ماذا يرد عليكم عز أولكم ... إن ضاع آخره أو ذل واتضعا
يا قوم لا تأمنوا إن كنتم غيرًا ... على نسائكم كسرى وما جمعا٢٣١
يا قوم بيضتكم لا تفجعن بها ... إني أخاف عليها الأزلم الجذعا٢٣٢
هو الجلاء الذي يجتث أصلكم ... فمن رأى مثل ذا رأيا ومن سمعا
قوموا قيامًا على أمشاط أرجلكم ... ثم افزعوا، قد ينال الأمن من فزعا٣٣٣
وقلدوا أمركم، لله دركم ... رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا٣٣٤
لا مترفا إن رخاء العيش ساعده ... ولا إذا عض مكروه به خشعا٢٣٥
لا يطعم النوم إلا ريث يبعثه ... هم يكاد سناه يقصم الضلعا٢٣٦
مسهد النوم تعنيه أموركم ... يروم منها إلى الأعداء مطلعا٢٣٧
ما انفك يحلب هذا الدهر أشطره ... يكون متبعًا طورًا ومتبعا٢٣٨
حتى استمرت على شزر مريرته ... مستحكم الرأي لا قحمًا ولا ضرعا٢٣٩
وليس يشغله مال يثمره ... عنكم ولا ولد يبغي له الرفعا٢٤٠
كمالك بن قنان أو كصاحبه ... عمرو القنا يوم لاقى الحارثين معا
إذ عابه عائب يوما فقال له ... دمث لجنبك قبل الليل مضجعا٢٤١
стр. 457
فشاوروه فألفوه أخا علل ... في الحرب لا عاجزًا نكسًا ولا ورعا٢٤٢
لقد بذلت لكم نصحي بلا دخل ... فاستيقظوا، إن خير العلم ما نفعا٢٤٣
هذا كتابي إليكم والنذير لكم ... لمن رأى فيه منكم ومن سمعا
وهكذا يتجلى في إنذار العشيرة بالخطر للاستعداد لملاقاته الحب والإخلاص.
стр. 458
المدح:
كانوا يمدحون إشادة بعظيم، أو إعجابًا وإكبارًا لعمل جليل. أو اعترافًا بصنع جميل، أو رغبة في معروف، أو حبًّا في العطايا والمنح، وكانت المعاني التي تردد في المدح من بين تلك التي يتغنون بها في الفخر.
يروى أنه لما حارب الحارث بن جبلة بن أبي شمر الغساني بني تميم، وانتصر عليهم. أخذ أسراهم. وفيهم شأس أخو علقمة الفحل. فرحل إليه علقمة يطلبه منه، فقال قصيدة يمدح فيها الحارث، بدأها بالغزل ووصف الناقة التي حملته إلى الممدوح. ثم شرع في المدح، فكان مما قال٢٤٤:
وأنت امرؤ أفضت إليك أمانتي ... وقبلك ربتني، فضعت، ربوب٢٤٥
فأدت بنو كعب بن عوف ربيبها ... وغودر في بعض الجنود ربيب٢٤٦
فوالله لولا فارس الجون منهم ... لآبوا خزايا، والإياب حبيب٢٤٧
стр. 459
تقدمه حتى تغيب حجوله ... وأنت لبيض الدارعين ضروب٢٤٨
مظاهر سربالي حديد عليهما ... عقيلا سيوف مخذم ورسوب٢٤٩
فجالدتهم حتى اتقوك بكبشهم ... وقد حان من شمس النهار غروب٢٥٠
تخشخش أبدان الحديد عليهم ... كما خشخشت يبس الحصاد جنوب٢٥١
وقاتل من غسان أهل حفاظها ... وهنب وقاس جالدت وشبيب٢٥٢
كأن رجال الأوس تحت لبانه ... وما جمعت جل معًا وشبيب٢٥٣
رغا فوقهم سقب السماء فداحض ... بشكته لم يستلب وسليب٢٥٤
كأنهم صابت عليهم سحابة ... صواعقها لطيرهن دبيب٢٥٥
فلم تنج إلا شطبة بلجامها ... وإلا طِمِرٌّ كالقناة نجيب٢٥٦
وإلا كمي ذو حفاظ كأنه ... بما ابتل من حد الظبات خضيب٢٥٧
وأنت الذي آثاره في عدوه ... من البؤس والنعمى لهن ندوب٢٥٨
стр. 460
وفي كل حي قد خبطت بنعمة ... فحق لشأس من نداك ذنوب٢٥٩
وما مثله في الناس إلا قبيله ... مساوٍ ولا دانٍ لذاك قريب٢٦٠
فلا تحرمني نائلا عن جنابة ... فإني امرؤ وسط القباب غريب٢٦١
وحينما يسدي الممدوح إلى الشاعر أو قبيلته معروفًا. كأن يطلق أسراهم، أو يحمي اللاجئين إليه منهم. يعترف له الشاعر بالفضل ويشكره على حسن صنيعه. ويثني عليه جزاء ما قدم من جميل.
ويروى أنه لما أغار النعمان بن وائل بن الجلاح الكلبي على بني ذبيان أخذ منهم. وسبى سبيًا من غطفان. وأخذ عقرب بنت النابغة الذيباني فسألها: من أنت؟ فقالت: أنا بنت النابغة. فقال لها: والله ما أحد أكرم علينا من أبيك وما أنفع لنا عند الملك. ثم جهزها. وخلاها. ثم قال: والله ما أرى النابغة يرضى بهذا منا. فأطلق له سبي غطفان وأسراهم.
فقال النابغة في مدحه٢٦٢:
لعمري لنعم الحي صبح سربنا ... وأبياتنا يومًا بذات المراود٢٦٣
يقودهم النعمان منه بمحصف ... وكيد يعم الخارجي مناجد
وشيمة لا وانٍ ولا واهن القوى ... وجد إذا خاب المفيدون صاعد
فآب بأبكار وعون عقائل ... أوانس يحميها امرؤ غير زاهد
ويخططن بالعيدان في كل مقعد ... يخبئن رمان الثدي النواهد
ويضربن بالأيدي وراء براغز ... حسان الوجوه كالظباء العواقد
غرائر لم يلقين بأساء قبلها ... لدى ابن الجلاح ما يثقن بوافد
أصاب بني غيظ فأضحوا عباده ... وجللها نعمى على غير واحد
стр. 461
فلابد من عوجاء تهوي براكب ... إلى ابن الجلاح سيرها ليل قاصد
تخب إلى النعمان حتى تناله ... فدا لك من رب طريفي وتالدي
فسكنت نفسي بعدما طار روحها ... ولبستني نعمى ولست بشاهد
وكنت امرءًا لا أمدح الدهر سوقة ... فلست على خير أتاك بحاسد
سبقت الرجال الباهشين إلى العلا ... كسبق الجواد اصطاد قبل الطوارد
علوت معدا. نائلا ونكاية ... فأنت لغيث الحمد أول رائد
وقد اشتهر بالمدح ثلاثة من الشعراء الجاهليين، هم: زهير بن أبي سلمى، والنابغة الذبياني، وأعشى قيس.
