في حرور ينضج اللحم بها ... يأخذ السائر فيها كالصقع٩
وتخطيت إليها من عدى ... بزماع الأمر والهم الكنع١٠
وفلاة واضح أقرابها ... باليات مثل مرفت القزع١١
يسبح الآل على أعلامها ... وعلى البيد إذا اليوم متع١٢
فركبناها على مجهولها ... بصلاب الأرض فيهن شجع١٣
وشاعرنا هذا في حديثه عن بعد حبيبته يقول: إن بينه وبينها قفارًا كثيرة، مترامية الأطراف، يلمع فيها السراب، حين يشتد الحر، وتهب الريح فيها ساخنة، وتكاد شدة الحرارة تنضج اللحم، وتصيب من يسير فيها بضربة شمس توشك أن تقضي عليه، وهذه المهامه الواسعة مملوءة بالأعداء الذين لا بد لاتقائهم من أخذ الحيطة، والاستعداد لملاقاة الخطر، وتلك القفار الشاسعة كلها مرتفعات ومنخفضات ومتعرجات، ومعالمها بالية لا يستطيع السائر أن يهتدي بها، ويغطي هضابها ووديانها السراب حين ترتفع الشمس، وتزداد اللهفة للشرب من شدة العطش، مما يجعل السفر في منتهى المشقة والألم، ولكن المضطر لا بد له من تجشم الصعاب، وتعسف السير في مجاهل مسالكها وأعلامها.
وهذه الصحراء الواسعة النائية الجهات، مملوءة بشتى الظواهر الطبيعية التي تتعاورها على اختلاف فصول السنة، تبعًا للارتفاع والانخفاض، ولئن كان الحر بها شديدًا في الصيف، فهناك بعض الأمكنة تهطل فيها الأمطار المصحوبة بالبرق والرعد، وبخاصة في أعالي الجبال، ومما قيل في ذلك ما ورد لامرئ القيس، إذ يقول١٤:
стр. 422
أصاح ترى برقًا أريك وميضه ... كلمع اليدين في حبيّ مكلل١٥
يضيء سناه أو مصابيح راهب ... أهان السليط بالذبال المفتل ١٦
قعدت له وصحبتي بين ضارج ... وبين العذيب بعد ما متأمل ١٧
علا قطنًا بالشيم أيمن صوبه ... وأيسره على الستار فيذبل ١٨
فأضحى يسح الماء في كل تلعة ... يكب على الأذقان دوح الكنهبل١٩
ومر على القنان من نفيانه ... فأنزل منه العصم من كل منزل٢٠
وتيماء لم يترك بها جذع نخلة ... ولا أجمًا إلا مشيدًا بجندل٢١
كأن ثبيرا في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مزمل ٢٢
كأن ذرا رأس المجيمر غدوة ... من السيل والغثاء فلكة مغزل٢٣
وألقى بصحراء الغبيط بعاعه ... نزول اليماني ذي العياب المحمل٢٤
стр. 423
كأن مكاكي الجواء غدية ... صبحن سلافًا من رحيق مفلفل٢٥
كأن السباع فيه غرقى عشية ... بأرجائه القصوى أنابيش عنصل٢٦
وهنا يصف الشاعر البرق بأنه كان يلمع وسط السحاب، في سرعة خاطفة كحركة اليدين ويرسل ضوءه في الجهات كأنما هو مصباح قوي مليء زيتًا، وأخذ الشاعر يتأمل السحاب فإذا به ينزل مطرًا مدرارًا، ويجري على الأرض سيلًا جارفًا يقتلع الأشجار والمنازل، ويخرج الوحوش من أوكارها، فتجري هاربة تبحث عن مأوى بعد أن دمر السيل مواطنها، ولكنها لا تفلت من قوة السيل وقسوته، فيجرفها تياره، وتلقى حتفها، وترى بعد من مخلفات السيل ضمن الغثاء الذي ملأ الأرجاء، ولكن الطيور فرحت به وابتهجت، ففي الصباح الباكر أخذت تغرد وتشدو بأعذب الألحان وقد كان حظ هذا الوادي الذي فاض بسيله أن ازدهر بالخصب، فامتلأ بالنبات والأزهار، وعمت الفرحة جميع الناس.
فإذا ما أردنا تصويرًا للحيوانات التي بصحراء الجاهليين، وجدنا شعراءهم قد أتوا بأوصاف جميع هذه الحيوانات، وبخاصة ما كان شديد الصلة بحياتهم منها، فالخيل والإبل، كان لهما أكبر الأثر في حياتهم، إن في السلم، وإن في الحرب، فأكثروا فيها القول، حتى وصفوا جميع أجزاء أجسامهما، وصوروا كل أحوالهما، وتكاد جميع القصائد الطوال من أشعار الجاهليين لا تخلو من أوصاف لهما، ومن القصائد التي صورت الإبل بجميع جزئياتها صغيرة وكبيرة، معلقتا طرفة ولبيد، وقد بدأ طرفة حديثه عن ناقته بأنها هي التي تنسيه الهم، فكلما نزل بساحته كرب أو غم، التجأ إليها، فذهبت به بسرعة، إذ سرعان ما تحمله وتنتقل به من مكان إلى آخر، فيرى من المظاهر المختلفة ما يبعث في نفسه الراحة والمتعة، ويؤكد ذلك
стр. 424
بأنها ذلول مطيعة، وتبعث في نفسه الأمن والطمأنينة، وهو على ظهرها؛ لأنها قوية، صبور على السير في كل الأوقات، وفي جميع الجهات، لا تمل السفر ليلًا أو نهارًا، وتجري في الأرض السهلة والصلبة، وفي الطرق معبدة كانت أو مهجورة، معروفة أو مجهولة، وذلك لأنها تعيش على أحسن الغذاء، ومعتنى بها في طعامها وشرابها أشد الاعتناء، فجسمها موثق، محكم العضلات، ومتين البنيان، وأخذ يصف كل جزء من جسمها، فيقول عنها في معلقته٢٧:
وإني لأمضي الهم عند احتضاره ... بعوجاء مرقال تروح وتغتدي٢٨
أمون كألواح الأران نسأتها ... على لاحب كأنه ظهر برجد ٢٩
جمالية وجناء تردي كأنها ... سفنجة تبري لأزعر أربد ٣٠
تباري عتاقًا ناجيات وأتبعت ... وظيفًا وظيفًا فوق مور معبد٣١
стр. 425
تربعت القفين في الشول ترتعي ... حدائق موليّ الأسرة أغيد٣٢
تريع إلى الصوت المهيب وتتقي ... بذي خصل روعات أكلف ملبد٣٣
كأن جناحي مضرحي تكنفا ... حفافيه شكا في العسيب بمسرد٣٤
فطورًا به خلف الزميل وتارة ... على حشف كالشن ذاوٍ مجدد٣٥
