ومن الطبيعي ألا يحفل الإنسان بتسجيل نقيصة على نفسه في أي شيء. ويلاحظ أن الشاعر ما كان يعتذر عن شيء وقع منه إلا تحت ضغط ظروف قاهرة، فالمعتذر كان في الغالب يفعل ذلك ردًّا على عدو منتصر يفتخر، أو هاجٍ، أو لائم في حادثة كثر الحديث عنها، رغبة منه في الدفاع عن شرفه، أو المحافظة على كرامته، أو كرامة قومه.
وأكثر الاعتذار الحقيقي في مجال الحروب والقتال جاء من قوم اشتهروا بالبطولة الفائقة والشجاعة النادرة كعامر بن الطفيل، ودريد بن الصمة، وعبيد بن الأبرص، وقد يكون ذلك راجعًا إلى اعتماد هؤلاء، وأمثالهم على ما لهم من شهرة حربية، وشيوع خبرتهم بالقتال، كأن بطولتهم أمكن وأرسخ من أن تزعزعها أمثال هذه الحوادث التافهة النادرة على أنهم في كثير من الأحيان كان ينسبونها للحظ، أو القدر، أو شيء خارج عن طوق إرادتهم، كأن الواحد منهم كان يبغي ألا يؤاخذ على شيء لم يكن في مقدوره.
وكانت أبيات الاعتذار من الأبطال المشهورين يصحبها في العادة، فخر بأمجاد حربية سابقة، وتهديد للعدو بحرب شعواء. كأن المعتذرين كانوا يقصدون أن يبرهنوا على أنهم ليسوا ضعفاء ولا جبناء. وأنهم واثقون من أنفسهم، معتمدون على قوتهم وبأسهم مما سيكون له أعنف الآثار في الأعداء. كما كان الاعتذار في بعض الأحيان يتضمن هجاء يجمع مساوئ العدو. رغبة في إضعاف الروح المعنوية للأعداء والتقليل من شأنهم.
أما اعتذاريات من عاش على التكسب بشعره في المدح كالنابغة الذبياني، فواضح فيها العبودية والذلة وإن حفلت بتفتيق المعاني وتنويع الصور.
стр. 492
الغزل:
وأما الغزل. فقد كان فنًّا مطروقًا من جميع الشعراء. تغنوا به جميعًا. فاتخذوه حلية لقصائدهم. وزينة لأشعارهم، إذ جعلوه افتتاحيتهم على الدوام، كأنما كان ألذ المشهيات يتناولها الآكل في بدء طعامه، لتتفتح شهيته، وتزداد رغبته في الطعام، فيقبل على الأكل بشغف، ويحس فيه اللذة والمتعة.
إن الإفتتاحية -بجميع أنواعها وبخاصة الغزلية- للقصيدة كالمقدمة الموسيقية للأغنية: توقظ مشاعر الشاعر والمغني، وتبعث في كل منها النشاط الروحي الفني، فيسري في جوانحه مسرى الدم في شرايين جسمه وتلهب أحاسيسه شيئًا فشيئًا إلى أن يصل إلى أوج الانفعال،
стр. 493
وتتأجج عواطفه، فينطلق في فنه الرائع الأخاذ، مبدعًا نغمًا شجيًّا يفعل فعل السحر في نفوس السامعين والقارئين.
وقد ورد في الاستعمال الأدبي: الغزل والتشبيب والنسيب، وهي ألفاظ مترادفة، ولكن بعض النقاد حاولوا أن يفرقوا بينها، فقالوا:
الغزل: هو الاشتهار بمودة النساء، وتتبعهن، والحديث إليهن، والعبث بذلك في الكلام، وإن لم يتعلق القائل منهن بهوى أو صبابة.
والتشبيب: ذكر المرأة في مطالع الكلام، وما يتصل بذلك من ذكر الرسوم، ومساءلة الأطلال، توخيًا لتعليق القلوب، وتقييد الأسماع قبل المفاجأة بغرضه من الكلام، وقد يذكر فيه ما يحاول المتيمون من العشاق ستره من المحبوبة كالوعد واللقاء.
والنسيب: هو أثر الحب وتبريح الصبابة فيما يبثه الشاعر من الشكوى، وما يصفه من التجني، وما يعرض له من ذكر محاسن النساء.
والغزل في الآداب كلها، حديث الهوى والحب، وتصوير عواطف الرجل ومشاعره نحو المرأة، التي رأى فيها تمثالًا للجمال الإنساني، وهي في الوقت ذاته نصفه الذي يكمل حياته، وبها يتم ما يتمناه من راحة واستقرار وسعادة.
وقد احتل الغزل في الأدب الجاهلي، مكانًا ظاهرًا، وكان حظه فيه عظيمًا، وقال فيه جميع الشعراء، من اشتهر منهم، ومن لم يشتهر، واتفق الجميع فيه على جعله بدءًا لقصائدهم، وسار كل منهم فيه حسب ما يحلو له من وصف الحبيبة، وأثر حبها وفراقها في نفسه، وما يعانيه من عشقه لها وهيامه بها. ولكن الظاهرة الواضحة في غزل الجاهليين، أن الشعراء كأنما كانوا يتبارون في عرض محبوباتهم. فحاول كل منهم أن يصورها في أجمل خلق، وأحسن مظهر، وإن اختلفوا في الإجمال والتفصيل، أو في التصريح والتلميح.
وقد سار الشعراء الجاهليون جميعًا على تقليد التزموه في قصائدهم، هو افتتاحها دائمًا بالحديث عن الأطلال، والوقوف عندها والبكاء لديها، بسبب ما تثيره من الذكريات التي تثار لدى الشعراء عندما يرون ما أصبحت عليه ديار حبيباتهم بعد أن هجرنها، وقد كان لهم فيها معهن أوقات حلوة، لا ينسيها مر الزمن، ولا تغيب ذكرياتها عن البال، وإن تغيرت الديار إلى رسوم وأطلال. ولئن أردنا تعليلًا لهذه الظاهرة؛ فربما كان ذلك لأن رؤية الخراب بعد العمار، والخمود بعد الحركة، والوحشة بعد البهجة، مما يحرك العواطف والوجدان، ويثير
стр. 494
الأحزان والأشجان، وتبعث على تذكر ما كان لها، وما حدث فيها، فتهيج الذكريات، وتتمثل أمام القلب صور الماضي الحلوة، فتطرب لها النفس وتهش، وتستعيد ما لها من لذة وبهجة، فإذا الهدوء النفسي يعود، والعين تكف عن الدموع، وتتدفق الشاعرية، وينطلق اللسان، حاكيًا ما يرى القلب من صور الجمال.
