صريمة إبرامها ورمى دوابرها السفا وتهيجت ... ريح المصايف سومها وسهامها فتنازعا سبطًا يطير ظلاله ... كدخان مشعلة يشب ضرامها فمضى وقدمها وكانت عادة ... منه، إذا هي عردت، أقدامها فتوسطا عرض السري وصدعا ... مسجورة متجاورًا قلامها محفوفة وسط اليراع يظله ... منها مصرع غابة وقيامها ثم أراد أن يزيد السامع بيانًا عن سرعة ناقته، فأورد لها صورة أخرى، وهي صورة بقرة وحشية مذعورة، أكل السبع ولدها، فتخلفت عن القطيع، وظلت في الخميلة تبحث عن ولدها، وتصيح به لئلا يكون النبات قد أخفاه، ولكنه افترسته ذئاب كاسرة، والتهمت أشلاءه على حين غفلة من أمه، وباتت ليلة قاسية، هطل فيها المطر غزيرًا على هذه الخميلة، وتلبدت السماء بالغيوم، فحجبت النجوم، وأطبق الظلام، وكانت البقرة بيضاء، فبدت في وسط السواد الحالك شديدة البياض، وخيمت الرهبة والوحشة على المكان، فامتلأت البقرة فزعًا ورعبًا، وتملكها القلق والاضطراب فتنحت جانبًا، واحتمت بشجرة طويلة الفروع في طرف كثيب رملي، ولكن المطر كان يهطل على ظهرها بغزارة فتزداد رعشة، حتى إذا أسفر الصبح، أسرعت مبكرة لتغادر مأواها، ولكن قوائمها كانت تزلق ولا تثبت على الأرض لكثرة ما بها من الطين، وأخذت تجوب المكان، وتتردد بين الغدران ذهابًا وجيئة سبعة أيام بلياليها في حيرة وفزع، حتى يئست من العثور على ولدها، وجف ضرعها، وبينما هي في

стр. 377

حزنها وكآبتها تسمعت صوتًا خفيفًا لناس لا تراهم، والناس دائما مصدر هلاكها فازدادت رعبًا، وأحست أن الخطر محدق بها من كل جانب، فانطلقت بأقصى سرعة، ولكن الصيادين تبعوها، واستمروا في مطاردتها حتى أعياهم إدراكها أو نيلها برماحهم، فأطلقوا عليها كلابًا مدربة ضارية فلما أحست البقرة أن الكلاب على وشك اللحاق بها، التفتت إليهن وأنشبت فيهن قرونها الطويلة الحادة، فصرعت منهن وأصابت.. فسرعة هذه البقرة صورة لسرعة ناقة الشاعر التي بها يقضي حاجته حين يشتد الحر، ويكسو السراب جميع البقاع والوديان والجبال، وبها يؤدي ما عليه من الالتزامات حتى لا يكون عرضة للوم أو العتاب: أفتلك أم وحشية مسبوعة ... خذلت وهادية الصوار قوامها خنساء ضيعت الفرير فلم يرم ... عرض الشقائق طوفها وبغامها لمعفر قهد تنازع شلوه ... غبس كواسب ما يمن طعامها صادفن منها غرة فأصبنها ... إن المنايا لا تطيش سهامها باتت وأسبل واكف من ديمة ... يروي الخمائل دائمًا تسجامها تجتاف أصلا قالصًا متنبذًا ... بعجوب أنقاء يميل هيامها يعلو طريقة متنها متواترًا ... في ليلة كفر النجوم ظلامها وتضيء في وجه الظلال منيرة ... كجمانة البحري سل نظامها حتى إذا انحسر الظلام وأسفرت ... بكرت تزل عن الثرى أزلامها علهت تردد في نهاء صعائد ... سبعا تؤاما كاملا أيامها حتى إذا يئست وأسحق حالق ... لم يبله إرضاعها وفطامها وتسمعت رز الأنيس فراعها ... عن ظهر غيب والأنيس سقامها فغدت كلا الفرجين تحسب أنه ... مولى المخافة خلفها وأمامها حتى إذا يئس الرماة وأرسلوا ... غضفًا دواجن قافلا أعصامها فلحقن واعتكرت لها مدرية ... كالسمهرية حدها وتمامها لتذودهن وأيقنت إن لم تذد ... أن قد أحم مع الحتوف حمامها فتقصدت منها كساب فضرجت ... بدم وغودر في المكر سخامها