لها فخذان أكمل النحض فيهما ... كأنهما بابا منيف ممرد٣٦
وطي محال كالحنيّ خلوفه ... وأجرنة لزت بدأي منضد٣٧
стр. 426
كأن كناسي ضالة يكنفانها ... وأطر قسي تحت صلب مؤيد٣٨
لها مرفقان أفتلان كأنما ... تمر بسلمي دالج متشدد٣٩
كقنطرة الرومي أقسم ربها ... لتكتنفن حتى تشاد بقرمد٤٠
صهابية العثنون مؤجدة القرا ... بعيدة وخد الرجل موَّارة اليد٤١
أمرت يداها فتل شزر وأجنحت ... لها عضداها في سقيف مسند٤٢
стр. 427
جنوح دفاق عندل ثم أفرعت ... لها كتفاها في معالي مصعد٤٣
كأن علوب النسع في دأياته ... موارد من خلقاء في ظهر قردد٤٤
تلاقى وأحيانًا تبين كأنها ... بنائق غر في قميص مقدد٤٥
وأتلع نهاض إذا صعدت به ... كسكان بوصي بدجلة مصعد٤٦
وجمجمة مثل العلاة كأنما ... وعى الملتقى منها إلى حرف مبرد٤٧
وعينان كالماويتين استكنتا ... بكهفي حجاجي صخرة قلت مورد٤٨
стр. 428
طحوران عوار القذى فتراهما ... كمكحولتي مذعورة أم فرقد٤٩
وخد كقرطاس الشآمي ومشفر ... كسبت اليماني قده لم يحرد٥٠
وصادقتا سمع التوجس في السرى ... لجرس خفي أو لصوت مندد٥١
مؤللتان تعرف العتق فيهما ... كسامعتي شاة بحومل مفرد٥٢
وأروع نباض أحذ ململم ... كمرداة صخر من صفيح مصمد٥٣
وأعلم مخروت من الأنف مارن ... عتيق متى ترجم به الأرض تزدد٥٤
стр. 429
وإن شئت سامى واسط الكور رأسها ... وعامت بضبعيها نجاء الخفيدد٥٥
وإن شئت لم ترقل وإن شئت أرقلت ... مخافة ملوي من القد محصد٥٦
على مثلها أمضي إذا قال صاحبي ... ألا ليتني أفديك منها وأفتدي٥٧
أما لبيد فقد تحدث كذلك عن ناقته من حيث السرعة، واحتمال الأسفار، وأعضاء جسمها، ولكنه في تصوير سرعتها يقارنها مرة بأتان يطاردها فحل قد اعتاد مطاردة الفحول، فأثر ذلك في جسمه ونشاطه وسرعته، وأخذ يعلو حدب الأكام، وكان الغبار يرتفع في الفضاء من إثر جريهما، كأنه دخان نار ساطعة قد هبت عليها رياح الشمال، واستمرا على ذلك حتى أضناهما التعب، واشتد بهما العطش، ومرة أخرى يقارنها ببقرة وحشية قد أكل السبع ولدها، فذعرت، فأخذت تجري في الفيافي والقفار، وتسمع صوت صياد فتمتلئ رعبًا، وتزداد سرعة، ويحس الصائد أنه لا أمل في أن ينالها بسهامه، فيرسل وراءها كلابًا مسترخية الآذان، معودة للصيد، فلحقتها الكلاب، فرجعت البقرة عليهن تطعنهن لتطردهن عن نفسها.
والشاعر في هذا الوصف قد أفادنا بهذا الاستطراد، بتصوير حمر الوحش، والبقر الوحشية، وكلاب الصيد، وهذه الأوصاف تنبئنا عن أحوال هذه الحيوانات وطبيعتها، كما تدل على دقة الملاحظة، وقوة الإحساس الشعري عند الشاعر الجاهلي.
أما الخيل، فما أكثر الحديث عنها في الشعر الجاهلي، سواء في مجال الصيد، أم في مجال الحرب، وكلاهما يجيء في معرض الفخر بالفتوة والبطولة. وقد اشتهر بنعت الخيل من الشعراء طفيل الغنوي وأبو دؤاد الإيادي. والنابغة الجعدي. ومن خير الأمثلة في وصف خيل الصيد
стр. 430
ما قاله امرؤ القيس عنها في معلقته، وقد ذكرنا هذا الوصف في الكلام عن المعلقة، ومن أمثلة ما جاء في وصف خيل الحرب، ما ورد للمزرد عنها، فقد أجاد في وصفها ذكورًا وإناثًا. وقد بدأ بوصف الذكور فقال في المفضلية ١٧: ٥٨
وعندي إذا الحرب العوان تلقحت ... وأبدت هواديها الخطوب الزلازل٥٩
طوال القرا قد كاد يذهب كاهلًا ... جواد المدى والعقب، والخلق كامل٦٠
أجش صريحي كأن صهيله ... مزامير شرب جاوبتها جلاجل٦١
متى ير مركوبًا يقل باز قانص ... وفي مشيه عند القياد تساتل٦٢
تقول إذا أبصرته وهو صائم ... خباء على نشز أو السيد ماثل٦٣
خروج أضاميم وأحصن معقل ... إذا لم تكن إلا الجياد معاقل٦٤
مبرز غايات وإن يتل عانة ... يذرها كذود عاث فيها مخايل٦٥
يرى طامح العينين يرنو كأنه ... مؤانس ذعر فهو بالأذن خاتل٦٦
стр. 431
إذا الخيل من غب الوجيف رأيتها ... وأعينها مثل القلات حواجل٦٧
وقلقلته حتى كأن ضلوعه ... سفيف حصير فرجته الروامل٦٨
يرى الشد والتقريب نذرًا إذا عدا ... وقد لحقت بالصلب منه الشواكل٦٩
له طحر عوج كأن مضيغها ... قداح براها صانع الكف نابل٧٠
وصم الحوامي ما يبالي إذا جرى ... أَوَعْثُ نقا عنت له أم جنادل٧١
وسلهبة جرداء باق مريسها ... موثقة مثل الهراوة حائل٧٢
كميت عبناة السراة نمى بها ... إلى نسب الخيل الصريح وجافل٧٣
من المسبطرات الجياد طمرة ... لجوج، هواها السبسب المتماحل٧٤
صفوح بخديها وقد طال جريها ... كما قلب الكف الألد المجادل ٧٥
стр. 432
يفرطها عن كبة الخيل مصدق ... كريم وشد ليس فيه تخاذل٧٦
وإن رد من فضل العنان توردت ... هويّ قطاة أتبعتها الأجادل٧٧
مقربة لم تقتعد غير غارة ... ولم تمتر الأطباء منها السلائل٧٨
إذا ضمرت كانت جداية حلب ... أمرت أعاليها وشد الأسافل٧٩
وقد أصبحت عندي تلادًا عقيلة ... ومن كل مال متلدات عقائل٨٠
وأحبسها ما دام للزيت عاصر ... وما طاف فوق الأرض حاف وناعل٨١
ومما جاء في وصف النعام ما قاله علقمة الفحل في حديثه عن الناقة٨٢:
كأنها خاضب زعر قوادمه ... أجنى له باللوى شري وتنوم٨٣