وقد وصف الشعراء الجاهليون جمال المرأة الجسمي، كأنما كانوا يريدون أن تكون ماثلة أمام العيون فتسر برؤيتها، وتنشرح النفوس بمنظرها، وقد حاول الكثير منهم أن يتتبع جسمها جزئية جزئية، لترى بجمالها الكامل من ناصيتها إلى قدمها. ويندر أن نجد شاعرًا جاهليًّا قد خصص قصيدة طويلة بأكملها للغزل. وإنما الشائع أن القصائد الطويلة كانت غالبًا تبدأ بالحديث عن الأطلال ورحلة الحبيبة، ثم الحديث عن أوصاف هذه المحبوبة، ولكن الشعراء كانوا يختلفون في ذلك طولًا وقصرًا، فمنهم من كان يسهب في هذه الأوصاف، ومنهم من كان يوجز. ومن روائع الشعر الغزلي في الجاهلية، قصيدة لطرفة بن العبد٤٢٨، وهي طويلة، نصفها الأول في الغزل حيث تعرض لأوصاف الحبيبة وجمالها الجسمي، وما تعيش فيه من نعمة ورفاهية، وتنقلاتها بين أنضر الجهات في كل فصل من فصول السنة، وأثر فراقها في نفسه، وما يحسه من اللوعة والأسى لبعدها، وما يعتاده من خيالها، وفيها يقول ٤٢٨:
أصحوت اليوم أم شاقتك هر ... ومن الحب جنون مستعر٤٢٩
لا يكن حبك داء قاتلا ... ليس هذا منك ماوي بحر٤٣٠
كيف أرجو حبها من بعدما ... علق القلب بنصب مستسر٤٣١
стр. 495
أرق العين خيال لم يقر ... طاف والركب بصحراء يسر٤٣٢
جازت البيد إلى أرحلنا ... آخر الليل بيعفور خدر٤٣٣
ثم زارتني وصحبي هجع ... في خليط بين برد ونمر٤٣٤
تخلس الطرف بعيني برغز ... وبخدي رشأ آدم غر٤٣٥
وعلى المتنين منها وارد ... حسن النبت أثيث مسبكر٤٣٦
ولها كشحا مهاة مطفل ... تقتري بالرمل أفنان الزهر٤٣٧
стр. 496
جابة المدرى لها ذو جدة ... تنفض الضال وأفنان السمر٤٣٨
بين أكناف خفاف فاللوى ... مخرف تحنو لرخص الظلف حر٤٣٩
تحسب الطرف عليها نجدة ... يا لقومي للشباب المسبكر٤٤٠
حيثما قاظوا بنجد وشتوا ... حول ذات الحاذ من ثنيي وقر٤٤١
فله منها على أحيانها ... صفوة الراح بملذوذ خصر٤٤٢
إن تنوله فقد تمنعه ... وتريه النجم يجري بالظهر٤٤٣
ظل في عسكرة من حبها ... ونأت شحط مزار المدكر٤٤٤
стр. 497
فلئن شطت نواها مرة ... لعلى عهد حبيب معتكر٤٤٥
بادن تجلو إذا ما ابتسمت ... عن شتيت كأقاحي الرمل غر٤٤٦
بدلته الشمس من منبته ... بردًا أبيض مصقول الأشر٤٤٧
وإذا تضحك تبدي حببًا ... كرضاب المسك بالماء الخصر٤٤٨
صادفته حرجف في تلعة ... فسجا وسط بلاط مسبطر٤٤٩
وإذا قامت تداعى قاصف ... مال من أعلى كثيب منقعر٤٥٠
تطرد القر بحر صادق ... وعكيك القيظ إن جاء بقر٤٥١
стр. 498
لا تلمني إنها من نسوة ... رقد الصيف مقاليت نزر٤٥٢
كبنات المخر يمأدن كما ... أنبت الصيف عساليج الخضر٤٥٣
فجعوني يوم زموا عيرهم ... برخيم الصوت ملثوم عطر٤٥٤
ومن الغزل الحسي قصيدة تنسب إلى النابغة الذبياني، منها:
نظرت بمقلة شادن متربب ... أحوى أحم المقلتين مقلد٤٥٥
والنظم في سلك يزين نحرها ... ذهب توقد كالشهاب الموقد٤٥٦
قامت تراءى بين سجفي كلة ... كالشمس يوم طلوعها بالأسعد٤٥٧
أو درة صدفية غواصها ... بهج متى يرها يهل ويسجد٤٥٨
أو دمية من مرمر مرفوعة ... بنيت بآجُرٍّ يشاد وقرمد٤٥٩
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته، واتقتنا باليد٤٦٠
стр. 499
بمخضب رخص كأن بنانه ... عنم يكاد من اللطافة يعقد٤٦١
لو أنها عرضت لأشمط راهب ... عبد الإله صرورة متعبد٤٦٢
لرنا لبهجتها وحسن حديثها ... ولخاله رشدًا وإن لم يرشد٤٦٣
وقد اشتهر امرؤ القيس بالإكثار من الحديث عن النساء، وزاد عن غيره أنه لا يتورع عن ذكر مغامراته في شعره، فكان رائدًا لعمر بن أبي ربيعة ومن تبعه، في هذه الناحية.
وفي تضاعيف الوصف الحسي لجسم الحبيبة كان كثير من الشعراء يصفون ما يحسونه من النشوة والبهجة حينما يؤخذون بجمال حبيباتهم، وما يشعرون به من الألم والعذاب عند فراقهن، من ذلك قول طرفة بن العبد:
جلت بردًا فهش له فؤادي ... فكدت إليه من شوق أطير
وقوله في قصيدة أخرى:
بلغا خولة أني أرق ... ما أنام الليل من غير سقم
كلما نام خلي باله ... بت للهم نجيًّا لم أنم
منع التغميض منى ذكرها ... فهي همي وحديثي وسدم٤٦٤
ومع أن السمة العامة للغزل الجاهلي كانت الناحية الحسية، من وصف الجسد، وأعضائه، وما تتصف به الحبيبة من جمال خلقي، فإننا نجد من بين الشعراء الجاهليين من أعجب بجمال المرأة الخلقي، فأطرى ما تتمتع به من كريم الصفات، وحسن الطبع، وجميل العادات من ذلك ما ورد للشنفرى إذ يقول٤٦٥:
стр. 500
فيا جارتي وأنت غير مليمة ... إذا ذكرت، ولا بذات تقلت٤٦٦
لقد أعجبتني، لا سقوطًا قناعها ... إذا ما مشت، ولا بذات تلفت٤٦٧
تبيت بعيد النوم تهدي غبوقها ... لجارتها إذا الهدية قلت٤٦٨
تحل بمنجاة من اللوم بيتها ... إذا ما بيوت بالمذمة حلت٤٦٩
كأن لها في الأرض نسيًا تقصه ... على أمها وإن تكلمك تبلت٤٧٠
أميمة لا يخزى ثناها حليلها ... إذا ذكر النسوان عفت وجلت٤٧١
إذا هو أمسى آب قرة عينه ... مآب السعيد لم يسل أين ظلت٤٧٢
فدقت وجلت واسبكرت وأكملت ... فلو جن إنسان من الحسن جنت٤٣١
فالشاعر لم يتحدث عن جمال الجسم إلا في البيت الأخير، إذ أشار فيه إلى أنها حسنة الخلق جميلة، وجمالها يفوق الوصف، لدرجة أن تمام الجمال لو كان يسبب لصاحبه الجنون، لكانت قد جنت من حسنها الكامل. ولكنه في الأبيات السابقة يعجب بأخلاقها وصفاتها وشمائلها، فهي كاملة في كل شيء، ليس من أفعالها ما تستحق عليه أدنى لوم، وليس في
стр. 501
طبيعتها أو أخلاقها ما يغضب الآخرين، بل كل أفعالها، وأقوالها، وأخلاقها محمودة فأحبها جميع الناس، وهي تمتاز بالحياء الكامل فهي في غاية الحشمة والأدب، إذا مشت لا تكون متبهرجة ولا متبرجة، فتحافظ على قناعها، ولا تتلفت في أي اتجاه، وهي كريمة تؤثر جيرانها على نفسها، وتحافظ في إهدائها على كرامة من تقدم له الهدية، فتقدم أعز ما لديها لجارتها، في وقت لا يراها فيه أحد، وبيتها كله طهارة وشرف، فهي تتصف بالعفة والنقاء، وفي منتهى البعد عن أدنى شبهة أو ظن، ويبدو حياؤها واضحًا في مشيها، فهي إذا مشت، لا تنظر إلا أمام قدمها، كأنها من شدة حيائها تبحث عن شيء ضاع منها، ولا تتحدث عن زوجها إلا بكل ما يصوره عظيمًا كريمًا. وسيرتها حلوة، ودرجتها عالية بين قريناتها، وهي في معاملتها لزوجها في منتهى الكمال، لا تبرح بيتها إلا بعلمه، وتتحرى ما يرضيه ويسره، وتعامله في غيبته كما لو كان موجودًا، وعند عودته إليها يعود وقلبه متلهف لرؤيتها؛ لأنه يحس السعادة الحقيقة في وجوده معها، وقد قال الأصمعي: هذه الأبيات أحسن ما قيل في خفر النساء وعفتهن.
стр. 502
في الحياة والناس:
وبجانب هذه الأغراض الشعرية التي سبق بيانها، كانت هناك مجالات واسعة للشعر الجاهلي في نواحي الحياة وأحوال الناس المختلفة، ومن أشعارهم في هذه المجالات تتبين بوضوح ظروفهم وأخلاقهم وعاداتهم وتقاليدهم، وصلاتهم ومعاملاتهم، وما ينزل بهم من أحداث، وما يحسونه من متاعب وآلام، وما يرجونه من آمال وأحلام، وما يجول بخواطرهم من أفكار، وما يدور بجوانحهم من نظريات وآراء، وما يرون فيه الخير من توجيهات وإرشادات.
