← Адаб

Адаб · id 12046

في تاريخ الأدب الجاهلي

علي الجندي

Полный текст (554 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وثديا مثل حق العاج رخصا ... حصانا من أكف اللامسينا تذكرت الصبا واشتقت لما ... رأيت حمولها أصلًا حدينا فما وجدت كوجدي أم سقب ... أضلته فرجعت الحنينا ولا شمطاء لم يترك شقاها ... لها من تسعة إلا جنينا ثم ختم حديثه في ذلك بأن قلبه قد تعلق بها، ولكن الأقدار تأتي ولا يدري ما يكون من أمرها، فالمستقبل مجهول ولا يعلم عنه أحد شيئًا، وكأن ذلك كان من ناحية استمالة لقلبها، ومن ناحية أخرى تمهيدًا للانتقال إلى ما سوف يجد من أحداث، وبخاصة ما يتسبب عن تطور الصلة بينه وبين عمرو بن هند الذي وجه إليه الحديث في البيت التالي مباشرة، فطالبه بالتريث والتمهل في تصرفاته إزاء قوم الشاعر، فهم القوم الذين سيخبره بحقيقتهم، ثم انبرى بعد ذلك يعرض أمجاد قومه في فخر قبلي طويل، فكان مما ذكر فيه: أن راياتهم يدخلون بها الحرب وهي بيضاء فيرجعون بها حمراء من دم الأعداء، وأيامهم مشهورة، طويلة على أعدائهم، وكم من ملك قهروه وقتلوه وأخذوا سلبه، ولم يجرؤ أحد على الاقتراب منهم، وميادين حروبهم شاسعة ويقتلون أعداءهم جماعات، حتى تمتلئ الأرض بجماجم الأبطال، وهم حماة الحمى والشرف والمدافعون عن الجيران والحلفاء في أوقات الشدة، يذودون عنهم الأعداء، ويحملون عنهم الأثقال، وهم قادة الناس، وأبطال الحروب شيوخًا وشبانًا. وإن غدًا وإن اليوم رهن ... وبعد غد بما لا تعلمينا أبا هند فلا تعجل علينا ... وأنظرنا نخبرك اليقينا بأنا نورد الرايات بيضًا ... ونصدرهن حمرًا قد روينا وأيام لنا غر طوال ... عصينا الملك فيها أن ندينا وسيد معشر قد توجوه ... بتاج الملك يحمي المحجرينا تركنا الخيل عاكفة عليه ... مقلدة أعنتها صفونا متى ننقل إلى قوم رحانا ... يكونوا في اللقاء لنا طحينا يكون ثفالها شرقي نجد ... ولهوتها قضاعة أجمعينا ورثنا المجد قد علمت معد ... نطاعن دونه حتى يبينا ونحن إذا عماد الحي خرت ... على الأحفاض نمنع من يلينا

стр. 387

ندافع عنهم الأعداء قدمًا ... ونحمل عنهم ما حملونا نطاعن ما تراخى الناس عنا ... ونضرب بالسيوف إذا غشينا بسمر من قنا الخطي لدن ... ذوابل أو ببيض يعتلينا نشق بها رءوس القوم شقًّا ... ونخليها الرقاب فيختلينا تخال جماجم الأبطال فيها ... وسوقًًا بالأماعز يرتمينا إذا ما عي بالأسناف حي ... من الهول المشبه أن يكونا نصبنا مثل رهوة ذات حد ... من الهول المشبه أن يكونا بفتيان يرون القتل مجدًا ... وشيب في الحروب مجربينا حديا الناس كلهم جميعًا ... مقارعة بنيهم عن بنينا فأما يوم خشيتنا عليهم ... فتصبح خيلنا عصبًا ثبينا وأما يوم لا نخشى عليهم ... فنمعن غارة متلببينا ثم وجه اللوم العنيف إلى عمرو بن هند لاستماعه للوشاة، وسلوكه مع قومه سلوكًا مزريًا، محاولا النيل من كرامتهم، أو الانتقاص من هيبتهم، وهنا يتهكم به الشاعر ومرة أخرى يطالبه بالتريث، ثم يصف إباء قومه وعزتهم، وعنادهم وصلابتهم، ويذكر عددًا من سادة قومه وعظمائهم، علقمة بن سيف "الذي أنزل بني تغلب الجزيرة" ومهلهل "جد عمرو بن كلثوم من قبل أمه وكان صاحب حرب وائل أربعين سنة"، وكليب "رئيس تغلب المشهور، وهو أخو المهلهل" وعتاب، وكلثوم "أبو الشاعر"، وزهير "جد عمرو بن كلثوم من قبل أبيه"، ويذكر الشاعر أن من يحاول المساس بقومه يدقون عنقه، فهم أقوى الناس، وأشدهم شكيمة، وفي الوقت ذاته أوفى الناس بالعهود: بأي مشيئة عمرو بن هند ... تطيع بنا الوشاة وتزدرينا بأي مشيئة عمرو بن هند ... نكون لقيلكم فيها قطينا تهددنا وتوعدنا رويدًا ... متى كنا لأمك مقتوينا فإن قناتنا يا عمرو أعيت ... على الأعداء قبلك أن تلينا إذا عض الثقاف بها اشمأزت ... وولتهم عشوزنة زبونا عشوزنة إذا انقلبت أرنت ... تشج قفا المثقف والجبينا

стр. 388

فهل حدثت في جشم بن بكر ... بنقص في خطوب الأولينا ورثنا مجد علقمة بن سيف ... أباح لنا حصون المجد دينا ورثت مهلهلًا والخير منه ... زهيرًا نعم ذخر الذاخرينا وعتابًا وكلثومًا جميعًا ... بهم نلنا تراث الأكرمينا ومنا قبله الساعي كليب ... فأي المجد إلا قد ولينا متى نعقد قرينتنا بحبل ... تجذ الحبل أو تقص القرينا ونوجد نحن أمنعهم ذمارًا ... وأوفاهم إذا عقدوا يمينا ثم ذكر طرفًًا من مواقفهم في الشدائد، فهم يصمدون وقت الخطر، وفي حرب خزازى، كانت تضحيتهم فوق تضحية الجميع، وهم الميمنة في الجيش، وبنو أعمامهم في الميسرة، ويعودون من حروبهم بملوك أعدائهم أسرى، في حين يرجع الآخرون بالنهاب والسبايا: ونحن الحابسون بذي أراطى ... تسف الجلة الخور الدرينا ونحن غداة أوقد في خزازى ... رفدنا فوق رفد الرافدينا وكنا الأيمنين إذا التقينا ... وكان الأيسرين بنو أبينا فصالوا صولة في من يليهم ... وصلنا صولة فيمن يلينا فآبوا بالنهاب وبالسبايا ... وأبنا بالملوك مصفدينا ثم انتقل إلى تحذير بني بكر خصومهم، ونبههم إلى معرفة حقيقة قومه قبل أن يقدموا على أي تصرف ضدهم، فهم أصحاب الكتائب الخبيرة بالطعن والرمي، المدججة بكل أنواع الأسلحة وبخاصة البيض والترس، والسيوف والدروع السابغة المحكمة التي تترك الصدأ على جلود الأبطال من طول لبسهم إياها، والخيل الكريمة التليدة الخالدة فيهم: إليكم يا بني بكر إليكم ... ألما تعرفوا منا اليقينا ألما تعلموا منا ومنكم ... كتائب يطَّعنَّ ويرتمينا علينا البيض واليلب اليماني ... وأسياف يقمن وينحنينا علينا كل سابغة دلاص ... ترى فوق النجاد لها غضونا إذا وضعت عن الأبطال يومًا ... رأيت لها جلود القوم جونا

стр. 389

وتحملنا غداة الروع جرد ... عرفن لنا نقائذ وافتلينا ورثناهن عن آباء صدق ... ونورثها إذا متنا بنينا ثم ذكر ما حدث منهم لبني الطماح، ودعمى "وهما حيان من إياد" حينما جاءوا لحربهم فأعجلهم قوم الشاعر بما يستحقون، وهنا استعمل أسلوبًا طريفًا حيث صورهم بالضيوف فقال: ألا أبلغ بني الطماح عنا ... ودعميًا فكيف وجدتمونا نزلتم منزل الأضياف منا ... فعجلنا القرى أن تشتمونا قريناكم فعجلنا قراكم ... قبيل الصبح مرداة طحونا ثم ذكر أن البطولة فيهم ليست مقصورة على الرجال، بل إن البطولة في نسائهم كذلك، فلهن دور عظيم في الحرب، فهن مع كرمهن وجمالهن وأصلهن وما هن فيه من ترف ورفاهية، وما كفلناه لهن من الحماية والرعاية والاهتمام، إذا دقت ساعة الخطر يمتلئن حمية وثورة، ويتوقدن حماسة وغيرة، ويقمن بإعداد ما يلزم الجيش من مؤن وذخائر، ويطالبن الجنود بالرجوع بأسلاب الأعداء وأسلحتهم، وبالأسرى في الأغلال، ونحن نؤمن إذا لم نحمهن فلا نستحق الحياة، ولا يحميهن إلا ضرب تتطاير منه سواعد الأعداء شظايا: على آثارنا بيض كرام ... نحاذر أن تفارق أو تهونا ظعائن من بني جشم بن بكر ... خلطن بميسم حسبا ودينا إذا ما رحن يمشين الهوينا ... كما اضطربت متون الشاربينا أخذن على بعولتهن عهدًا ... إذا لاقوا كتائب معلمينا ليستلبن أبدانا وبيضًا ... وأسرى في الحديد مقرنينا يقتن جيادنا ويقلن لستم ... بعولتنا إذا لم تمنعونا إذا لم نحمهن فلا بقينا ... لشيء بعدهن ولا حيينا وما منع الظعائن مثل ضرب ... ترى منه السواعد كالقلينا ثم استشاط حمية، ورفع قدر قومه فوق جميع الناس، وقال إن القبائل تعرف أن قومه الحماة في الشدائد، الكرام في القحط، الأوائل المقدمون في كل شيء، يدين لهم الجميع

стр. 390

بالولاء، وفيهم المقدرة والكفاية، وهم الأباة الصناديد، فلا يجرؤ أحد على المساس بكرامتهم وإلا كان جزاءه أنكى وأعنف، وأقر الجميع لهم بالإجلال والتعظيم، وفيهم الكثرة والقوة في البر والبحر: وقد علم القبائل من معد ... إذا قبب بأبطحها بنينا بأنا العاصمون بكل كحل ... وأنا الباذلون لمجتدينا وأنا المنعمون إذا قدرنا ... وأنا المهلكون إذا أتينا وأنا الشاربون الماء صفوًا ... ويشرب غيرنا كدرًا وطينا لنا الدنيا ومن أمسى عليها ... ونبطش حين نبطش قادرينا ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا إذا بلغ الفطام لنا صبي ... تخر له الجبابر ساجدينا ملأنا البر حتى ضاق عنا ... وظهر البرح نملؤه سفينا هذه معلقة عمرو بن كلثوم، وهي تصوير للقبيلة المثالية في العصر الجاهلي، وقد ألهبت العواطف فيها غريزة حب العظمة في النفس البشرية.