стр. 378

فبتلك إذ رقص اللوامع بالضحى ... واجتاب أردية السراب أكامها أقضى اللبانة لا أفرط ريبة ... أو أن يلوم بحاجة لوامها وكان ذلك تمهيدًا للحديث عن نفسه بدأه بالقول لحبيبته إنه يصل من يستحق المواصلة، ويقطع من يستحق المقاطعة، ثم استمر قائلًا: إنه يترك الأمكنة التي يكرهها، وكثيرًا ما قضى الليالي الحلوة اللذيذة، وطرد البرد والقحط بالطعام والكساء وإيقاد النيران وهو البطل الحامي الذمار، الكامل العدة والسلاح، تناط إليه حراسة أماكن الخطر في الأوقات العصيبة، ليلًا ونهارًا، ومعه فرسه الكريمة السريعة الجري، القوية النشيطة مهما بذلت من جهد، وكم من مواقف عنيفة قاسية، كثيرة الأخطار، مجهولة العواقب، تصدى لها فأزهق باطلها، وتحمل جميع التزاماتها، وكثيرًا ما دعا في الميسر إلى عقر أسمن النوق وأغلاها وبذل لحمها للمحتاجين، وإذا نزل به الضيف أو الجار الغريب وجد عنده النعيم والخيرات. أو لم تكن تدري نوار بأنني ... وصال عقد حبائل جذامها تراك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يرتبط بعض النفوس حمامها بل أنت لا تدرين كم من ليلة ... طلق لذيذ لهوها وندامها قد بت سامرها وغاية تاجر ... وافيت إذ رفعت وعز مدامها وغداة ريح قد وزعت وقرة ... إذ أصبحت بيد الشمال زمامها ولقد حميت الخيل تحمل شكتي ... فرط وشاحي -إذ غدوت- لجامها فعلوت مرتقبًا على ذي هبوة ... حرج إلى أعلامهن قتامها حتى إذا ألقت يدًا في كافر ... وأجن عوارت الثغور ظلامها أسهلت وانتصبت كجذع منيفة ... جرداء يحصر دونها جرامها ترقى وتطعن في العنان وتنتحي ... ورد الحمامة إذ أجد حمامها وكثيرة غرباؤها مجهولة ... ترجى نوافلها ويخشى ذامها أنكرت باطلها وبؤت بحقها ... يومًا ولم يفخر عليَّ كرامها وجزور أيسار دعوت لحتفها ... بمغالق متشابه أعلامها أدعو بهن لعاقر أو مطفل ... بذلت لجيران الجميع لحامها والضيف والجار الغريب كأنما ... هبطا تبالة مخصبًا أهضامها