وقد سبق أن ذكرنا في أكثر من موضع، أن السمة الغالبة على شبه الجزيرة العربية في ذلك العصر القحط والجدب بسبب الجفاف، فانتشر الفقر والجوع، ولهذا كان تقديم الطعام والشراب للجائع والعطشان من أعظم المكرمات في ذلك الحين، إذ ليس هناك أعظم قدرًا لدى الإنسان مما يحفظ عليه حياته وينقذه من براثن الموت والهلاك، ومن ثم افتخروا ومدحوا بالكرم والجود والسخاء وإكرام الضيفان، وذموا وهجوا بالبخل والشح والحرص. ولأن جزيرتهم كانت صحراء واسعة الأرجاء مترامية الأطراف، وسكانها متباعدون
стр. 503
قليلون، وفيها الأعداء من الحيوان والإنسان، فيها اللصوص وقطاع الطرق والمغيرون، والحيوانات الضارية والمفترسة فخيم عليها الرعب والرهبة، وكان يتملك السائر فيها الخوف والفزع، فكانوا لهذا يفخرون ويمدحون بتلبية الداعي، وإغاثة المستغيث، ونجدة المكروب، وحماية اللاجئ، وتأمين الخائف، ومد يد العون عن طيب خاطر وسرور للضعفاء والمحتاجين.
ومما قيل في تصوير الفقر والبؤس بين الجاهليين ما جاء في أبيات للمزرد٤٧٤ يتحدث فيها عن صياد يعيش في شقاء، له أكلب هزيلة، وعيال جياع، وليس في بيته شيء، ولا يجد ما يسد رمقه، فأخذ يطوف بأصحابه لعله يجد عندهم شيئًا من القوت، ولكن خاب أمله، وسدت أمامه جميع الطرق، حتى أعيته الحيل، فعاد إلى بيته وكان فيه صبية في غاية الهزال من الجوع، وامرأته الحمقاء السليطة اللسان، فقال لها: هل لديك طعام، ثكلتك أمك!! فإني لم أجد في الناس خيرًا. فقالت له: نعم، هذا البئر وماؤه، وهذا الجلد اليابس المحترق. فسقط من الإعياء والضعف، وجر على جسمه بقايا ثوبه يحاول أن ينام، ولكن النوم استعصى عليه فقد طرده عنه ما استولى عليه من الهم والغم وضيق النفس. وذلك في قوله:
فعد قريض الشعر إن كنت مغزرًا ... فإن غزير الشعر ما شاء قائل٤٧٥
لنعت صباحيٍّ طويل شقاؤه ... له رقميات وصفراء ذابل٤٧٦
بقين له مما يبرى، وأكلب ... تقلقل في أعناقهن السلاسل٤٧٧
سحام ومقلاء القنيص وسلهب ... وجدلاء والسرحان والمتناول٤٧٨
بنات سلوقيين كانا حياته ... فماتا فأودى شخصه فهو خامل٤٧٩
стр. 504
وأيقن إذ ماتا بجوع وخيبة ... وقال له الشيطان إنك عائل٤٨٠
فطوف في أصحابه يستثيبهم ... فآب وقد أكدت عليه المسائل٤٨١
إلى صبية مثل المغالي وخرمل ... رواد، ومن شر النساء الخرامل٤٨٢
فقال لها: هل من طعام فإنني ... أذم إليك الناس، أمك هابل٤٨٣
فقالت: نعم، هذا الطوي وماؤه ... ومحترق من حائل الجلد قاحل٤٨٤
فلما تناهت نفسه من طعامه ... وأمسى طليحًا ما يعانيه باطل٤٨٥
تغشى، يريد النوم، فضل ردائه ... فأعيا على العين الرقاد البلابل٤٨٦
ومع انتشار الفقر والبؤس بين الجاهليين، فإن الواحد منهم كان إذا نزل به ضيف بذل كل ما في وسعه ليقدم له القرى ويوفر له جميع أسباب الراحة والاطمئنان، وعند ذلك يشعر المضيف بسعادة غامرة ورضا نفسي عميق.
ومن خير ما ورد في هذا أبيات منسوبة إلى الحطيئة يصف فيها حال أعرابي فقير يعيش في عزلة ويشد الخرق على بطنه من الجوع، ومعه زوجه وأولاده، حفاة عراة، في غاية الهزال، كأنهم أشباح، وفاجأه ضيف فانتابه الهم والضيق والألم لأنه لا يوجد قرى له، فهم أن يذبح ابنه حتى لا يسيء الرجل الظن به، ثم فرج الله كربته بصيد سمين، فغمرته الفرحة والبهجة، وباتوا جميعًا في سعادة، لما قاموا به من واجب الضيافة.
стр. 505
وطاوي ثلاث، عاصب البطن، مرمل ... ببيداء لم يعرف بها ساكن رسما٤٨٧
أخي جفوة، فيه من الأنس وحشة ... يرى البؤس فيها من شراسته نعمى ٤٨٨
وأفرد في شعب عجوزًا إزاءها ... ثلاثة أشباح تخالهم بهمًا ٤٨٩
حفاة، عراة، ما اغتذوا خبز ملة ... ولا عرفوا للبر، مذ خلقوا، طعمًا٤٩٠
رأى شبحًا، وسط الظلام، فراعه ... فلما بدا ضيفا، تهيأ واهتما٤٩١
فقال ابنه، لما رآه بحيرة ... أيا أبت اذبحني! ويسر له طعما
ولا تعتذر بالعدم، علَّ الذي ترى ... يظن لنا مالا، فيوسعنا ذما٤٩٢
فروى قليلًا، ثم أحجم برهة ... وإن هو لم يذبح فتاه، فقد هما٤٩٣
وقال: هيا رباه، ضيف ولا قرى! ... بحقك، لا تحرمه تا الليلة اللحما٤٩٤
فبينا هما، عنت على البعد عانة ... قد انتظمت من خلف مسحلها نظما٤٩٥
стр. 506
عطاشًا تريد الماء، فانساب نحوها ... على أنه منها إلى دمها أظما٤٩٦
فأمهلها حتى تروت عطاشها ... فأرسل فيها من كنانته سهما٤٩٧
فخرت نحوص، ذات جحش، سمينة ... قد اكتنزت لحمًا، وقد طبقت شحما٤٩٨
فيا بشره إذ جرها نحو أهله ... ويا بشرهم لما رأوا كلمها يدمى٤٩٩
فباتوا كرامًا قد قضوا حق ضيفهم ... ولم يغرموا غرما، وقد غنموا غنما٥٠٠
وبات أبوهم من بشاشته أبًا ... لضيفهم، والأم من بشرها أما٥٠١
وهذه الأبيات تصور ما كان يعانيه الجاهليون سكان الصحراء من فقر وبؤس وجوع، وما كانوا يتمسكون به -مع هذا- من التفاني الشديد في إكرام الضيف مهما كانت حالتهم، ففي القيام بهذا الواجب سعادة كبيرة وسرور عظيم.