стр. 391

٧- معلقة الحارث بن حلزة عدد أبياتها: ٨٥ بيتًا، فيما يلي: ٩: في فراق الحبيبة. ٥: في الناقة. ٥١: في الكلام عن الأعداء. ٤: في مدح عمرو بن هند. ١٦: في الفخر القبلي. بدأ الحارث معلقته بأن الحبيبة أعلمته بفراقها، ومع أن هناك من الأشخاص من تمل إقامتهم، فإنها مهما طالت إقامتها فلن يملها، وقد أصبحت بعيدة، بينه وبينها ديار وقفار، بعد أن كان لهما ذكريات جميلة في مواضع كثيرة، وأنه كثيرًا ما تردد على هذه الأماكن فما كان يرى محبوبته في أي منها، فيبكي، ولكن ماذا كان يجدي البكاء، وكان آخر عهده بها نارًا أوقدتها من بعد شاسع -وهي مرتحلة- فأخذ ينظر إلى هذه النار، ولكنها كانت خافتة لبعدها عنه كثيرًا فلم يحس لها دفئًا: آذنتنا ببينها أسماء ... رب ثاوٍ يمل منه الثواء بعد عهد لها ببرقة شما ... ء فأدنى ديارها الخلصاء فالمحياة فالصفاح فأعلى ... ذي فتاق فعاذب فالوفاء أرى من عهدت فأبكي الـ ... يوم دلهًا، وما يرد البكاء؟ وبعينيك أوقدت هند النا ... ر أصيلًا تلوي بها العلياء أوقدتها بين العقيق فشخصيـ ... ن بعود كما يلوح الضياء فتنورت نارها من بعيد ... بخزاز هيهات منك الصلاء وزادت عليه الهموم، فاستعان عليها بناقة سريعة تجري جري نعامة ذات أولاد، لا تفارق الصحراء، وأفزعها الصيادون مساء، فانطلقت تعدو مثيرة غبارًا كثيفًا يتطاير في جنبات الصحراء:

стр. 392

غير أني قد أستعين على الهم ... إذا خف بالثوي النجاء بزفوف كأنها هقلة أمّ ... رئال دوية سقفاء آنست نبأة وأفرعها القنـ ... اص عصرًا وقد دنا الإمساء فترى خلفها من الرجع والوقـ ... ع منينًا كأنه أهباء وطراقًا من خلفهن طراق ... ساقطات تلوي بها الصحراء ثم قال: إنه بهذه الناقة يتلهى عن الهموم؛ لأن الهم قد يشل حركة الإنسان ويوقعه في حيرة، ويسد أمامه الطرق، وكأن ذلك كان مقدمة للحديث عن هم عنيف استولى عليه هو وقومه، فانبرى يعرضه بطريقة تبين شدة تأثرهم به، فقال: لقد جاءهم من بني تغلب أنباء وأمور خطيرة يتهمونهم بها، وهم بذلك يسيئون إلينا ويظلموننا لأنهم يحملوننا ذنب غيرنا ويكلفوننا ما لا نطيق، ويخلطون البريء بالمذنب، وقد دبروا مؤامرتهم بليل، وكانت لهم في الصباح جلبة ضوضاء، اختلط فيها الصياح بأصوات الخيل والإبل: أتلهى بها الهواجر إذ كل ... ابن هم بلية عمياء وأتانا عن الأراقم أنبا ... ء وخطب نعني به ونساء إن إخواننا الأراقم يغلو ... ن علينا، في قيلهم أحفاء يخلطون البرئ منا بذي الذنـ ... ب ولا ينفع الخليّ الخلاء أجمعوا أمرهم بليل فلما ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء من منادٍ ومن مجيب ومن تصـ ... هال خيل خلال ذاك رغاء ثم اتجه بالحديث إلى مثير الفتن والفساد بأن الباطل لا يبقى، وأن وشايته لن تفزعهم، فقال: كثيرًا ما وشى بنا الأعداء، فبقينا على بغضهم ترفعنا الحظوظ والعزة والمنعة، وأعمتهم الضغينة وغطت على بصائرهم، وكأنهم كانوا يرمون جبلًا من صخر، شامخ الطود، صعب المنال، ولا تؤثر فيه الأحداث: أيها الناطق المرقش عنا ... عند عمرو، وهل لذاك بقاء لا تخلنا على غراتك إنا ... قبل ما قد وشى بنا الأعداء فبقينا على الشناءة تنميـ ... نا جدود وعزة قعساء

стр. 393

قبل ما اليوم بيضت بعيون الـ ... ناس فيها تعيط وإباء وكأن المنون تردي بنا أر ... عن جونًا ينجاب عنه العماء مكفهرًا على الحوادث ما تر ... توه للدهر مؤيد صماء ثم وجه الحديث إلى خصوم قومه متحديًا، فقال: ابعثوا إلينا سفراءكم بأية خطة تريدون، وإن أثرتم ما كان بيننا من قتل وأسر فسوف يخزيكم، وإن استقصيتم الأمور فسيكون عارًا عليكم، وإن سكتم فسوف تغمض أعيننا على ما فيها من القذى منكم، وإن رفضتم ما تدعون إليه، فأنتم أدرى بعزتنا ومنعتنا: أيما خطة أردتم فأدو ... ها إلينا تمشي بها الأملاء إن نبشتم ما بين ملحة فالصا ... قب فيه الأموات والأحياء أو نقشتم فالنقش يجشمه النا ... س وفيه الصحاح والأبرياء أو سكتم عنا فكنا كمن أغـ ... مض عينًا في جفنها أقذاء أو منعتم ما تسألون فمن حد ... ثتموه له علينا العلاء ثم انطلق يعرض بعض أمجاد قومه سائلًا خصومه عن مدى علمهم بها، فقال: هل علمتم أننا -أيام شاعت الغارات وكثر النهب، وضج الناس صياحًا وعواءً- سقنا الإبل من البحرين إلى الإحساء وملنا على تميم فسبينا نساءهم، وكففنا عن قتالهم لدخول الأشهر الحرم، وبسبب قوتنا لم يكن للقوي الشديد أن يقيم في البلد السهل لما كان فيه الناس من الغارة والخوف، ولم ينفع الذليل الضعيف الهرب، ولم يحمِ اللاجئ قمة جبل ولا أرض وعر، فدان لنا جميع الناس بالطاعة والولاء حتى ملك المنذر بن ماء السماء وقد شهد بنفسه ما فعلنا في يوم الحبارين: هل علمتم أيام ينتهب النا ... س غوارًا، لكل حي عواء إذ رفعنا الجمال من سعف البح ... رين سيرًا حتى نهاها الحساء ثم ملنا إلى تميم فأحرمـ ... نا وفين بنات مر إماء لا يقيم العزيز بالبلد السهـ ... ل ولا ينفع الذليل النجاء ليس ينجي موائلًا من حذار ... رأس طود وحرة رجلاء

стр. 394

فملكنا بذلك الناس حتى ... ملك المنذر بن ماء السماء وهو الرب والشهيد على يو ... م الحيارين والبلاء بلاء وأعقب ذلك بأن نصح الخصوم بترك الطيش والحمق والتعامي عن الحق، فذكرهم بما بينهم من عهود ومواثيق ورهائن، منعًا للظلم والعدوان فالعهود تعقد دائمًا بشروط متفق عليها وتسري على الملتزمين بها سواء بسواء، ولا تنقضها الميول والأهواء: فاتركوا الطيخ والتعدي وإما ... تتعاشوا ففي التعاشي الداء واذكروا حلف ذي المجاز وما قد ... م فيه العهود والكفلاء حذر الجور والتعدي ولن ينـ ... قض ما في المهارق الأهواء واعلموا أننا وإياكم فيـ ... ما اشترطنا يوم احتلفنا سواء ويبدو أن الغضب قد تملكه من سلوك خصومه، فشرع يسرد بعض مخازيهم تعييرًا لهم وتحقيرًا لشأنهم، بأسلوب استفهام في سخرية لاذعة، قائلًا: إذا كانت كندة قد غزت تغلب وقتلت منهم وسبت، فهل يغنمون هم، وندفع نحن الجزاء؟ هل علينا في العهود التي بيننا أن تأخذونا بذنوب حنيفة وما فعلت بكم لصوص محارب؟ هل علينا جنايات بني عتيق؟ وإنا لنبرأ من كل غادر، وهل علينا جريرة العباد فنحمل نحن الأعباء؟ وهل علينا إثم ما فعلت بكم قضاعة؟ وهل علينا ذنب إياد كما أخذ طسم بذنب أخيه جديس؟ أعلينا جناح كندة أن يغـ ... نم غازيهمُ ومنا الجزاء أم علينا جرى حنيفة أو ما ... جمعت من محارب غبراء أم جنايا بني عتيق فمن يغـ ... در فإنا من حربهم برآء أم علينا جرى العباد كما نيـ ... ط بجوز المحمل الأعباء أم علينا جرى قضاعة أو ليـ ... س علينا فيما جنوا أنداء أم علينا جرى إياد كما قيـ ... ل لطسم أخوكم الأباء واستمر الحارث في تعييره القاسي لبني تغلب، فذكر أسماء أشخاص من التغلبيين ضربوا بالسيف ولم يؤخذ بثأرهم، وقال لهم: إن سلوكهم نحو قومي فيه تعنت ظاهر ورمي بالتهم بدون حق، ووضع الأمور في غير موضعها الصحيح، وعيرهم بما حدث من تميم نحوهم