وكان زهير يعجب بالعظماء الذين يقومون بالأعمال الجليلة. فيثني عليهم. ويشيد بمآثرهم وأفضالهم. وقيل عنه إنه كان لا يمدح الشخص إلا بما فيه، وقد مر بنا في معلقته إشادته بالحارث بن عوف، وهرم بن سنان لما قاما به من الصلح بين عبس وذبيان وتحملهما ديات القتلى. ومن مدائحه في هرم قوله:
لعمر أبيك ما هرم بن سلمى ... بملحي إذ اللؤماء ليموا٢٦٤
ولا ساهي الفؤاد ولا عيي ال ... لسان إذا تشاجرت الخصوم٢٦٥
ولكن عصمة في كل أمر ... يطيف به المخول والعديم٢٦٦
متى تسدد به لهوات ثغر ... يشار إليه جانبه سقيم٢٦٧
مخوف بأسه، يكلأك منه ... قوى، لا ألف ولا سئوم٢٦٨
له في الذاهبين أروم صدق ... وكان لكل ذي حسب أروم٢٦٩
стр. 462
وعود قومه هرم عليه ... ومن عاداته الخلق الكريم٢٧٠
كما قد كان عودهم أبوه ... إذا أزمت بهم سنة أزوم٢٧١
لينجوا من ملاومها، وكانوا ... إذا شهدوا العظائم لم يليموا ٢٧٣
كذلك خيمهم ولكل قوم ... إذا مستهم الضراء خيم٢٧٤
وقال في مدح حصن بن حذيفة بن بدر٢٧٥:
وأبيض فياض يداه غمامة ... على معتفيه ما تغب فواضله
بكرت عليه غدوة فرأيته ... قعودًا لديه بالصريم عواذله
يفدينه طورًا وطورًا يلمنه ... وأعيا فما يدرين أين مخاتله
فأقصرن منه عن كريم مرزء ... عزوم على الأمر الذي هو فاعله
أخي ثقة لا تتلف الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله
تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله
وذي نسب ناء بعيد وصلته ... بمال وما يدري بأنك واصله
وذي نعمة تممتها وشكرتها ... وخصم يكاد يغلب الحق باطله
دفعت بمعروف من القول صائب ... إذا ما أضل الناطقين مفاصله
وذي خطل في القول يحسب أنه ... مصيب فما يلمم به فهو قائله
عبأت له حلمًا وأكرمت غيره ... وأعرضت عنه وهو باد مقاتله
حذيفة ينميه وبدر كلاهما ... إلى باذخ يعلو على من يطاوله
ومن مثل حصن في الحروب ومثله ... لإنكار ضيم أو لأمر يحاوله
أبى الضيم والنعمان يحرق نابه ... عليه فأفضى والسيوف معاقله
стр. 463
أما النابغة الذبياني فقال عن نفسه أنه لا يمدح السوقة، فكان يمدح الملوك والعظماء، من ذلك قوله في مدح عمرو بن الحارث الأصغر بن الحارث الأكبر الغساني*:
كليني لِهَمٍّ يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب
تطاول حتى قلت ليس بمنقض ... وليس الذي يرعى النجوم بآيب
وصدر أراح الليل عازب همه ... تضاعف فيه الهم من كل جانب٢٧٦
علي لعمرو نعمة بعد نعمة ... لوالده ليست بذات عقارب٢٧٧
حلفت يمينًا غير ذي مثنوية ... ولا علم إلا حسن ظن بصاحب٢٧٨
لئن كان للقبرين قبر بجلق ... وقبر بصيداء الذي عند حارب٢٧٩
وللحارث الجفني سيد قومه ... ليلتمسن بالجيش دار المحارب
وثقت له بالنصر إذ قيل قد غزت ... كتائب من غسان غير أشائب
بنو عمه دنيا وعمرو بن عامر ... أولئك قوم بأسهم غير كاذب
إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طير تهتدي بعصائب
يصاحبنهم حتى يغرن مغارهم ... من الضاريات بالدماء الدوارب
تراهن خلف القوم خزرًا عيونها ... جلوس الشيوخ في ثياب المرانب٢٨٠
جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أول غالب
لهن عليهم عادة قد عرفنها ... إذا عرض الخطي فوق الكواثب٢٨١
على عارفات للطعان عوابس ... بهن كلوم بين دامٍ وجالب٢٨٢
стр. 464
إذا استنزلوا عنهن للطعن أرقلوا ... إلى الموت إرقال الجمال المصاعب٢٨٣
فهم يتساقون المنية بينهم ... بأيديهم بيض رقاق المضارب
تطير فضاضًا بينها كل قونس ... ويتبعها منهم فراش الحواجب٢٨٤
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
تورثن من أزمان يوم حليمة ... إلى اليوم قد جربن كل التجارب
تقد السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصفاح نار الحباحب٢٨٥
بضرب يزيل الهام عن سكناته ... وطعن كإيزاغ المخاض الضوارب٢٨٦
لهم شيمة لم يعطها الله غيرهم ... من الجود والأحلام غير عوازب٢٨٧
محلتهم ذات الإله ودينهم ... قويم فما يرجون غير العواقب٢٨٨
رقاق النعال طيب حجزاتهم ... يحيون بالريحان يوم السباسب٢٨٩
تحييهم بيض الولائد بينهم ... وأكسية الإضريج فوق المشاجب٢٩٠
يصونون أجسادًا قديمًا نعيمها ... بخالصة الأردان خضر المناكب٢٩١
ولا يحسبون الخير لا شر بعده ... ولا يحسبون الشر ضربة لازب٢٩٢
стр. 465
وأما الأعشى فكان مغرمًا بالخمر والنساء، فكان في حاجة إلى المال فراح ينتقل في جميع الأمكنة بين الشام والعراق. واليمن، يمدح الملوك والأشراف لينال عطاياهم. فمدح آل جفنة ملوك غسان، والمناذرة ملوك الحيرة. ومدح إياس بن قبيصة الطائي. وهوذة بن علي الحنفي في اليمامة، وقيس بن معد يكرب الكندي، وسلامة ذا فائش أحد أمراء اليمن.
وقد قال في شغفه بحب المال وجمعه:
وما زلت أبغى المال مذ أنا يافع ... وليدًا وكهلا حين شبت وأمردا
وأبتذل العيس المراقيل تغتلي ... مسافة ما بين النجير فصرخدا٢٩٣
وكان في العادة يبدأ المدح بالحديث عن ناقته وما لاقته في سفرها من تعب وجهد وإعياء، ثم يعزيها عما لقيت بما سيناله من عطاء الممدوح.
وفي مدحه للعظماء كان الأعشى يصرخ بطلبه العطاء، فمثلًا عندما مدح قيس بن معد يكرب الكندي، وأفاض في الثناء عليه قال:
ونبئت قيسًا ولم أبله ... كما زعموا خير أهل اليمن
رفيع الوساد طويل النجا ... د ضخم الدسيعة رحب العطن
يشق الأمور ويحتابها ... كشق القراري ثوب الردن
فجئتك مرتاد ما خبروا ... ولولا الذي خبروا لم ترن
فلا تحرمني نداك الجزيل ... فإني امرؤ قبلكم لم أهن٢٩٤
ومما يقوله في مدح هوذة بن علي الحنفي٢٩٥
إلى هوذة الوهاب أهديت مدحتي ... أرجي نوالا فاضلا من عطائكا
стр. 466
تجانف عن جل اليمامة ناقتي ... وما قصدت من أهلها لسوائكا٢٩٦
ألمت بأقوام فعافت حياضهم ... قلوصي وكان الشرب منها بمائكا
فلما أتت آطام جو وأهله ... أنيخت وألقت رحلها بفنائكا٢٩٧
ولم يسع في الأقوام سعيك واحد ... وليس إناء للندى كإنائكا
سمعت بسمع الباع والجود والندى ... فأدليت دلوي فاستقت برشائكا
فتى يحمل الأعباء لو كان غيره ... من الناس لم ينهض بها متماسكا
وأنت الذي عودتني أن تريشني ... وأنت الذي آويتني في ظلالكا٢٩٨
فإنك فيما بيننا في موزع ... بخير وإني مولع بثنائكا
وجدت عليًّا بانيًا فورثته ... وطلقا وشيبان الجواد ومالكا