стр. 379

ثم جره حديثه عن نفسه إلى الحديث عن قومه فافتخر بقبيلته، قائلًا: إنهم مأوى الأرامل والأيتام والفقراء، ويقدمون الطعام الكثير في أوقات الجدب، وهم في المحافل عظماء الرجال، يعتمد عليهم، ويحملون الأعباء، ويقومون بكل التكاليف والمشاق، ويؤدون الحقوق، ولا يرد لهم قول، كرماء سمحاء، مجدهم تليد، وهم أبطال، كاملو العدة والسلاح، ولا تخيب أفعالهم، ولا تدنس أعراضهم، ولا تميل عقولهم مع الهوى، وبيتهم عالي الشرف، الكهل منهم والغلام في الذورة، حباهم الله بالأخلاق الحسنة وأعطاهم أفضل الحظ من الأمانة، يسعون في الخير، ويرجع إليهم في كل أمر، وخيرهم كثير فياض، لا ينال منهم حاسد، ولا يلحقهم لوم حاقد: تأوي إلى الأطناب كل رذية ... مثل البلية قالص أهدامها ويكللون إذا الرياح تناوحت ... خلجًا تمد شوارعًا أيتامها إنا إذا التقت المجامع لم يزل ... منا لزاز عظيمة جشامها ومقسم يعطي العشيرة حقها ... ومغذمر لحقوقها هضامها فضلا وذو كرم يعين على الندى ... سمح كسوب رغائب غنامها من معشر سنت لهم آباؤهم ... ولكل قوم سنة وإمامها لا يطبعون ولا تبور فعالهم ... إذ لا تميل مع الهوى أحلامها إن يفزعوا تلق المغافر عندهم ... والسن يلمع كالكواكب لامها فبنوا لنا بيتًا رفيعًا سمكه ... فسما إليه كهلها وغلامها فاقنع بما كتب المليك فإنما ... قسم الخلائق بيننا علامها وإذا الأمانة قسمت في معشر ... أوفى بأعظم حظنا قسامها فهم السعاة إذا العشيرة أفظعت ... وهم فوارسها وهم حكامها وهم ربيع للمجاور فيهم ... والمرملات إذا تطاول عامها وهم العشيرة أن يبطئ حاسد ... أو أن يلوم مع العدا لوامها وتلك معلقة لبيد، ويبدو أنها رمز لحب البقاء، والكفاح في سبيل الحياة، فهي دعوة لمسايرة الواقع وعدم التعلق بالأوهام والخيالات، وتصوير للجد، والعمل المتواصل لتذليل الصعاب والتغلب على العقبات، ومعالجة كل حالة بما تقتضيه مهما كلف ذلك من جهد أو تضحية، في سبيل الحفاظ على الحياة الكريمة.

стр. 380

٥- معلقة عنترة العبسي عدد أبياتها: ٨٠ منها: ٥: في الأطلال. ٤: في بعد الحبيبة وأثره. ٣: في موكب الرحلة. ٩: في وصف الحبيبة. ١٣: في الناقة. ٤٦: في الفخر الشخصي. بدأ عنترة معلقته بالسؤال عن المعنى الذي يمكن أن يأتي به ولم يسبقه به أحد الشعراء من قبل، ثم شرع في الكلام، فقال: إنه عرف الدار وتأكد منها بعد فترة من الشك والظن، فوقف فيها بناقته الضخمة؛ ليؤدي حقها -وقد رحلت عنها عبلة وصارت بعيدة عنه- فحيا الطلل الذي قدم العهد به وطال، فتخرب، وأصبحت الحبيبة في مكان يصعب عليه طلبها فيه، فقد باعدت بينهما الديار، وهي بين الأعداء، وحقيقة تمكن حبها في قلبه منذ أن وقعت عليها عينه عرضًا وهو يحارب قومها، وأضحت تحتل في قلبه مكانة المحبوب المعزز المصون وكان فراقها مفاجأة له، فقد قرروه في الخفاء، وأفزعه أن رأى الإبل تحمل الأمتعة على وشك الرحيل، وكان ركابها من أجود الإبل وأغلاها: هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم يا دار عبلة بالجواء تكلمي ... وعمي صباحا دار عبلة واسلمي فوقفت فيها ناقتي وكأنها ... فدن لأقضي حاجة المتلوم حييت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم حلت بأرض الزائرين فأصبحت ... عسرًا عليَّ طلابك ابنة مخرم علقتها عرضا وأقتل قومها ... زعما لعمر أبيك ليس بمزعم