стр. 395

حيث جاء ثمانون من تميم وقتلوا من بني رزاح التغلبيين، وأخذوا أموالًا كثيرة فحاول هؤلاء استرجاع ما أخذ فلم يفلحوا في شيء فرجعوا أذلاء خائبين، والغل يأكل صدورهم، ولكن الغل لا يبرده الماء، ثم بما حدث من الغلاق وخيله إذ قتلوا من التغلبيين وسبوا في غير لين ولا رحمة وقد نسي القتلى وذهبوا أدراج الرياح، ثم قال الحارث: ومثل ذلك حدث من عمرو بن هند مع التغلبيين حينما حاولوا عصيانه بعد أن قتل عمرو ملك الغسانيين وأخذ بنته ميسون في قبة لها وتجمع تحت رايته جموع كثيرة، فقال التغلبيون: "من عمرو ومن معه؟ إنما معه قراضبة "صعاليك، فقراء، لصوص"، قد جمعوا له من كل مكان لقتالنا، فليتنا قد لقيناهم، فيعلم عمرو غدًا كيف نحن وهو"، ثم استمر الحارث فقال للتغلبيين: فتحققت أمنيتكم التي كلها بطر، وما أتوكم على غرة، لكن ظاهرين، حين ارتفع النهار وانتشر السراب فكان ما حاق بكم من قتل وسبي: ليس منا المضربون ولا قي ... س ولا جندل ولا الحداء غننًا باطلًا كما تعـ ... تر عن حجرة الربيض الظباء وثمانون من تميم بأيديـ ... هم رماح صدورهن القضاء لم يخلوا بني رزاح ببرقا ... ءَ نَطَاعٍ لهم عليهم دعاء تركوهم ملحبين وآبوا ... بنهاب يصم منه الحداء ثم جاءوا يسترجعون فلم تر ... جع لهم شامة ولا زهراء ثم فاءوا منهم بقاصمة الظهـ ... ر ولا يبرد الغليل الماء ثم خيل من بعد ذاك مع الغلا ... ق، لا رأفة ولا إبقاء ما أصابوا من تغلبي فمطلو ... ل عليه إذا تولى العفاء كتكاليف قومنا إذ غزا المنـ ... ذر، هل نحن لابن هند رعاء إذ أحل العلاة قبة ميسو ... ن فأدنى ديارها العوصاء فتأوت لهم قراضبة من ... كل حي كأنهم ألقاء فهداهم بالأسودين وأمر اللـ ... هـ بلغ يشقى به الأشقياء إذ تمنونهم غرورًا فساقتـ ... هم إليكم أمنية أشراء لم يغروكم غرورًا ولكن ... يرفع الآل جمعهم والضحاء

стр. 396

ثم خاطب الشاعر من يسعى بينهم وبين عمرو بن هند بالنميمة وطالبه بالإقلاع عن وشايته، وكان ذلك تمهيدًا لمدح عمرو، فقال عنه إنه ملك عادل، وهو أكمل الناس عقلًا ورأيًا، ولا يفي بحقه ثناء، وملكه وطيد، ومجده عظيم، ومفاخره مشهورة: أيها الشانئ المبلغ عنا ... عند عمرو، وهل لذاك انتهاء إن عمرًا لنا لديه خلال ... غير شك في كلهن البلاء ملك مقسط وأكمل من يمـ ... ـشي ومن دون ما لديه الثناء أرميّ بمثله جالت الجـ ... ـن فأبت لخصمها الإجلاء واستمر الحارث فذكر أن لقومه ثلاثة مواقف تثبت ولاءهم لعمرو بن هند، وهي: أولًا: حينما جاء قيس بن معد يكرب على رأس جيش للإغارة على إبل عمرو بن هند فردتهم بنو يشكر، وقتلوا فيهم. ثانيًا: حين غزا الكندي امرؤ القيس أبا المنذر بن ماء السماء بجمع كثير من كندة، فخرجت بكر مع امرئ القيس وهزموهم شر هزيمة. ثالثًا: عندما أغارت بكر بن وائل مع عمرو بن هند على الغسانيين لاستنفاد امرئ القيس ابن المنذر بن ماء السماء أخي عمرو بن هند لأبيه، فقتلوا ملك غسان، واستنفدوا امرأ القيس، وأخذ عمرو بن هند ابنة ذلك الملك، وهي ميسون. ثم قال الحارث بن حلزة: إن عمرو بن هند قريب لهم؛ وذلك لأن هند أمه بنت عمرو بن حجر آكل المرار، وعمرو بن حجر هذا كانت أمه هي أم أناس بنت ذهل بن شيبان بن ثعلبة، فأم أناس هذه جدة أم عمرو بن هند، وهي من قوم الحارث بن حلزة، وذلك دليل مكانتهم العظيمة؛ لأن الملوك يرونهم أهلًا لمصاهرتهم، ثم ختم الحارث كلامه بأن هذه القرابة من عمرو بن هند تجعلنا ناصحين مخلصين له: من له عندنا من الخير آيا ... ت ثلاث في كلهن القضاء آية شارق الشقيقة إذ جا ... ءوا جميعًا لكل حي لواء حول قيس مستلئمين بكبش ... قرظي كأنه عبلاء

стр. 397

فجبهناهم بضرب كما يخـ ... رج من خربة المزاد الماء وحملناهم على حزن ثهلا ... ن شلالا ودمي الأنساء وفعلنا بهم كما علم اللـ ... ـه وما إن للخائنين دماء ثم حجرًا أعني ابن أم قطام ... وله فارسية خضراء أسد في اللقاء ورد هموس ... وربيع إن شنعت غبراء فرددناهم بطعن كما تنهـ ... ـز عن جمة الطوي الدلاء وفككنا غل امرئ القيس عنه ... بعدما طال حبسه والعناء وأقدناه رب غسان بالمنـ ... ذر كرهًا إذ لا تكال الدماء وولدنا عمرو بن أم أناس ... من قريب لما أتانا الحباء مثلها يخرج النصيحة للقو ... م فلاة من دونها أفلاء وبهذا تنتهي معلقة الحارث بن حلزة، وهي كما نرى تصوير لشعور مغيظ محنق، ينفس عن غضب يقطع نياط قلبه، وثورة تتأجج في صدره، ليرد كيد المعتدي في نحره، في تقريع عنيف، وتهكم مرير، وسخرية قاتلة، ويثأر لكرامته ويصون شرفه.

стр. 398

التعليق على تحليل المعلقات: هذا عرض تحليلي للمعلقات السبع، ومنه يتبين أن كل معلقة تحتوي على أفكار متعددة، ولكن الشاعر كان يحاول أن يجعل أفكاره في قصيدته متسلسلة، تسلسلًا طبيعيًّا، والروابط بين الأفكار واضحة في جميع المعلقات إلا في معلقة امرئ القيس فإنها تحتاج في تبينها إلى قليل من التأمل: ففي معلقة امرئ القيس نجد أن الشاعر بدأها بالوقوف على الأطلال، ووصف ما آلت إليه الديار فجره ذلك إلى الحديث عن سبب ذلك وهو ترك الحبيبة لها، فتحدث عن موكب الارتحال، وأثر ذلك في نفسه، فعاد به ذلك إلى تذكر ما كان من مواقف مع الحبيبة وسبب تأثيرها عليه، وهو جمالها فوصفها، فأثار ذلك كله الهموم التي أقضت مضجعه في الليل، فوصف ما يعانيه المهموم الحزين من الليل، وحتى إذا أصبح فلن يسرّى عنه الهم ما دام في جو الذكريات، وحينئذ ليس أمامه إلا أن يترك هذا المكان بأسرع ما يستطيع فيخرج مبكرًا في

стр. 399

رحلة صيد ممتعة يعجبه فيها كل شيء، فيصف الحصان ومنظر البقر الوحشي، ومعركة الصيد، وكيف كانت نهايتها حلوة يتناول ما لذ وطاب من ألوان اللحوم، وفي إحدى روحاته أو غدواته تغير الجو وتلبدت السماء بالغيوم، ونزل المطر، فسالت الأودية والروابي، وعم الخير وعبق العطر، فانتشى الطير، وازينت الأرض فاكتست حللًا جميلة، متنوعة الأشكال والألوان، فالروابط في المعلقة تكاد تكون خفية تحتاج إلى تأمل. أما في معلقة طرفة فالصلة بين الأفكار واضحة إذ كان الشاعر ينتقل من جزئية إلى أخرى بتمهيد صريح: فقد بدأ بالأطلال والوقوف عليها، فجره ذلك إلى موكب الارتحال، ووصف من كان يحب في هذا الموكب. فعلاه الهم فلم يجد وسيلة لتسليته خيرًا من ناقته القوية السريعة، فيصفها وصفًا بديعًا، مبينًا قوتها وسرعتها وطعامها والعناية بها، ثم نسب إليها أنها هي التي تساعده على القيام بالأمور الخطيرة والأعمال الجليلة، فكان ذلك مدخلًا لطيفًا للحديث عن نفسه، فانطلق في فخر شخصي، وكأنما أحس أنه بما نسبه لنفسه من صفات وأمجاد محبوب من جميع الناس وموضع احترامهم؛ ولذلك تعجب من سلوك ابن عمه معه الذي كله تعنت وعناد وظلم، وقارن بين شعور كل منهما تجاه الآخر فكان ذلك مدعاة للحديث عن نفسه مرة أخرى في فخر شخصي آخر، وفي أثناء حديثه عن سلوكه وأحواله يتخلل كلامه بعض الحكم التي ساقها لمناسبات اقتضتها، فالروابط بين أجزاء معلقة طرفة واضحة صريحة. وأما زهير فقد بدأ معلقته بالحديث عن ديار الحبيبة وما آلت إليه، فجره ذلك أيضا إلى الحديث عن موكب الارتحال، والعلاقة بين هذين واضحة، ثم انتقل إلى الحديث عن الساعين في الصلح بين المتحاربين، وهذا اقتضاه أن يتحدث إلى المتحاربين لتبصيرهم بمغبة الاندفاع وراء الأهواء، وما ينتج عن الحروب من المحن والآلام، وساق في النهاية حكمًا تدعم ما يتحدث فيه ليتم مشروع الصلح بنجاح، والصلة وثيقة بين الديار وموكب الارتحال، وهي كذلك وثيقة بين الحديث عن الساعين في الصلح والحديث إلى المتحاربين، وقد يبدو أن هناك فجوة في الانتقال من موكب الارتحال إلى مدح الساعين في الصلح، ولكن إذا تأملنا نفسية الشاعر فسوف نجد أن الشاعر قد ألف قصيدته وهو تحت سيطرة الانفعال بحب الأمن والسلام، فكلما تحقق ذلك رضي به واطمأن، وهذا الرباط النفسي وجد في جميع جزئيات القصيدة، فحينما تحدث عن الأطلال وما آلت إليه بعد هجرالحبيبة عنها منذ عشرين سنة وتكاثرت فيها الظباء والبقر والنعام، وظهر عليهن جميعًا الأمن والراحة والاستقرار، سره