بحور تقوت الناس في كل لزبة ... أبوك وأعمام هم هؤلائكا٢٩٩
وما ذاك إلا أن كفيك بالندى ... تجودان بالأعطاء قبل سؤالكا
وأروع نباض أحد ململم ... ألا رب منهم من يعيش بمالكا
وجدت انهدام ثلمة فبنيتها ... فأنعمت إذ ألحقتها ببنائكا
وربيت أيتامًا وألحقت صبية ... وأدركت جهد السعي قبل عنائكا
ولم يسع في العلياء سعيك ماجد ... ولا ذو إنىً في الحي مثل قرائكا
وفي كل عام أنت جاشم غزوة ... تشد لأقصاها عزيم عزائكا
حتى بين المتخاصمين كان يأخذ جانب من يرى فيه القوة ويتوقع له الغلبة فيمدحه، ويذم الآخر، من ذلك أنه حينما حدثت الخصومة والمنافرة بين عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة، مدح عامرًا وهجا علقمة فكان مما قال في ذلك٣٠٠:
стр. 467
علقم لا لست إلى عامر ... الناقض الأوتار والواتر
واللابس الخيل بخيل إذا ... ثار غبار الكبة الثائر
سدت بني الأحوص لم تعدهم ... وعامر ساد بني عامر
ساد وألفى قومه سادة ... وكابرًا سادوك عن كابر٣٠١
ما يجعل الجد الظنون الذي ... جنب صوب اللجب الزاخر
مثل الفراتي إذا ما طما ... يقذف بالبوصي والماهر٣٠٢
إن الذي فيه تماريتما ... يبين السامع والناظر
حكمتموني فقضى بينكم ... أبلج مثل القمر الباهر
لا يأخذ الرشوة في حكمه ... ولا يبالي غبن الخاسر
لا يرهب المنكر منكم ولا ... يرجوكم إلا نقا الآصر
يا عجب الدهر متى سويا ... كم ضاحك من ذا وكم ساخر ٣٠٣
فاقن حياء أنت ضيعته ... مالك بعد الشيب من عاذر
ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثر
ولست في الأثرين من مالك ... ولا أبي بكر ذوي الناصر٣٠٤
هم هامة الحي إذا حصلوا ... من جعفر في سؤدد القاهر
أقول لما جاءني فخره ... سبحان من علقمة الفاخر
علقم لا تسفه ولا تجعلن ... عرضك للوارد والصادر٣٠٥
стр. 468
أؤول الحكم على وجهه ... ليس قضائي بالهوى الجائر
قد قلت قولا فقضى بينكم ... واعترف المنفور للنافر
كم قد مضى شعري في مثله ... فسار لي من منطق سائر٣٠٦
إن ترجع الحكم إلى أهله ... فلست بالمستى ولا النائر
ولست في السلم بذي نائل ... ولست في الهيجاء بالجاسر
إنيَ آليت على حلفة ... ولم أقله عثرة العاثر
ليأتينه منطق سائر ... مستوثق للمسمع الآثر٣٠٧
وكان الأعشى لا يتورع عن مدح عامة الناس إذا أصاب منهم خيرًا، من ذلك أنه مدح المحلق بن جشم بن شداد، لمجرد أنه أنزله ضيفًا، وبالغ في إكرامه، رجاء أن يصيبه خير من مدحه، فكان مما قال فيه٣٠٨:
لعمري لقد لاحت عيون كثيرة ... إلى ضوء نار في يفاع تحرق
تشب لمقرورين يصطليانها ... وبات على النار الندى والمحلق
رضيعي لبان ثدي أم تحالفا ... بأسحم داجٍ عوض لا نتفرق٣٠٩
يداك يدا صدق فكف مفيدة ... وأخرى إذا ما ضن بالزاد تنفق
ترى الجود يجرى ظاهرًا فوق وجهه ... كما زان متن الهندواني رونق
وأما إذا ما أوب المحل سرحهم ... ولاح لهم من العشيات سملق
стр. 469
نفى الذم عن آل المحلق جفنة ... كجابية السيح العراقي تفهق٣١٠
يروح فتى صدق ويغدو عليهم ... بملء جفان من سديف يدفق
وعاد فتى صدق عليهم بجفنة ... وسوداء لأيا بالمزادة تمرق٣١١
ترى القوم فيها شارعين ودونهم ... من القوم ولدان من النسل دردق
طويل اليدين رهطة غير ثنية ... أشم كريم جاره لا يرهق
كذلك فافعل ما حييت إليهم ... وأقدم إذا ما أعين الناس تبرق٤١٢
كان الحديث عن صفات البطولة والمروءة والإيقاع بالأعداء والكرم والسخاء صاحب النصيب الأوفى في شعر المدح، وذلك هو ما نجده في كل من الفخر والرثاء، وضد ما في الهجاء. وذلك يرينا كيف كان العرب في ذلك العصر يقدرون هذه الصفات، ومدى أهميتها لهم في حياتهم ومعيشتهم.
وأغلب الشعر هنا من إنتاج النابغة الذبياني. وزهير بن أبي سلمى. والأعشى وهم الشعراء الذين شاع عنهم التكسب بالشعر في الجاهلية. أما الأقلية الباقية من شعر المدح فمن إنتاج قلة من الشعراء. قال كل منهم شيئًا في مناسبة معينة خاصة. على خلاف الحال عند هؤلاء الثلاثة.
وهناك فرق واضح بين مدح الشعراء الذي لم يخصصوا أنفسهم لمدح شخص معين. ومدح هؤلاء الشعراء الثلاثة الذين اشتهروا بالمدح والتكسب بالشعر. فمع أن الجميع يشتركون في المدح بالشجاعة والقوة والحزم والحكمة في الحرب والصبر على الشدائد، وغير ذلك من صفات
стр. 470
الشهامة والبطولة والجود، فإن من عدا هؤلاء الثلاثة كانوا يسيرون سيرًا طبيعيًا في المدح من الاعتراف بالفضل والثناء عليه. أما النابغة والأعشى فكانا يبالغان مبالغة ظاهرة في مدائحهما، فمثلًا كان الممدوح كالأسد، ثم يخلع على هذا الأسد من الأوصاف ما شاء الخيال، وأحيانا كان الواحد منهما يسترسل في وصف هذا الأسد حتى إن السامع قد يظن أن الشاعر يتحدث عن أسد حقيقي خاص، أو أن الممدوح يلبس درعين، ويحمل سيفين، وغاراته لا تنقطع، ما ينتهي من واحدة إلا ويدخل في أخرى. وهو يشنها في أوقات الشدة. ويصل الشتاء بالربيع في الغارات، وينهك خيله حتى إنها لترمي أفلاءها في الطريق، ونصره في حروبه مؤكد حتى إن الطير لتتبعهم واثقة من الرزق الواسع المضمون بقتل الأعداء.
ولعل هذه المبالغات لا تكون عجيبة، فللمال أثره الذي لا ينكر في دفع الإنسان إلى محاولة إظهار البراعة في التفكير. والاتساع في الخيال.
وفي المدح الذي يقال طمعًا في هدية، أو تحقيق رغبة نجد التملق ظاهرًا واضحًا، كقصيدة علقمة التى مدح بها الحرث بن جبلة الغساني طمعًا في إطلاق سراح أخيه. وقصيدة النابغة الذبياني التي مدح بها النعمان بن وائل بن الجلاح لإطلاق سراح عقرب بنت النابغة، وقصائده التي يمدح بها النعمان بن المنذر. وعمرو بن الحارث الغساني.
وكان للفضائل الخلقية حيز كبير في شعر المدح، فمدحوا بعدم الاعتداء على الأقارب واللاجئين، والزهد في الغنائم، وتوزيعها على الفقراء. والسعي في الصلح بين المتخاصمين. وبذل الأموال رغبة في أن يسود السلام، وإجابة المستغيث، وتأمين الخائف، والوفاء بالعهد، وعدم التنكيل بالعدو، وعدم إهانة الأسير، وإطلاق سراحه بدون فدية لا خوفًا من عقاب، ولا طمعًا في ثواب.
стр. 471
الرثاء:
وكان الحزن يبدو عليهم واضحًا حينما يفقدون عزيزا -وكل أفراد العشيرة عزيز- فتتحرك الشاعرية، وتعبر عن الأسى العميق الذي عمهم والخسارة الفادحة التي نزلت بهم وبغيرهم ممن كان الفقيد ملاذًا لهم. من ذلك، ما ورد لسعدى بنت الشمردل الجهنية في رثاء أخيها.