стр. 381

ولقد نزلت فلا تظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرم إن كنت أزمعت الفراق فإنما ... زمت ركابكم بليل مظلم ما راعني إلا حمولة أهلها ... وسط الديار تسف حب الخمخم فيها اثنتان وأربعون حلوبة ... سودًا كخافية الغراب الأسحم ثم سرد طرفا من أسباب هيامه فقال: إنها ملكت شغاف قلبه بفم جميل، أبيض الأسنان، طيب الرائحة، يفوح العطر من عوارضه: إذ تستبيك بذي غروب واضح ... عذب مقبله لذيذ المطعم وكأن فأرة تاجر بقسيمة ... سبقت عوارضها إليك من الفم ثم قارن بين حاله وحالها، فهي تعيش منعمة وهو يعيش محاربًا، وتمنى أن توصله إليها ناقة قوية لا تحمل ولا ترضع، وتضرب الآكام بأخفافها فتكسرها، وهي نشيطة سريعة لا ترد الماء كثيرًا، وكلما جرت ازدادت نشاطًا وسرعة، كأنما ربط بجنبها هر كبير الرأس يخدشها، وسال عرقها أسود كثيفًا: تمسي وتصبح فوق ظهر حشية ... وأبيت فوق سراة أدهم ملجم وحشيتي سرج على عبل الشوى ... نهد مراكله نبيل المحزم هل تبلغني دارها شدنية ... لعنت بمحروم الشراب مصرم خطارة غب السرى زيافة ... تطس الأكام بذات خف ميثم وكأنما أقص الأكام عشية ... بقريب بين المنسمين مصلم شربت بماء الدحرضين فأصبحت ... زوراء تنفر عن حياض الديلم وكأنما ينأى بجانب دفها الـ ... وحشي من هزج العشيّ مؤوم هر جنيب كلما عطفت له ... غضبى اتقاها باليدين وبالفم وكأن ربًّا أو كحيلًا معقدًا ... حش الوقود به جوانب قمقم ثم اتجه بالحديث إلى الحبيبة يسرد أخلاقه وسجاياه، قائلًا: إن ترخي قناع وجهك دوني، فإني خبير ماهر بمعاملة الفرسان اللابسين الدروع، وأنا كريم الخلق لين الجانب، إلا إذا ظلمت، فعند ذلك يكون ردي عنيفًا مرًّا، ثم قال لها: إني أستحق الثناء منك لأني سخي

стр. 382

إن تغدفي دوني القناع فإنني ... طب بأخذ الفارس المستلئم أثني علي بما علمت فإنني ... سهل مخالقتي إذا لم أظلم فإذا ظلمت فإن ظلمي باسل ... مر مذاقته كطعم العلقم وحليل غانية تركت مجدلا ... تمكو فريصته كشدق الأعلم سبقت يداي له بعاجل طعنة ... ورشاش نافذة كلون العندم هلا سألت الخيل يا ابنة مالك ... إن كنت جاهلة بما لم تعلمي يخبرك من شهد الوقيعة أنني ... أغشى الوغى وأعف عند المغنم ومدجج كره الكماة نزاله ... لا ممعن هربا ولا مستسلم جادت يداي له بعاجل طعنة ... بمثقف صدق الكعوب مقوم برحيبة الفرعين يهدي جرسها ... بالليل معتس الذئاب الضرم ومسك سابغة هتكت فروجها ... بالسيف عن حام الحقيقة معلم بطل كأن ثيابه في سرحة ... يحذى نعال السبت ليس بتوءم