يظل في الحنظل الخطبان ينقفه ... وما استطفت من التنوم مخذوم٨٤
стр. 433
فوه كشق العصا لأيًا تبينه ... أسك ما يسمع الأصوات مصلوم٨٥
حتى تذكر بيضات وهيجه ... يوم رذاذ عليه الريح مغيوم٨٦
فلا تَزَيّده في مشيه نفق ... ولا الزفيف دوين الشد مسئوم٨٧
يكاد منسمه يختل مقلته ... كأنه حاذر للنخس مشهوم٨٨
وضاعة كعصي الشرع جؤجؤه ... كأنه بتناهي الروض علجوم٨٩
يأوي إلى حكسل زعر حواصله ... كأنهن إذا بركن جرثوم٩٠
حتى تلافى وقرن الشمس مرتفع ... أدحيّ عرسين فيه البيض مركوم٩١
يوحي إليها بأنقاض ونقنقة ... كما تراطن في أفدانها الروم٩٢
صعل كأن جناحيه وجؤجؤه ... بيت أطافت به خرقاء مهجوم٩٣
تحفه هقلة سطعاء خاضعة ... تجيبه بزمار فيه ترنيم٩٤
стр. 434
يضرب الشاعر هنا مثلا لسرعة الناقة، بسرعة هذا الظليم، فيحدثنا عن أوصافه، وطبيعته، فهو قد اكتمل جسمًا وقوة، وتوفر له الغذاء الشهي ويتعرض لوصف فمه، وأذنيه، وساقيه، ويذكر أنه من طبيعته الاهتمام بالبيض، وبخاصة في أيام المطر، فإذا أحس أن المطر وشيك الحدوث، أسرع في الرواح ولو كان في غير ميعاد الإياب، وتزداد سرعته إذا كان بعيدًا عن مبيضه، أو إن بدأ سقوط المطر، وفي جريه السريع لا يمل ولا يشعر بالتعب، بل يضاعف من سرعته وتزيد حركة رجليه ورأسه، انخفاضًا وارتفاعًا، حتى ليكاد منسمه يشك عينه، وكلما ازداد جريه انتفخ صدره، فيتراءى كأنه بربط، ويظل يجري ويجري؛ ليصل إلى فراخه، وينقذ بيضاته، فتداركها، وحفظها، ثم نادى نعامته بأصوات معينة لم يفهمها الشاعر فكانت في سمعه كأنها رطانة الروم في قصورهم، وأخذ الظليم برأسه الصغير، وعنقه الخفيف، يرفع جناحيه ويخفضهما بسرعة، فجاءت إليه نعامته، وقد ردت عليه بصوت الأنثى فيه نغم وترنيم.
وهذا وصف بديع لهذا النوع من الحيوان، وتصوير لطيف لبعض عاداته، وقد أشار فيه الشاعر إلى معرفته بشيء عن الروم مما يدل على الصلة بينهم وبين العرب منذ الجاهلية.
ولو أردنا أن نستقصي كل ما قيل عن الحيوانات والطيور والحشرات في الشعر الجاهلي لطال بنا البحث والدرس، ويكفينا أن نذكر أنه قد ألفت في هذا الموضوع كتب، وقام فيه بعض الباحثين بأبحاث ودراسات مختلفة.
وفي وصف الأسلحة قال أوس بن حجر٩٥:
وإني امروء أعددت للحرب بعدما ... رأيت لها نابا من الشر أعصلا
أصم ردينيا كأن كعوبه ... نوى القسب عراصًا مزجًا منصلا٩٦
عليه كمصباح العزيز يشبه ... لفصح ويحشوه الذبال المفتلا٩٧
وأملس حوليًّا كنهي قرارة ... أحس بقاع نفح ريح فأجفلا٩٨
стр. 435
كأن قرون الشمس عند ارتفاعها
... وقد صادفت طلعًا من النجم أعزلا٩٩
تردد فيه ضوءها وشعاعها ... فأحصن وأزين لامرئ أن تسربلا
وأبيض هنديا كأن غراره ... تلألؤ برق في حبي تكللا١٠٠
إذا سل من غمد تآكل أثره ... على مثل مصحاة اللجين تأكلا١٠١
كأن مدب النمل يتبع الربا ... ومدرج ذر خاف بردًا فأسهلا١٠٢
على صفحتيه بعد حين جلائه ... كفى بالذي أبلي وأنعت منصلا
ومبضوعة من رأس فرع شظية ... بطود تراه بالسحاب مجللا
على ظهر صفوان كأن متونه ... عللن بدهن يزلق المتنزلا
يطيف بها راع يجشم نفسه ... ليكلأ فيها طرفه متأملا
فلاقى امرءًا من ميدعان وأسمحت ... قرونته باليأس منها وعجلا١٠٣
فقال له: هل تذكرن مخبرًا ... يدل على غنم ويقصر معملا
على خير ما أبصرتها من بضاعة ... لملتمس بيعًا لها أو تبكلا١٠٤
فويق جبيل شامخ الرأس لم تكن ... لتبلغه حتى تكل وتعملا
فأبصر ألهابًا من الطود دونه ... يرى بين رأسي كل نيقين مهبلا١٠٥
فأشرط فيها رأيه وهو معصم ... وألقى بأسبات له وتوكلا١٠٦
وقد أكلت أظفاره الصخر كلما ... تعيا عليه طول مرقى تسهلا
стр. 436
فما زال حتى نالها وهو مشفق ... على موطن لو زل عنه تفصلا١٠٧
فأقبل لا يرجو الذي صعدت به ... ولا نفسه إلا رجاءً مؤملا
فلما قضى مما يريد قضاءه ... وحل بها حرصا عليها فأطولا
أمر عليها ذات حد غرابها ... رقيق بأخذ بالمداوس صيقلا
على فخذيه من براية عودها ... شبيه سفا البهمى إذا ما تفتلا١٠٨
فجردها صفراء لا الطول عابها ... ولا قصر أزرى بها فتعطلا
إذا ما تعاطوها سمعت لصوتها ... إذا أنبضوا عنها نئيمًا وأملا١٠٩
وإن شد فيها النزع أدبر سهمها ... إلى منتهى من عجسها ثم أقبلا١١٠
وحشو جفير من فروع غرائب ... تنطع فيها صانع وتنبلا١١١
تخيرن أنضاء وركبن أنصلا ... كجمر الغضا في يوم ريح تزيلا١١٢
فلما قضى في الصنع منهن فهمه ... فلم يبق إلا أن تسن وتصقلا
كساهن من ريش يمان ظواهرا ... سخاما لؤامًا لين المس أطحلا١١٣
فذاك عتادي في الحروب إذا التظت ... وأردف بأس من خطوب وأعجلا
فإني رأيت الناس إلا أقلهم ... خفاف العهود يكثرون التنقلا
وإذا نظرنا في الوصف في الشعر الجاهلي نجد أنه على العموم، يعطينا صورة واضحة للمنظر الخارجي لكل ما وصفه الشعراء، حتى إن الموصوفات في جميع أحوالها تقريبا تكاد
стр. 437
تتجسم أمامنا من خلال الشعر، خاصة الحسية منها في دقة وإتقان.
