← История

История · id 12047

فتنة مقتل عثمان بن عفان

محمد بن عبد الله غبان الصبحي

Полный текст (883 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

المبحث الثالث: ما اشتهر من ذلك وليس له إسناد. تنفرد بعض الكتب التي لا تستند رواياتها بعدة معايب سوغ بها الخارجون على عثمان ﵁ الخروج عليه، وعدم وجود أسانيد لها يشكك في صحة صدورها من الخارجين عليه، ولعلها صدرت من أعداء عثمان ﵁ المتأخرين من الرافضة، وغيرهم؛ ومن هذه المعايب: أولاً: عدم إقامة الحد على عبيد الله بن عمر. أقدم من ذكر أن ذلك مما عيب على عثمان ﵁ هو المحب الطبري ١ ولم يسنده، والمحب الطبري متأخر توفي سنة ٦٩٤ هـ. ثم تلاه ابن المطهر الحلي الرافضي؛ المتوفي سنة ٧٢٦ هـ. فقد قال في كتابه "منهاج الاستقامة في إثبات الإمامة" عن عثمان بن عفان ﵁: "إنه ضيع حدود الله، فلم يقتل عبيد الله بن عمر حين قتل الهرمزان مولى أمير المؤمنين بعد إسلامه … "٢. وقبل طرح مناقشة المحب وابن تيمية لهذه المعيبة الملصقة بعثمان ﵁ أود أن أنبه إلى أن ما نقلته عن المحب لا يثبت أن الخارجين ١ الرياض النضرة (٣/ ٨٧، ١٠٠). ٢ ابن تيمية، منهاج السنة (٦/ ٢٧٦).

стр. 107

قد عابوا على عثمان ﵁ ذلك، وأنهم سوغوا خروجهم به، وقصارى ما يثبت من كلام المحب، أن هذا وقع فعلاً، دون الجزم بأصحابه ولا بعصرهم، فيحتمل أن يكون قد وقع من الرافضة بعد الفتنة بمئات السنين. وعدم إقامة حد القتل على عبيد الله بن عمر ﵄ لا يعد عيباً في عثمان ﵁ فإن ابنة أبي لؤلؤة؛ ابنة لمجوسي تابعة له، لا قود فيها، ومثلها جفينة، فإنه نصراني من أهل الحيرة، وقد اتهم بالمشاركة في قتل عمر ﵁ لما كان بينه وبين أبي لؤلؤة من مجانسة، وقد ذُكر لعبيد الله بن عمر: أنه رؤي عند الهرمزان حين قتل عمر، فاتهم بمشاركة أبي لؤلؤة وممالأته والمُعين على قتل الإمام العادل يرى جماعة من الأئمة قتله، بل أوجب كثير من الفقهاء القود على الآمر والمأمور. واعتذر عبيد الله بن عمر بذلك وقال: "إن عبد الرحمن بن أبي بكر أخبره، أنه رأى أبا لؤلؤة، والهرم-زان، وجفينة يدخلون في مكان يتشاورون، وبينهم خنجر له رأسان مقبضه في وسطه، وقُتل عمر صبيحة تلك الليلة، فاستدعى عثمان ﵁ عبد الرحمن فسأله عن ذلك، فقال: انظرو إلى السكين، فإن كانت ذات طرفين فلا أرى القوم إلا وقد اجتمعوا على قتله، فنظروا إليها فوجدوها كما وصف عبد الرحمن، فلذلك ترك عثمان ﵁ قتل عبيد الله بن عمر، لرؤيته عدم

стр. 108

وجوب القود لذلك، أو لتردده فيه لم ير الوجوب بالشك (١). ولو ثبت ذلك عند عثمان ﵁ وانتفى الشك، فلترك قتله عذر، وذلك خوفاً من أن يثير قتله فتنة عظيمة، فقد كان فريق من الصحابة ﵃ لا يرون قتله، حتى قال له عمرو بن العاص ﵁: قتل أمير المؤمنين بالأمس، ويقتل ابنه اليوم؟! لا والله لا يكون هذا أبداً، فقال عثمان ﵁: أمره إليّ وسأرضي أهل الهرمزان عنه (٢) فسكَّن بذلك الفتنة التي كادت أن تقع (٣). ولم يكن للهرمزان أولياء، وإنما وليه ولي الأمر، وقدر عثمان أن يعطى قدر الدية لآل عمر، لما كان على عمر من الدين، فإنه كان عليه ثمانون ألفاً، وأمر أهله أن يقضوا دينه من أموال عصبته؛ عاقلته بني عدي وقريش، فإن عاقلة الرجل هم الذين يحملون الدين كله، والدية لو طلب بها عبيد الله، أو عصبة عبيد الله إذا كان قتله خطأ، أو عفا عنه إلى الدية، فهم الذين يؤدون دين عمر، فإذا أعان بها في دين عمر كان هذا من محاسن عثمان التي يمدح بها. قد كانت أموال بيت المال في زمن عثمان كثيرة، وكان يعطي

стр. 109

الناس عطاءً كثيراً أضعاف هذا، فكيف لا يعطي هذا لآل عمر (١). وإذا كان الهرمزان ممن أعان على قتل عمر، كان من المفسدين في الأرض المحاربين، فيجب قتله لذلك، ولو قدر أنه معصوم الدم يحرم قتله، فإن عبيد الله بن عمر متأول يعتقد حل قتله وشبهته ظاهرة، فإن ذلك شبهة تدرأ عنه حد القتل، كما أن أسامة بن زيد لما قتل ذلك الرجل بعد أن قال: لا إله إلا الله، لاعتقاده أن هذا القول لا يعصمه، عزره النبي ﷺ بالكلام ولم يقتله؛ لأنه كان متأولاً. فهذه الشبهة يجوز للمجتهد جعلها مانعة من وجوب القصاص، فإن مسائل القصاص، فيها مسائل كثيرة اجتهادية (٢) وإذا ثبتت إعانته على قتل عمر وجب قتله على الأئمة وإليهم قتله. وعبيد الله بن عمر افتأت (٣) بقتله، وقتله كان إلى الخليفة، وليس إلى أبناء عمر ﵁، ولكن للإمام أن يعفو عمن افتأت عليه، وقد عفا عثمان ﵁ عن افتآت عبيدالله بن عمر عليه (٤). والهرمزان معصوم الدم قبل اشتراكه في مؤامرة قتل عمر ﵁ لأنه كان من الفرس الذين استنابهم كسرى على قتال المسلمين،