стр. 472
أسعد الذي قتلته بهز من بني سليم بن منصور، إذ تقول٣١٣:
فلتبك أسعد فتية بسباسب ... أقووا وأصبح زادهم يتمزع٣١٤
جاد ابن مجدعة الكمي بنفسه ... ولقد يرى أن المكر لأشنع٣١٥
ويلمه رجلا يليذ بظهره ... إبلا، ونسال الفيافي أروع٣١٦
يرد المياه حضيرة ونفيضة ... ورد القطاة إذا اسمأل التبع٣١٧
وبه إلى أخرى الصحاب تلفت ... وبه إلى المكروب جري زعزع٣١٨
ويكبر القدح العنود ويعتلي ... بألى الصحاب إذا أصات الوعوع٣١٩
سباق عادية وهادي سرية ... ومقاتل بطل وداع مسقع٣٢٠
ذهبت به بهز فأصبح جدها ... يعلو، وأصبح جد قومي يخشع٣٢١
أجعلت أسعد للرماح دريئة ... هبلتك أمك أي جرد ترقع٣٢٢
стр. 473
يا مطعم الركب الجياع إذا هم ... حثوا المطي إلى العلا وتسرعوا
وتجاهدوا سيرا فبعض مطيهم ... حسرى مخلفة وبعض ظلع٣٢٣
جواب أودية بغير صحابة ... كشاف داوي الظلام مشيع٣٢٤
إن تأته بعد الهدوء لحاجة ... تدعو يجبك لها نجيب أروع٣٢٥
متحلب الكفين أميث بارع ... أنف طوال الساعدين سميدع٣٢٦
سمح إذا ما الشول حارد رسلها ... واستروح المرق النساء الجوع٣٢٧
فوددت لو قبلت بأسعد فدية ... مما يضن به المصاب الموجع
وهي بعد التعبير عن حزنها العميق لفقدها أخاها تبكي صفاته وأخلاقه وعاداته، وكلها من المثل العليا التي كان العربي الجاهلي يعتز بها.
وكان الأسى يثير الشجون عندما تهيج ذكريات من فقدتهم القبيلة، فيرثي الشاعر حينئذ هؤلاء الأبطال الكرام من قومه. ومن أمثلة ذلك ما جاء لأبي دؤاد الإيادي إذ يقول٣٢٨:
لا أعد الإقتار عدمًا ولكن ... فقد من قد رزئته الإعدام٣٢٩
من رجال من الأقارب فادوا ... من حذاق هم الرءوس العظام٣٣٠
فهم للملائمين أناة ... وعرام إذا يراد العرام٣٣١
стр. 474
وسماح لدى السنين إذا ما ... قحط القطر، واستقل الرهام٣٣٢
ورجال أبوهم وأبي عمـ ... ـرو وكعب، بيض الوجوه حسام٣٣٣
وشباب كأنهم أُسْد غيل ... خالطت فرط حدهم أحلام٣٣٤
وكهول بنى لهم أولوهم ... مأثرات يهابها الأقوام٣٣٥
سلط الدهر، والمنون عليهم ... فلهم في صدى المقابر هام٣٣٦
وكذا كم مصير كل أناس ... سوف، حقًّا تبليهم الأيام
فعلى إثرهم تساقط نفسي ... حسرات وذكرات لي سقام
وكان عبد يغوث بن الحرث قائد قومه يوم الكلاب الثاني، فأسر وأراد أن يفدي نفسه، فأبت تميم إلا أن تقتله بالنعمان بن جساس، ولما لم يجد بدًّا من القتل طلب إليهم أن يطلقوا لسانه ليذم أصحابه، وينوح على نفسه، وأن يقتلوه قتلة كريمة، فأجابوه إلى طلبه، وسقوه الخمر، وقطعوا له عرقًا يقال له الأكحل، وتركوه ينزف حتى مات، وحين جهز للقتل قال قصيدة تحدث فيها عن نفسه بأشياء كثيرة، من بينها فخره بشجاعته وكرمه وبراعته في الطعن والقتال، ومنها٣٣٧:
ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا ... فما لكما في اللوم خير ولا ليا
ألم تعلما أن الملامة نفعها ... قليل، وما لومي أخي من شماليا٣٣٨
فيا راكبا إما عرضت فبلغن ... نداماي من نجران أن لا تلاقيا.
стр. 475
أبا كرب والأيهمين كليهما ... وقيسا بأعلى حضرموت اليمانيا٣٣٩
جزى الله قومي بالكلاب ملامة ... صريحهم والآخرين المواليا٣٤٠
ولو شئت نجتني من الخيل نهدة ... ترى خلفها الحو الجياد تواليا٣٤١
ولكنني أحمي ذمار أبيكم ... وكان الرماح يختطفن المحاميا ٢٤٢
فإن تقتلوني تقتلوا بي سيدًا ... وإن تطلقوني تحربوني بماليا٣٤٣
أحقا عباد الله أن لست سامعًا ... نشيد الرعاء المعزبين المتاليا٣٤٤
وقد علمت عرسي مليكة أنني ... أنا الليث معدوًّا عليه وعاديا
وقد كنت نحار الجزور ومعمل الـ ... ـمطي وأمضي حيث لا حي ماضيا
وأنحر للشرب الكرام مطيتي ... وأصدع بين القينتين ردائيا٣٤٦
وكنت إذا ما الخيل شمصها القنا ... لبيقا بتصريف القناة بنانيا٣٤٧
وعادية سوم الجراد وزعتها ... بكفي وقد انحوا إليَّ العواليا٣٤٨
كأني لم أركب جوادًا ولم أقل ... لخيلي كري نفِّسي عن رجاليا.
وقال دريد بن الصمة في كثرة القتلى من قومه٣٤٩:
стр. 476
تقول ألا تبكي أخاك وقد أرى ... مكان البكا لكن بنيت على الصبر٣٥٠
فقلت أعبد الله أبكى أم الذي ... له الجدث الأعلى قتيل أبي بكر٣٥١
وعبد يغوث تحجل الطير حوله ... وعز المصاب حثو قبر على قبر٣٥٢
أبى القتل إلا آل صمة أنهم ... أبوا غيره والقدر يجري إلى القدر٣٥٣
فإما ترينا لا تزال دماؤنا ... لدى واتر يسعى بها آخر الدهر٣٥٤
فإنا للحم السيف غير نكيرة ... ونلحمه حينًا وليس بذي نكر٣٥٥
يغار علينا واترين فيشتفى ... بنا إن أصبنا أو نغير على وتر٣٥٦
قسمنا بذاك الدهر شطرين بيننا ... فما ينقضي إلا ونحن على شطر٣٥٧
وقال دريد بين الصمة يرثي أخاه:
تنادوا فقالوا أردت الخيل فارسًا ... فقلت أعبد الله ذلكم الردي٣٥٨
فجئت إليه والرماح تنوشه ... كوقع الصياصي في النسيج الممدد٣٥٩
стр. 477
وكنت كذات البو ريعت فأقبلتْ ... إلى جلد من مسك سقب مقدد٣٦٠
فطاعنت عنه الخيل حتى تنفست ... وحتى علاني حالك اللون أسودي٣٦١
قتال امرئ آسى أخاه بنفسه ... ويعلم أن المرء غير مخلد٣٦٢
فإن يك عبد الله خلى مكانه ... فما كان وقافًا ولا طائش اليد٣٦٣
كميش الإزار خارج نصف ساقه ... بعيد من الآفات طلاع أنجد٣٦٤
قليل التشكي للمصيبات حافظ ... من اليوم أعقاب الأحاديث في غد٣٦٥
تراه خميص البطن والزاد حاضر ... عتيد ويعدو في القميص المقدد٣٦٦
وأن مسه الإقواء والجهد زاده ... سماحًا وإتلافًا لما كان في اليد٣٦٧
صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه ... فلما علاه قال للباطل ابعد٣٦٨
стр. 478
وقال النابغة الذبياني يرثي النعمان بن الحارث بن أبي شمر الغساني٣٦٩.