ومع أن كل ما حاول الشعراء وصفه جاء تصويره على العموم دقيقًا متقنًا، فإن بعض الموصوفات نالت اهتمامًا ظاهرًا فمثلا الإبل والخيل قد فاقت في التصوير كل ما عداها، ويبدو واضحًا في الشعر، أنها حظيت من الشعراء بعناية فائقة واهتمام كبير، فقد صوروها تصويرًا دقيقًا: في حركاتها وسكناتها، وتتبعوا أجسامها جزئية جزئية، ولم يقتصروا على أعضائها الظاهرة، صغيرها وكبيرها، بل تحدثوا كذلك عن بعض أجزاء باطنية لا تراها العين كالنسا والشظا والقلب وفقار الظهر. وربما كان سبب هذه الخطوة أن الإبل كانت عماد حياتهم في الصحراء، والعرب-كانوا وما يزالون- يهيمون بالخيل، ويعتزون بها اعتزازًا كبيرًا حتى إنها كانت تعامل معاملة خاصة تنم عن حب العربي لها وتعلقه الشديد بها، لدرجة أنه كان لا يفارقها، فكانت تحت سمعه وبصره وحسه، ولا عجب حينئذ أن هيأ لهم ذلك فرصة طيبة لتتبعها في حركاتها وسكناتها، وتفحصها جزئية جزئية، فجاء تصويرهم لها بالغ الدقة والإتقان.
ويظهر من الشعر كذلك أن انفعال العربي بالخيل كان عظيمًا، وأنها كانت مصدر وحي وإلهام لا ينفد، فكثيرًا ما نجد الشاعر يطيل الحديث في تصويره فرسه، ثم يتبعه بصورة أخرى للحصان، مع أنه ليس هناك فرق بين الأنثى والذكر في هذا التصوير، اللهم إلا في الألفاظ والعبارات. ولئن قيل في تعليل ذلك أن الشاعر كان يقصد أن يبين أن لديه خيلًا كثيرة من ذكور وإناث، أو نحو ذلك، فإن هذا، بجانب ذلك كله، يدلنا على شدة تعلق العربي بالخيل وكثرة تأمله فيها، وقوة تأثر عواطفه وإحساساته بها، حتى دفعه ذلك إلى محاولة التنويع في التصوير.
والسائد في الوصف هو التصوير الحسي الذي يراد منه إدراك الموصوف بإحدى الحواس ومن المعروف أن الأشياء الحسية أقوى ظهورًا، وأسرع إدراكًا، وأقرب منالًا، ولا تحتاج في إدراكها إلى تعب عقلي، أو كد ذهني، وهذه أنسب الأمور للعقليات التي لم تمرن على التعمق في التفكير، أو إجهاد العقل في البحث والتأمل:
стр. 438
الفخر:
الفخر هو التغني بالأمجاد، ويكون عادة بادعاء أشياء للنفس أو للقبيلة ليست في متناول الجميع بيسر وسهولة، وهو في الشعر الجاهلي نوعان: شخصي وقبلي، ومن خير الأمثلة له: معلقة عمرو بن كلثوم ومعلقة الحارث بن حلزة وهما في الفخر القبلي، ومعلقة طرفة ومعلقة عنترة، وهما في الفخر الشخصي، والنوعان في معلقة لبيد، وقد ورد الفخر في كثير من القصائد للشعراء المذكورين من أصحاب المعلقات وغيرهم. مثل عامر بن الطفيل، وعبيد بن الأبرص، وسلامة بن جندل، والحصين بن الحمام، وفي أشعار كثير غير هؤلاء، بل إن كل شاعر جاهلي تقريبًا لا يخلو شعره من الفخر.
وكان الفخر عند الجاهليين يقوم عادة على التغني بالبطولة والشهامة، وكثرة الحروب، وشن الغارات، والنصر والغلبة، والقوة، والبأس، والعدد، والخيل، والإبل، والسلاح، وإثارة الفزع في نفوس الأعداء، ومنازلة الملوك والرؤساء، وكثرة الغنائم، والأسرى والسبايا، كما كانوا يتباهون بالأصل والنسب والحسب والآباء والأجداد، وما كان لهم من مفاخر وأمجاد، وبأصالة الرأي، وسداد القول، وبعد النظر، وكمال العقل، والوقار والرزانة والحلم والأناة، والمروءة، والوفاء، وبالمحبة والصفاء بين العشيرة، وسد حاجة المحتاج منهم، وتحمل الغني أعباء القبيلة، ورعاية للفقراء منها، والصفح فيما بينهم عن هفوات بعضهم، وعدم التفاخر فيما بينهم، وتضامنهم، وعظم المجالس، واحترامهم، وبعدهم عن الفحش، والصغار، وبشرب الخمر، والتفاني في شرابها وإسقائها للآخرين، والتضحية في سبيلها بأكرم الأموال، وأغلى الممتلكات، وبالطيب، وطول الثياب، ولعب الميسر، والقمار، وعقر النوق، والتباري في عقرها، وإكرام الضيفان، واتساع النادي، وكثرة الجفان وبرعاية الجار، والمحافظة على شرفه، وأمواله، وكذلك اللاجئ وإغاثة الملهوف، وتلبية النداء في غير ما توانٍ أو تلكؤ، كما تفاخروا بالفصاحة والبيان، وجيد القول، وروائع الشعر، والغلبة في المناقشة والجدال.