стр. 383

عهدي به مد النهار كأنما ... خضب البنان ورأسه بالعظلم يا شاة ما قنص لمن حلت له ... حرمت عليَّ وليتها لم تحرم ثم استمر في حديثه عن نفسه، فذكر سلوكه في المعركة فقال: عند ساعة الخطر حينما يكشر الأبطال عن أنيابهم، ويشتد أوار المعركة ولا تسمع للأبطال إلا غمغمة في صدورهم بأصوات تسمعها ولا تفهمها وحينما يتحاشون الأسنة عن أنفسهم بتعريضهم إياي لها، فأتقدم وألتحم بصفوف الأعداء، وتتعالى النداءات وأصوات التحريض والإثارة ويخيم الموت تحت الألوية كنت أتقدم أكثر وأكثر، وأصوات الاستحسان لي تؤججني غيرة وحماسة فأتقدم وسط الرماح الطويلة التي تنهال من كل مكان وأدفع بحصاني أكثر وأكثر حتى صنع الدم له سربالًا، فالتفت إليّ حصاني، مسترحمًا، وانحدرت من عينه دمعة على خده، وأخرج من صدره صوتًا مقطعا ليس الصهيل، ولكن ما لقيته من التعب، وما حاق بي من السقم، لم يكن له أدنى أثر، فقد أذهبته عني صيحات الأبطال لي بالاستحسان والإعجاب: ولقد حفظت وصاة عمي بالضحى ... إذ تقلص الشفتان عن وضع الفم في حومة الموت التي لا تشتكي ... غمراتها الأبطال غير تغمغم إذ يتقون بي الأسنة لم أخم ... عنها ولكني تضايق مقدمي لما رأيت القوم أقبل جمعهم ... يتذامرون كررت غير مذمم يدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم ما زلت أرميهم بغرة وجهه ... ولبانه حتى تسربل بالدم فازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إليّ بعبرة وتحمحم لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ... ولكان لو علم الكلام مكلمي ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس ويك عنتر أقدم ثم ختم قصيدته بأنه يعرف كيف يسوس أمره، ويصرف شئونه، فعقله لا يغرب عنه، ورأيه محكم، وعزيمته صادقة ولا يخشى الموت إلا قبل أن يقتص من غريمه: ذلل ركابي، حيث شئت مشايعي ... لبى، وأحفزه بأمر مبرم ولقد خشيت بأن أموت ولم تكن ... للحرب دائرة على ابني ضمضم

стр. 384

الشاتمي عرضي ولم أشتمهما ... والناذرين إذا لم ألقهما دمي إن يفعلا فلقد تركت أباهما ... جزر السباع وكل نسر قشعم هذه هي معلقة عنترة، وواضح أنها تصوير للفروسية الحقة التي من أبرز سماتها: البطولة في كل المواقف وخصوصًا أوقات الشدة وميادين القتال، والشهامة مع الجميع وبخاصة المرأة وذلك بحمايتها والدفاع عنها، والمحافظة على شرفها وكرامتها حتى ولو كانت من الأعداء.

стр. 385

٦- معلقة عمرو بن كلثوم عدد أبياتها: ٩٦بيتًا فيما يلي: ٧: في الخمر. ٧: في الظعينة. ٥: في أثر الفراق. ٧٧: في الفخر القبلي. بدأ قصيدته بطلب الصبوح، جريًا على عادة الجاهليين، وتحدث عن نوعه وأثره، ثم وجه الكلام إلى الظعينة، فرجاها أن تقف قبل الفراق ليخبر كل منهما الآخر حقيقة ما عنده، عن وقت الخطر حين يشتد الطعن والضرب فتقر عيون المنتصرين، ثم سألها عن فراقها: أقطيعة أم خيانة؟: ألا هبي بصحنك فاصبحينا ... ولا تبقي خمور الأندرينا مشعشعة كأن الحص فيها ... إذا ما الماء خالطها سخينا قفي قبل التفرق يا ظعينا ... نخبرك اليقين وتخبرينا بيوم كريهة ضربا وطعنا ... أقر به مواليك العيونا قفي نسألك هل أحدثت صرما ... لوشك البين أم خنت الأمين ثم تحدث عن بعض أجزاء جسمها، فقال: إنها بيضاء في ريعان الشباب، نشأت في رحاب النعيم، طويلة القامة بضة الجسم، محصنة عفيفة لم يمسسها أحد، وذكر أن موكب الظعائن أثار صبابته، وكلما أسرع الحداة بالموكب فزاد البعد، اشتد حنينه، حتى فاق حنين ناقة ضل ولدها، وبلغت به اللوعة حدا أكثر من لوعة امرأة شمطاء فقدت أولادها التسعة: تريك إذا دخلت على خلاء ... وقد أمنت عيون الكاشحينا ذراعي عيطل أدماء بكر ... تربعت الأجارع والمتونا