стр. 400

ذلك، فرضي به، ودعا للربع في النهاية بالنعيم والسلام، وكذلك حينما تحدث عن موكب الارتحال، ومن كن فيه، وما ظهر عليه من مظاهر الترف والنعيم، وصل بهن إلى منزل طيب جميل نزلن فيه نزول المقيم الآمن الهادئ، فكان منظرًا أنيقًا، أقر عينه وأثلج فؤاده وأرضاه، ولذلك لم نره يسفح دمعة واحدة لا عند الأطلال ولا في أثر الارتحال، وإذا كان ذلك أثار إعجابه وسروره، فلا شك أن من يضحي في سبيل السلام أشد إثارة للإعجاب والسرور، ويستحق المدح والثناء فانتقل إلى الإشادة به، ففكرة الأمن والاستقرار والسلام هي التي سيطرت على الشاعر، فكانت الرباط الوثيق بين جزئيات القصيدة من أولها إلى آخرها. وأما لبيد فقد بدأ بالحديث عن ديار الحبيبة التي هجرتها من سنين، وتعاورتها الرياح والأمطار فتخربت، وسكنتها الوحوش، ووقف يسألها، ولكنه تعجب من سؤال أصم لا يبين، وجره ذلك إلى الحديث عن الأظعان وابتعادهن، وانقطاع الصلة بينه وبين من كان يحب، وتعجب كذلك من تأثره بفراق من قطع الصلة، وجزاؤه قطع الصلة بالابتعاد عنه على ناقة قوية سريعة، صور سرعتها بسرعة أتان حامل يطاردها حمار عنيف، كلفها عناء ومشقة شديدين، فكانت تولي هاربة منه بسرعة فائقة وكذلك صور سرعة ناقته بسرعة بقرة وحشية حزينة طاردها الصيادون وكلابهم، فانطلقت فزعة بسرعة شديدة لتنجو بحياتها، ثم قال: إن هذه الناقة هي التي تجعله يقوم بجميع ما عليه من واجبات والتزامات، فكان ذلك تمهيدًا للبدء في فخر شخصي انتقل منه إلى فخر قبلي بأنه من قوم شأنهم كيت وكيت، فالترابط واضح في المعلقة من أولها إلى آخرها. وأما عنترة فقد بدأ بالديار وتحيتها والدعاء لها بالخير لأن حب من سكنها تمكن من قلبه بالرغم من عدواته لقومها، وبعدها عنه، وتمنى أن توصله إليها ناقة قوية شديدة أخذ في وصفها، وكأنه يتخيل أنه وصل فوجدها محجبة دونه، فقال: إنه خبير بتمزيق دروع الأبطال، وانطلق يحكي صفاته وأخلاقه وسلوكه، وأخذ يضرب أمثلة لشهامته ومروءته بما يثبت أنه بطل كريم، ذو مروءة وأخلاق، فهي قصيدة محبوكة تتسلسل فيها الأفكار في تتابع مرتب منسق. وأما عمرو بن كلثوم فقد بدأ بطلب الصبوح، ثم أعقبه بالحديث عن الظعينة، وسألها عن سبب الارتحال، وما وراءه بالنسبة للصلة بينهما، ثم عقب على ذلك بأن المستقبل غيب، لا يعلم عنه المرء شيئًا، فكأنه بذلك كان يريد أن يعرف حقيقة شعورها نحوه من ناحية، ويترقب ما يجيء به المستقبل من أحداث من ناحية أخرى، وخصوصًا مما يتصل بعمرو بن هند الذي

стр. 401

يبدو أنه حدث بينهما ما لم يكن مرغوبًا فيه، فوجه إليه الحديث في غضب وثورة مهددًا ومتوعدًا، بدأه بنصحه في تهكم بالتريث؛ ليعرف حقيقة قوم الشاعر، ثم أخذ عمرو يعرض مفاخر قومه وأمجادهم وعزتهم وإباءهم وأسلافهم السابقين من ذوي الشهرة والحسب، ثم وجه الحديث إلى بني بكر خصوم قومه محذرًا، واستمر في فخره القبلي إلى آخر القصيدة. وأما الحارث بن حلزة فقد بدأ بأن الحبيبة أعلمته بالارتحال، وأنها أصبحت بعيدة عنه، ولن يجديه البكاء شيئًا، فتسلى بناقته التي يسلى بها الهموم، ولكن يبدو أن همًّا ثقيلًا عنيفًا قد استحوذ عليه، فأثار حفيظته، فانطلق ينفس عن ثورته، فقد أسيء إلى قومه ظلمًا وعدوانًا، ووشى الوشاة ضدهم بالنميمة حقدًا وضغنًا، وأخذ يعرض أمجاد قومه، ثم انتقل إلى تحقير خصومهم، فسرد مخازيهم، وما حاق بهم من الهوان في تهكم وسخرية، ثم ذكر مواقف معينة عظيمة لقومه تدل على علو شأنهم. من هذا ترى أن الوحدة الموضوعية متحققة في كل المعلقات، فكان الشاعر ينتقل من جزئية إلى أخرى لمناسبة تقتضيها، وبمجرد أن يبدأ تتوالى عليه الأفكار، فيسير في عرضها متتابعة حتى ينتهي مما يريد.

стр. 402

الشعور العام في المعلقات: في كل معلقة شعور عام يسيطر عليها من أولها إلى آخرها: فمعلقة امرئ القيس تصوير لنفسية شاب يعشق الجمال فيقبل على الحياة، باحثًا عن نواحي الجمال فيها، ويحاول بكل ما يستطيع أن يستمتع بكل مظهر من مظاهر الجمال، ويؤلمه أن يعترضه ما يعكر صفو حياته، أو يقلل من سروره ومتعته، حتى ولو كان من مظاهر الفطرة التي لا دخل للإنسان فيها فيحاول التخلص منه، ويبحث عن المتعة والسرور في كل اتجاه. ومعلقة طرفة يسرد فيها شعور الطموح وحب الظهور، فالأطلال تلمع فهي ظاهرة واضحة، وموكب الارتحال ضخم عظيم، والحبيبة من طبقة مترفة تتحلى بالجواهر الثمينة، ووجهها يشع نورًا ودفئًا وحياة، وناقته ضخمة عظيمة، وشخصيته ذائعة الشهرة والصيت. وفي معلقة زهير، يشيع نقاء السريرة وحب الخير، فهي تصوير لنفسية رجل حلب الدهر أشطره، فعرف خيره وشره، وحلوه ومره، وثبت لديه أن الحياة لا قيمة لها بدون سلام. فجدير بالعاقل أن يبحث عنه، ويتمسك به، ويدعو به، حتى للجماد.

стр. 403

وفي معلقة لبيد، نرى الرغبة في الوصول إلى الأهداف والغايات على أساس الحقيقة والواقع لا جريًا وراء الأوهام، ولا تعلقًا بالأماني والأحلام البعيدة المنال، مع اتخاذ الحيطة والحذر، ومعالجة الأمور بالعقل والتدبر، فالأطلال قد درست، والمكان تبدل بأنسه وبهجته الوحوش والوحشية، وأصبحت الأطلال لا خير له فيها، فلا جدوى من الوقوف بها والاستخبار عن أهلها، وكان ارتحال الحبيبة مثيرًا للشوق، ولكن ما فائدة تذكرها وقد بعدت وقطعت الصلة، فخير ما يجب أن يقطع صلة من قطعه، فالجزاء من جنس العمل، وليترك المكان بالسفر على ناقة دائمة النشاط والسرعة، مهما بلغ منها الإعياء، في سبيل الوصول إلى الغاية المنشودة، ولتكن في جريها كأتان حامل تهرب من حمار يطاردها بعنف فتجري، وتسلك مسالك وعرة، وتتحمل ما تتحمل من العناء والتعب في سبيل المحافظة على سلامتها وسلامة جنينها، أو لتكن الناقة في جريها كبقرة وحشية حزينة غفلت عن ولدها فافترسته الذئاب، وفاجأها الصيادون فولت هاربة في عنف وسرعة فائقة، حتى إذا أحست الخطر دخلت معركة عنيفة مع أعدائها فصرعتهم ونجت بحياتها، وناقته التي تلك سرعتها تعينه على إبعاد ما ينغص حياته أو يسبب اللوم أو المؤاخدة؛ لأنه هو وقومه يعرفون قيمة الحياة الكريمة، فيحافظون على ما يحمي شرفهم ويعلي مكانتهم مهما كلفهم من مشقات وتضحيات، فالكل يكافح ويقاسي في سبيل حب البقاء. أما معلقة عنترة ففيها الشهامة بمثلها العليا ومبادئها النبيلة، فيها الوفاء بالعهد للديار وإن أصبحت أطلالًا، فلها التحية والمهابة والاحترام، والوفاء بالعهد لمن سكنتها وإن باعدت بينهما الظروف، فلها كل محبة واحترام، وهو يدخل الحروب ويجابه الأخطار لأغراض سامية، لا طمعًا في كسب، ولا جريًا وراء نزوة، فيقاتل وينتصر فيتعفف عن الغنائم ولا ينظر إليها، ويقتل حليل الغانية الصنديد ولا يمسها بسوء، ويحافظ على شرف المرأة ولو كانت من الأعداء، ويدعو لحبيبته ألا تكون لأحد إلا عن طريق الحلال، وأمنيته أن تكون هي الحلال له، ويعرض بطولاته وأمجاده أمام حبيبته، ليؤكد لها أنه قادر على حمايتها والمحافظة عليها معززة مكرمة في وقت كانت النساء فيه نهبًا لمن استطاع أخذهن بالقوة حيث لا قانون إلا القهر والغلبة، وهو في أوقات الشدة وساعات الخطر محط الآمال وموطن الرجاء، وموضع الثناء والإعجاب. ومعلقة عمرو بن كلثوم، تصور الرغبة في التعالي وحب العظمة في النفس البشرية، لا في