стр. 110

فأسره المسلمون وقدِموا به على عمر، فأظهر إسلامه، فمنَّ عليه عمر ﵁ فأعتقه، فأصبح مولى للمسلمين. ولما قال عمر لعبد الله بن عباس ﵃: " قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة لعبد الله، قال: إن شئت أن نقتلهم"، فهذا ابن عباس وهو أفقه من عبيد الله بن عمر وأدين وأفضل بكثير يستأذن عمر ﵃ في قتل علوج الفرس مطلقاً الذين كانوا بالمدينة، لما اتهموهم بالفساد، واعتقد جواز مثل هذا، فكيف لا يعتقد عبيد الله جواز قتل الهرمزان الذي تلبس بتهمة المشاركة في التخطيط لقتل الخليفة. ولعل سبب رفض بعض الصحابة ﵃ قتل عبيد الله، أن تكون وقعت لهم شبهة في عصمة الهرمزان، وهل كان من الصائلين الذين كانوا يستحقون الدفع؟ أو من المشاركين في قتل عمر الذين يستحقون القتل؟. وقد تنازع الفقهاء في المشتركين في القتل إذا باشر بعضهم دون بعض، فقيل: لا يجب القود إلاَّ على المباشر خاصة، وهو قول أبي حنيفة، وقيل: إذا كان السبب قوياً وجب على المباشر والمتسبب: كالمُكْرِهِ والمُكْرَهِ وكالشهود بالزنا والقصاص إذا رجعوا، وقالوا: تعمدنا وهذا مذهب الجمهور كمالك والشافعي وأحمد. قال شيخ الإسلام: "وإذا كان الهرمزان ممن أعان على قتل عمر جاز قتله في أحد القولين قصاصاً، وعمر هو القائل في المقتول: لو تمالأ

стр. 111

عليه أهل صنعاء لأقدتهم به" (١). كما أنه تنازع الناس في قتل قاتل الأئمة، هل يكون حداً أو قصاصاً؟ فقال قوم: إنه يقتل حداً كما يقتل القاتل في المحاربة حداً، لأن قتل الأئمة فيه فساد عام، أعظم من فساد قطاع الطريق، فكان قاتلهم محارباً لله ورسوله، ساعياً في الأرض فساداً. كما أن الهرمزان لم يكن له أولياء يطلبون دمه، وإنما وليه وليُّ الأمر، فله أن يقتل قاتله، وله أن يعفو عنه إلى الدية لئلا تضيع حقوق المسلمين، وقد عفا عثمان ﵁ عن قاتله ورأى قدر الدية أن يعطيها لآل عمر، لما كان على عمر من الدين، معونة منه لأهله، فهذه من محاسن عثمان ﵁ التي يمدح بها ولا يذم –كما تقدم-. فإن الدية للمسلمين، وللحاكم أن يصرفها في مصارف الأموال، وتركها لآل عمر وهو بعض ما يستحقونه على المسلمين. وبكل حال فكانت مسألة اجتهادية، فلا ينكر على عثمان ﵁ ما فعله باجتهاده (٢). وأما خوف عبيد الله من علي ﵄ أن يقتله بعد قتل عثمان ﵁ فليس بصحيح، فلم يرد فيه إسناد صحيح فيما اطلعت عليه من مصادر، ولا يتوقع ذلك من علي ﵁، لأنه قد

стр. 112

حُكِمَ الحكم في هذه المسألة بعصمة الدم، فلا يتوقع من علي ﵁ استحلال نقضه، كما أن علياً ﵁ ليس ولياً للمقتول، ولم يطلب ولي المقتول القود لأنه لا ولي له، فليس بعد عفو عثمان ﵁ وحكمه بحقن دمه يباح قتله، ولم يعلم ابن تيمية في ذلك نزاعاً بين المسلمين. وهل يباح دم الخليفة الثالث المبشَّر بالجنة، صاحب رسول الله ﷺ لأنه لم يُقم الحد على رجل قتل رجلاً مشكوكاً في دينه متهماً بالنفاق، والمحاربة لله ولرسوله ﷺ والسعي في الأرض بالفساد. ومعلوم أن عثمان ﵁ كان من أكف الناس عن الدماء، ومن أصبرهم على ما يُنال من عرضه وعلى من سعى في دمه -كما سيأتي- وقد رفض قتال الخارجين عليه مع علمه بأنهم يريدون قتله، وأنه على الحق، وأنهم على الباطل، ورفض عروض المناصرين له، كل ذلك خشية أن يكون أول من خلف محمداً ﷺ في أمته بالسيف وسفك الدماء. وبذلك يتبين بطلان اتهام عثمان ﵁ بأنه كان يستحل إراقة دماء المسلمين بتعطيل حدود الله، كما زعم من قال ذلك (١). ثانياً: ضياع الخاتم. لقد اتخذ رسول الله ﷺ خاتماً من ذهب -أو فضة- وجعل فصه مما يلي كفه، ونقش فيه: محمد رسول الله، فاتخذ الناس مثله، فلما رآهم قد

стр. 113

اتخذوها ألقاه، وقال: لا ألبسه أبداً، ثم اتخذ خاتماً من فضة فاتخذ الناس خواتيم الفضة. وتوارث لبس هذا الخاتم الخلفاء من بعده؛ أبوبكر، ثم عمر، ثم عثمان، ﵃ حتى وقع منه في بئر أريس (١). ويبين لنا أنس ﵁ قصة ضياعه والبحث عنه، فيقول: إن عثمان ﵁ جلس على بئر أريس، فأخرج الخاتم فجعل يعبث به، فسقط، فاختلفنا (٢) ثلاثة أيام مع عثمان ﵁ نن-زح البئر، فلم نجده (٣). وفي رواية لمسلم (٤) إن الذي أسقطه هو: معيقيب (٥). وتبين لنا رواية ابن سعد والنسائي، تأريخ وقوع الخاتم، وأنه كان