стр. 386

وثديا مثل حق العاج رخصا ... حصانا من أكف اللامسينا تذكرت الصبا واشتقت لما ... رأيت حمولها أصلًا حدينا فما وجدت كوجدي أم سقب ... أضلته فرجعت الحنينا ولا شمطاء لم يترك شقاها ... لها من تسعة إلا جنينا ثم ختم حديثه في ذلك بأن قلبه قد تعلق بها، ولكن الأقدار تأتي ولا يدري ما يكون من أمرها، فالمستقبل مجهول ولا يعلم عنه أحد شيئًا، وكأن ذلك كان من ناحية استمالة لقلبها، ومن ناحية أخرى تمهيدًا للانتقال إلى ما سوف يجد من أحداث، وبخاصة ما يتسبب عن تطور الصلة بينه وبين عمرو بن هند الذي وجه إليه الحديث في البيت التالي مباشرة، فطالبه بالتريث والتمهل في تصرفاته إزاء قوم الشاعر، فهم القوم الذين سيخبره بحقيقتهم، ثم انبرى بعد ذلك يعرض أمجاد قومه في فخر قبلي طويل، فكان مما ذكر فيه: أن راياتهم يدخلون بها الحرب وهي بيضاء فيرجعون بها حمراء من دم الأعداء، وأيامهم مشهورة، طويلة على أعدائهم، وكم من ملك قهروه وقتلوه وأخذوا سلبه، ولم يجرؤ أحد على الاقتراب منهم، وميادين حروبهم شاسعة ويقتلون أعداءهم جماعات، حتى تمتلئ الأرض بجماجم الأبطال، وهم حماة الحمى والشرف والمدافعون عن الجيران والحلفاء في أوقات الشدة، يذودون عنهم الأعداء، ويحملون عنهم الأثقال، وهم قادة الناس، وأبطال الحروب شيوخًا وشبانًا. وإن غدًا وإن اليوم رهن ... وبعد غد بما لا تعلمينا أبا هند فلا تعجل علينا ... وأنظرنا نخبرك اليقينا بأنا نورد الرايات بيضًا ... ونصدرهن حمرًا قد روينا وأيام لنا غر طوال ... عصينا الملك فيها أن ندينا وسيد معشر قد توجوه ... بتاج الملك يحمي المحجرينا تركنا الخيل عاكفة عليه ... مقلدة أعنتها صفونا متى ننقل إلى قوم رحانا ... يكونوا في اللقاء لنا طحينا يكون ثفالها شرقي نجد ... ولهوتها قضاعة أجمعينا ورثنا المجد قد علمت معد ... نطاعن دونه حتى يبينا ونحن إذا عماد الحي خرت ... على الأحفاض نمنع من يلينا