ولهذا كانوا يلبون نداء المكروب، ويحسنون استقبال النازلين، وبخاصة من كان في حاجة إلى رعاية وعناية، كمن يضل في الصحراء، أو تسوء ظروفه وأحواله، ومن أحسن ما ورد في ذلك قول عمرو بن الأهتم في رجل ضل الطريق ليلًا٥٠٢:
ومستنبح بعد الهدو دعوته ... وقد حان من نجم الشتاء خفوق٥٠٣
يعالج عرنينًا من الليل باردًا ... تلف رياح ثوبه، ويروق٥٠٤
стр. 507
تألق في عين من المزن وادق ... له هيدب داني السحاب دفوق٥٠٥
أضفت فلم أفحش عليه ولم أقل ... لأحرمه: إن المكان مضيق٥٠٦
فقلت له أهلًا وسهلًا ومرحبًا ... فهذا صبوح راهن وصديق٥٠٧
وقمت إلى البرك الهواجد فاتقت ... مقاحيد كوم كالمجادل روق٥٠٨
بأدماء مرباع النتاج كأنها ... إذا عرضت دون العشار فنيق٥٠٩
بضربة ساق أو بنجلاء ثرة ... لها من أمام المنكبين فتيق٥١٠
وقام إليها الجازران فأوفدا ... يطيران عنها الجلد وهي تفوق٥١١
فجر إلينا ضرعها وسنامها ... وأزهر يحبو للقيام عتيق٥١٢
بقير جلا بالسيف عنه غشاءه ... أخ بإخاء الصالحين رفيق٥١٣
فبات لنا منها وللضيف موهنًا ... شواء سمين زاهق وغبوق٥١٤
وبات له دون الصبا وهي قرة ... لحاف ومصقول الكساء رقيق٥١٥
стр. 508
وكل كريم يتقي الذم بالقرى ... وللخير بين الصاحلين طريق
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ... ولكن أخلاق الرجال تضيق
فهذه الأبيات تبين لنا كيف كان السائر في الصحراء ليلًا يتصرف إذا ضل الطريق، وساءت به الظروف، لقد كان ينبح كما ينبح الكلب لتجيبه الكلاب بالنباح، فيعرف مكانها، وهي لا تكون إلا مع أصحابها فيذهب إليهم، وينزل عليهم ضيفا، والشاعر هنا يروي كيف كان العربي يعامل هذا النزيل في مثل هذه الحال، لقد كان صاحب البيت يقابله بالبشاشة والترحاب وينزله منزلًا جميلًا، كأنما يعيش في بيته، ووسط أهله وعشيرته، وفي الحال يذهب إلى أكرم إبله فيذبحه، ويهيئ لضيفه طعامًا شهيًّا. ويقضي معه السهرة في سمر حلو جميل، ويشعره أنه أخ وحبيب، فإذا أراد النوم، أعد له فراشًا وثيرًا، دافئًا. وجهز له ما يقدم له في الصباح وفي المساء من طعام وشراب. ثم يعقب الشاعر على ذلك بأن الخير دائمًا موجود، ويستطيع كل من يريد الخير أن يفعله، والعاقل الكريم، هو الذي يتحاشى ذم الناس، بفعل الخير، وذلك لن يكلفه كثيرًا، فطريق الخير سهلة ويسيرة، وليس هناك ما يؤلم الإنسان أكثر من سوء الأخلاق.
وفي وصف لمجلس من مجالس اللهو والمرح بين صحبة يجمعهم الحب والإخاء، يقول ثعلبة بن صعير المازني٥١٦:
أسمي ما يدريك أن رب فتية ... بيض الوجود ذوي ندى ومآثر٥١٧
حسني الفكاهة لا تذم لحامهم ... سبطي الأكف، وفي الحروب مساعر٥١٨
باكرتهم بسباء جون ذارع ... قبل الصباح وقبل لغو الطائر٥١٩
فقصرت يومهم برنة شارف ... وسماع مدجنة وجدوى جازر٥٢٠
стр. 509
حتى تولى يومهم وتروحوا ... لا ينثنون إلى مقال الزاجر٥٢١
فهو في قراهم وإكرامهم، قد جمع كل نواحي المتعة والسرور، من شراب وطعام وغناء.
ولئن رأينا في أبيات الشنفرى السابقة صورة للمرأة المثالية، في خَلقها وخُلقها، وطباعها، وعادتها، ومعاملتها لزوجها، فإن الحياة تجمع الخير والشر، وفيها الوفاق والشقاق، كما أن فيها الوئام والخصام، وفي أبيات لعلباء بن أرقم بن عوف، نرى صورة لحياة زوجية لم تكن سعيدة دائمًا، إذ يقول٥٢٢:
ألا تلكما عرسي تصد بوجهها ... وتزعم في جاراتها أن من ظلم
أبونا، ولم أظلم بشيء عملته ... سوى ما ترين في القذال من القدم٥٢٣
فيوما توافينا بوجه مقسم ... كأن ظبية تعطو إلى ناضر السلم٥٢٤
ويومًا تريد مالنا مع مالها ... فإن لم ننلها لم تنمنا ولم تنم
نبيت كأنا في خصوم عرامة ... وتسمع جاراتي التألي والقسم٥٢٥
فقلت لها أن لا تناهي فإنني ... أخو النكر حتى تقرعي السن من ندم٥٢٦
لتجتنبنك العيس خنسًا عكومها ... وذو مرة في العسر واليسر والعدم٥٢٧
فهو هنا يشكو من زوجته ويصف حياتهما بأنها مضطربة لا يسودها الوفاق والانسجام، ويذكر أن زوجته كثيرة الادعاء والشكوى، وتتحدث مع جاراتها بأن حظها سيّئ، وأن
стр. 510
زواجها كان ظلمًا، وهي متقلبة في معاملتها له، فيومًا تقبل عليه بوجه جميل باسم، وجبين مشرق ناضر، ويومًا تأتي عابسة الوجه، مقطبة الجبين، مشتطة في طلباتها المالية؛ لحاجاتها الخاصة وحدها، فإن لم يعطها ما تطلب، انقلبت إلى ثورة، وهياج، وصراخ وعراك، وأيمان، فتطير النوم عنه وعنها، ويملأ ضجيجها وقسمها وأصواتها النابية بيوت الجارات، فحذرها، في صرامة وجد، بأنها إن لم تنته عما هي فيه، فسوف تندم ندامة لا تفارقها وتحرم من كل خير وسعادة طوال حياتها.
وفي العشيرة الواحدة قد تحدث الخصومات والمشاجرات بين أبناء العمومة، فتثور النفوس، وتضطرب المشاعر، ويتصارع ما تستوجبه القرابة من حب ومودة، وما تدعو إليه من إخاء وتعاون، مع ما تحدثه الخصومة من تباغض وفرقة، وما تستدعيه من وعيد وتهديد. وفي هذا يقول ذو الأصبع العدواني٥٢٨:
ولي ابن عم على ما كان من خلق ... مختلفان فأقليه ويقليني
أزرى بنا أننا شالت نعامتنا ... فخالني دونه بل خلته دوني٥٢٩
لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب ... عني، ولا أنت دياني فتخزوني٥٣٠
ولا تقوت عيالي يوم مسغبة ... ولا بنفسك في العزاء تكفيني
فإن ترد عرض الدنيا بمنقصتي ... فإن ذلك مما ليس يشجيني٥٣١
ولا يرى في غير الصبر منقصة ... وما سواه فإن الله يكفيني
لولا أياصر قربى لست تحفظها ... ورهبة الله فيمن لا يعاديني٥٣٢
إذا بريتك بريًا لا انجبار له ... إني رأيتك لا تنفك تبريني
إن الذي يقبض الدنيا ويبسطها ... إن كان أغناك عني سوف يغنيني
стр. 511
الله يعلمني والله يعلمكم ... والله يجزيكم عني ويجزيني
ماذا علي وإن كنتم ذوي رحمي ... ألا أحبكم إذ لم تحبوني
لو تشربون دمي لم يرو شاربكم ... ولا دماؤكم جمعًا ترويني
ولي ابن عم لو أن الناس في كبد ... لظل محتجزًا بالنبل يرميني٥٣٣
يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي ... أضربك حيث تقول الهامة اسقوني
درم سلاحي فما أمي براعية ... ترعى المخاض، وما رأيي بمغبون ٥٣٤
إني أبي أبي ذو محافظة ... وابن أبي أبي من أبيين
لا يخرج القسر مني غير مأبية ... ولا ألين لمن لا يبتغي ليني
عف ندود إذا ما خفت من بلد ... هونًا فلست بوقاف على الهون٥٣٥
كل امرئ صائر يومًا لشيمته ... وإن تخلق أخلاقًا إلى حين
إنى لعمرك ما بابي بذي غلق ... عن الصديق ولا خيري بممنون
وما لساني على الأدنى بمنطلق ... بالمنكرات، وما فتكي بمأمون
عندي خلائق أقوام ذوي حسب ... وآخرون كثير كلهم دوني
وأنتم معشر زيد على مائة ... فأجمعوا أمركم شتى فكيدوني
فإن علمتم سبيل الرشد فانطلقوا ... وإن جهلتم سبيل الرشد فائتوني
يا عمرو لو لنت لي ألفيتني بشرًا ... سمحا كريما أجازي من يجازيني
والله لو كرهت كفي مصاحبتي ... لقلت إذ كرهت قربى لها: بيني
وقد تقع الواقعة بين الأسرة الواحدة، فتشغل بالهم، وتقض مضجعهم وقد تفرق شملهم، وتورث العداوة والبغضاء بينهم، كما حدث بسبب ناقة البسوس، إذ قتل جساس بن مرة كليبًا زوج أخته جليلة٥٣٦.