ومن أمثلة الفخر ما جاء في قصيدة لسويد بن أبي كاهل اليشكري، يتغنى بأمجاد قومه، إذ يقول١١٤:
стр. 439
من أناس ليس من أخلاقهم ... عاجل الفحش، ولا سوء الجزع١١٥
عرف للحق، ما نعيا به ... عند مر الأمر، ما فينا خرع١١٦
وإذا هبت شمالًا أطعموا ... في قدور مشبعات لم تجع١١٧
وجفان كالجوابي ملئت ... من سمينات الذرا فيها ترع ١١٨
لا يخاف الغدر من جاورهم ... أبدا منهم ولا يخشى الطبع١١٩
ومساميح بها ضن به ... حاسروا الأنفس عن سوء الطمع١٢٠
حسنو الأوجه بيض سادة ... ومراجيح إذا جد الفزع١٢١
وزن الأحلام إن هم وازنوا ... صادقو البأس إذا البأس نصع١٢٢
وليوث تتقي عرتها ... ساكنو الريح إذا طار القزع١٢٣
فيهم ينكى عدو وبهم ... يرأب الشعب إذا الشعب انصدع١٢٤
стр. 440
عادة كانت لهم معلومة ... في قديم الدهر ليست بالبدع١٢٥
ومن أحسن ما ورد في الفخر القبلي ما قاله طرفة، وقد ذكر فيه يوم التحالق، وكان لبكر على تغلب، وكان الحارث بن عباد أشار عليهم قبل بدء القتال أن يحلقوا رءوسهم ليكون ذلك علامة لهم يعرف بها بعضهم بعضا١٢٦:
سائلوا عنا الذي يعرفنا ... بقوانا يوم تحلاق اللمم١٢٧
يوم تبدي البيض عن أسؤقها ... وتلف الخيل أعراج النعم١٢٨
ونكر الخيل في أدبارها ... يوم لا يعطف إلا ذو كرم١٢٩
أجدر الناس برأس صلدم ... حازم الأمر شجاع في الوغم١٣٠
كامل يجمع آلاء الفتي ... نبه سيد سادات خضم١٣١
стр. 441
خير حي من معد علموا ... لكفيّ ولجار وابن عم١٣٢
يجبر المحروب فينا ماله ... ببناء وسوام وخدم١٣٣
نقل للشحم في مشتاتنا ... نحر للنيب طراد القرم١٣٤
نزع الجاهل في مجلسنا ... فترى المجلس فينا كالحرم١٣٥
وتفرعنا من ابني وائل ... هامة المجد وخرطوم الكرم١٣٦
من بني بكر إذا ما نسبوا ... وبني تغلب ضرابي البهم١٣٧
حين يحمي الناس نحمي سربنا ... واضحي الأوجه معروفي الكرم١٣٨
بحسامات تراها رسبا ... في الضريبات مترات العصم١٣٩
стр. 442
وقنا جرد وخيل ضمر ... شزب من طول تعلاك اللجم١٤٠
هيكلات وفحول وقح ... أعوجيات على الشأو أزم١٤١
أدت الصنعة في أمتنها ... فهي من تحت مشيحات الحزم١٤٢
تهص الأرض برح وقح ... ورق يقعرن أنباك الأكم١٤٣
وتفرى اللحم من تعدائها ... والتغالي فهي قب كالعجم١٤٤
خلج الشد ملحات إذا ... شالت الأيدي عليها بالجذم١٤٥
стр. 443
قدما تنضو إلى الداعي إذا ... خلل الداعي بدعوى ثم عم١٤٦
بشباب وكهول نهد ... كليوث بين عريس الأجم١٤٧
نمسك الخيل على مكروهها ... حين لا يمسك إلا ذو كرم١٤٨
تذر الأبطال صرعى بينها ... تعكف العقبان فيها والرخم١٤٩
فطرفة هنا يفتخر بانتصار قومه في معركة يوم التحالق، وكان القتال فيها عنيفًا ثم يعدد أمجاد قومه: رئيسهم عظيم معطاء، حازم شجاع واسع العقل سيد الرؤساء، وهم خير القبائل العدنانية، وأكرم الناس وأكرمهم جودًا، وأعظمهم مجدًا، وأرفعهم منزلة، مشهورون بالبطولة والشهامة وكرم المحتد، عددهم خير الأسلحة وأمضاها، وخيلهم كريمة مدربة في الحروب قوية صلبة الأجسام، تحمل أبطالًا يحسنون قيادتها في وقت الشدة حين لا يستطيع ذلك إلا كل بطل كريم.
وقد سبق في معلقته فخر شخصي تباهى فيه بصفات الفتى القوي الشجاع والإنسان الكريم الطموح.
وكان الشاعر إذا تقدمت سنه وعلاه الشيب، تغنى بذكريات شبابه، وافتخر بما كان له
стр. 444
ولقومه من أمجاد، من ذلك ما يقوله سلامة بن جندل السعدي١٥٠
أودى الشباب حميدًا ذو التعاجيب ... أودى وذلك شأو غير مطلوب١٥١
ولى حثيثا وهذا الشيب يطلبه ... لو كان يدركه ركض اليعاقيب١٥٢
أودى الشباب الذي مجد عواقبه ... فيه نلذ، ولا لذات للشيب١٥٣
يومان يوم مقامات وأندية ... ويوم سير إلى الأعداد تأويب١٥٤
وكرنا خيلنا أدراجها رجعًا ... كس السنابك من بدء وتعقيب١٥٥
والعاديات أسابيّ الدماء بها ... كأن أعناقها أنصاب ترجيب١٥٦
من كل حت إذا ما ابتل ملبده ... صافي الأديم أسيل الخد يعبوب١٥٧
في كل قائمة منه إذا اندفعت ... منه أساو كفرع الدلو أثعوب ١٥٨
стр. 445
كأنه يرفئيّ نام عن غنم ... مستنفر في سواد الليل مذؤوب١٥٩
يحاضر الجون مخضرًّا جحافلها ... ويسبق الألف عفوًا غير مضروب١٦٠
كم من فقير بإذن الله قد جبرت ... وذي غنى بوأته دار محروب١٦١
مما تقدم في الهيجا إذا كرهت ... عند الطعان وتنجي كل مكروب١٦٢
همت معد بنا هما فنهنهها ... عنا طعان وضرب غير تذبيب١٦٣
بالمشرفي ومصقول أسنتها ... صم العوامل صدقات الأنابيب١٦٤
يجلو أسنتها فتيان عادية ... لا مقرفين ولا سود جعابيب١٦٥
سوى الثقاف قناها فهي محكمة ... قليلة الزيغ من سن وتركيب١٦٦
زرقًا أسنتها حمرًا مثقفة ... أطرافهن مقيل لليعاسيب١٦٧
стр. 446
كأنها بأكف القوم إذ لحقوا ... موانح البئر أو أشطان مطلوب١٦٨
كلا الفريقين أعلاهم وأسفلهم ... يشقى بأرماحنا غير التكاذيب١٦٩
إني وجدت بني سعد يفضلهم ... كل شهاب على الأعداء مشبوب١٧٠
إلى تميم حماة العز نسبتهم ... وكل ذي حسب في الناس منسوب١٧١
قوم إذا صرحت كحل بيوتهم ... عز الذليل ومأوى كل قرضوب١٧٢
ينجيهم من دواهي الشر إن أزمت ... صبر عليها وقبص غير محسوب١٧٣
كنا نحل إذا هبت شآمية ... بكل واد حطيب الجو مجدوب١٧٤
شيب المبارك مدروس مدافعه ... هابي المراغ قليل الودق موظوب١٧٥
كنا إذا ما أتانا صارخ فزع ... كان الصراخ له قرع الظنابيب١٧٦
وشد كور على وجناء ناجية ... وشد سرج على جرداء سرحوب١٧٧
стр. 447
ويظهر واضحا من شعر الفخر أن العربي في الجاهلية كان يحب أن يظهر نفسه بمظهر التفوق التام على الآخرين، وأن يشاع عنه أنه أعلى شأنًا من غيره في كل شيء، ويتضح من فخرهم أن الميل إلى الإعجاب الشديد بالنفس كان متسلطًا على العرب في الجاهلية لدرجة عظيمة، حتى إن الشاعر في بعض الأحيان كان يفخر بتفوق فرعه على بقية فروع قبيلته الآخرين، فيدعي أنه نال من الأمجاد والبطولة والفوز ما لم يستطع الآخرون أن يصلوا إليه، وأظهر مثل لذلك، قول عمرو بن كلثوم.