стр. 114

في يد عثمان ﵁ ست سنين، أي إنه وقع بعد تولي عثمان ﵁ الخلافة بست سنين. قال الحافظ ابن حجر: "قال بعض العلماء: كان في خاتمه ﷺ من السر شيء مما كان في خاتم سليمان ﵇، لأن سليمان لما فقد خاتمه ذهب ملكه، وعثمان لما فقد خاتم النبي ﷺ انتقض عليه الأمر، وخرج عليه الخارجون، وكان ذلك مبدأ الفتنة التي أفضت إلى قتله، واتصلت إلى آخر الزمان" (١). وكل ذلك يحتاج إلى دليل صحيح، وإلا فلا عبرة فيه ولا فائدة، لأن خلافة النبي ﷺ لم تضع بقتل عثمان ﵁ بل جاء بعده خلفاء أجلاء في مقدمتهم علي ثم معاوية ﵄. ولم أقف على رواية مسندة تبين أن الخارجين على عثمان ﵁ عابوه بذلك، وسوغوا خروجهم عليه به. وليس في ضياع خاتم النبي ﷺ ما يوجب الخروج على الإمام، فضلاً عن قتله، هذا إن صحّ أنهم سوغوا خروجهم عليه بضياع الخاتم، وإلا فكما تقدم لم أقف على ما يدلّ على ذلك.

стр. 115

ثالثاً: رده للحَكَم وابنه مروان إلى المدينة. فلم يثبت أن الخارجين على عثمان ﵁ سوغوا خروجهم عليه بذلك، إنما ورد في بعض الكتب المتأخرة، فقد ذكره الرافضي المغالط، ابن المطهّر الحلي المتوفي سنة (٧٢٦) هـ. فقد حكى شيخ الإسلام ابن تيمية عنه أنه قال: "وطرد رسولُ الله ﷺ الحَكَمَ بن أبي العاص؛ عم عثمان ﵁ من المدينة، ومعه ابنه مروان، فلم يزل هو وابنه طريدين في زمن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، فلما ولي عثمان ﵁ آواه ورده إلى المدينة، وجعل مروان كاتبه وصاحب تدبيره، مع أن الله قال: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١). ورد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية من وجوه متعددة، أُجملها فيما يلي: أ - أن كثيراً من أهل العلم طعن في صحة نفي النبي ﷺ للحَكَم وقالوا: ذهب باختياره وليس لقصة نفيه سندٌ يعرف. ب - أنه إن كان قد طرد النبي ﷺ الحكم فلا يكون ذلك من المدينة، كما قال الرافضي، بل يكون من مكة؛ لأن الطلقاء لم تسكن بالمدينة في حياة النبي ﷺ ولو طرده من المدينة لكان يرسله إلى مكة، وليس

стр. 116

أحد من الطلقاء الذين منهم الحكم هاجر إلى المدينة. ج - أن مروان كان على عهد النبي ﷺ طفلاً صغيراً في أول سن التمييز، إما سبع سنين أو أكثر بقليل، أو أقل بقليل، فلم يكن له ذنب يطرد بسببه. د - أنه إذا كان النبي ﷺ عزر رجلاً بالنفي، لم يلزم أن يبقى منفياً طول الزمان، فإن هذا لا يُعرف في شيء من الذنوب، ولم تأت الشريعة بذنب يبقى صاحبه منفياً دائماً، بل غاية النفي المقدر سنة، وهو نفي الزاني والمخنَّث حتى يتوب من التخنيث، فإذا كان تعزير الحاكم لذنب حتى يتوب، فإذا تاب سقطت العقوبة عنه، وإن كانت على ذنب ماض فهو أمر اجتهادي لم يقدَّر فيه قدر، ولم يوقَّت فيه وقت. وإذا كان كذلك، فالنفي كان في آخر الهجرة، فلم تطل مدته في زمن أبي بكر وعمر، فلمّا كان عثمان طالت مدته، وقد كان عثمان شَفَعَ في عبد الله بن أبي سرح إلى النبي ﷺ لما أهدر دمه لردته، فقبل شَفَاعة عثمان فيه، وبايعه، فكيف لا يقبل شفاعته في الحكم. بل قد رووا أن عثمان سأل النبي ﷺ أن يرده فأذن له في ذلك، وذَنْبُه دون عبد الله بن سعيد بن أبي سرح، وقصة عبد الله ثابتة معروفة بالإسناد الثابت، وأما قصة الحكم فعامة من ذكرها، إنما ذكرها مرسلة، وقد ذكرها المؤرخون، الذين يكثر الكذب فيما يروونه، وقل أن يسلم لهم نقلهم من الزيادة والنقصان، فلم يكن هنا نقل ثابت يوجب القدح فيمن

стр. 117

هو دون عثمان .... " (١). فيظهر مما تقدم أن عيب عثمان ﵁ بذلك إنما ورد متأخراً، ولم يثبت أنه صدر من الخارجين عليه، بل صدر من أعدائه بعد استشهاده. وتقدم رد ابن تيمية المفصل في ذلك، الذي لا يبقي أدنى شبهة في قلب كل متجرد مريد للحق.

стр. 118

رابعاً: نفي أبي ذر ﵁. ومن هذه الأمور التي لم أقف على إسناد لها مما اشتهر أن الخارجين سوغوا خروجهم بها على عثمان ﵁ ما زعموه من نفيه أبا ذر ﵁ من المدينة إلى الربذة. وذلك أن أبا ذر ﵁ خرج من المدينة إلى الشام، عملاً بوصية من النبي ﷺ له بالخروج منها إذا بلغ البناء سلعاً، وذلك في قوله ﷺ له: "إذا بلغ البناء سلعاً فاخرج منها" (١) أي: من المدينة. وفي بعض الروايات أن النبي ﷺ حدد له الوجهة التي يخرج إليها بأن أشار بيده إلى الشام (٢).