стр. 387

ندافع عنهم الأعداء قدمًا ... ونحمل عنهم ما حملونا نطاعن ما تراخى الناس عنا ... ونضرب بالسيوف إذا غشينا بسمر من قنا الخطي لدن ... ذوابل أو ببيض يعتلينا نشق بها رءوس القوم شقًّا ... ونخليها الرقاب فيختلينا تخال جماجم الأبطال فيها ... وسوقًًا بالأماعز يرتمينا إذا ما عي بالأسناف حي ... من الهول المشبه أن يكونا نصبنا مثل رهوة ذات حد ... من الهول المشبه أن يكونا بفتيان يرون القتل مجدًا ... وشيب في الحروب مجربينا حديا الناس كلهم جميعًا ... مقارعة بنيهم عن بنينا فأما يوم خشيتنا عليهم ... فتصبح خيلنا عصبًا ثبينا وأما يوم لا نخشى عليهم ... فنمعن غارة متلببينا ثم وجه اللوم العنيف إلى عمرو بن هند لاستماعه للوشاة، وسلوكه مع قومه سلوكًا مزريًا، محاولا النيل من كرامتهم، أو الانتقاص من هيبتهم، وهنا يتهكم به الشاعر ومرة أخرى يطالبه بالتريث، ثم يصف إباء قومه وعزتهم، وعنادهم وصلابتهم، ويذكر عددًا من سادة قومه وعظمائهم، علقمة بن سيف "الذي أنزل بني تغلب الجزيرة" ومهلهل "جد عمرو بن كلثوم من قبل أمه وكان صاحب حرب وائل أربعين سنة"، وكليب "رئيس تغلب المشهور، وهو أخو المهلهل" وعتاب، وكلثوم "أبو الشاعر"، وزهير "جد عمرو بن كلثوم من قبل أبيه"، ويذكر الشاعر أن من يحاول المساس بقومه يدقون عنقه، فهم أقوى الناس، وأشدهم شكيمة، وفي الوقت ذاته أوفى الناس بالعهود: بأي مشيئة عمرو بن هند ... تطيع بنا الوشاة وتزدرينا بأي مشيئة عمرو بن هند ... نكون لقيلكم فيها قطينا تهددنا وتوعدنا رويدًا ... متى كنا لأمك مقتوينا فإن قناتنا يا عمرو أعيت ... على الأعداء قبلك أن تلينا إذا عض الثقاف بها اشمأزت ... وولتهم عشوزنة زبونا عشوزنة إذا انقلبت أرنت ... تشج قفا المثقف والجبينا

стр. 388

فهل حدثت في جشم بن بكر ... بنقص في خطوب الأولينا ورثنا مجد علقمة بن سيف ... أباح لنا حصون المجد دينا ورثت مهلهلًا والخير منه ... زهيرًا نعم ذخر الذاخرينا وعتابًا وكلثومًا جميعًا ... بهم نلنا تراث الأكرمينا ومنا قبله الساعي كليب ... فأي المجد إلا قد ولينا متى نعقد قرينتنا بحبل ... تجذ الحبل أو تقص القرينا ونوجد نحن أمنعهم ذمارًا ... وأوفاهم إذا عقدوا يمينا ثم ذكر طرفًًا من مواقفهم في الشدائد، فهم يصمدون وقت الخطر، وفي حرب خزازى، كانت تضحيتهم فوق تضحية الجميع، وهم الميمنة في الجيش، وبنو أعمامهم في الميسرة، ويعودون من حروبهم بملوك أعدائهم أسرى، في حين يرجع الآخرون بالنهاب والسبايا: ونحن الحابسون بذي أراطى ... تسف الجلة الخور الدرينا ونحن غداة أوقد في خزازى ... رفدنا فوق رفد الرافدينا وكنا الأيمنين إذا التقينا ... وكان الأيسرين بنو أبينا فصالوا صولة في من يليهم ... وصلنا صولة فيمن يلينا فآبوا بالنهاب وبالسبايا ... وأبنا بالملوك مصفدينا ثم انتقل إلى تحذير بني بكر خصومهم، ونبههم إلى معرفة حقيقة قومه قبل أن يقدموا على أي تصرف ضدهم، فهم أصحاب الكتائب الخبيرة بالطعن والرمي، المدججة بكل أنواع الأسلحة وبخاصة البيض والترس، والسيوف والدروع السابغة المحكمة التي تترك الصدأ على جلود الأبطال من طول لبسهم إياها، والخيل الكريمة التليدة الخالدة فيهم: إليكم يا بني بكر إليكم ... ألما تعرفوا منا اليقينا ألما تعلموا منا ومنكم ... كتائب يطَّعنَّ ويرتمينا علينا البيض واليلب اليماني ... وأسياف يقمن وينحنينا علينا كل سابغة دلاص ... ترى فوق النجاد لها غضونا إذا وضعت عن الأبطال يومًا ... رأيت لها جلود القوم جونا