قالوا: لما قتل كليب اجتمع نساء الحي للمأتم فقلن لأخت كليب: رحلي جليلة عن مأتمنا فإن
стр. 512
قيامها فيه شماتة وعار عند العرب، فقالت لها يا هذه اخرجي عن مأتمنا فأنت أخت واترنا، وشقيقة قاتلنا، فخرجت وهي تجر أعطافها، فلقيها أبوها مرة فقال لها: ما وراءك يا جليلة؟ فقالت: ثكل العدد وحزن الأبد، وفقد خليل، وقتل أخ عن قليل، وبين ذين غرس الأحقاد وتفتت الأكباد، فقال لها أبوها: أويكف ذلك كرم الصفح وإغلاء الديات؟ فقالت:
أمنية مخدوع ورب الكعبة، أبا لبدن تدع لك تغلب دم ربها؟ قالوا: ولما رحلت جليلة. قالت أخت كليب: رحلة المعتدي وفراق الشامت، ويل غدا لآل مرة من الكرة بعد الكرة، فبلغ قولها جليلة فقالت: وكيف تشمت الحرة بهتك سترها، وترقب وترها. أفلا قالت: نفرة الحياء. وخوف الاعتداء.
ثم أنشأت تقول "وهو من أبرع ما قيل في معناه":
يا ابنة الأقوام إن شئت فلا ... تعجلي باللوم حتى تسألي
فإذا أنت تبينت الذي ... يوجب اللوم فلومي واعذلي
إن تكن أخت امرئ ليمت على ... شفق منها عليه فافعلي
جل عندي فعل جساس فيا ... حسرتي عما انجلت أو تنجلي
فعل جساس على وجدي به ... قاصم ظهري ومدن أجلي
يا قتيلًا قوض الدهر به ... سقف بيتي جميعًا من عل
هدم البيت الذي استحدثه ... وانثنى في هدم بيتي الأول.
يا نسائي دونكن اليوم قد ... خصني الدهر برزء معضل
خصني قتل كليب بلظى ... من ورائي ولظى من أسفل
ليس من يبكي ليوميه كمن ... إنما يبكي ليوم مقبل
يشتفي المدرك بالثأر وفي ... درك ثأري ثكل لمثكل.
إنني قاتلة مقتولة ... ولعل الله أن يرتاح لي
وفي قتال الأقارب بعد الحلم والصبر عليهم يقول الفند الزماني٥٣٧:
стр. 513
صفحنا عن بني ذهل ... وقلنا القوم إخوان٥٣٨
عسى الأيام أن يرجع ... ن قوما كالذي كانوا
فلما صرح الشر ... فأمسى وهو عريان٥٣٩
ولم يبق سوى العدوا ... ن دناهم كما دانوا٥٤٠
مشينا مشية الليث ... غدا والليث غضبان٥٤١
بضرب فيه توهين ... وتخضيع وإقران٥٤٢
وطعن كفم الزق ... غذا والزق ملآن٥٤٣
وبعض الحلم عند الجهـ ... ـل للذلة إذعان٥٤٤
وفي الشر نجاة حيـ ... ـن لا ينجيك إحسان٥٤٥
стр. 514
المنصفات
ومع أنه كان من الشائع بين العرب الجاهليين -بحكم النظام القبلي- أن الشاعر كان يأخذ جانب قومه، يرفع شأنهم، ويعظم بطولاتهم، وفي نفس الوقت يحط من قدر الأعداء، ويقلل من شأنهم، وبخاصة في مجال الحروب فيرميهم بالجبن والضعف، فقد وجد من الشعراء من كانوا يصورون الواقع والحقيقة فيحكون ما حدث بين قومهم وأعدائهم، وما قام به الجانبان من مظاهر البطولة. فكان الشاعر حينئذ يتحدث عن أعدائه كما يتحدث.
стр. 515
عن قومه، فإن ذكر ما أوقعه قومه بالأعداء ذكر ما حدث لقومه من الأعداء، وإن وصف بأس قومه وقوتهم وبطولتهم، وصبرهم، وثباتهم، وأسلحتهم وما قاموا به من أعمال وأمجاد، وصف الأعداء كذلك من هذه النواحي فكان الشاعر يتحدث في ذلك بما يقتضيه الحق والإنصاف، ولذلك سميت القصائد التي من هذا النوع "المنصفات" لأن الشاعر فيها ينصف الأعداء، ويعطيهم ما يستحقون، من ذلك ما ورد لعبد الشارق بن عبد العزى إذ يقول٥٤٦:
ردينة لو رأيت غداة جئنا ... على أضماتنا وقد اختوينا٥٤٧
فأرسلنا أبا عمرو ربيئًا ... فقال ألا انعموا بالقوم عينا٥٤٨
ودسوا فارسًا منهم عشاء ... فلم نغدر بفارسهم لدينا٥٤٩
فجاءوا عارضًا بردًا وجئنا ... كمثل السيل نركب وازعينا٥٥٠
تنادوا يالبهثة إذ رأونا ... فقلنا أحسني ضربا جهينا٥٥١
سمعنا دعوة عن ظهر غيب ... فجلنا جولة ثم ارعوينا٥٥٢
فلما أن تواقفنا قليلًا ... أنخنا للكلاكل فارتمينا٥٥٣
فلما لم ندع قوسًا وسهمًا ... مشينا نحوهم ومشوا إلينا٥٥٤
стр. 516
تلألؤ مزنة برقت لأخرى ... إذا حجلوا بأسياف ردينا٥٥٥
شددنا شدة فقتلت منهم ... ثلاثة فتية وقتلت قينا٥٥٦
وشدوا شدة أخرى فجروا ... بأرجل مثلهم ورموا جوينا٥٥٧
وكان أخي جوين ذا حفاظ ... وكان القتل للفتيان زينا٥٥٨
فآبوا بالرماح مكسرات ... وأبنا بالسيوف قد أنحنينا٥٥٩
فباتوا بالصعيد لهم أحاح ... ولو خفت لنا الكلمى سرينا٥٦٠
стр. 517
من مُثلُهم العليا:
وكانت لهم مثل عليا في حياتهم يتمنى كل منهم أن يترسمها ويحققها، ونراها مبثوثة في ثنايا أشعارهم، وأحيانا كانوا يحاولون أن يجمعها الواحد منهم في وصاياه التي ينصح أولاده باتباعها، ليكون كل منهم نموذجًا للمثل الأعلى للعرب، ومن هذه الوصايا قول عمرو بن الأهتم٥٦١:
لقد أوصيت ربعي بن عمرو ... إذا حزبت عشيرتك الأمور٥٦٢
بألا تفسدن ما قد سعينا ... وحفظ السورة العليا كبير٥٦٣
وإن المجد أوله وعور ... ومصدر غبه كرم وخير٥٦٤
стр. 518
وإنك لن تنال المجد حتى ... تجود بما يضن به الضمير٥٦٥
بنفسك أو بمالك في أمور ... يهاب ركوبها الورع الدثور٥٦٦
وجاري لا تهيننه، وضيفي ... إذا أمسى وراء البيت كور٥٦٧
يئوب إليك أشعث جرفته ... عوان لا ينهنهها الفتور٥٦٨
أصبه بالكرامة واحتفظه ... عليك، فإن منطقه يسير٥٦٩
وإن من الصديق عليك ضغنا ... بدا لي، إنني رجل بصير٥٧٠
بأدواء الرجال إذا التقينا ... وما تخفي من الحسك الصدور٥٧١
فإن رفعوا الأعنة فارفعنها ... إلى العليا، وأنت بها جدير٥٧٢
وإن جهدوا عليك فلا تهبهم ... وجاهدهم إذا حمي القتير٥٧٣
فإن قصدوا لمر الحق فاقصد ... وإن جاروا فجر حتى يصيروا٥٧٤
وفي وجوب الوفاء بالوعد، والحرص على رضا الناس، وإكرام الجار، وتحاشي الغيبة، وتجنب الرياء، والتزام الحلم على الجهال، يقول المثقب العبدي٥٧٥:
стр. 519
لا تقولن إذا ما لم ترد ... أن تتم الوعد في شيء نعم
حسن قول نعم من بعد لا ... وقبيح قول لا بعد نعم
إن لا بعد نعم فاحشة ... فبلا فابدأ إذا خفت الندم
فإذا قلت نعم فاصبر لها ... بنجاح القول إن الخلف ذم
واعلم ان الذم نقص للفتى ... ومتى لا يتق الذم يذم
أكرم الجار وأرعى حقه ... إن عرفان الفتى الحق كرم
أنا بيتي من معد في الذرا ... ولي الهامة والفرع الأشم
لا تراني راتعًا في مجلس ... في لحوم الناس كالسبع الضرم٥٧٦
إن شر الناس من يكشر لي ... حين يلقاني وإن غبت شتم٥٧٧
وكلام سيّئ قد وقرت ... أذني عنه وما بي من صمم٥٧٨
فتعزيت خشاة أن يرى ... جاهل أني كما كان زعم٥٧٩
ولبعض الصفح والإعراض عن ... ذى الخنا أبقى وإن كان ظلم٥٨٠
وأما خبراتهم بالحياة وثمرات تجاربهم، فقد أودعوها في حكمهم التي تكون في العادة ذات ألفاظ قصيرة ولكن معانيها كثيرة وقد سبق أن أشرنا عند الكلام عن النثر الجاهلي أن الحكم تأتي نثرًا وتأتي شعرًا، وهي في النثر أكثر، ولذلك تحدثنا عنها هناك. وهي في الشعر تأتي منتثرة في ثنايا القصائد حينما تحين الفرصة المناسبة لها في سياق الكلام وقد سبقت لها نماذج كثيرة في المعلقات، وفي الأمثلة الشعرية التي ذكرناها فيما سبق.