стр. 119

وهذه الرواية صحيحة الإسناد إلى محمد بن سيرين، ولكنه لم يلق أبا ذر فقد ولد في السنة الثالثة والثلاثين من الهجرة تقريباً (١) وهي السنة التي توفي فيها أبوذر ﵁ (٢). ومع ذلك فإن هذه الرواية هي أقوى ما في الباب مع ما فيها من ضعف، فإنها تنفرد بتفسير سبب خروج أبي ذر ﵁ من المدينة إلى الشام، وفي الشام انفرد أبو ذر برأي في المال عن باقي الصحابة ﵃ فإنه كان يرى أنه لا يجوز للمسلم أن يدخر شيئاً من المال. يقول ابن عبد البر: "وردت عن أبي ذر آثار كثيرة تدل على أنه كان يذهب إلى أن كل مال مجموع يَفْضُل عن القوت وسداد العيش فهو كن-ز يذم فاعله، وأن آية الوعيد نزلت في ذلك" (٣). وآية الوعيد هي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٤). وخالفه في ذلك الصحابة كلهم ﵃ يقول ابن عبد البر: "وخالفه جمهور الصحابة، ومن بعدهم، وحملوا الوعيد على مانعي

стр. 120

الزكاة، وأصح ما تمسكوا به؛ حديث طلحة وغيره في قصة الأعرابي، حيث قال: هل عليّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع" (١). ويرى بعض العلماء أن ما استدل به أبو ذر ﵁ على أنه كان في أول الأمر، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ (٢). فقد ذكر الحافظ ابن حجر: أن وجوب إنفاق ما فَضُلَ على الكفاية كان في أول الأمر ثم نسخ، ونقل عن ابن عبد البر أن الجمهور على أن الكن-ز المذموم ما لم تؤد زكاته، ويشهد له حديث أبي هريرة مرفوعاً: "إذا أديت زكاة مالك فقد أديت ما عليك"، فذكر بعض ما تقدم من الطرق، ثم قال: ولم يخالف في ذلك إلا طائفة من أهل الزهد كأبي ذر … " (٣). ويظهر أن أبا ذر ﵁ لم يعلم بالناسخ، وفي ذلك يقول أوس ﵁: "كان أبو ذر يسمع الحديث من رسول الله ﷺ فيه الشدّة ثم يخرج إلى قومه، ثم يُرخِّص فيه النبي ﷺ فلا يسمع الرخصة، ويتعلق بالأمر الأول" (٤).

стр. 121

وفي ذلك بيان لشدة حرصه ﵁ ومسارعته بتبليغ الحديث إلى الناس، ولعل أوساً يشير إلى قوله في هذه المسألة، والله أعلم. وقد نص رسول الله ﷺ على أنه ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، ولا فيما دون خمس ذود صدقة، ولا فيما دون خمس أواقي صدقة (١). قال الحافظ: "ومفهوم الحديث أن ما زاد على الخمس ففيه صدقة، ومقتضاه أن كل مال أخرجت منه الصدقة، فلا وعيد على صاحبه، فلا يسمى ما يَفْضُل بعد إخراجه الصدقة كن-زاً، وقال ابن رشيد (٢): فإن ما دون الخمس لا تجب فيه الزكاة وقد عفي عن الحق فيه فليس بكنز قطعاً، والله قد أثنى على فاعل الزكاة، ومن أثنى عليه في واجب حق المال لم يلحقه ذم من جهة ما أثنى عليه فيه، وهو المال. ثم عقب الحافظ بقوله: ويتخلص أن يقال: ما لم تجب فيه الصدقة لا يسمى كن-زاً؛ لأنه معفو عنه، فليكن ما أخرجت منه الزكاة كذلك لأنه عفي عنه بإخراج ما وجب منه فلا يسمى كنزاً (٣).

стр. 122

عودة أبي ذر إلى المدينة: وفي الشام حدث الخلاف بين أبي ذر ومعاوية ﵄ في ذلك، فكان معاوية يقول في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ نزلت في أهل الكتاب، بينما أبو ذر ﵁ يرى أنها نزلت في المسلمين وفي أهل الكتاب. ورُوي أن أبا ذر ﵁ كان يرى أن كل مال بقي عند صاحبه سواء أدى زكاته أم لم يؤدها، فإنه كن-ز يعاقب عليه، فلا يرى ادخار شيء أصلاً. وأما معاوية ﵁ فقد كان يخالف أبا ذر، ويرى أن ما أُدِّي زكاته فلا عقاب عليه (١). ومثله باقي الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم من العلماء يرون أن المراد بالكنز في الآية ما لم تؤد زكاته، أما إذا لم يبلغ الخمسة أوسق أو بلغ، وأُدِّيت زكاته فليس بكنز بالمعنى الشرعي، وليس على كانزه شيء (٢).

стр. 123

قال ابن عبد البر: "وخالفه -أي أبا ذر- جمهور الصحابة ومن بعدهم وحملوا الوعيد على مانعي الزكاة، وأصح ما تمسكوا به حديث طلحة، وغيره في قصة الأعرابي حيث قال: هل عليّ غيرها، قال: لا إلا أن تطوع" (١). ورجح الحافظ أن ذلك كان في أول الأمر، وقد استدل له ابن بطال بقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ أي ما فَضُل عن الكفاية فكان ذلك واجباً في أول الأمر ثم نسخ" (٢). وعلى إثر هذا الخلاف كتب معاوية إلى عثمان ﵄ يقص عليه ما حدث بينه وبين أبي ذرّ ﵁، فأرسل عثمان إلى أبي ذرّ يطلب منه القدوم إلى المدينة، درءاً للفتنة (٣) وليجاوره فيها (٤). فلما قدم أبو ذرّ ﵁ المدينة دخل على عثمان ﵁ فقال له: أخفتني فوالله لو أمرتني أن أتعلق بعروة قتب حتى أموت

стр. 124

لفعلت (١). وتخوف أبو ذرّ من أن عثمان ﵁ يحسبه من الخوارج الذين وصفهم النبي ﷺ وأن سيماهم التحليق (٢). لذا فقد رفع عمامته عن رأسه وقال: إني -والله- يا أمير المؤمنين ما أنا منهم، ولا أدركهم، ولو أمرتني أن أعضّ على عرقوبتي قتب لعضضت عليها، حتى يأتيني الموت وأنا عاضّ عليها (٣). قال عثمان ﵁ صدقت يا أبا ذرّ، إنما أرسلنا إليك لخير؛ لتجاورنا بالمدينة. ولكنّ أبا ذر ﵁ مُوصى من رسول الله ﷺ بالخروج من المدينة إذا بلغ البناء سلعاً، وقد خرج لما بلغ البناء سلعاً إلى الشام كما تقدم، فلما أعيد إليها، لا بد وأن يخرج من المدينة ولو إلى غير الشام. لذا فقد قال لعثمان: لا حاجة لي في ذاك إيذن لي في الربذة (٤) فقال عثمان: نعم، ونأمر لك بنعم من نعم الصدقة تغدُو عليك وتروح فتصيب