فلا يهنئ الأعداء مصرع ملكهم ... وما عنقت منه تميم ووائل٣٧٠
وكان لهم ربعية يحذرونها ... إذا خضخضت ماء السماء القبائل٣٧١
يسير بها النعمان تغلي قدوره ... تجيش بأسباب المنايا المراجل
يقول رجال يجلهون خليقتي ... لعل زيادا لا أبا لك غافل٣٧٢
أبي غفلة أني إذا ما ذكرته ... تحرك داء في فؤادي داخل
وإن تلادي إن ذكرت وشكًّتي ... ومهري وما ضمت إلي الأنامل
حباؤك والعيس العتاق كأنها ... هجان المها تحدى عليها الرحائل٣٧٣
فإن كنت قد ودعت غير مذمم ... أَواسي ملك ثبتتها الأوائل٣٧٤
فلا تبعدن إن المنية منهل ... وكل امرئ يوما به الحال زائل
فما كان بين الخير لو جاء سالمًا ... أبو حجر إلا ليال قلائل٣٧٥
فإن تحي لا أملل حياتي وإن تمت ... فما في حياة بعد موتك طائل
فآب مصلوه بعين جلية ... وغودر بالجولان حزم ونائل٣٧٦
стр. 479
سقى الغيث قبرا بين بصرى وجاسم ... بغيث من الوسمي قطر ووابل٣٧٧
ولا زال ريحان ومسك وعنبر ... على منتهاه ديمة ثم هاطل
وينبت حوذانًا وعوفًا منورًا ... سأتبعه من خير ما قال قائل٣٧٨
بكى حارث الجولان من فقد ربه ... وحوران منه موحش متضائل
قعودًا له غسان يرجون أوبه ... وترك ورهط الأعجمين ووائل
فالنابغة هنا يذكر الفقيد بالفضل ويعترف له بالجميل ويدعو له بالخير، فتحدث عن أمجاده وشجاعته وبطشه بالأعداء، وأقر له بالأفضال الكثيرة التي أسبغها على الشاعر، فقال: إن أمواله وأسلحته وخيله وكل ما يملكه، هي من عطايا الفقيد، وأنه لو سلم من الموت لعم خيره وفضله جميع الناس، فكانت حياته حياة للآخرين وسعادة لهم، وبموته تصبح الحياة لا خير فيها. ولئن كان قد مات عن ملك ورثه عن آبائه، فلقد ذهب محمودًا مرضيًّا عنه من الجميع، وقد بكاه الناس، وأصبحت الدنيا موحشة بعده، وختم الحديث بالدعاء للمكان الذي دفن فيه بدوام الخصب وطيب الثرى.
ويتضح من شعر الرثاء أنه كان يتضمن الحديث عن مناقب الفقيد، وما كان يتحلى به من البطولة والشهامة والكرم والجود وما سجله من مآثر خالدات، ثم وصف مشاعر القوم نحو فقده.
ويلاحظ أن رثاء المقتول في الأخذ بالثأر كان أشد وأقوى من رثاء غيره، كأن شعور القوم نحوه أنه صد الخطر عنهم بنفسه، ففضله لا ينسى، ويستحق أن يخلد. وكثيرًا ما كان الشعراء في هذا المقام يقارنون بين القتيل الأول ومن قتل في الأخذ بثأر هذا القتيل، وكانوا بطبيعة الحال يفضلون الثاني على الأول. من ذلك مثلًا ما قاله عنترة العبسي حين قتلت بنو العشراء من مازن قرواشًا العبسي. وكان قرواش قتل حذيفة بن بدر الفزاري، فلما أسرته بنو مازن قتلته بحذيفة، فقال عنترة العبسي في ذلك ٣٧٩.
стр. 480
هديكم خير، أبا من أبيكم ... أعف، وأوفى بالجوار، وأحمد
وأطعن في الهيجا إذا الخيل صدها ... غداة الصباح السمهري المقصد
وكثيرًا ما يجمع الشاعر في قصيدته رثاء لأكثر من شخص واحد. فيعدد أسماء الذين قتلوا من قومه. وإن لم يكونوا قد قتلوا كلهم في معركة واحدة٣٨٠. وهذا يوحي بأن ذكرى الأبطال الذين ضحوا بأنفسهم في سبيل الشرف والكرامة ما كانت لتغيب عنهم، بل كانت دائمًا ماثلة أمامهم، وحاضرة في مخيلتهم. ويتحينون الفرص الملائمة للحديث عنها والإشادة بها.
وهكذا نرى في شعر الرثاء، أن الشعراء كانوا يذكرون ما كان لهؤلاء الذين فقدوا من صفات عالية، وأخلاق كريمة، ومفاخر عظيمة، وأعمال جليلة، ويشيدون بما كان لهم من مودة ووفاء مع الأصدقاء، وشدة وبأس مع الأعداء، وجود وسخاء في أوقات الشدة والجدب، وقوة تثير الرعب والهلع، وعقول واسعة، وآراء سديدة. وما لهم من آثار لا تنسى، وهذه المعاني -سواء في الرثاء الفردي أو الجماعي- هي مما كان يتردد في أشعار الفخر والمدح.
وبالموازنة بين الأشعار التي جاءت في الأغراض الثلاثة. الفخر والمدح والرثاء يتبين ما يأتي:
تشترك الأغراض الثلاثة في تمجيد الشجاعة، والحزم والاتزان، والإباء. والدفاع عن الحمى والشرف، وتأمين الخائف، وإجابة المستغيث. والوفاء بالعهد، والخبرة بالحرب والقتال. والجود والسخاء والتضحية ومد يد العون للمحتاجين.
وبما أن الفخر والمدح يكونان لأشخاص أحياء، بعكس الرثاء فهو لميت، فقد أكثر الشعراء في الأولين من ترديد الصفات التي توحي بالقوة وتبعث الرهبة والخوف في قلوب الأعداء، كتمام الاستعداد، وكمال القوة الحربية، وواسع الخبرة الحربية، وجودة الخيل والأسلحة التي يملكها المفتخرون والممدوحون. والإكثار من الغارات. أما في الرثاء فقد اهتموا بالصفات التي تصور القتيل بأنه كان بطلًا عظيمًا: ملاذًا لقومه، وملجأً للمضطرين.
стр. 481
ولا نظير له بحيث لا يوفي به قتيل. ولعل ذلك كان لاستثارة شعور القوم للأخذ بثأره عن طريق غير مباشر.
وكل المعاني التي قيلت في الفخر، قيلت كذلك في المدح، إلا أن المداحين المحترفين زادوا عليها. ووسعوا فيها: فشن الغارات وقيادتها زيد عليه بأن جعلت الغارات كل عام، وتشن في زمن الشدة. ويطول زمنها، فيوصل الشتاء بالربيع، ويمتد خطرها فتوغل في الجهات النائية حتى تستولي على إبل العزاب، وغنائمها كثيرة، يعم خيرها حتى تجعل الفقراء المعدمين من ذوي الثراء العريض، والخيل في الغارات لا تبذل مجهودًا كبيرًا فحسب، بل تنهك قواها. فتغزو سمانا، ثم تعود خوص العيون، هزيلة تلقى أفلاءها في الطريق، والبطل الممدوح ليس شجاعًا فقط، أو كالليث العادي، بل ليث صفته كذا وكذا، وجيوش الممدوحين ليست قوية فقط، بل نصرها محقق مؤكد، وأسلحتهم ليست حادة فحسب: بل ذت تاريخ مجيد، تغوص في اللحم. وتقطع العظام، وتكسر الجماجم، وتتعدى الأجسام إلى الصخور فتفتتها، وتطير منها الشرر، فالمبالغة لدى محترفي المدح ظاهرة واضحة.
ليس هناك فرق كبير بين المدح والفخر في شعر القوم الذين لم يتخصصوا في المدح، فشعرهم في الحالتين يكاد يكون واحدًا لولا أن الفخر إشادة بفضائل النفس. والمدح تمجيد لفضائل الآخرين. فشعر هؤلاء في هاتين الناحيتين عادي. بل إننا نلمس أن شعرهم في المدح قد يقل في المستوى عن شعرهم في الفخر، فإذا رجعنا مثلًا إلى قصيدة عامر بن الطفيل التي يمدح فيها بني الحرث بن كعب نجد أن مستواها أقل من مستوى شعره في الفخر.