стр. 404

فرد واحد، ولكن في مجموعة، فهي تتغنى بصفات القبيلة المثالية تجاوبًا مع التيار العام السائد في العصر الجاهلي، حيث لا أمان إلا بالقوة والإرهاب، فما هي إلا ذكر المفاخر والأمجاد، وحديث عن الأصل والحسب والشرف والقوة والعزة والصلابة والعناد في هذه القبيلة. وقد انطلق الشاعر في كلامه بقوة وحماسة وحمية تجعل كلا من القارئ والسامع تنتفخ أوداجه، ويشمخ برأسه ويتطاول إلى السماء، كأنما يتمنى أن يكون واحدًا من هؤلاء الموصوفين: عزة وإباءً، وكثرة في البر، ورهبة في البحر. أما معلقة الحارث بن حلزة فيسيطر الغضب فيها؛ فقد امتلأت جوانح الشاعر غيظًا ألهب عواطفه، فثار ثورة عنيفة، فانطلق يروي ويروي مفصلًا ومبينًا حتى لتحس كأنما يهدد، ويرغي، ويزبد، ويتطاير منه الحمم كبركان ثائر يقذف بالجمر: فضح الخصوم وعدد مخازيهم، وسرد معايبهم في عرض قوي مثير، وأشاد بقومه في لباقة تثير العجب، وتجلى ذكاء الحارث، وعبقريته الفنية في مزجه مدح عمرو بن هند بذمه الأعداء وبفخره بقومه. وأعتقد أن من أسباب خلود المعلقات، أن كلا منها تشبع غريزة من غرائز النفس البشرية، فهناك حب الجمال في معلقة امرئ القيس، والطموح وحب الظهور في معلقة طرفة، والرغبة في الأمن والاطمئنان في معلقة زهير، وحب البقاء والكفاح في سبيل الحياة في معلقة لبيد، والإعجاب بالشهامة والمروءة في معلقة عنترة، وحب التعالي والعظمة في معلقة عمرو بن كلثوم، والغضب للشرف والكرامة في معلقة الحارث بن حلزة.

стр. 405

بدء المعلقات: كلها تبدأ بالحديث عن الأطلال وموكب الارتحال إلا معلقة عمرو بن كلثوم، فقد استبدل بالأطلال طلب الصبوح، كأنما يريد أن يغيب عن وعيه فلا يرى ارتحال الظعينة ولا يحس ألم الفراق، والحديث عن الأطلال، والارتحال، من أشد مثيرات الوجدان، فالمكان يترك أثرًا عميقًا في الإنسان والارتحال يفرق بين قلبين إلى مدى لا يدرى كلاهما عقباه، وساكن المكان يشتد حنينه إليه بعد تركه، فإذا مر به اعتراه شعور غريب، وملأه إحساس عجيب، وقد يجد نفسه مدفوعًا إلى الوقوف به أو محاولة الدخول فيه، ومعرفة ما آل إليه، والمكان يعيد لصاحبه ما كان له فيه من ذكريات فينتابه الحنين ويعتريه الأسى، ولا شك أن التأثر يكون

стр. 406

أكثر وأقوى إذا كان للإنسان في هذا المكان ذكريات حلوة جميلة لا أمل في استرجاعها، وبقدر ما فقد المرء من المتعة تكون درجة التأثر عمقًا وشدة، وحينئذ لا غرابة أحيانًا إن سيطر الحزن على الإنسان، أو عصرته اللوعة، أو ملأه الهم والغم، ولا عجب إن حاول التفريج عن نفسه بالبكاء، فلعل الدموع تطفئ نار الوجد، أو تقلل من ثقل الحزن، لهذا أعتقد أن الشعراء الجاهليين كانوا صادقين في تصوير انفعالاتهم بآثار الديار وموكب الارتحال، فذلك تعبير عن مشاعر حقيقة للنفس البشرية في هذه المواقف، ولا شك أن الشاعر في هذه الأحوال يكون في أوج التهيج والانفعال، ومن ثم فليس عجيبًا إن تواردت الخواطر وتتابعت الأفكار وجاء الفيض الشعري الذي نراه في المطولات. وأصحاب المعلقات الذين بدءوها بالأطلال ومواطن الارتحال، إن اتفقوا في الفكرة فقد اختلفوا في الصورة، فقد لمس كل منهم الفكرة من زاوية خاصة، وعرضها بصورة خاصة، ومن يتأمل هذه المطالع فسيتضح له أن كلا منهم كان يحاول أن يجعل الافتتاحية ملائمة للشعور العام الذي يسيطر عليه في القصيدة كلها. ففي معلقة امرئ القيس، أطلال لديار عفت وسكنتها الآرام، وظعائن تسير، والشاعر يقف باكيًا حزينًا، وفي معلقة طرفة أطلال تكاد آثارها لا ترى والشاعر واقف بها في أسى ولوعة، والظعائن تسير في موكب ضخم عظيم تشق الوديان في سرعة ونشاط، وعند زهير أطلال أصبحت مواطن أمن واستقرار للبقر والظباء وأولادها فيحييها ويدعو لها بالخير. وظعائن مترفات منعمات يصلن إلى مكان أمين مريح، وعند لبيد ديار تخربت وأصبحت مرعى لقطعان الماشية فلا أمل له منها يرتجى، وظعائن فارقن وقطعن الصلة، أما عنترة فديار حبيبته لها واجب التحية والوفاء، والحبيبة وإن بعدت فلها كل محبة وإكرام، وظعينة عمرو بن كلثوم يسألها عن حقيقة شعورها نحوه: قطيعة أم خيانة للعهد، أما الحارث بن حلزة فقد أعلمته الحبيبة بالرحيل، وقد خلت الديار منها فلا جدوى من البكاء عندها، وذلك يوضح أن الشاعر وإن اتفق مع غيره في الفكرة فإن جانب الانفعال لديه كان يختلف، من هنا تأتي الصورة متغايرة. ومن ناحية مناسبة البدء لفحوى القصيدة، نجد ذلك متحققًا، مما يدل على أن الشاعر كان ذكيًّا دقيق الإحساس، فمعلقة امرئ القيس لوحات لبعض مظاهر الجمال في الطبيعة والإنسان، وافتتاحيتها حسرة وألم لما فاته من متعة بالجمال، ومعلقة طرفة تصوير للطموح.

стр. 407

وحب العظمة، والأطلال فيها وإن قاربت أن تطمس، فإنها تلمع وتبرق، وموكب الحبيبة ضخم عظيم، وفي معلقة زهير روح الأمن والسلام، ومقدمتها أطلال أصبحت مأوى البقر والظباء تعيش فيها آمنة مستقرة فيرضيه هذا ويدعو للربع بالنعيم والسلام، وظعائن تسير حتى تصل إلى مكان الراحة والاطمئنان فيدخل منظرهن في نفسه البهجة والسرور، ومعلقة لبيد رمز للكفاح ومحاولة التصرف مع الواقع بما يناسبه بدون تشبث بالأوهام والخيالات، وأطلاله أصبحت لا جدوى منها فلا ينبغي أن يعيش في الأحلام، والحبيبة قد بعدت وقطعت الصلة، فليعاملها بالمثل، أما عنترة فيصور الشهامة ومن أهم مبادئها الوفاء بالعهد وحماية المرأة وصون شرفها، فالطلل وإن أقوى وأقفر فله التحية، وهي وإن بعدت فهو باقٍ على عهدها قد تمكن حبها في قلبه منذ أن رآها عرضًا، ومع بعدها وعداوة قومها له، فسيظل أمينًا مخلصًا لها. وأما عمرو بن كلثوم فيصور في معلقته التعالي وحب العظمة، وبدؤه تحقق فيه ذلك، فهو يطلب الصبوح، ويأبى إلا أن يكون من أجود الأنواع، ولا يحب أن يكون فراق الظعينة لقطيعة أو خيانة للعهد، وإلا كان له في ذلك شأن، وأما الحارث بن حلزة فهو في معلقته غضوب ثائر لكرامته، يحب الصراحة، ويحارب التآمر في الخفاء، فكذلك كان بدؤه فصارحته الحبيبة بالرحيل، وبعدت عنه فصرح بأنه لا أمل له في شيء منها، فليتجه نحو ما يهمه وما يعنيه.