стр. 125

من رسلها، قال أبو ذر: لا حاجة لنا في ذاك، يكفي أبا ذر صرمته ثم خرج. وفي رواية أنه لما قدم المدينة كثر عليه الناس حتى إنهم كأنهم لم يروه من قبل، فذَكر ذلك لعثمان ﵁ كأنه يشكو إليه ذلك؛ فقال له عثمان: إن شئت تنحيت فكنت قريباً، فهذا الذي أنزله الربذة، ولما سُئل عن سبب نزوله الربذة ذكر ذلك، وقال: ولو أمرّوا عليَّ حبشياً لسمعت ولأطعت (١). هذه هي الحقيقة التي لا مرية فيها، فلم ينف عثمان أبا ذر ﵄ إنما استأذنه، فأذن له. ولكن أعداء عثمان ﵁ كانوا يشيعون عليه بأنه نفاه؛ ولذلك لما سأل غالبُ القطان، الحسنَ البصري: عثمان أخرج أبا ذر؟ قال الحسن: لا، معاذ الله (٢). وكل ما روي في أن عثمان نفاه إلى الربذة، فإنه ضعيف الإسناد لا يخلو من علة قادحة، مع ما في متنه من نكارة لمخالفته للروايات الصحيحة والحسنة. التي تبين أن أبا ذر استأذن للخروج إلى الربذة وأن عثمان

стр. 126

أذن له (١). بل إن عثمان أرسل يطلبه من الشام، ليجاوره بالمدينة، فقد قال له عندما قدم من الشام: "إنا أرسلنا إليك لخير، لتجاورنا بالمدينة" (٢). وقال له أيضاً: "كن عندي تغدو عليك وتروح اللقاح" (٣) أفمن يقول ذلك له ينفيه؟!. ولم تنص على نفيه إلا رواية رواها ابن سعد، وفيها بريدة بن سفيان الأسلمي؛ الذي قال عنه الحافظ ابن حجر: "ليس بالقوي، وفيه رفض" فهل تقبل رواية رافضي -يعتقد بغض الصحابة- لرواية فيها فِرية باطلة على صحابي تعارضها الروايات الصحيحة والحسنة. واستغل الرافضة هذه الحادثة أبشع استغلال، فأشاعوا أن عثمان ﵁ نفى أبا ذر إلى الربذة، وأن ذلك مما عيب عليه ﵁ من قِبل الخارجين عليه، ولم أقف على ما يدل على أنه عيب عليه من قبل الخارجين عليه أو أنهم سوغوا الخروج عليه به. وأقدم من ذكر ذلك هو: ابن العربي -المتوفى سنة (٥٤٢) هـ (٤) - ثم

стр. 127

المحب الطبري المتوفى سنة (٦٩٤) هـ (١) وردا على هذه الفرية. وعاب عثمان ﵁ بذلك ابن المطهر الحلي الرافضي المتوفى سنة (٧٢٦) هـ بل زاد أن عثمان ﵁ ضرب أبا ذر ضرباً وجيعاً (٢). ورد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية، رداً جامعاً قوياً (٣). وكان سلف هذه الأمة يعلمون هذه الحقيقة، فإنه لما قيل للحسن البصري: عثمان أخرج أبا ذر؟ قال: لا، معاذ الله (٤). وكان ابن سيرين إذا ذُكر له أن عثمان ﵁ سيَّر أبا ذر، أخذه أمر عظيم، ويقول: هو خرج من قبل نفسه، ولم يسيره عثمان (٥). وكما تقدم في رواية صحيحة الإسناد: أن أبا ذر ﵁ لما رأى كثرة الناس عليه خشي الفتنة، فذكر ذلك لعثمان كأنه يستأذنه في الخروج، فقال له عثمان ﵁: "إن شئت تنحيت فكنت قريباً".

стр. 128

الفصل الثاني: مثيرو الفتنة وبدؤها

стр. 129

المبحث الأول: مثيرو الفتنة: أخبر النبي ﷺ بوقوع الفتنة (١) وإخباره حق وصدق ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٢) وإخباره هذا من الأمور الغيبية التي أطلعه الله عليها؛ فوقوعها محقق. وقد حدد ﷺ وقتها، وأنها ستكون في سنة من ثلاث، إما الخامسة، أو السادسة، أو السابعة بعد الثلاثين من الهجرة (٣). فترى متى وقعت؟ ومن باء بإثم إشعالها؟ وكيف بدأت؟ وماذا كان موقف عثمان ﵁ منها؟ قبل الحديث عن ذلك كله، أود أن أشير إلى أن ثمة روايات ضعيفة الإسناد تتهم بعض الصحابة رضوان الله عليهم بالتحريض على عثمان ﵁. ومعلوم كما تقدم أن علاقة المسلم بصحابة رسول الله ﷺ من أمور العقيدة التي لا تقبل فيها إلا الروايات الصحيحة. هذه الروايات التي تتهمهم لا تخلو أسانيدها من علة، إن لم تجتمع

стр. 130

في الإسناد الواحد منها عدة علل، ونجد في الغالب في أسانيدها من هو متهم بالرفض، أو رافضي جلد. وهؤلاء الصحابة المتهمون -باطلاً وزوراً- بالتأليب على عثمان ﵁ وقتله، قد عدَّلهم الله -جل وعلا- في مواضع عديدة من كتابه العزيز. بل رضي عنهم، وشهد لهم بأنهم قد رضوا عنه، -وهذه منقبة عظيمة لهم- وذلك في قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١). "والرضى من الله صفة قديمة، فلا يرضى إلا عن عبد علم أنه يوافيه على موجبات الرضى، ومن ﵁ لم يسخط عليه أبداً" (٢). والأدلة على تعديل الله ورسوله ﷺ للصحابة ﵃ متضافرة متواترة، تحيط شخصيتهم بالإجلال والاحترام، وتحجز المؤمن عن النيل منهم والخوض فيما شجر بينهم -إن ثبت شيء من ذلك- فضلًا عن أن يعتمد في ذلك شيئاً لم يثبت له إسناد، ولا متن.