أما الذين تخصصوا في المدح، فالحال عندهم مختلفة، يرتفع مستوى مدحهم عن مستوى فخرهم. فهم في المدح يولدون الأفكار، ويبالغون ويتأنقون في طريقة العرض. وباعهم في الفخر، على العموم، قصير، وليس لهم فيه إلا أبيات قليلة. في حين أننا نجد دواوينهم تكاد تغص بشعر المدح: على أن ما ورد لهم من شعر في الفخر، يقل في مستواه عن مستوى الفخر لدى غيرهم من الشعراء. وهذا يدلنا على أن الخبرة وكثرة المران في ناحية معينة، لهما أثر كبير في تقوية الموهبة في هذه الناحية. هذا، ولا يغيب عن خاطرنا أثر المنح والمكافآت في شحذ العقل وإعمال التفكير.
ولكن أليس الوازع القبلي يفوق الوازع المادي أو يعادله على الأقل؟
стр. 482
إنا نشك في صحة هذا المقياس لدى قوم مثل هؤلاء الشعراء الذين اختلطوا بغير قومهم من الرؤساء والعظماء وانقطعوا لهم، فاجتذبتهم مخالطة هؤلاء وأغرتهم المادة، وانسلخوا من البادية. فقلت لديهم العاطفة القبلية التي يقويها اعتماد الفرد على القبلية، وارتكانه على دفاعها عنه، وحمايتها له.
فهؤلاء المداحون ارتموا في أحضان بعض العظماء الذين كفلوا لهم متعة الحياة، ونعمة الراحة في سعة ورغد دون مشقة أو كد، فلا عجب حينئذ أن ينقطع الشاعر من هؤلاء لولي نعمته، ويخصه بشعره، حتى إن الواحد منهم كان يفقد رشده، وتظلم الدينا في عينه. ويفقد كل أمل في الحياة إذا غضب عليه الممدوح، ولا عجب كذلك أن تفنن أولئك المداحون في مدحهم، وقصر باعهم في الفخر ببطولة قومهم.
стр. 483
الاعتذار:
أما الاعتذار فكان قليلًا في شعرهم، ويأتي عادة لإظهار الندم على فعل حدث. أو حال وقعت، ويريد المعتذر أن يبرئ نفسه، لينجو من اللوم، أو يحاول إصلاح الحال، بتفسير أو شرح معقول لها، لكي يرجع الأمور إلى مجراها العادي، وقد ورد في هذا الغرض أبيات لكثير من الشعراء، ولكنه لم يحتل مكانًا هامًّا في شعر كل منهم. وقد حللنا هذه الظاهرة من الناحية الحربية في شعر الحرب. ولم يكن لأحد من الشعراء الجاهليين باع في الاعتذار إلا النابغة الذبياني، فقد أسهب فيه، فاشتهر به، حتى قيل عنه أضاف إلى الشعر فنًّا جديدًا. ويقصدون بذلك فن الاعتذار. كأنه لم يكن موجودًا عند شعراء العرب قبل النابغة الذبياني. وحقيقة لقد أتى فيه النابغة بمعانٍ رائعة، وصورة شعرية جميلة. وكان النابغة يفد إلى المناذرة في الحيرة، وعلى الغساسنة في الشام، ويمدحهم، فيحسنون وفادته ويكرمونه، وكان أكثر ما يفد إلى النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وكان النعمان يقربه حتى جعله نديمه. وظل زمانا لا يفد على الغساسنة، لما كان بينهم وبين المناذرة من التباغض، إلى أن وشى به الواشون إلى النعمان، فغضب النعمان عليه وتوعده، فهرب النابغة إلى قومه في نجد، ثم شخص إلى الغساسنة في الشام ومدحهم. وظل مقيمًا عندهم وفي نفسه استرضاء النعمان، والعودة إلى الحيرة، حتى تمكن من ذلك بواسطة اثنين من بني فزارة. فعاد إلى النعمان، وقدم له اعتذارياته المشهورة.
стр. 484
فقد كان ما دب بينه وبين النعمان بن المنذر من سوء تفاهم وقطيعة سببًا في إثارة شاعرية الاعتذار عند النابغة الذبياني، فقال، وأجاد، حتى اعتبره النقاد، مبدع هذا الفن. ومن اعتذارياته قوله٣٨١:
أتاني أبيت اللعن أنك لمتني ... وتلك التي أهتم منها وأنصب٣٨٢
فبت كأن العائدات فرشنني ... هراسًا به يعلى فراشي ويقشب٣٨٣
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب٣٨٤
لئن كنت قد بلغت عني خيانة ... لمبلغك الواشي أغش وأكذب
ولكنني كنت امرءًا لي جانب ... من الأرض فيه مستراد ومذهب٣٨٥
ملوك وإخوان إذا ما أتيتهم ... أحكم في أموالهم وأقرب
كفعلك في قوم أراك اصطنعتهم ... فلم ترهم في شكر ذلك أذنبوا
وإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلي به القار أجرب٣٨٦
ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب٣٨٧
ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب٣٨٨
فإن أك مظلومًا فعبد ظلمته ... وإن تك ذا عتبى فمثلك يعتب٣٨٩
стр. 485
فالنابغة يقول للنعمان٣٩٠ إن غضبه على النابغة وتوجيه اللوم إليه، يسبب له همًّا وحزنًا وتعبًا، حتى أصبح كالمريض الذي ينام على أشواك، تتجدد من حين إلى حين، ثم يحلف أن ما حدث ليس له أساس من الصحة، وإنما محض كذب وافتراء اختلقه الواشون ليفسدوا ما بينهما. ثم يبين النابغة للنعمان أن ذهابه إلى الغساسنة ليس إلا لشكرهم اعترافًا بالجميل الذي أسدوه إلى النابغة، ومن يشكر صاحب الفضل لا يؤاخذ على شكره، وإنما أنت أيها الملك لا يدانيك ملك آخر. فليس هناك من الملوك من يشبهك أو يناظرك، فأبهتك وعظمتك وسلطانك تغطي على الأخرين، وتخفي معالمهم، كالشمس حينما تسطع تتلاشى أمامها جميع الكواكب. ثم يقول النابغة للنعمان: أرجو ألّا يكون في نفسك غضب علي، كما أدعوك ألا تضمر لي تهديدًا، وإلا كرهني الناس، لأنهم جميعًا يحبونك، ونبذوني. واجتنبوني كأني بعير أجرب قد طلي بالقطران. ويستمر النابغة فيتضرع إلى النعمان قائلًا: إن ما بيني وبينك ليس إلا واحدة من حالتين: إما أن أكون مذنبًا، وإما أن أكون بريئًا. فإن كنت مذنبًا، فأنا بشر. وليس من البشر واحد كامل من جميع النواحي، فلكل إنسان عيوب وهفوات. وأنت أعظم من يعفو عن الذنوب، ويصفح عن الهفوات، فأنت أهل الرضا والإكرام، وإن كنت بريئًا، فلست أنا إلا عبدًا وللسيد حق التصرف في عبده، وأنا راضٍ بسيدي، حبيب إليّ جميع تصرفاته، ولا أبغي إلا رضاه ومسرته.
وقال النابغة الذبياني يمدح النعمان ويعتذر إليه. ويهجو مرة بن ربيعة لما وشى به عند النعمان٣٩١.