ومن ينظر فيها يجد أنها مستقاة من بيئتهم وحياتهم ونظراتهم في الحياة وفي الناس، وهي تدل من ناحية على صدق إحساسهم ودقة ملاحظاتهم، كما أنها تدل من ناحية أخرى على مقدرتهم الفنية القوية في التعبير والتصوير.
стр. 520
الصعاليك:
الصعاليك: جمع صعلوك وهو الفقير: ويطلق لفظ الصعاليك -في عالم الأدب- على فئة من الفقراء اتخذوا لأنفسهم طريقة خاصة في حياتهم، فسلكوا سلوكًا له سمات معينة، أهمها: الأنفة والإباء والترفع عن الصغائر والدنايا وحقير الأعمال، معتمدين في حياتهم على القوة والبطش وانتهاز الفرص وخفة الحركة وسرعة الجري والهجوم الخاطف والسلب والنهب والفتك بالأعداء مع الحرص على البر والاهتمام بالمرضى والضعفاء والمحتاجين.
وقد صوروا فلسفتهم في الحياة في أشعارهم، من ذلك ما يقوله عروة بن الورد٥٨١:
لحى الله صعلوكا إذا جن ليله ... مضى في المشاش آلفا كل مجزر٥٨٢
يعد الغنى من دهره كل ليلة ... أصاب قراها من صديق ميسر٥٨٣
قليل التماس المال إلا لنفسه ... إذا هو أضحى كالعريش المحور٥٨٤
ينام عشاء ثم يصبح قاعدًا ... يحت الحصى عن جنبه المتعفر٥٨٥
يعين نساء الحي ما يستعنه ... فيضحي طليحًا كالبعير المحسر٥٨٦
ولله صعلوك صفيحة وجهه ... كضوء شهاب القابس المتنور٥٨٧
стр. 521
مطلا على أعدائه يزجرونه ... بساحتهم زجر المنيح المشهر٥٨٨
وإن بعدوا لا يأمنون اقترابه ... تشوف أهل الغائب المتنظر٥٨٩
فذلك إن يلق المنية يلقها ... حميدًا، وإن يستغن يوما فأجدر٥٩٠
فهو يدعو بالقبح واللعنة على الصعلوك الفقير الذي ليس له حظ من المال، فيرضى بالاستكانة والمهانة، ويألف الكسل والخمول، ويكتفي في طعامه بأن يبحث في المهملات عن عظام اللحوم الملقاة المهملة فيأكل ما عليها من بقايا، أو يمتص ما بداخلها من نخاع، وإذا جاد عليه صديق بأكلة عد نفسه غنيًّا، ولا يهتم إلا بنفسه فلا يبالي بأولاده ومن عليه أن يعولهم، ويقضي ليله ونهاره في النوم على التراب والحصى، أو في خدمة ربات البيوت إذا تفضلن عليه بتكليفه بتنظيف البيوت، أو قضاء ما يحتجن إليه. لكن لله در هذا الصعلوك الشهم الأبي، فقلة المال في يده لا تؤثر على شخصيته وكرامته، بل إنه عزيز النفس مهاب، بعيد عن الدنايا، فوجهه وضاء، وجبينه مشرق، لما له في قلوب الناس من المهابة، ويحسب الأعداء له ألف حساب وحساب، مهما كانوا منه قريبين أو بعيدين؛ لأنه بطل شجاع، يملأ النفوس رهبة وفزعًا، فمثل هذا أهل للثناء والإعجاب، وهو في حياته ومماته جدير بالاحترام وحسن التقدير.
وكان الصعاليك مشهورين بالجري السريع، والهجوم الخاطف، والعراك العنيف، وانتهاز الفرص، وسرعة التصرف، ولكنهم كانوا يتمسكون بكثير من صفات البطولة والشهامة.
ومما يمثل سرعة الصعاليك في الجري ما يحكيه تأبط شرًّا عن نفسه حينما أسرته بجيلة ففر
стр. 522
هاربا منهم، فكان يجري بسرعة هائلة لا تفوقها إلا سرعة الحصان الجامع أو الطائر الجارح، ثم أتبع ذلك بوجهة نظره في الرجل الكامل الذي يعتمد عليه ويستحق الاحترام والتقدير، فيقول٥٩١:
إني إذا خلة ضنت بنائلها ... وأمسكت بضعيف الوصل أحذاق٥٩٢
نجوت منها نجاتي من بجيلة إذ ... ألقيت ليلة خبت الرهط أرواقي٥٩٣
ليلة صاحوا وأغروا بي سراعهم ... بالعيكتين لدى معدى ابن براق٥٩٤
كأنما حثحثوا حصًّا قوادمه ... أو أم خشف بذي شث وطباق٥٩٥
لا شيء أسرع مني ليس ذا عذر ... وذا جناح بجنب الريد خفاق٥٩٦
حتى نجوت ولما ينزعوا سلبي ... بواله من قبيص الشد غيداق٥٩٧
ولا أقول إذا ما خلة صرمت ... يا ويح نفسي من شوق وإشفاق٥٩٨
стр. 523
لكنما عولي إن كنت ذا عول ... على بصير بكسب الحمد سباق٥٩٩
سباق غايات مجد في عشيرته ... مرجع الصوت هدًّا بين أرفاق٦٠٠
عاري الظنابيب، ممتد نواشره ... مدلاج أدهم واهي الماء غساق٦٠١
حمال ألوية، شهاد أندية ... قوال محكمة، جواب آفاق٦٠٢
فذاك همي وغزوي أستغيث به ... إذا استغثت بضافي الرأس نغاق٦٠٣
يقول تأبط شرا: إذا تنكر صاحبي لواجب الصداقة، وفترت مودته، وانقطعت صلته، فإني أتركه ولا أبقي عليه، وأبعد عنه بسرعة كما فعلت حينما نجوت من بجيلة عندما أثاروا جمعهم ضدي، وركضوا سراعًا ورائي أنا وصاحبي، فكنت أجري بسرعة النعام والظباء، ولم يكن يفوقني في السرعة إلا الحصان الجامح، والطائر الجارح، وكأني في اندفاعي في الجري فاقد العقل، وذلك من سرعة الهرب وقوة الطلب، حتى نجوت ولم يستطيعوا أن يمسوني بأدنى أذى. وليس من عاداتي مطلقًا أن تثيرني قطيعة صاحب لا يعرف حق الصحبة والإخاء. ولكن إذا كان لي أن أعول على أحد، أو أبكي على فقد صداقته، فهو ذلك الرجل الكامل، الخبير بوسائل المجد، السباق إلى العلا والمكارم، الدائم التجوال إلى أقاصي الجهات، الكثير الأسفار في الليالي المظلمة الطوال، ذو العزة والجرأة، وصاحب الكلمة الفاصلة، وحامل اللواء في الحروب والغارات.