وكنا الأيمنين إذا التقينا ... وكان الأيسرين بنو أبينا
فصالوا صولة فيمن يليهم ... وصلنا صولة فيمن يلينا
فآبوا بالنهاب وبالسبايا ... وأبنا بالملوك مصفدينا
فقومه هم الأيمنون، في حين أن بقية عشيرته في غير فرعه كانوا أهل الشمال وبينما رجع هؤلاء من الحرب بالنهاب والسبايا، عاد قومه وقد أسروا ملوك الأعداء ورؤساءهم، وقد صفدوهم بالقيود والأغلال.
وفي الفخر نرى أن ما قيل في الناحية القبلية يكاد يكون ثلاثة أضعاف ما قيل في الناحية الشخصية. وهذا معناه أن العصبية القومية كانت سائدة في ذلك الحين، حتى استولت على نفوس الشعراء، وسيطرت إلى حد كبير على مشاعرهم، فكان فيها معظم إنتاجهم.
ولكن هذا يدلنا من ناحية أخرى على أن الشاعر -في وسط هذا الشعور الجماعي المتسلط- ما كان لينسى نفسه: كفرد قائم بذاته، وكشاعر له إحساسه الخاص، فكان يتحدث عن نفسه، ويفتخر بشخصيته، وبطولته، وقوته، في حرية تامة، وكيفما شاء.
стр. 448
الهجاء والوعيد والإنذار:
كان الهجاء على عكس الفخر، يعددون فيه عيوب الخصوم والأعداء، فيذكرون ما في تاريخهم من مخازٍ، وما نزل بهم من هزائم، وما حل بهم من خسائر أو عار، ويرمونهم بأقبح العادات، وذميم الصفات، وكثيرًا ما كان يتخلل هجاءهم وعيد وتهديد، وقد كان الهجاء يوجه إلى الأعداء في معرض الفخر، أو في ثنايا المدح؛ لأن في تحقير الأعداء والحطة من شأنهم رفعة للمفتخر أو للممدوح. وكان من أبرز ما هجا به الشعراء في العصر الجاهلي:
стр. 449
الهزيمة في الحروب، والجبن، والضعف، والفرار من الميدان، والقتل، والأسر، والسبي، ودفع الفدية، والنفي من الموطن، وخسة الأصل، ولؤم الطبع، والبخل، والشح والحرص، والاعتداء على الجار واللاجئ، والهرب من الضيفان، والحمق، والغدر، وإنكار الجميل، وكفران المعروف، وأخذ الدية، والجوع، وسوء الغذاء، وما كان العدو أو الخصم ليسلم من الهجاء والسب والذم مهما علا شأنه، ولو كان ملكًا، وهجاء طرفة والمتلمس لعمرو بن هند ملك الحيرة مشهور، وقد كان عمرو من أقسى الملوك، وأعنفهم. ويذكر الرواة لهما فيه هجاء مؤلمًا١٧٨ عنيفًا. كذا هجاء عبد قيس بن خفاف البرجمي النعمان بن المنذر ملك الحيرة. وقد رأينا في معلقة الحارث بن حلزة هجاءً وتقريعًا في تهكم وسخرية، مما يدل على ذكاء وعبقرية. ومن أمثلة الهجاء ما يقوله أوس بن غلفاء الهجيمي التميمي، في هجاء يزيد بن الصعق الكلابي، ومنه١٧٩:
فأجر يزيد مذمومًا أو انزع ... على علب بأنفك كالخطام١٨٠
وإن الناس قد علموك شيخًا ... تهوك بالنواكة كل عام١٨١
وإنك من هجاء بني تميم ... كمزداد الغرام إلى الغرام١٨٢
هم منوا عليك فلم تثبهم ... فتيلًا غير شتم أو خصام١٨٣
وهم ضربوك ذات الرأس حتى ... بدت أم الدماغ من العظام١٨٤
فإنا لم يكن ضباء فينا ... ولا ثقف ولا ابن أبي عصام١٨٥
ولا فضح الفضوح ولا شييم ... ولا سلماكم، صمي صمام١٨٦
стр. 450
وكان عمرو بن هند أخو قابوس بن هند ملكًا على الحيرة. وكان عمرو شديدًا، وكان له يوم بؤس، ويوم نعمى، فيوم يركب في صيده يقتل أول من لقي، ويوم يقف الناس ببابه، فإن اشتاق حديث رجل أذن له، فهجاه طرفة فقال:
فليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثًا حول قبتنا تخور١٨٧
من الزمرات أسبل قادماها ... وضرتها مركنة درور١٨٨
يشاركنا لنا رخلان فيها ... وتعلوها الكباش فما تنور١٨٩
لعمرك إن قابوس بن هند ... ليخلط ملكه نوك كثير١٩٠
قسمت الدهر في زمن رخي ... كذاك الحكم يقصد أو يجور١٩١
لنا يوم وللكروان يوم ... تطير البائسات وما نطير١٩٢
стр. 451
فأما يومهن فيوم نحس ... تطاردهن بالحدب الصقور١٩٣
وأما يومنا فنظل ركبًا ... وقوفًا ما نحل وما نسير١٩٤
وكانت الهزيمة مؤلمة أشد الألم على الفرسان، تثير الغيظ والحقد والبغضاء، فكانوا يتبعونها بوعيد وتهديد ليمحوا آثار ما حدث، ويعيدوا إلى أنفسهم مجد النصر والشرف. من ذلك مثلًا ما حدث في يوم الرقم حيث انتصرت فيه غطفان على بني عامر بن صعصعة رهط عامر بن الطفيل، فأقبل عامر منهزمًا حتى دخل بيت أسماء بن قدامة الفزارية، ثم تمكن من الفرار، فقال١٩٥:
ولتسألن أسماء وهي حفية ... نصحاءها أطردت أم لم أطرد؟
قالوا لها: فلقد طردنا خيله ... قلح الكلاب، وكنت خير مطرد
فلأنعينكم الملا وعوارضًا ... ولأهبطن الخيل لابة ضرغد
بالخيل تعثر في القصيد كأنها ... حدأ تتابع في الطريق الأقصد
ولأثأرن بمالك وبمالك ... وأخي المرواة الذي لم يسند
وقتيل مرة أثأرن فإنه ... فرع وإن أخاهم لم يقصد
يا أسم أخت بني فزارة إنني ... غازٍ، وإن المرء غير مخلد
فيئي إليك فلا هوادة بيننا ... بعد الفوارس إذ ثووا بالمرصد
إلا بكل أحم نهد سابح ... وعلالة من كل أسمر مذود
وأنا ابن حرب لا أزال أشبها ... سعرًا وأوقدها إذا لم توقد
فإذا تعذرت البلاد فأمحلت ... فمجازها تيماء أو بالأثمد
فالشاعر هنا يتأجج غضبًا وثورة، ويهدد أعداءه ويتوعدهم بحرب ضروس يثأر بها لشرفه ويقتص للأبطال من قومه، ويذيق فيها الأعداء أقسى أنواع العذاب.