стр. 131

فمن هذه الأدلة قوله جل وعلا: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً … ﴾ (١). ومما صح عن النبي ﷺ في فضلهم قوله: "لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي؛ فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه" (٢). إلى غير ذلك من النصوص المستفيضة الدالة على فضلهم، وعدالتهم (٣) فلا يحق لأحد أن يتهمهم بعد تعديل الله لهم، وثناء الرسول عليهم، ومعرفة الأمة لقدرهم في حمل الإسلام والجهاد في سبيل الله، لإقامة صرح دولته وبناء حضارته.

стр. 132

ومن هذه التهم الباطلة الملفقة؛ ما رُوي في اتهام عمار بن ياسر ﵄ بالتأليب على عثمان ﵁ (١). فإن أسانيد الروايات التي تتضمن هذه التهمة الباطلة؛ ضعيفة لا تخلو من علة، كما أن في متونها نكارة، فإنها تُثبت أن عماراً ﵁ كان عاتباً على عثمان ﵁، ثم أرسله عثمان إلى مصر إلى أناس قد استمرحوا واستعلى أمرهم وبغيهم، ليعتبهم من كل ما عتبوا، ولأن يقول بالمعروف، وينشر الحسنى، ليصلح الله به فساداً. فهل يتوقع أن يرسله عثمان إلى أناس بهذا الوصف، ليعتبهم، وهو عاتب عليه! ألم يجد غيره ممن هم راضون عنه؟ ولم يثبت في الروايات الصحيحة أن عماراً ﵁ عتب على عثمان ﵁ ولا أنه أرسله إلى مصر. والذي تصوره أحداث هذه الفتنة أن إشعالها تم من خلال تخطيط دقيق منظم، مما يؤكد أن وراءها جماعة منظمة، تهدف إلى إشعالها، تحقيقاً لمصالحها الدنيئة، وإضعافاً لقوة المسلمين، فمن المبالغة عزو ذلك كله إلى فرد واحد.

стр. 133

ولا شك أن لهذه الجماعة السرية ممثلين ووجهاء، كان من أبرزهم عبد الله بن سبأ اليهودي، تلك الشخصية التي دار حول إثبات حقيقتها، ودورها في الفتنة نقاش وجدال وخصام بين كثير من الدارسين والباحثين. والذي أكسب هذه الشخصية هذا الاهتمام هو أثرها الفعال في إشعال الفتنة، في خلافتي عثمان وعلي ﵄ وفي إنشاء عقيدة الرافضة في الرجعة والوصية (١) وسب الصحابة رضوان الله عليهم. ونجد أن أقدم وأبرز النافين لحقيقة هذه الشخصية -التي اعتمد الرافضة ما ابتدعته- هم أبناء هذه العقيدة الضالة (٢) سوى قلة قليلة من غيرهم منخدعة بأقوالهم ومغترة بها. وهذا النفي عبارة عن محاولة فاشلة منهم لستر حقيقة ارتباط الرافضة باليهود وأنها مستمدة منهم، وليس هذا هو الدليل اليتيم في ذلك، فإن جل عقائد الرافضة تدل على هذا الارتباط، يعرف ذلك من يقارن بينها، وبين عقائد اليهود أدنى مقارنة (٣) وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية نقلاً عن الشعبي، عدداً من الصفات التي يلتقي فيها الروافض مع أسلافهم

стр. 134

من اليهود (١). ومال بعض المستشرقين (٢) إلى هذه الفكرة التي تساعد الرافضة على التملص من هذا الالتقاء، وذلك ضمن سلسلة محاولاتهم التي تهدف إلى هدم الإسلام وتشجيع ومعاونة كل ما من شأنه إضعاف هذا الدين القويم. وتابعهم عدد من الكتاب المسلمين، وكان عمدة من نفى ثبوت شخصية عبد الله بن سبأ، أن سيف بن عمر التميمي، قد انفرد بإثبات هذه الشخصية، وأن سيفاً هذا ضعيف طعن فيه جمع من العلماء. وتناقل بعض مثقفي العصر هذه المعلومات مسلَّمة، واقتنع بها بعضهم دون تحقق من صحتها، حتى إن أحد الباحثين (٣) ألف في تأكيد ذلك دراسة مستقلة؛ لم تَعْدُ نتائجها التي توصل إليها من دراسته تلك

стр. 135

النتائج السابقة؛ ففي ملخص هذه الرسالة الذي صُدر ب-: "وقد خلص الباحث إلى أن روايات سيف بن عمر، وروايات كتب الفرق والأدب عن ابن سبأ غير صحيحة، وأن ابن سبأ شخصية وهمية، وأن الدور المنسوب إليه في خلق وتسيير أحداث الفتنة دور مزعوم" (١). والمنهج الذي سلكه الباحث، منهج ضعيف في إثبات الحقائق ونفي الأساطير، فقد اعتمد فيه مؤلفه مصادر محدودة، ونفى ما لم تذكره تلك المصادر، متوهماً وموهماً أنه قد حصر روايات التاريخ الإسلامي كلها، ومن ثم نفى هذه الشخصية لعدم وجودها في روايات موثوقة فيما اطلع عليه من مصادر، وهذا منهج ضعيف، والنتيجة المبنية عليه نتيجة غير صحيحة حيث إنّ هناك روايات موثوقة تثبت هذه الشخصية، بل وتزودنا ببعض التفاصيل عنها، وسيأتي ذكرها. وقد تنبه بعض الباحثين إلى خطأ هذه النتائج النافية لشخصية ابن سبأ، وكتبوا في إثباتها صفحات علمية قوية. منهم: الدكتور/ سليمان العودة، في رسالته، عبد الله بن سبأ ودوره في إشعال الفتنة … ؛ حيث توصل فيها إلى إثبات هذه الشخصية، وإثبات دورها في إشعال وإذكاء الفتنة التي أدت إلى قتل عثمان ﵁ ومن ثم موقعة الجمل. ومنهم: الدكتور/ سعدي الهاشمي، في محاضرته التي طبعت تحت