عفا ذو حسا من فرتنا فالفوارع ... فجنبا أريك فالتلاع الدوافع٣٩٢
توهمت آيات لها فعرفتها ... لستة أعوام وذا العام سابع
فكفكفت مني عبرة فرددتها ... على النحر منها مستهل ودامع٣٩٣
стр. 486
على حين عاتبت المشيب على الصبا ... وقلت ألما أصح والشيب وازع
وقد حال هم دون ذلك شاغل ... مكان الشغاف تبتغيه الأصابع٣٩٤
وعيد أبي قابوس في غير كنهه ... أتاني ودوني راكس والضواجع٣٩٥
فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش في أنيابها السم ناقع٣٩٦
يسهد من ليل التمام سليمها ... لحلي النساء في يديه قعاقع٣٩٧
تناذرها الراقون من سوء سمها ... تطلقه طورا وطورا تراجع٣٩٨
أتاني أبيت اللعن أنك لمتني ... وتلك التي تستك منها المسامع٣٩٩
مقالة أن قد قلت سوف أناله ... وذلك من تلقاء مثلك رائع٤٠٠
لعمري وما عمري علي بهين ... لقد نطقت بطلا على الأقارع
أقارع عوف لا أحاول غيرها ... وجوه قرود تبتغي من تجادع٤٠١
أتاك امرؤ مستبطن لي بغضة ... له من عدو مثل ذلك شافع٤٠٢
أتاك بقول هلهل النسج كاذب ... ولم يأت بالحق الذي هو ناصح
أتاك بقول لم أكن لأقوله ... ولو كبلت في ساعدي الجوامع٤٠٣
стр. 487
حلفت ولم أترك لنفسك ريبة ... وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع٤٠٤
بمصطحبات من لصاف وثيرة ... يزرن إلالًا سيرهن التدافع٤٠٥
سمامًا تباري الريح خوصًا عيونها ... لهن رزايا بالطريق ودائع٥٠٦
عليهن شعث عامدون لحجهم ... فهن كأطراف الحني خواضع٤٠٧
لكلفتني ذنب امرئ وتركته ... كذي العر يكوى غيره وهو راتع٤٠٨
فإن كنت لا ذو الضغن عني مكذب ... ولا حلفي على البراءة نافع٤٠٩
ولا أنا مأمون بشيء أقوله ... وأنت بأمر لا محالة واقع
فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المتنأى عنك واسع
خطاطيف حجن في حبال متينة ... تمد بها أيد إليك نوازع٤١٠
أتوعد عبدًا لم يخنك أمانة ... ويترك عبد ظالم وهو ظالع٤١٠
وأنت ربيع ينعش الناس سيبه ... وسيف أعيرته المنية قاطع٤١٢
أبى الله إلا عدله ووفاءه ... فلا النكر معروف ولا العرف ضائع
وتسقى إذا ما شئت غير مصرد ... بزوراء في حافاتها المسك كانع٤١٣
стр. 488
وكان الصبر في القتال والنصر في الحروب من أعظم مفاخر العرب في الجاهلية. ولا سيما إذا كان الشاعر المفتخر من الفرسان، من ذلك مثلًا ما حدث يوم فيف الريح. وكان بين بني عامر بن صعصعة قوم عامر بن الطفيل، ذلك الشاعر الفارس. وبين بني الحارث بن كعب، حيث جمعت قبائل شتى، منهم زبيد وسعد العشيرة ومراد ونهد وخثعم وشهران، وأقبلوا يريدون بني عامر وهم ينتجعون مكانًا يقال له فيف الريح. فاقتتلوا، وكان عامر بن الطفيل يتعهد الناس، فيقول: يا فلان ما رأيتك فعلت شيئًا. فمن أبلى فليرني سيفه أو رمحه. فانتهز الفرصة رجل من أعدائه بني الحارث اسمه مسهر. فقال: يا أبا علي، انظر إلى ما صنعت بالقوم. انظر إلى رمحي وسناني، فلما أقبل عامر لينظر وجأه مسهر بالرمح في وجنته ففلقها وانشقت عين عامر. ثم افترقوا، فقال في ذلك عامر بن الطفيل٤١٤:
لقد علمت عليا هوازن أنني ... أنا الفارس الحامي حقيقة جعفر
وقد علم المزنوق أني أكره ... على جمعهم كر المنيح المشهر
إذا ازور من وقع الرماح زجرته ... وقلت له: ارجع مقبلا غير مدبر
وأنبأته أن الفرار خزاية ... على المرء ما لم يبل جهدًا ويعذر
ألست ترى أرماحهم فيَّ شرعا ... وأنت حصان ماجد العرق فاصبر
لعمري وما عمري على بهين ... لقد شان حر الوجه طعنة مسهر
فبئس الفتى إن كنت أعور عاقرًا ... جبانًا، فما عذري لدى كل محضر
وما رمت حتى بل نحري وصدره ... نجيع كهداب الدمقس المسير
أقول لنفس لا يجاد بمثلها ... أقلي المراح إنني غير مقصر
فلو كان جمع مثلنا لم نبالهم ... ولكن أتينا أسرة ذات مفخر
فجاءوا بشهران العريضة كلها ... وأكلب طرًّا في لباس السنور
وهكذا كان الأبطال يثبتون في ميادين القتال ويصمدون في مواجهة الخطر، ولا يولون الأدبار خشية الخزي والعار، وإذا حدث من المقاتل تصرف اضطرته إليه ظروف حرجة.
стр. 489
قاسية، فإنه -اعتذارًا عما وقع- كان يسرع إلى بيان الأسباب التي دعته إلى ذلك، بما يحفظ عليه كرامته وهيبته٤١٥.
ومن أطرف ما ورد في الاعتذار عن القرار -وهو أقرب ما يكون إلى الفكاهة والنوادر- أبيات تنسب إلى وعلة الجرمي، يقول فيها٤١٦:
فدى لكما رجلي أمي وخالتي ... غداة الكلاب إذ تحز الدوابر٤١٧
نجوت نجاء لم ير الناس مثله ... كأني عقاب عند تيمن كاسر٤١٨
خدارية سفعاء لبد ريشها ... من الطل يوم ذو أهاضيب ماطر٤١٩
كأنا وقد حالت حذنة دوننا ... نعام تلاه فارس متواتر٤٢٠
فمن يك يرجو في تميم هوادة ... فليس لجرم في تميم أواصر٤٢١
ولما سمعت الخيل تدعو مقاعسًا ... تطالعني من ثغرة النحر جائر٤٢٢
стр. 490
فإن أستطع لا تلتبس بي مقاعس ... ولا يرني مبداهم والمحاضر٤٢٣
ولا تك لي حدادة مضرية ... إذا ما غدت قوت العيال تبادر٤٢٤
يقول لي النهدي: إنك مردفي ... وكيف رداف الفل. أمك عابر٤٢٥
يذكرني بالرحم بيني وبينه ... وقد كان في نهد وجرم تدابر٤٢٦
ولما رأيت الخيل تتري أثائجًا ... علمت بأن اليوم أحمس فاجر٤٢٧
فهو يصف سرعته الفائقة في الهرب فرارًا من خطر محدق مؤكد خشية أن يقع أسيرًا في أيدي قوم فيهم خسة. ولا يملكون قوت يومهم.
إن أبيات الاعتذار في الشعر الجاهلي قليلة بالنسبة إلى غيره من الأغراض الأخرى. فما السبب؟ أكان ذلك لقلة دواعي الاعتذار، بمعنى: إنه لم يكن يحدث ما يستوجب الاعتذار إلا قليلًا؟ ربما كان ذلك غير صحيح إذ لا شك أن كل إنسان عرضة للخطأ والوقوع في أمور تستحق الاعتذار أم كان ذلك لأن جميع من ارتكبوا خطأ أو قصروا لم يكونوا شعراء؟ إن ذلك صحيح. ولكن لم يرد لجميع الشعراء اعتذار.
أم يكون ذلك لأن الجاهلي -شاعرًا كان أم غير شاعر- كان يعتز بنفسه، ويعجب بها، ويجب أن يشاع عنه القوة والكمال والصواب والبعد عن الخطأ على الدوام، فلم يرض أن يسجل على نفسه اعترافًا بالتقصير في حادثة ما؟ قد يكون ذلك قريبًا من المعقول، خصوصًا إذا علمنا أن الشعر كان كثير التداول، سريع الانتقال. كما كان يعتبر سجلًّا خالدًا لحوادثهم.
стр. 491
ومن الطبيعي ألا يحفل الإنسان بتسجيل نقيصة على نفسه في أي شيء. ويلاحظ أن الشاعر ما كان يعتذر عن شيء وقع منه إلا تحت ضغط ظروف قاهرة، فالمعتذر كان في الغالب يفعل ذلك ردًّا على عدو منتصر يفتخر، أو هاجٍ، أو لائم في حادثة كثر الحديث عنها، رغبة منه في الدفاع عن شرفه، أو المحافظة على كرامته، أو كرامة قومه.