стр. 452
وقد كان التهديد بالشعر من الوسائل التي توعد بها الشعراء أعداءهم، تشهيرا بهم، ونشرا لمخازيهم وعيوبهم، بجانب الحرب والقتال، من ذلك ما يقوله النابغة الذبياني في تهديده لعدوه:
فلتأتينك قصائد وليدفعن ... جيش إليك قوادم الأكوار١٩٦
ومما ورد في التهديد بالشعر، هجاء وتشهيرًا بالمخازي والعيوب قول مزرد١٩٧:
فدع ذا ولكن ما ترى رأي عصبة ... أتتني منهم منديات عضائل١٩٨
يهزون عرضي بالمغيب ودونه ... لقرمهم مندوحة ومآكل١٩٩
على حين أن جربت واشتد جانبي ... وأنبح مني رهبة من أناضل٢٠٠
وجاوزت رأس الأربعين فأصبحت ... قناتي لا يلفى لها الدهر عادل ٢٠١
فقد علموا في سالف الدهر أنني ... معن إذا جد الجراء ونابل٢٠٢
زعيم لمن قاذفته بأوابد ... يغني بها الساري وتحدى الرواحل٢٠٣
مذكرة تلقى كثيرًا رواتها ... ضواح، لها في كل أرض أزامل٢٠٤
تكر فلا تزداد إلّا استنارة ... إذا رازت الشعر الشفاه العوامل٢٠٥
стр. 453
فمن أرمه منها ببيت يلح به ... كشامة وجه، ليس للشام غاسل٢٠٦
كذاك جزائي في الهديِّ وإن أقل ... فلا البحر منزوح ولا الصوت صاحل٢٠٧
ويلاحظ في الهجاء أنه وإن كان مثيرًا، فإنه على العموم عفيفًا فلم يكن بصفة عامة مقذعًا، ولم ينزل إلى الحضيض أو السب الجارح.
وإذ حدث من الأقارب ما يستحق المؤاخذة، فإنه يوجه اللوم أو التوبيخ، وكان أسلوبه أقل عنفًا من هجاء الأجانب، وأحيانًا كان يقال في أسلوب التلميح أو التعريض لا التصريح، كالأبيات التي تنسب إلى سعد بن مالك في حرب البسوس، وفيه دعاء عليهم أن يجازيهم الله بفعلتهم وما ارتكبوا ضد قومهم وعشيرتهم.
وأشد ما يكون الهجاء عنفًا عندما يكون ردًّا على منتصر، أو هجاء سابق٢٠٨.
وكان الوعيد يقال بصيغة قوية ملتهبة تؤكد التصميم على تنفيذه وبخاصة إذا كان للأخذ بالثأر.
وفي التهديد بالشعر بيان لقوة الشعر وعمق تأثيره في نفوسهم.
وكان الشاعر يستشيط غضبًا عندما يعلم أن العدو يدبر الأمور لشن القتال ضد قومه، فيسرع الشاعر إلى تنبيه قومه، واستثارة حميتهم، لكي يعدوا العدة للقاء أعدائهم ورد كيدهم في نحورهم، وإذا كان بعيدًا عنهم أرسل إليهم سرًّا على عجل منذرًا ومستثيرًا، كما كان من لقيط بن يعمر الإيادي، فقد كان كاتبًا في ديوان كسرى، فعلم أنه مجمع على غزو إياد، فكتب إليهم شعرًا ينذرهم به، فوقع الكتاب بيد كسرى، فقطع لسان لقيط، وغزا إيادًا. فمما كتبه لقيط في ذلك قوله٢٠٩:
بل أيها الراكب المزجي مطيته ... إلى الجزيرة مرتادًا ومنتجعا٢١٠
стр. 454
أبلغ إيادًا وخلل في سراتهم ... إني أرى الرأي أن لم أعص قد نصعا٢١١
يا لهف نفسي إن كانت أموركم ... شتى وأحكم أمر الناس فاجتمعا
إني أراكم وأرضا تعجبون بها ... مثل السفينة تغشى الوعث والطبعا٢١٢
ألا تخافون قوما لا أبا لكم ... أمسوا إليكم كأمثال الدبا سرعا٢١٣
أبناء قوم تأووكم على حنق ... لا يشعرون أضر الله أم نفعا
أحرار فارس أبناء الملوك لهم ... من الجموع جموع تزدهي القلعا٢١٤
فهم سراع إليكم: بين ملتقط ... شوكا، وآخر يجني الصاب والسلعا٢١٥
لو أن جمعهم راموا بهدته ... شم الشماريخ من ثهلان لانصدعا٢١٦
في كل يوم يسنون الحراب لكم ... لا يهجعون إذا ما غافل هجعا
خرز عيونهم كأن لحظهم ... حريق غاب ترى منه السنا قطعا٢١٧
لا الحرث يشغلهم، بل لا يرون لهم ... من دون بيضتكم ريًّا ولا شبعا٢١٨
وأنتم تحرثون الأرض عن سفه ... في كل معتمل تبغون مزدرعا
وتلقحون حيال الشول آونة ... وتنتجون بدار القلعة الربعا٢١٩
وتلبسون ثياب الأمن ضاحية ... لا تفزعون وهذا الليث قد جمعا
وقد أظلمكم من شطر ثغركم ... هول له ظلم تغشاكم قطعا.
стр. 455
ما لي أراكم نياما في بلهنية ... وقد ترون شهاب الحرب قد سطعا٢٢٠
فاشفوا غليلي برأي منكم حصد ... يصبح فؤادي له ريان قد نقعا٢٢١
ولا تكونوا كمن قد بات مكتنعًا ... إذا يقال له افرج غمة كنعا٢٢٢
يسعى ويحسب أن المال مخلده ... إذا استفاد طريفًا زاده طمعا
فاقنوا جيادكم واحموا ذماركم ... واستشعروا الصبر لا تستشعروا الجزعا٢٢٣
ولا يدع بعضكم بعضًا لنائبة ... كما تركتم بأعلى بيشة النخعا٣٢٤
صونوا حيادكم واجلوا سيوفكم ... وجددوا للقسي النبل والشرعا٢٢٥
أذكوا العيون وراء السرح واحترسوا ... حتى ترى الخيل من تعدائها رجعا٢٢٦
واشروا تلادكم في حرز أنفسكم ... وحرز أهلكم لا تهلكوا هلعا٢٢٧
فإن غلبتم على ضن بداركم ... فقد لقيتم بأمر الحازم الفزعا
لا تلهكم إبل، ليست لكم إبل! ... إن العدو بعظم منكم قرعا٢٢٨
لا تثمروا المال للأعداء إنهم ... إن يظهروا يحتووكم والتلاد معا٢٢٩
هيهات لا مال من زرع ولا إبل ... يرجى لغابركم إن أنفكم جدعا٢٣٠
والله ما انفكت الأموال مذ أبد ... لأهلها إن أصيبوا مرة تبعا
يا قوم إن لكم من إرث أولكم ... مجدًا قد أشفقت أن يفنى وينقطعا.