فما يقوله تأبط شرًّا هنا، إنما هو تصوير للصعلوك وصفاته في نظره.
стр. 524
وها هو ذا الشنفرى الأزدي يتحدث عن سياسة الصعاليك وحياتهم، فيقول فيما يسوسهم به رئيسهم٦٠٤:
وأم عيال قد شهدت تقوتهم ... إذا أطعمتهم أَوْتَحَتْ وأقلت٦٠٥
تخاف علينا العيل إن هي أكثرت ... ونحن جياع، أي آل تألت٦٠٦
وما إن بها ضن بما في وعائها ... ولكنها من خيفة الجوع أبقت٦٠٧
مصعلكة لا يقصر الستر دونها ... ولا ترتجى للبيت إن لم تبيت٦٠٨
لها وفضة فيها ثلاثون سيحفًا ... إذا آنست أولى العدي اقشعرت ٦٠٩
وتأتي العدي بارزًا نصف ساقها ... تجول كعير العانة المتلفت٦١٠
إذا فزعوا طارت بأبيض صارم ... ورامت بما في جفرها ثم سلت٦١١
حسام كلون الملح صاف حديده ... جراز كأقطاع الغدير المنعت٦١٢
تراها كأذناب الحسيل صوادرًا ... وقد نهلت من الدماء وعلت٦١٣
стр. 525
يقول الشنفرى: إن ولي أمرنا كان يقتر في الطعام، وكثيرًا ما كان يقتصد في توزيعه علينا، وذلك لخشيته من أن يأتي وقت لا نجد فيه قوتًا ونحن جياع، فيالها من سياسة عجيبة!!! إنه لا يفعل ذلك بخلًا منه، أو شحًّا بما لديه علينا، ولكن من خشية الجوع، فقد كان يلي أمر جماعة فقراء ليس لهم مورد رزق ثابت. وهو في منتهى الوضوح والصراحة، ولا يخفي شيئًا من أمره، ولا يستر عنهم أمرًا. وليس لإقامته مكان أو وقت معروف، فهو دائم الكفاح ولا يعرف متى ينتهي ولا إلى أين يعود إلى حين يقرر هو ذلك عندما يقتنع به. وهو كامل السلاح، وجعبته دائمًا عامرة، فإذا أحس خطرًا تهيأ واستعد للقتال والنزال، وإذا أحدق الخطر بدأ يرمي بالسهام، ثم يلتحم بالعدو ويضرب بسيف أبيض صارم، حتى يشفي غلته من دم الأعداء. وفي النهاية يقول عن نفسه:
إذا ما أتتني ميتتي لم أبالها ... ولم تذر خالاتي الدموع وعمتي
ولو لم أرم في أهل بيتي قاعدًا ... إذن جاءني بين العمودين حمتي٦١٤
وإني لحلو إن أريدت حلاوتي ... ومر إذا نفس العزوف استمرت٦١٥
أبي لما آبي سريع مباءتي ... إلى كل نفس تنتحى في مسرتي٦١٦
يقول: لست حريصًا على الحياة، فإذا جاءني الموت فلن أعبأ به، ولن أرضى أن يثير موتي مشاعر أحد حتى ولو كان من أرهف أقاربي شعورًا نحوي فإني أؤمن بأن الموت حتم، ولو أني لم أخرج للكفاح وملاقاة الأخطار، وحبست نفسي في بيتي وبين أهلي فسوف يدركني موتي ولن تستطيع أية قوة أن تبعده عني متى انتهى أجلي. وإني لسهل لطيف لمن يكون معي سهلًا لطيفًا، ومر شديد المرارة لمن عاداني. وإذا أبيت شيئًا تركته ولن يستطيع أحد مهما كان أن يرغمني عليه، وما أسرعني إلى محبة كل من ألمس فيه ميلًا إلى ما يسرني.
وشعر الصعاليك في العصر الجاهلي، يرينا كيف كان حال الفقراء، وما كان أكثرهم في
стр. 526
ذلك العصر، فتستطيع أن تتبين منه بوضوح، ما كانوا فيه من بؤس، وما كانوا يلاقون من شظف العيش، فقد كانوا يعيشون في أدنى درجات الكفاف، وما كان أسعد بعضهم حينما يجدون لقمة من كريم، أو يكلفون بعمل ولو حقير، ومن ناحية أخرى، يرينا شعر الصعاليك كيف حاولت بعض النفوس منهم في هذه الظروف أن يشقوا طريقهم في الحياة بوسائل القوة والإرهاب.
стр. 527
الشعر ديوان العرب:
مما سبق في أغراض الشعر واتجاهاته في العصر الجاهلي، يتضح أن الشعر الجاهلي يتضمن الكثير عن العرب في ذلك العصر، فسجل حياتهم وبيئتهم وظروفهم وأحوالهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، مما يجعلنا نؤمن بأنه يمكن الاعتماد عليه في تصوير الحياة العربية في العصر الجاهلي.
كما نستطيع أن نتبين من هذه النماذج أن الشعر الجاهلي قد غطى جميع جوانب الشعر الغنائي، فقد قال الشعراء الجاهليون في جميع أنواع العواطف الإنسانية المختلفة، واستطاعوا أن يصوروا النفس البشرية وانفعالاتها في جميع الحالات، مما يدل على قوة الإحساس، ورقة الشعور. ثم إن ما حوته هذه النماذج -وغيرها ما لم يتسع المجال لذكره- من الصور الشعرية، يدل على دقة الشعور، وقوة الشاعرية لدى الشعراء الجاهليين.
فمن دراسة الشعر الجاهلي، يتبين أنه حافل بالحديث عن أحوالهم وعاداتهم وأخلاقهم. ولذلك جاء القول المأثور: "الشعر ديوان العرب". والحق أنه سجل خالد لهؤلاء القوم، تتجلى فيه بوضوح مظاهر الحياة، والبيئة في ذلك العصر.
ففيه نرى البيئة الصحراوية، مصورة تصويرًا حقيقيًّا، سماء صافية، ترسل أشعتها القوية على رمال الصحراء، فتبدو كأنها الذهب النضار، ويسطع قمرها، وتتلألأ نجومها، في ليل هادئ جميل، حلو قصير على المرح الطروب، ممل طويل على المهموم الحزين، وأرضها قاحلة جرداء، يقل فيها الماء والنبات، فإن وجدا في مكان، كان روضة تسر الناظرين، غدير الماء قطعة من الجنة، ومزادة الماء كلها حياة. وفيه نرى الوهاد، والأودية، والجبال، والهضاب، يتسلقها البدو، متجشمين الصعاب، وينحدرون إلى المنخفضات في صبر وجلد، كل هذا في سبيل الحياة، والبحث عن أسباب الرزق، يتعثرون بالحجارة الصلبة،
стр. 528
ويصطدمون بالصخر والجندل، وتغوص أقدامهم في الرمال، ونرى الطرق المطروقة، والسبل الملتوية، يضل عنها من لا خبرة له بها، ثم يلمح نار الكرم تناديه، أو ترشده وتهديه.
ونرى الفلاة أحيانًا يشتد بها الحر، فيكاد يذيب دماغ الضب، ويشتد البرد، وكان الزمهرير وتساقط الثلج، وإن جادت السماء، نزل الغيث، وجاء الخير، فانتشر الكلأ، وعلا الوجوه البشر، فيتسابق الناس إليه، وترى القبائل تتحرك مسرعة نحو الكلأ والعشب، وقد تضطر الظروف بعضها للنزوح عن مكانها، فتترك ديارها، وتبقى الرسوم والأطلال، مصدر اللوعة والحزن للصب، ومثار البكاء والدموع للمحب المتيم، بما توحيه من ذكريات لا تنسى.