стр. 408

العرض الشعري في المعلقات وقيمتها: رأينا فيما سبق أن كل معلقة كانت أثرًا لانفعال معين لدى الشاعر، سيطر عليه من أول القصيدة إلى آخرها، وكان هذا الانفعال يوجه الشاعر من البدء فيحدد له الزاوية التي يبدأ منها، وبمجرد أن ينتهي من افتتاحيته، كانت تتوالى عليه الخواطر وتتوارد الأفكار من باب تداعي المعاني، والحديث ذو شجون، فكانت الفكرة تسوقه إلى أخرى تتصل بها أو تستدعيها إلى أن ينتهي مما يريد، ومن ثم جاءت الأفكار فيها مترابطة متوالية في تسلسل شعري لطيف، فالحبكة الموضوعية فيها تامة. وأحيانًا يستطرد الشاعر فيتحدث عن أشياء قد تبدو لأول وهلة أنها خارجة عن الإطار الذي يسير فيه، ولكن بأقل تأمل سوف يتبين أنها وثيقة الصلة بالفكرة التي يعرضها، كوصف مطاردة الحمار للأتان، وفرار البقرة الوحشية الحزينة الفزعة، في معلقة لبيد، فقد أوردهما

стр. 409

الشاعر لبيان سرعة ناقته وكالحديث عن روضة يفوح أريجها في معلقة عنترة فقد أورده لتصوير رائحة الحبيبة، وكان الشاعر يحاول أن يوضح فكرته توضيحًا تامًّا، مستعينًا في ذلك كلما تطلب الإبداع الفني بالتصوير الشعري، فزخرت المعلقات بالصور الشعرية الرائعة، منها؛ على سبيل المثال لا الحصر: قول امرئ القيس: تصدُّ وتبدي عن أسيل وتتقي ... بناظرة من وحش وجرة مطفل فقد صور وجهها وعينيها وذراعيها وحركتها في التفاتها إليه وعنه بحركة فيها جمال ودلال ورقة وحنان وقوله في الإعجاب بالحصان: ورحنا يكاد الطرف يقصر دونه ... متى ما ترق العين فيه تسهل وقوله في بهجة الطيور وسرورها ونشوتها في الصباح الباكر وعقب المطر: كان مكاكي الجواء غدية ... صبحن سلافًا من رحيق مفلفل وقول طرفة في جمال الوجه ونضرته: ووجه كأن الشمس حلت رداءها ... عليه نقي اللون لم يتخدد وقوله في تصوير الخائف من ارتياد الأماكن المجهولة، إذ يتمنى أن يفدي نفسه ومن يحب فلا يضطر للسير فيها وتضطرب نفسه وترتعد فرائصه وتبلغ منه الروح الحلقوم، وتجيش نفسه خوفًا ورعبًا كما تجيش القدر وتصور له الأوهام والخيلاء هلاكًا في كل خطوة قدم: على مثلها أمضي إذ قال صاحبي ... ألا ليتني أفديك منها وأفتدي وجاشت إليه النفس خوفًا وخاله ... مصابًا ولو أمسى على غير مرصد وقوله في صلة الإنسان بالموت وشدة ارتباطه به متى حان ميعاده جذبه كأنه مربوط بحبل طرفه في يده: لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطول المرخى وثنياه باليد متى ما يشأ يومًا يقده لحتفه ... ومن يك في حبل المنية ينقد

стр. 410

وقوله في وصف سيفه بأنه حادٌّ ماضٍ ضربته قاضية لا تحتاج إلى تثنيتها، وقطعه أسرع من الصوت: فآليت لا ينفك كشحي بطانة ... لعضب رقيق الشفرتين مهند حسام إذا ما قمت منتصرًا به ... كفى العود منه البدء ليس بمعضد أخي ثقة لا ينثني عن ضريبة ... إذا قيل مهلا قال حاجزه قد وقول زهير في البقر والظباء وهن بين قائمات ونائمات وماشيات مقبلة ومدبرة، وصاعدة ونازلة، زرافات، ووحدانًا، وأولادهن من أماكن رقادهن: بها العين والأرآم يمشين خلفه ... وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم وقوله في ارتحال الظعائن في السحر إلى وادي الرس مباشرة بدون خطأ في الاتجاه إليه: بكرن بكورًا واستحرن بسحرة ... فهن ووادي الرس كاليد للفم وقوله في منظرهن الوسيم الساحر: وفيهن ملهى للَّطيف ومنظر ... أنيق لعين الناظر المتوسم وقوله في فظاعة الحرب وما يتخلف عنها من مصائب ومحن: فتعرككم عرك الرحى بثفالها ... وتلقحْ كشافًا ثم تنتجْ فتتئم وقوله في قوة القوم ومنعتهم: كرام، فلا ذو الضعن يدرك تبله ... ولا الجارم الجاني عليهم بمسلم وقوله في البطل القوي الكامل السلاح: لدى أسد شاكي السلاح مقذف ... له لبد أظفاره لم تقلم وقوله في حتمية الموت، وأن الحذر لا ينجي من القدر: ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ... ولو رام أسباب السماء بسلم

стр. 411

وقوله في جهل الغريب بما حوله، وفي هوان النفس: ومن يغترب يحسب عدوًّا صديقه ... ومن لا يكرم نفسه لا يكرم وقول لبيد في وصف مكان تهطل فيه أنواع الأمطار المختلفة غدوًّا وعشيًّا فطالت أعشابه وكثرت أشجاره وتكاثرت فيه الظباء والنعام: رزقت مرابيع النجوم وصابها ... ودق الرواعد جودها فرمامها من كل سارية وغادٍ مدجن ... وعشية متجاوب أرزامها وقوله في تصوير بقرة وحشية شديدة البياض في ليلة حالكة الظلمة، ينهمر فيها المطر بشدة، فتتحاماه بفروع شجرة قاصية عن طريق: تجتاف أصلًا قالصًا متنبذًا ... بعجوب أنقاء يميل هيامها يعلو طريقة متنها متواترًا ... في ليلة كفر النجوم غمامها وتضيء في وجه الظلام منيرة ... كجمانة البحريّ سل نظامها وقوله في نزول الربيئة من المرقب بعد أن غربت الشمس وخيم الظلام فستر أماكن المخافة وكان في انتظار فرسه الكريمة الطويلة: حتى إذا ألقت يدًا في كافر ... وأجن عورات الثغور ظلامها أسهلت وانتصبت كجذع منيفة ... جرداء يحصر دونها جرامها وقول عنترة في وصف روضة فيحاء تتعاورها الأمطار فكثر عشبها وطال نباتها وكثرت أزهارها وفاح عبيرها، وغرد ذبابها: أو روضة أنقًا تضمن نبتها ... غيث قليل الدمن ليس بمعلم جادت عليه كل بكر ثرة ... فتركن كل قرارة كالدرهم سحًّا وتسكابًا فكل عشية ... يجري عليها الماء لم يتصرم وخلا الذباب بها فليس ببارح ... غردًا كفعل الشارب المترنم هزجًا يحك ذراعه بذراعه ... قدح المكب على الزناد الأجذم

стр. 412

وقوله في وصف طعنة يندفع منها الدم بغزارة وقوة، فيحدث صوتًا تهتدي به الذئاب الجائعة: برحيبة الفرغين يهدي جرسها ... بالليل معتس الذئاب الضرم وقوله في وصف المعركة حين جاءت الجيوش، وكل جندي يؤجج حماسة الآخر، والتحم عنترة بالأعداء والقوم يهتفون باسمه، ويعلقون عليه آمالهم، فيزداد التحامًا، وتنهال الرماح عليه وعلى حصانه من كل جانب، ويتقدم بحصانه أكثر وأكثر حتى اكتسى حصانه سربالا من الدم، فانحرف بصدره عن موقع الرماح ونظر إلى فارسه نظرة فيها رجاء واستعطاف أن يشفق به شيئًا ما، وكان ذلك بدمعة من الحصان انحدرت على خده، وصوت مكتوم جاش به صدره، ولكن صيحات الإعجاب كانت تنزل عليه بردًا وسلامًا فتزيل سقمه وتزيده نشاطًا وشجاعة. لما رأيت القوم أقبل جمعهم ... يتذامرون كررت غير مذمم يدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم مازلت أرميهم بثغرة نحره ... ولبانه حتى تسربل بالدم فازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إليّ بعبرة وتحمحم لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ... ولكان لو علم الكلام مكلمي ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس ويك عنتر أقدم وقول عمر بن كلثوم في الحسناء المصون المترفة العفيفة البعيدة عن الريب: تريك إذا دخلت على خلاء ... وقد أمنت عيون الكاشحينا ذراعي عيطل أدماء بكر ... تربعت الأجارع والمتونا وثديًا مثل حق العاج رخصا ... حصانًا من أكف اللامسينا وقوله في تصوير وجد الحزين بناقة ضل منها ولدها فرددت الحنين، وبحال امرأة قاربت سن اليأس، وفقدت أبناءها التسعة: فما وجدت كوجدي أم سقب ... أضلته فرجعت الحنينا ولا شمطاء لم يترك شقاها ... لها من تسعة إلا جنينا

стр. 413

وقوله في عنف الحرب، وسعة ميدان القتال، وكثرة الضحايا في المعركة الواحدة: متى ننقل إلى قوم رحانا ... يكونوا في اللقاء لها طحينا يكون ثقالها شرقي نجد ... ولهوتها قضاعة أجمعينا وقوله في تصوير قدوم الأعداء وما قوبلوا به: نزلتم منزل الأضياف منا ... فأعجلنا القرى أن تشتمونا قريناكم فعجلنا قراكم ... قبيل الصبح مرداة طحونا أي نزلوا عليهم نزول الأضياف، فعجلوا بإكرامهم خوفًا من أن يسبوهم، فجاءهم سريعًا قبل شروق الشمس، وكأن القرى رحى أبادتهم جميعًا. وقوله في تصوير عنادهم وإبائهم وأنفتهم وجزاء من يحاول أن يمسهم: فإن قناتنا يا عمرو أعيت ... على الأعداء قبلك أن تلينا إذا عض الثقاف بها اشمأزت ... وولتهم عشوزنة زبونا عشوزنة إذا انقلبت أرنت ... تشق قفا المثقف والجبينا فهم كالقناة الصلبة العنيفة إذا حاول أحد أن يدخلها الثقاف ليقوم اعوجاجها أبت أن تستقر، وقفزت بصوت مزعج في وجه المثقف فشجت جبهته ودقت عنقه. ويقول الحارث بن حلزة في تصوير تجمع القوم وما يحدثونه من جلبة وضوضاء بسبب تداخل النداءات واختلاط القوم وصباحهم بصهيل الخيل ورغاء الإبل: أجمعوا أمرهم بليل فلما ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء من منادٍ ومن مجيب ومن تصـ ... ـهال خيل، خلال ذاك رغاء وقوله في قوة القوم وشدة بأسهم وثباتهم، فلا يرهبون الأخطار، ولا تنال منهم الدواهي التي لا تستمع لمن يسترحمها، حيث صورهم بطود شامخ تنشق عنه السحب ولا تنال أحداث الزمان ولا الأخطار منه شيئًا:

стр. 414

وكأن السنون تردى بنا أر ... عن جونًا ينجاب عنه الغماء مكفهرًا على الحوادث ما تر ... توه للدهر مؤيد صماء وقوله فيما حدث للأعداء: فجبهناهم بضرب كما يخـ ... ـرج من خربة المزاد الماء وحملناهم على حزن ثهلا ... ن شلالًا ودميّ الأنساء وفعلنا بهم كما علم اللـ ... ـه وما إن للخائنين دماء فالقتلى كانوا ينزفون بغزارة كما يندفع الماء من أفواه القرب، والفارون تجشموا الهرب في مسالك وعرة حتى دميت أنساؤهم، وقد فعلوا بهم أفعالًا شنيعة يعلمها الله، وذهبت دماؤهم هدرًا، فجزاؤهم ما حل بهم، فالخائن لا حق له ولا كرامة. هذه أمثلة في تصوير الأفكار في المعلقات، وهي مملؤة بروائع الصور مما يجعل قيمتها الفنية من ناحية التصوير عظيمة، وقد أشرنا فيما سبق إلى أنها تفيض بالشعور والعواطف المختلفة مما يدل على أن التصوير فيها صادق وصحيح؛ لأنه تصوير لمشاعر إنسانية حقيقة. والألفاظ فيها مختارة بعناية ودقة، والعبارات متقنة الصياغة محكمة الوضع والتنسيق وملائمة للأفكار، حتى ما يبدو فيه تعقيد، لو تأمل فيه الإنسان لوجد الفكرة التي تعبر عنها هذه الألفاظ ليس فيها تعقيد أو تداخل أو تشابك، مما يدل على أن الشاعر كان صادق التعبير عن هذه الأفكار، حيث اختار لها من الألفاظ ما يناسبها، على أن هناك كثيرًا من الألفاظ لها دلالات قيمة من الناحيتين التاريخية واللغوية مثل: كلمة "السجنجل" وهي لفظة رومية ومعناها المرآة وقيل: سبيكة الفضة، وقد وردت في معلقة امرئ القيس، وكتصوير طرفة ضخامة ناقته بقنطرةالرومي، وكتصويره عنق الناقة في حركتها بسكان "البوصي"، وقد قال العلماء: البوصي: زورق أو ضرب من السفن أو الملاح وهو بالفارسية: "بوزي" وكذكر طرفة الشام واليمن في قوله: "قرطاس الشامي وسبت اليماني" وقد ورد ذكر أنطاكية في بيت لزهير في معلقته كما رواه الأصمعي: علون بأنطاكية فوق عقمة ... وراد حواشيها مشاكهة الدم

стр. 415

ويقصد بالأنطاكية أنماط أي ثياب من صوف، وتوضع على الخدور نسبها إلى أنطاكية قالوا: وكل شيء جاء من الشام فهو عندهم أنطاكي. وقد ذكر عنترة في معلقته الأعاجم وطمطمتهم أي كلامهم غير المفهوم في قوله: تأوي له قلص النعام كما أوت ... حزق يمانية لأعجم طمطم يقال: أعجم طمطم وطمطماني إذا كان لا يفهم كلامه. وورد ذكر المهارق في قول الحارث بن حلزة: حذر الجور والتعدي ولن ينـ ... ـقض ما في المهارق الأهواء قالوا: المهارق: جمع مهرق -بوزن مكرم "اسم مفعول"- وهو الصحيفة البيضاء، وقيل ثوب من حرير أبيض يسقى بالصمغ ويصقل ثم يكتب فيه، وأصله فارسي. فهذه الألفاظ تؤيد اتصال العرب بغيرهم من الأمم الأخرى، وأخذهم بعض ألفاظ لغاتهم وتعريبها. هذا والأفكار والصور التي في المعلقات مستقاة كلها من البيئة والحياة في العصر الجاهلي مما يدل على شدة ارتباط العربي بالظروف المحيطة به، وعلى دقة ملاحظته وعمق تأثره بكل ما يجري حوله، وهذا مما يجعل المعلقات كبيرة الشأن تاريخيًّا في نواحٍ متعددة. ومما تقدم يتبين أن المعلقات عظيمة القيمة من النواحي الفنية واللغوية والتاريخية، واختيارها منذ العصر الجاهلي على أنها نماذج ممتازة من الشعر الجاهلي، اختيار موفق وسديد، يدل على ذوق أدبي رفيع.

стр. 416

أغراض الشعر الجاهلي مدخل ... أغراض الشعر الجاهلي: أثرت البيئة الجاهلية بمظاهرها المختلفة، في نفسية الشاعر الجاهلي، فحركت وجدانه، وألهبت عواطفه، وأثارت مشاعره، فانطلق لسانه مصورًا خلجات نفسه، ونبضات حسه في شتى المناسبات، فجاء الشعر الجاهلي حافلًا بمختلف العواطف الإنسانية، ومن دراسة هذا التراث الشعري، نجد أنهم تغنوا بطيب أعراقهم، ومكارم أخلاقهم، وأشادوا بأبطالهم وخلدوا أيامهم وأمجادهم، وتعالوا بما أحرزوه من نصر وغنائم، وغالوا في الحديث عن هزائم أعدائهم، وما نالهم من خسائر في الأرواح والأموال، وما كبلوا فيه من سلاسل وأغلال.

стр. 417

وما سيموا به من الخزي والعار، وما سببوه لهم من هموم وأحزان بما توعدوهم به من تهديد، وذرفوا الدمع سخينًا على ضحاياهم، ذاكرين أفضالهم ومشيدين ببطولاتهم وتضحياتهم، آخذين العهد على أنفسهم بالثأر لهم في عشرات من أعدائهم، إلى أن تهدأ نفوسهم، ويطمئن بالهم، واعتذروا عما بدر مما لا يناسب الخلق الكريم، أو البطل العظيم، ومدحوا اعترافًا بالفضل، وتخليدًا للشهامة والمروءة ووصفوا كل ما وقعت عليه عيونهم من مظاهر الجمال، فأتوا في كل ذلك بروائع الصور، فامتلأ شعرهم بفنون عديدة من الشعر الغنائي، ففيه الوصف، والغزل، والفخر، والمدح، والهجاء والذم، والتهديد، والرثاء، والإنذار، والاعتذار، والنصح، والحكمة. وفي الشعر الجاهلي لا نجد الشاعر يؤلف قصيدته في غرض واحد من هذه الأغراض، فيندر أن نجد قصيدة، وبخاصة تلك الطوال، تتكون من غرض واحد، بل إن كل قصيدة كانت في معظم الأحوال تتألف من الحديث في أكثر من فن واحد من هذه الفنون، فتحتوي القصيدة الواحدة مثلًا على الغزل والوصف، والفخر والهجاء، والوعيد، وقد تشتمل على أغراض أكثر من هذه، كل ذلك راجع لهوى الشاعر، وطواعية الشاعرية له، والمثيرات التي تهيج عاطفته، أو تحرك مشاعره. والقصيدة الطويلة التي تضم أكثر من موضوع ربما كانت تؤلف كلها بموضوعاتها المختلفة دفعة واحدة، أي أن كل موضوع كان يثير ما يليه بمعنى أن أساس القصيدة كان من أول الأمر موضوعًا واحدًا يتناوله الشاعر في قصيدته، ويتحدث عنه باعتباره الغرض الأساسي لها، ثم يجره هذا الموضوع إلى غيره، فالحديث ذو شجون، وهكذا يتوارد على خاطر الشاعر كثير من المواضيع فتتدرج كلها في سياق الحديث تبعًا لمقتضيات الحديث، وطبيعة نفس المتحدث، وطريقتها في التشعيب، ومدى تذكرها للموضوع الأصلي، ومع حسن الربط بين هذه الموضوعات تبدو القصيدة متناسقة، مترابطة الأجزاء، حتى لو كانت هناك غرابة بين هذه الموضوعات. وربما كانت القصيدة الواحدة التي تشتمل على أكثر من موضوع تؤلف على فترات، بمعنى أن الشاعر كان يؤلف أبياتًا في موضوع واحد، ثم تمضي فترة من الأيام، فتعن له أبيات في موضوع آخر، ويأتي بها على نفس الوزن والقافية، وهكذا في عدة موضوعات، ثم يربط بين هذه الموضوعات بما يراه مناسبًا، فتجيء القصيدة الواحدة متعددة الموضوعات والأغراض.

стр. 418

ويغلب على الظن أن ذلك كان يحدث بين الشعراء الذين يعنون بفنهم الشعري كثيرًا، فيعيدون النظر مرارًا في كل قصيدة يؤلفونها، وبخاصة إذا كانت طويلة، وينوون الدخول بها في مجال التنافس في ميدان الفصاحة، والسبق في الفن الشعري. ومهما يكن من شيء، فإن ما لدينا من التراث الشعري للجاهليين يدل دلالة قوية على الظواهر العامة والخاصة التي كانت تثير مشاعر العربي وإحساساته، وعلى يقظة العربي، واستجابته للمثيرات التي من شأنها أن تحرك مشاعر النفوس المرهفة، كما يدل على أن الشاعر الجاهلي على العموم قد استطاع بقوته الشاعرية أن يلم بجوانب النفس البشرية كلها، فصور انفعالاتها وأحاسيسها في كل الظروف والأحوال والمناسبات، فغطى جميع نواحي الشعر الغنائي الذي يعنى بتصوير نفسية الإنسان، وما لها من ميول وعواطف ووجدان. والشعر الجاهلي كله مكون من هذه العواطف والانفعالات، وقد جاءت فيه جميع الموضوعات التي يتألف منها الشعر الغنائي، وسنحاول فيما يلي أن نتحدث عن أغراض الشعر في العصر الجاهلي.