стр. 389

وتحملنا غداة الروع جرد ... عرفن لنا نقائذ وافتلينا ورثناهن عن آباء صدق ... ونورثها إذا متنا بنينا ثم ذكر ما حدث منهم لبني الطماح، ودعمى "وهما حيان من إياد" حينما جاءوا لحربهم فأعجلهم قوم الشاعر بما يستحقون، وهنا استعمل أسلوبًا طريفًا حيث صورهم بالضيوف فقال: ألا أبلغ بني الطماح عنا ... ودعميًا فكيف وجدتمونا نزلتم منزل الأضياف منا ... فعجلنا القرى أن تشتمونا قريناكم فعجلنا قراكم ... قبيل الصبح مرداة طحونا ثم ذكر أن البطولة فيهم ليست مقصورة على الرجال، بل إن البطولة في نسائهم كذلك، فلهن دور عظيم في الحرب، فهن مع كرمهن وجمالهن وأصلهن وما هن فيه من ترف ورفاهية، وما كفلناه لهن من الحماية والرعاية والاهتمام، إذا دقت ساعة الخطر يمتلئن حمية وثورة، ويتوقدن حماسة وغيرة، ويقمن بإعداد ما يلزم الجيش من مؤن وذخائر، ويطالبن الجنود بالرجوع بأسلاب الأعداء وأسلحتهم، وبالأسرى في الأغلال، ونحن نؤمن إذا لم نحمهن فلا نستحق الحياة، ولا يحميهن إلا ضرب تتطاير منه سواعد الأعداء شظايا: على آثارنا بيض كرام ... نحاذر أن تفارق أو تهونا ظعائن من بني جشم بن بكر ... خلطن بميسم حسبا ودينا إذا ما رحن يمشين الهوينا ... كما اضطربت متون الشاربينا أخذن على بعولتهن عهدًا ... إذا لاقوا كتائب معلمينا ليستلبن أبدانا وبيضًا ... وأسرى في الحديد مقرنينا يقتن جيادنا ويقلن لستم ... بعولتنا إذا لم تمنعونا إذا لم نحمهن فلا بقينا ... لشيء بعدهن ولا حيينا وما منع الظعائن مثل ضرب ... ترى منه السواعد كالقلينا ثم استشاط حمية، ورفع قدر قومه فوق جميع الناس، وقال إن القبائل تعرف أن قومه الحماة في الشدائد، الكرام في القحط، الأوائل المقدمون في كل شيء، يدين لهم الجميع

стр. 390

بالولاء، وفيهم المقدرة والكفاية، وهم الأباة الصناديد، فلا يجرؤ أحد على المساس بكرامتهم وإلا كان جزاءه أنكى وأعنف، وأقر الجميع لهم بالإجلال والتعظيم، وفيهم الكثرة والقوة في البر والبحر: وقد علم القبائل من معد ... إذا قبب بأبطحها بنينا بأنا العاصمون بكل كحل ... وأنا الباذلون لمجتدينا وأنا المنعمون إذا قدرنا ... وأنا المهلكون إذا أتينا وأنا الشاربون الماء صفوًا ... ويشرب غيرنا كدرًا وطينا لنا الدنيا ومن أمسى عليها ... ونبطش حين نبطش قادرينا ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا إذا بلغ الفطام لنا صبي ... تخر له الجبابر ساجدينا ملأنا البر حتى ضاق عنا ... وظهر البرح نملؤه سفينا هذه معلقة عمرو بن كلثوم، وهي تصوير للقبيلة المثالية في العصر الجاهلي، وقد ألهبت العواطف فيها غريزة حب العظمة في النفس البشرية.
следующие страницы →