وفيه نرى من ظواهر الطبيعة الصامتة، مسرى النسيم العليل رخاء، وهبوب الريح عاصفة، وتراكم السحب، ترعد وتبرق، ونزول الأمطار، طلا ووابلًا، ومجرى الماء، عذبًا سلسبيلًا، هادئًا خفيفًا، أو جارفًا عنيفًا ... ومنابع العيون غائرة سحيقة، تفيض في سحر ودلال. أو تجمعت في غدير، تداعب الرياح صفحته، فتقسمه طرائق تتراقص في رشاقة وجمال.
وبجانب صورة الطبيعة الصامتة، نرى في الشعر صور الحياة المتحركة، فنشاهد فيه ما في الصحراء من حيوان وطيور وحشرات: فنرى فيه الإبل تروح وتجيء، بين إمهال وإسراع، وجري، وإرقال، في السلم، وفي الحرب، وهي وسيلة لمواصلاتهم، وأداة لتنقلاتهم، ومصدر من مصادر الرزق والحياة، فتحمل أثقالهم إلى بلد لم يكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، وتفيض عليهم بالخير من لبن وشعر، فيشربون لبنها، ويتخذون من أوبارها ملابسهم يتقون بها الحر والبرد، وأثاث بيوتهم حيث يجدون الراحة والهدوء، فإذا ما عز القوت، ضحت بنفسها، فتقدم لحومها غذاءً شهيًّا لهم، فتحفظ عليهم حياتهم حية وميتة. وفيه نرى صورًا واضحة للفرس، وسيلة للصيد، تلك الرياضة المحببة، فتجلب الخير، وتوفر لهم وجبات شهية لذيذة، فإذا خيم الفزع وادلهم الخطر، كانت لهم الحصن المتين، فبها يقابلون الأعداء، ويقتلون المعتدين، ويلاقون الأبطال، ويهزمون الصناديد، فتدفع عنهم الكيد، وتفرج الكرب، وتحمي الشرف، وتعلي المنزلة، وتجلب الثراء والخير. ولأهمية الإبل والخيل في حياة العربي، عني بهما عناية تامة، وكان لهما أبلغ الأثر في إحساسه ومشاعره، فأجاد في
стр. 529
وصفها إجادة تامة، وأبدع في صورهما الشعرية أيما إبداع، حتى جاءت أوصافهما كاملة تامة الأجزاء من جميع النواحي.
كما نرى في الشعر صور النعام، والظليم، والظبي، والغزال، والأسد، والضبع، والذئب، والوعل، والبقر، والثور، والأتان، والضب، والغنم، والعنز، والكلب، والصقر، والعقاب، والغراب، والحمام، والقطا، والجراد، والحية، والعقرب، والنمل، والذر، وغير ذلك من الحيوانات التي تمرح في جو الصحراء الواسع الفسيح.
فإذا ما جاء الشعر إلى أولى ملهمات الشعر التي تفيض بالحياة والحيوية، وهي المرأة، نرى الشاعر الجاهلي يجيد في تصوير ما حباها الله به من جمال طبيعي، فتبدوا كأنها آلهة الجمال، أو أنها الجمال في تمثال.
ولئن بحثنا عن صور الحياة في الشعر الجاهلي فسوف نجدها واضحة جلية فيه، فالجاهليون كما يبدو في شعرهم، يعتزون بأنفسهم، ويشمخون بأنوفهم، يحمون الحمى، ويحفظون العرض والشرف، ويتباهون بالحفاظ على حقوق الجار، وإكرام الضيف، وإغاثة الملهوف، وإجابة الداعي، ويتفاخرون بالقوة والغلبة، وكثرة العَدد والعدد، فإذا ما ثارت نفوسهم -وكانوا سرعان ما يثورون- قامت الحرب، واشتعلت النيران، فتتجمع الجيوش، وتتلاحم الصفوف، وتدور رحى المعارك، وتتوالى الطعنات والضربات، فترى القتلى صرعى، والأرض مخضبة بالدماء، والجرحى يئنون، والأسرى في الأغلال، والسبايا يسقن في ذل وهوان، وتصبح النفوس الموتورة متأججة، والحقد قد تمكن في النفوس، والغيظ يكاد يقطع نياط القلوب، والأخذ بالثأر يعمي الأبصار، ويحيل الحياة ظلامًا، الهم يزداد، والألم يشتد لحظة بعد لحظة، وكل قد غفل عن نفسه، وأهمل شئونه، فلا يهتم بمظهره، وقد آلى على نفسه ألا يغتسل ولا يتنظف حتى تكف الهامة عن الصياح، وهكذا تقود المعركة إلى معارك، فتشاهدهم في نزاع مستمر، وعراك دائم، ولا يكفون عن الاستعداد للخطر على الدوام، فهم دائمًا على أتم الاستعداد لملاقاة الأخطار، الأسلحة تهيأ وتعد، والرماح تبرق، والسيوف تلمع، والقسي مشدودة، والسهام تملأ الكنائن. وفي المعركة يظهر الفرسان، والأبطال، الطعن شديد، والضارب عنيف، والدروع تحمي الصدور، والبيض تلمع فوق الرءوس، وميدان المعركة فوقه سحب من الغبار، وتظله العقبان، وعصائب الطير تهتدي
стр. 530
بعصائب متجهة نحوه، وقد نرى بعد ذلك صور الساعين في فداء الأسرى، والمتطوعين للصلح بين المحاربين.
كما أنه يرينا صورة للنزاع بين العشيرة الواحدة، وفيها التأثر الشديد بادٍ على وجوه القوم، إذ إن ذلك لا يعني إلا إهلاك العشيرة نفسها بنفسها، وتخريب بيوتها بأيديها، وهنا نرى قلوبهم تدمى حزنًا على ذويهم الذين تسيل دماؤهم على أسنة رماحهم، وظبات سيوفهم.
فإذا ما نحينا هذه الصورة الدامية جانبًا، رأينا في الشعر الجاهلي صورًا لأوقات الهدوء والدعة، وساعات الطمأنينة والأمن، فترى صور القوم يخرجون للصيد، على خيل كلها قوة ونشاط، ومعهم أدوات الصيد من عدد وحيوان، ثم يعودون ممتلئي الوفاض، هاشين باشين، بما غنموا من سمين الصيد ولذيذ الطعام.
كما يرينا القوم في مجتمعاتهم الخاصة والعامة، يتبادلون الآراء في الصالح العام، ويتشاورون فيما يهمهم من قضايا ومشكلات، أو يتسابقون في ميادين الفصاحة والبيان، أو يتحاكمون إلى ذوي العقل الحكمة، أو يتسامرون في أمسياتهم بالقصص والأخبار، أو يتجاذبون أطراف الحديث في الطرائف والملح والنوادر والآثار، أو يلهون في منتدياتهم باللعب واليسر، أو ينتشون بشراب الخمر واحتساء الأقداح، أو يرفهون عن أنفسهم بأنواع الطرب والغناء، وغير ذلك مما يسري الهم، ويبعث فيهم الراحة والإحساس بالجمال ومتعة الحياة.
هذا عدا الصور الرائعة التي نرى فيها القبيلة في مجتمعها ملتفة حول رئيسهم يتباحثون في شتى نواحي القبيلة السياسية والاجتماعية، أو يستمعون إلى كبيرهم، يبصرهم بالحياة، ويفيدهم من تجاربه، أو من معلوماته وثقافته، التي ألم بها عن طريق عقله الواسع، وإدراكه القوي، ونظره البعيد.
وإذا اتجهنا نحو الشعر الجاهلي لنرى كيف صور المثل العليا للعرب، نجد فيه صورًا واضحة لحبهم للإغاثة. والنجدة، والإسراع إلى إجابة الداعي، وتعظيمهم للوفاء، والقيام بما تقتضيه المعاهدات من واجبات والتزامات، وإعجابهم بالصمود أمام الخطر، وملاقاة الأعداء في رباطة جأش، وحماية اللاجئ، ورعاية حق الجار، والمحافظة على أهله وشرفه وبيته، وإكرام الضيف، وهداية الضال، والإيثار حين ترغم الشدائد الناس على الأثرة. والشعر الجاهلي يصور فقر الصحراء المدقع في كثرة الغارات والحروب طمعًا في الغنائم وفي