وأكثر الاعتذار الحقيقي في مجال الحروب والقتال جاء من قوم اشتهروا بالبطولة الفائقة والشجاعة النادرة كعامر بن الطفيل، ودريد بن الصمة، وعبيد بن الأبرص، وقد يكون ذلك راجعًا إلى اعتماد هؤلاء، وأمثالهم على ما لهم من شهرة حربية، وشيوع خبرتهم بالقتال، كأن بطولتهم أمكن وأرسخ من أن تزعزعها أمثال هذه الحوادث التافهة النادرة على أنهم في كثير من الأحيان كان ينسبونها للحظ، أو القدر، أو شيء خارج عن طوق إرادتهم، كأن الواحد منهم كان يبغي ألا يؤاخذ على شيء لم يكن في مقدوره.
وكانت أبيات الاعتذار من الأبطال المشهورين يصحبها في العادة، فخر بأمجاد حربية سابقة، وتهديد للعدو بحرب شعواء. كأن المعتذرين كانوا يقصدون أن يبرهنوا على أنهم ليسوا ضعفاء ولا جبناء. وأنهم واثقون من أنفسهم، معتمدون على قوتهم وبأسهم مما سيكون له أعنف الآثار في الأعداء. كما كان الاعتذار في بعض الأحيان يتضمن هجاء يجمع مساوئ العدو. رغبة في إضعاف الروح المعنوية للأعداء والتقليل من شأنهم.
أما اعتذاريات من عاش على التكسب بشعره في المدح كالنابغة الذبياني، فواضح فيها العبودية والذلة وإن حفلت بتفتيق المعاني وتنويع الصور.
стр. 492
الغزل:
وأما الغزل. فقد كان فنًّا مطروقًا من جميع الشعراء. تغنوا به جميعًا. فاتخذوه حلية لقصائدهم. وزينة لأشعارهم، إذ جعلوه افتتاحيتهم على الدوام، كأنما كان ألذ المشهيات يتناولها الآكل في بدء طعامه، لتتفتح شهيته، وتزداد رغبته في الطعام، فيقبل على الأكل بشغف، ويحس فيه اللذة والمتعة.
إن الإفتتاحية -بجميع أنواعها وبخاصة الغزلية- للقصيدة كالمقدمة الموسيقية للأغنية: توقظ مشاعر الشاعر والمغني، وتبعث في كل منها النشاط الروحي الفني، فيسري في جوانحه مسرى الدم في شرايين جسمه وتلهب أحاسيسه شيئًا فشيئًا إلى أن يصل إلى أوج الانفعال،
стр. 493
وتتأجج عواطفه، فينطلق في فنه الرائع الأخاذ، مبدعًا نغمًا شجيًّا يفعل فعل السحر في نفوس السامعين والقارئين.
وقد ورد في الاستعمال الأدبي: الغزل والتشبيب والنسيب، وهي ألفاظ مترادفة، ولكن بعض النقاد حاولوا أن يفرقوا بينها، فقالوا:
الغزل: هو الاشتهار بمودة النساء، وتتبعهن، والحديث إليهن، والعبث بذلك في الكلام، وإن لم يتعلق القائل منهن بهوى أو صبابة.
والتشبيب: ذكر المرأة في مطالع الكلام، وما يتصل بذلك من ذكر الرسوم، ومساءلة الأطلال، توخيًا لتعليق القلوب، وتقييد الأسماع قبل المفاجأة بغرضه من الكلام، وقد يذكر فيه ما يحاول المتيمون من العشاق ستره من المحبوبة كالوعد واللقاء.
والنسيب: هو أثر الحب وتبريح الصبابة فيما يبثه الشاعر من الشكوى، وما يصفه من التجني، وما يعرض له من ذكر محاسن النساء.
والغزل في الآداب كلها، حديث الهوى والحب، وتصوير عواطف الرجل ومشاعره نحو المرأة، التي رأى فيها تمثالًا للجمال الإنساني، وهي في الوقت ذاته نصفه الذي يكمل حياته، وبها يتم ما يتمناه من راحة واستقرار وسعادة.
وقد احتل الغزل في الأدب الجاهلي، مكانًا ظاهرًا، وكان حظه فيه عظيمًا، وقال فيه جميع الشعراء، من اشتهر منهم، ومن لم يشتهر، واتفق الجميع فيه على جعله بدءًا لقصائدهم، وسار كل منهم فيه حسب ما يحلو له من وصف الحبيبة، وأثر حبها وفراقها في نفسه، وما يعانيه من عشقه لها وهيامه بها. ولكن الظاهرة الواضحة في غزل الجاهليين، أن الشعراء كأنما كانوا يتبارون في عرض محبوباتهم. فحاول كل منهم أن يصورها في أجمل خلق، وأحسن مظهر، وإن اختلفوا في الإجمال والتفصيل، أو في التصريح والتلميح.
وقد سار الشعراء الجاهليون جميعًا على تقليد التزموه في قصائدهم، هو افتتاحها دائمًا بالحديث عن الأطلال، والوقوف عندها والبكاء لديها، بسبب ما تثيره من الذكريات التي تثار لدى الشعراء عندما يرون ما أصبحت عليه ديار حبيباتهم بعد أن هجرنها، وقد كان لهم فيها معهن أوقات حلوة، لا ينسيها مر الزمن، ولا تغيب ذكرياتها عن البال، وإن تغيرت الديار إلى رسوم وأطلال. ولئن أردنا تعليلًا لهذه الظاهرة؛ فربما كان ذلك لأن رؤية الخراب بعد العمار، والخمود بعد الحركة، والوحشة بعد البهجة، مما يحرك العواطف والوجدان، ويثير
стр. 494
الأحزان والأشجان، وتبعث على تذكر ما كان لها، وما حدث فيها، فتهيج الذكريات، وتتمثل أمام القلب صور الماضي الحلوة، فتطرب لها النفس وتهش، وتستعيد ما لها من لذة وبهجة، فإذا الهدوء النفسي يعود، والعين تكف عن الدموع، وتتدفق الشاعرية، وينطلق اللسان، حاكيًا ما يرى القلب من صور الجمال.
وقد وصف الشعراء الجاهليون جمال المرأة الجسمي، كأنما كانوا يريدون أن تكون ماثلة أمام العيون فتسر برؤيتها، وتنشرح النفوس بمنظرها، وقد حاول الكثير منهم أن يتتبع جسمها جزئية جزئية، لترى بجمالها الكامل من ناصيتها إلى قدمها. ويندر أن نجد شاعرًا جاهليًّا قد خصص قصيدة طويلة بأكملها للغزل. وإنما الشائع أن القصائد الطويلة كانت غالبًا تبدأ بالحديث عن الأطلال ورحلة الحبيبة، ثم الحديث عن أوصاف هذه المحبوبة، ولكن الشعراء كانوا يختلفون في ذلك طولًا وقصرًا، فمنهم من كان يسهب في هذه الأوصاف، ومنهم من كان يوجز. ومن روائع الشعر الغزلي في الجاهلية، قصيدة لطرفة بن العبد٤٢٨، وهي طويلة، نصفها الأول في الغزل حيث تعرض لأوصاف الحبيبة وجمالها الجسمي، وما تعيش فيه من نعمة ورفاهية، وتنقلاتها بين أنضر الجهات في كل فصل من فصول السنة، وأثر فراقها في نفسه، وما يحسه من اللوعة والأسى لبعدها، وما يعتاده من خيالها، وفيها يقول ٤٢٨:
أصحوت اليوم أم شاقتك هر ... ومن الحب جنون مستعر٤٢٩
لا يكن حبك داء قاتلا ... ليس هذا منك ماوي بحر٤٣٠
كيف أرجو حبها من بعدما ... علق القلب بنصب مستسر٤٣١
стр. 495
أرق العين خيال لم يقر ... طاف والركب بصحراء يسر٤٣٢
جازت البيد إلى أرحلنا ... آخر الليل بيعفور خدر٤٣٣
ثم زارتني وصحبي هجع ... في خليط بين برد ونمر٤٣٤
تخلس الطرف بعيني برغز ... وبخدي رشأ آدم غر٤٣٥
وعلى المتنين منها وارد ... حسن النبت أثيث مسبكر٤٣٦
ولها كشحا مهاة مطفل ... تقتري بالرمل أفنان الزهر٤٣٧