стр. 136

عنوان (عبد الله بن سبأ حقيقة لا خيال)، فقد أثبت فيها أن ابن سبأ حقيقة؛ من كتب أهل السنة والشيعة معاً، عازياً كل معلومة إلى مصادرها من كتبهم (١). ومساهمة مع هذين الأستاذين الفاضلين أذكر بعضاً من الروايات المسندة الصحيحة، والحسنة، والضعيفة، التي وردتنا من غير طريق سيف بن عمر التميمي، تثبت شخصية ابن سبأ. فمنها: ١ - ما رواه أبو إسحاق الفزاري بإسناد صحيح إلى سويد بن غفلة (٢) "أنه دخل على عليّ ﵁ في إمارته، فقال: إني مررت بنفر، يذكرون أبا بكر وعمر، يرون أنك تضمر لهما مثل ذلك، منهم عبد الله بن سبأ، وكان عبد الله بن سبأ أول من أظهر ذلك، فقال عليّ: ما لي ولهذا الخبيث الأسود، ثم قال: معاذ الله أن أضمر لهما إلا الحسن الجميل، ثم أرسل إلى عبد الله بن سبأ، فسيَّره إلى المدائن، وقال: لا يساكنني في بلدة أبداً، ثم نهض إلى المنبر، حتى اجتمع الناس، فذكر القصة في ثنائه عليهما (٣) بطوله: ألا ولا يبلغني عن أحد يفضلني عليهما، إلا جلدته حد

стр. 137

المفتري" (١). وهذه الرواية ليست من روايات سيف بن عمر التميمي، كما أنها صحيحة الإسناد، فإن رجالها كلهم ثقات، ولو لم يُرو غيرها لأغنت في هدم الأساس الذي بنى عليه من وهّم وسطّر شخصية ابن سبأ. ٢ - ما رواه ابن عساكر من حديث جابر، قال: لما بويع علي خطب الناس، فقام عليه عبد الله بن سبأ، فقال له: أنت دابة الأرض (٢). قال: فقال له: أنت الملك، فقال له: اتق الله. فقال له: أنت خلقت الخلق، وبسطت الرزق، فأمر بقتله. فاجتمعت الرافضة؛ فقالت: دعه، وانفه إلى ساباط المدائن، فإنك إن قتلته بالمدينة خرجت أصحابه علينا وشيعته، فنفاه إلى ساباط المدائن، فَثَمّ القرامطة والرافضة، قال: ثم قامت له طائفة وهم السبئية، وكانوا أحد عشر رجلاً. فقال: ارجعوا، فإني علي بن أبي طالب، أبي مشهور وأمي مشهورة، وأنا ابن عم محمد ﷺ ، فقالوا: لا نرجع، دع داعيك، فأحرَقَهم بالنار، وقبورهم في الصحراء، أحد عشر مشهورة. فقال من بقي ممن لم يكشف رأسه منهم: علمنا أنه إله؛ واحتجوا بقول ابن عباس: لا يعذب بالنار إلا خالقها.

стр. 138

قال ثعلب: وقد عذب بالنار قبل علي أبوبكر الصديق، شيخ الإسلام ﵁ وذاك أنه رفع إليه رجل يقال له الفجاءة؛ وقالوا: إنه شتم النبي ﷺ ، بعد وفاته، فأخرجه إلى الصحراء فأحرقه بالنار. قال: فقال ابن عباس: قد عذب أبوبكر بالنار فاعبدوه أيضاً (١). ٣ - وما رواه ابن عساكر أيضاً من طريق: سماك، قال: بلغ علياً أن ابن السوداء ينتقص أبا بكر وعمر، فدعا به، ودعا بالسيف -أو قال: فهمَّ بقتله- فكُلِّم فيه، فقال: لا يساكنني ببلد أنا فيه. قال: فسيره إلى المدائن (٢). ٤ - وما رواه ابن عساكر من طريق: أبي الطفيل، أنه قال: رأيت المسيب بن نجبة أتى ملببة -يعني: ابن السوداء- وعليُّ على المنبر فقال علي: ما شأنه؟ فقال: يكذب على الله ورسوله (٣). ٥ - ما رواه ابن عساكر من طريق: زيد بن وهب وأبي الزعراء عن علي ﵁ أنه قال: ما لي وما لهذا الحميت (٤) الأسود؟ (٥).

стр. 139

وفي رواية: "ما لي ولهذا الحميت الأسود؟ يعني: عبد الله بن سبأ وكان يقع في أبي بكر وعمر" (١). ٦ - ما حسنّه الحافظ ابن حجر من رواية أبي طاهر المخلص من طريق شريك العامري أنه قال: قيل لعلي: إن هنا قوماً على باب المسجد يدّعون أنك ربهم، فدعاهم، فقال لهم: ويلكم ما تقولون؟ قالوا: أنت ربنا، وخالقنا، ورازقنا، فقال: ويلكم إنما أنا عبد مثلكم آكل الطعام كما تأكلون، وأشرب كما تشربون، إن أطعت الله أثابني إن شاء، وإن عصيته خشيت أن يعذبني، فاتقوا الله وارجعوا، فأبوا. فلما كان الغد غدوا عليه، فجاء قنبر (٢) فقال: قد والله رجعوا يقولون ذلك الكلام، فقال: أدخلهم، فقالوا: كذلك، فلما كان الثالث قال: لئن قلتم ذلك لأقتلنّكم بأخبث قتلة، فأبوا إلاّ ذلك، فقال: يا قنبر ائتني بفعلة معهم مرورهم فخدَّ لهم أخدوداً بين باب المسجد والقصر وقال: احفروا فأبعدوا في الأرض، وجاء بالحطب فطرحه بالنار في الأخدود. وقال: إني طارحكم فيها، أو ترجعوا، فأبوا أن يرجعوا فقذف بهم فيها حتى احترقوا قال:

стр. 140

إني إذا رأيت أمراً منكراً … أوقدت ناري ودعوت قنبراً (١) ٧ - ما رواه ابن سعد من طريق: أبي المنجاب: أن رجلاً كان يأتي إبراهيم النخعي فيتعلم منه فيسمع قوماً يذكرون أمر علي وعثمان فقال: أنا أتعلم من هذا الرجل، وأرى الناس مختلفين في أمر علي وعثمان، فسأل إبراهيم النخعي عن ذلك فقال: (ما أنا بِسَبَلِيّ ولا مرجئ (٢). ٨ - ما رواه ابن عساكر، من طريق حجية بن عبدي الكندي، قال: رأيت علياً -كرم الله وجهه- وهو على المنبر وهو يقول: من يعذرني من هذا الحميت الأسود؛ الذي يكذب على الله وعلى رسوله؟ -يعني: ابن الأسود- لولا أن لا يزال يخرج عليَّ عصابة تنعى عليَّ دمه كما ادُّعِيت عليَّ دماء أهل النهر لجعلت منهم ركاماً (٣). ولإحراقهم شاهد رواه البخاري في صحيحه عن عكرمة قال: أتي علي ﵁ بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس ﵁، فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم؛ لنهي رسول الله ﷺ "لا تعذبوا بعذاب الله"، ولقتلتهم لقول رسول الله ﷺ : "من بدَّل دينه فاقتلوه" (٤).