стр. 419

الوصف: لقد أحاط الشاعر الجاهلي في أوصافه بجميع ظواهر البيئة التي كان يعيش فيها، فوصف الطبيعة الحية والصامتة والساكنة والمتحركة فصور الصحراء وما فيها من جماد وحيوان وما يعتريها من رياح وسحب وأمطار وظواهر المناخ المختلفة، وغير ذلك بحيث يمكن القول معه بأن الشاعر الجاهلي قد صور البيئة العربية تصويرًا عامًّا استوعب فيه جميع ظواهر الحياة في ذلك العصر، فمثلًا في وصف الصحراء وما بها، يقول عميرة بن جمل: ألا يا ديار الحي بالبردان ... خلت حجج بعدي لهن ثمان فلم يبق منها غير نؤي مهدم ... وغير أوارٍ كالركي دفان

стр. 420

وغير حطوبات الولائد ذعذعت ... بها الريح والأمطار كل مكان٣ قفار مروراة يحار بها القطا ... يظل بها السبعان يعتركان٤ يثيران من نسج التراب عليهما ... قميصين أسماطًا ويرتديان٥ وبالشرف الأعلى وحوش كأنها ... على جانب الأرجاء عوذ هجان٦ وهنا يبدأ الشاعر قصيدته كما كانت عادة الشعراء بالحديث عن ديار الحبيبة التي تركها، فيصف المكان الذي كانت تسكنه، وما أصبح عليه بعد أن تركه أهلها، وصار قطعة من الصحراء المقفرة المهجورة، فلم يبق به إلا آثار متهدمة وبقايا أطلال عفت وتهدمت أوطمرت، وقليل من الأحطاب فرقتها الريح والأمطار في كل مكان، وامتلأ هذا الوطن بالرهبة والفزع، وطمست معالمه وضاعت منه جميع آثار الحياة حتى أصبح متاهة، يضل بها الساري، ولو كان أخبر الناس بالطرق والجهات، وصار مأوى للسباع المفترسة، وقد خلا من الماء والرزق، حتى إن الحيوانات الضارية لا تجد ما تقتات به، فيتعارك كل منها مع الآخر، ويفترس القوي الضعيف، وقد امتلأت جميع البقاع، وبخاصة الأماكن المرتفعة، بالوحوش الضارية التي اتخذتها لها دارًا تقيم فيها هي وأولادها، كأنما هي عرين لها، يملأ النفوس رعبًا وفزعًا. وفي مثل هذا يقول سويد بن أبي كاهل اليشكري: كم قطعنا دون سلمى مهمهًا ... نازح الغور إذا الآل لمع ٨

стр. 421

في حرور ينضج اللحم بها ... يأخذ السائر فيها كالصقع٩ وتخطيت إليها من عدى ... بزماع الأمر والهم الكنع١٠ وفلاة واضح أقرابها ... باليات مثل مرفت القزع١١ يسبح الآل على أعلامها ... وعلى البيد إذا اليوم متع١٢ فركبناها على مجهولها ... بصلاب الأرض فيهن شجع١٣ وشاعرنا هذا في حديثه عن بعد حبيبته يقول: إن بينه وبينها قفارًا كثيرة، مترامية الأطراف، يلمع فيها السراب، حين يشتد الحر، وتهب الريح فيها ساخنة، وتكاد شدة الحرارة تنضج اللحم، وتصيب من يسير فيها بضربة شمس توشك أن تقضي عليه، وهذه المهامه الواسعة مملوءة بالأعداء الذين لا بد لاتقائهم من أخذ الحيطة، والاستعداد لملاقاة الخطر، وتلك القفار الشاسعة كلها مرتفعات ومنخفضات ومتعرجات، ومعالمها بالية لا يستطيع السائر أن يهتدي بها، ويغطي هضابها ووديانها السراب حين ترتفع الشمس، وتزداد اللهفة للشرب من شدة العطش، مما يجعل السفر في منتهى المشقة والألم، ولكن المضطر لا بد له من تجشم الصعاب، وتعسف السير في مجاهل مسالكها وأعلامها. وهذه الصحراء الواسعة النائية الجهات، مملوءة بشتى الظواهر الطبيعية التي تتعاورها على اختلاف فصول السنة، تبعًا للارتفاع والانخفاض، ولئن كان الحر بها شديدًا في الصيف، فهناك بعض الأمكنة تهطل فيها الأمطار المصحوبة بالبرق والرعد، وبخاصة في أعالي الجبال، ومما قيل في ذلك ما ورد لامرئ القيس، إذ يقول١٤:

стр. 422

أصاح ترى برقًا أريك وميضه ... كلمع اليدين في حبيّ مكلل١٥ يضيء سناه أو مصابيح راهب ... أهان السليط بالذبال المفتل ١٦ قعدت له وصحبتي بين ضارج ... وبين العذيب بعد ما متأمل ١٧ علا قطنًا بالشيم أيمن صوبه ... وأيسره على الستار فيذبل ١٨ فأضحى يسح الماء في كل تلعة ... يكب على الأذقان دوح الكنهبل١٩ ومر على القنان من نفيانه ... فأنزل منه العصم من كل منزل٢٠ وتيماء لم يترك بها جذع نخلة ... ولا أجمًا إلا مشيدًا بجندل٢١ كأن ثبيرا في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مزمل ٢٢ كأن ذرا رأس المجيمر غدوة ... من السيل والغثاء فلكة مغزل٢٣ وألقى بصحراء الغبيط بعاعه ... نزول اليماني ذي العياب المحمل٢٤

стр. 423

كأن مكاكي الجواء غدية ... صبحن سلافًا من رحيق مفلفل٢٥ كأن السباع فيه غرقى عشية ... بأرجائه القصوى أنابيش عنصل٢٦ وهنا يصف الشاعر البرق بأنه كان يلمع وسط السحاب، في سرعة خاطفة كحركة اليدين ويرسل ضوءه في الجهات كأنما هو مصباح قوي مليء زيتًا، وأخذ الشاعر يتأمل السحاب فإذا به ينزل مطرًا مدرارًا، ويجري على الأرض سيلًا جارفًا يقتلع الأشجار والمنازل، ويخرج الوحوش من أوكارها، فتجري هاربة تبحث عن مأوى بعد أن دمر السيل مواطنها، ولكنها لا تفلت من قوة السيل وقسوته، فيجرفها تياره، وتلقى حتفها، وترى بعد من مخلفات السيل ضمن الغثاء الذي ملأ الأرجاء، ولكن الطيور فرحت به وابتهجت، ففي الصباح الباكر أخذت تغرد وتشدو بأعذب الألحان وقد كان حظ هذا الوادي الذي فاض بسيله أن ازدهر بالخصب، فامتلأ بالنبات والأزهار، وعمت الفرحة جميع الناس. فإذا ما أردنا تصويرًا للحيوانات التي بصحراء الجاهليين، وجدنا شعراءهم قد أتوا بأوصاف جميع هذه الحيوانات، وبخاصة ما كان شديد الصلة بحياتهم منها، فالخيل والإبل، كان لهما أكبر الأثر في حياتهم، إن في السلم، وإن في الحرب، فأكثروا فيها القول، حتى وصفوا جميع أجزاء أجسامهما، وصوروا كل أحوالهما، وتكاد جميع القصائد الطوال من أشعار الجاهليين لا تخلو من أوصاف لهما، ومن القصائد التي صورت الإبل بجميع جزئياتها صغيرة وكبيرة، معلقتا طرفة ولبيد، وقد بدأ طرفة حديثه عن ناقته بأنها هي التي تنسيه الهم، فكلما نزل بساحته كرب أو غم، التجأ إليها، فذهبت به بسرعة، إذ سرعان ما تحمله وتنتقل به من مكان إلى آخر، فيرى من المظاهر المختلفة ما يبعث في نفسه الراحة والمتعة، ويؤكد ذلك

стр. 424

بأنها ذلول مطيعة، وتبعث في نفسه الأمن والطمأنينة، وهو على ظهرها؛ لأنها قوية، صبور على السير في كل الأوقات، وفي جميع الجهات، لا تمل السفر ليلًا أو نهارًا، وتجري في الأرض السهلة والصلبة، وفي الطرق معبدة كانت أو مهجورة، معروفة أو مجهولة، وذلك لأنها تعيش على أحسن الغذاء، ومعتنى بها في طعامها وشرابها أشد الاعتناء، فجسمها موثق، محكم العضلات، ومتين البنيان، وأخذ يصف كل جزء من جسمها، فيقول عنها في معلقته٢٧: وإني لأمضي الهم عند احتضاره ... بعوجاء مرقال تروح وتغتدي٢٨ أمون كألواح الأران نسأتها ... على لاحب كأنه ظهر برجد ٢٩ جمالية وجناء تردي كأنها ... سفنجة تبري لأزعر أربد ٣٠ تباري عتاقًا ناجيات وأتبعت ... وظيفًا وظيفًا فوق مور معبد٣١

стр. 425

تربعت القفين في الشول ترتعي ... حدائق موليّ الأسرة أغيد٣٢ تريع إلى الصوت المهيب وتتقي ... بذي خصل روعات أكلف ملبد٣٣ كأن جناحي مضرحي تكنفا ... حفافيه شكا في العسيب بمسرد٣٤ فطورًا به خلف الزميل وتارة ... على حشف كالشن ذاوٍ مجدد٣٥ لها فخذان أكمل النحض فيهما ... كأنهما بابا منيف ممرد٣٦ وطي محال كالحنيّ خلوفه ... وأجرنة لزت بدأي منضد٣٧
следующие страницы →