стр. 456
ماذا يرد عليكم عز أولكم ... إن ضاع آخره أو ذل واتضعا
يا قوم لا تأمنوا إن كنتم غيرًا ... على نسائكم كسرى وما جمعا٢٣١
يا قوم بيضتكم لا تفجعن بها ... إني أخاف عليها الأزلم الجذعا٢٣٢
هو الجلاء الذي يجتث أصلكم ... فمن رأى مثل ذا رأيا ومن سمعا
قوموا قيامًا على أمشاط أرجلكم ... ثم افزعوا، قد ينال الأمن من فزعا٣٣٣
وقلدوا أمركم، لله دركم ... رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا٣٣٤
لا مترفا إن رخاء العيش ساعده ... ولا إذا عض مكروه به خشعا٢٣٥
لا يطعم النوم إلا ريث يبعثه ... هم يكاد سناه يقصم الضلعا٢٣٦
مسهد النوم تعنيه أموركم ... يروم منها إلى الأعداء مطلعا٢٣٧
ما انفك يحلب هذا الدهر أشطره ... يكون متبعًا طورًا ومتبعا٢٣٨
حتى استمرت على شزر مريرته ... مستحكم الرأي لا قحمًا ولا ضرعا٢٣٩
وليس يشغله مال يثمره ... عنكم ولا ولد يبغي له الرفعا٢٤٠
كمالك بن قنان أو كصاحبه ... عمرو القنا يوم لاقى الحارثين معا
إذ عابه عائب يوما فقال له ... دمث لجنبك قبل الليل مضجعا٢٤١
стр. 457
فشاوروه فألفوه أخا علل ... في الحرب لا عاجزًا نكسًا ولا ورعا٢٤٢
لقد بذلت لكم نصحي بلا دخل ... فاستيقظوا، إن خير العلم ما نفعا٢٤٣
هذا كتابي إليكم والنذير لكم ... لمن رأى فيه منكم ومن سمعا
وهكذا يتجلى في إنذار العشيرة بالخطر للاستعداد لملاقاته الحب والإخلاص.
стр. 458
المدح:
كانوا يمدحون إشادة بعظيم، أو إعجابًا وإكبارًا لعمل جليل. أو اعترافًا بصنع جميل، أو رغبة في معروف، أو حبًّا في العطايا والمنح، وكانت المعاني التي تردد في المدح من بين تلك التي يتغنون بها في الفخر.
يروى أنه لما حارب الحارث بن جبلة بن أبي شمر الغساني بني تميم، وانتصر عليهم. أخذ أسراهم. وفيهم شأس أخو علقمة الفحل. فرحل إليه علقمة يطلبه منه، فقال قصيدة يمدح فيها الحارث، بدأها بالغزل ووصف الناقة التي حملته إلى الممدوح. ثم شرع في المدح، فكان مما قال٢٤٤:
وأنت امرؤ أفضت إليك أمانتي ... وقبلك ربتني، فضعت، ربوب٢٤٥
فأدت بنو كعب بن عوف ربيبها ... وغودر في بعض الجنود ربيب٢٤٦
فوالله لولا فارس الجون منهم ... لآبوا خزايا، والإياب حبيب٢٤٧
стр. 459
تقدمه حتى تغيب حجوله ... وأنت لبيض الدارعين ضروب٢٤٨
مظاهر سربالي حديد عليهما ... عقيلا سيوف مخذم ورسوب٢٤٩
فجالدتهم حتى اتقوك بكبشهم ... وقد حان من شمس النهار غروب٢٥٠
تخشخش أبدان الحديد عليهم ... كما خشخشت يبس الحصاد جنوب٢٥١
وقاتل من غسان أهل حفاظها ... وهنب وقاس جالدت وشبيب٢٥٢
كأن رجال الأوس تحت لبانه ... وما جمعت جل معًا وشبيب٢٥٣
رغا فوقهم سقب السماء فداحض ... بشكته لم يستلب وسليب٢٥٤
كأنهم صابت عليهم سحابة ... صواعقها لطيرهن دبيب٢٥٥
فلم تنج إلا شطبة بلجامها ... وإلا طِمِرٌّ كالقناة نجيب٢٥٦
وإلا كمي ذو حفاظ كأنه ... بما ابتل من حد الظبات خضيب٢٥٧
وأنت الذي آثاره في عدوه ... من البؤس والنعمى لهن ندوب٢٥٨
стр. 460
وفي كل حي قد خبطت بنعمة ... فحق لشأس من نداك ذنوب٢٥٩
وما مثله في الناس إلا قبيله ... مساوٍ ولا دانٍ لذاك قريب٢٦٠
فلا تحرمني نائلا عن جنابة ... فإني امرؤ وسط القباب غريب٢٦١
وحينما يسدي الممدوح إلى الشاعر أو قبيلته معروفًا. كأن يطلق أسراهم، أو يحمي اللاجئين إليه منهم. يعترف له الشاعر بالفضل ويشكره على حسن صنيعه. ويثني عليه جزاء ما قدم من جميل.
ويروى أنه لما أغار النعمان بن وائل بن الجلاح الكلبي على بني ذبيان أخذ منهم. وسبى سبيًا من غطفان. وأخذ عقرب بنت النابغة الذيباني فسألها: من أنت؟ فقالت: أنا بنت النابغة. فقال لها: والله ما أحد أكرم علينا من أبيك وما أنفع لنا عند الملك. ثم جهزها. وخلاها. ثم قال: والله ما أرى النابغة يرضى بهذا منا. فأطلق له سبي غطفان وأسراهم.
فقال النابغة في مدحه٢٦٢:
لعمري لنعم الحي صبح سربنا ... وأبياتنا يومًا بذات المراود٢٦٣
يقودهم النعمان منه بمحصف ... وكيد يعم الخارجي مناجد
وشيمة لا وانٍ ولا واهن القوى ... وجد إذا خاب المفيدون صاعد
فآب بأبكار وعون عقائل ... أوانس يحميها امرؤ غير زاهد
ويخططن بالعيدان في كل مقعد ... يخبئن رمان الثدي النواهد
ويضربن بالأيدي وراء براغز ... حسان الوجوه كالظباء العواقد
غرائر لم يلقين بأساء قبلها ... لدى ابن الجلاح ما يثقن بوافد
أصاب بني غيظ فأضحوا عباده ... وجللها نعمى على غير واحد