стр. 141

٩ - ما رواه ابن عساكر بإسناد حسن عن الشعبي أنه قال: "أول من كذب عبد الله بن سبأ" (١). والشعبي ولد سنة عشرين من الهجرة -تقريبا- وتوفي بعد المائة بقليل؛ أي قبل ولادة سيف بن عمر التميمي تقريباً، وهذا دليل قاطع على أن ابن سبأ كان معروفاً قبل نهاية القرن الأول. إلى غير هذه الروايات (٢) التي رواها غير سيف بن عمر، ونجد أنها تتفق على إثبات شخصية عبد الله بن سبأ، بل تُبرز شيئاً من عقيدته، ودوره في نشرها بين الروافض، وعن بعض دوره في إشعال الفتنة. فتُرى ماذا سيكون موقف من يوهم شخصية ابن سبأ منها؟ مع اعتماده في توهيمه إياها على أن سيفاً قد انفرد في إثباتها. وبهذا يتبين بطلان ما ذهب إليه من وهم شخصية ابن سبأ وجعلها شخصية خيالية، مدعياً تفرد سيف بن عمر بإثباتها، بل جعلها من نسج الخيال.

стр. 142

المبحث الثاني: قدوم أهل الأمصار. بعد أن حرّض البغاة أهل الأمصار على الخليفة ﵁ اتجهوا إلى المدينة، فقدم أهل مصر، وأهل العراق، والتقوا بعثمان ﵁ وتفاوضوا معه. ولما علم الناس بمسير المصريين إلى عثمان ﵁ أتى بعض الناس إلى حذيفة، فقالوا له: إن هؤلاء ساروا إلى هذا الرجل فما تقول؟ قال: يقتلونه والله، فقالوا له: أين هو؟ فقال في الجنة والله، فقالوا: فأين قتلته؟ فقال: في النار والله (١). خرج القوم من مصر قاصدين المدينة، وبلغ خبر قدومهم عثمان ﵁ قبل وصولهم وكان في قرية خارج المدينة -لم تحددها الروايات- فلما سمعوا بوجوده فيها، اتجهوا إليه فاستقبلهم فيها (٢) ويحدد المدائني تاريخ قدومهم بأنه كان في ليلة الأربعاء هلال ذي القعدة (٣).

стр. 143

التقى القوم بعثمان ﵁ في هذه القرية فقالوا: ادع بالمصحف فدعا به، فقالوا: افتح السابعة، وكان يسمون سورة يونس السابعة فقرأ حتى أتى هذه الآية: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ (١). فقالوا له: قف. أرأيت ما حميت من الحمى؟ آلله أذن لك أم على الله تفتري؟ فقال: امضه، نزلت في كذا وكذا، فأما الحمى فإن عمر حماه قبلي لإبل الصدقة، فلما وليت زادت إبل الصدقة فزدت في الحمى لِما زاد من إبل الصدقة، امضه، قال: فجعلوا يأخذونه بالآية، فيقول: امضه، نزلت في كذا فما يزيدون، فأخذوا ميثاقه، وكتبوا عليه شرطاً، وأخذ عليهم ألا يشقوا عصا، ولا يفارقوا جماعة، ما أقام لهم شرطهم، ثم رجعوا راضين (٢). وبذلك يتبين ضعف ما رُوي من أن عثمان ﵁ أرسل خمسين راكباً أميرهم محمد بن مسلمة وفيهم جابر ﵁ إلى وفد المصريين في ذي خشب، وأنهم وجدوا رجلاً من القوم معلقاً المصحف في

стр. 144

عنقه، تذرف عيناه دموعاً، وبيده السيف، وهو يقول: إلا إن هذا -يعني المصحف- يأمرنا أن نضرب بهذا -يعني السيف على ما في هذا- يعني المصحف - وأن محمدا بن مسلمة قال له: اجلس، فقد ضربنا بهذا على ما في هذا قبلك، فجلس، وأنه لم يزل يكلمهم حتى رجعوا (١). ونزل القوم في ذي المروة، قبل مقتله بما يقارب شهراً ونصف (٢). فأرسل عثمان إليهم علياً ﵁ ورجلاً آخر لم تسمه الروايات. والتقى بهم علي ﵁ فقال لهم: تعطون كتاب الله وتعتبون من كلّ ما سخطتم، فوافقوا على ذلك (٣). وفي رواية أنهم شادّوه، وشادّهم مرتين أو ثلاثاً، ثم قالوا: ابن عمّ رسول الله ﷺ ، ورسول أمير المؤمنين، يعرض عليكم كتاب الله فقبلوا (٤). فاصطلحوا على خمس: على أن المنفي يقلب، والمحروم يعطى، ويوفر

стр. 145

الفيء، ويعدل في القسم، ويستعمل ذو الأمانة والقوة، وكتبوا ذلك في كتاب. وأن يُردّ ابنُ عامر على البصرة، وأبو موسى الأشعري على الكوفة وأن يؤدى إلى كل ذي حقّ حقّه، ولم يكتبوا هذه، ثم انصرفوا راجعين إلى الكوفة (١). هكذا اصطلح عثمان ﵁ مع وفد كلّ مصرٍ على حده، ثم انصرف الوفدان إلى ديارهم راضين. وفي رواية أن عثمان اجتمع مع أهل الأمصار جميعاً، وأنه قال لهم: ليقم أهل كل مصر يسألوني صاحبهم، الذي يحبونه فأستعمله عليهم، وأعزل عنهم الذي يكرهون، فقال أهل البصرة: رضينا بعبد الله بن عامر، فأقره علينا، وقال: أهل الكوفة: اعزل سعيداً واستعمل علينا أبا موسى ففعل، وقال أهل الشام قد رضينا بمعاوية فأقرّه علينا، وقال أهل مصر: اعزل عنا ابن أبي سرح، واستعمل علينا عمرو بن العاص، ففعل، فما جاءوا بشيء إلا خرج منه، فانصرفوا راضين (٢).
следующие страницы →