٩ - ما رواه ابن عساكر بإسناد حسن عن الشعبي أنه قال: "أول من كذب عبد الله بن سبأ" (١).
والشعبي ولد سنة عشرين من الهجرة -تقريبا- وتوفي بعد المائة بقليل؛ أي قبل ولادة سيف بن عمر التميمي تقريباً، وهذا دليل قاطع على أن ابن سبأ كان معروفاً قبل نهاية القرن الأول.
إلى غير هذه الروايات (٢) التي رواها غير سيف بن عمر، ونجد أنها تتفق على إثبات شخصية عبد الله بن سبأ، بل تُبرز شيئاً من عقيدته، ودوره في نشرها بين الروافض، وعن بعض دوره في إشعال الفتنة.
فتُرى ماذا سيكون موقف من يوهم شخصية ابن سبأ منها؟ مع اعتماده في توهيمه إياها على أن سيفاً قد انفرد في إثباتها.
وبهذا يتبين بطلان ما ذهب إليه من وهم شخصية ابن سبأ وجعلها شخصية خيالية، مدعياً تفرد سيف بن عمر بإثباتها، بل جعلها من نسج الخيال.
стр. 142
المبحث الثاني: قدوم أهل الأمصار.
بعد أن حرّض البغاة أهل الأمصار على الخليفة ﵁ اتجهوا إلى المدينة، فقدم أهل مصر، وأهل العراق، والتقوا بعثمان ﵁ وتفاوضوا معه.
ولما علم الناس بمسير المصريين إلى عثمان ﵁ أتى بعض الناس إلى حذيفة، فقالوا له: إن هؤلاء ساروا إلى هذا الرجل فما تقول؟ قال: يقتلونه والله، فقالوا له: أين هو؟ فقال في الجنة والله، فقالوا: فأين قتلته؟ فقال: في النار والله (١).
خرج القوم من مصر قاصدين المدينة، وبلغ خبر قدومهم عثمان ﵁ قبل وصولهم وكان في قرية خارج المدينة -لم تحددها الروايات- فلما سمعوا بوجوده فيها، اتجهوا إليه فاستقبلهم فيها (٢) ويحدد المدائني تاريخ قدومهم بأنه كان في ليلة الأربعاء هلال ذي القعدة (٣).
стр. 143
التقى القوم بعثمان ﵁ في هذه القرية فقالوا: ادع بالمصحف فدعا به، فقالوا: افتح السابعة، وكان يسمون سورة يونس السابعة فقرأ حتى أتى هذه الآية: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ (١).
فقالوا له: قف. أرأيت ما حميت من الحمى؟ آلله أذن لك أم على الله تفتري؟ فقال: امضه، نزلت في كذا وكذا، فأما الحمى فإن عمر حماه قبلي لإبل الصدقة، فلما وليت زادت إبل الصدقة فزدت في الحمى لِما زاد من إبل الصدقة، امضه، قال: فجعلوا يأخذونه بالآية، فيقول: امضه، نزلت في كذا فما يزيدون، فأخذوا ميثاقه، وكتبوا عليه شرطاً، وأخذ عليهم ألا يشقوا عصا، ولا يفارقوا جماعة، ما أقام لهم شرطهم، ثم رجعوا راضين (٢).
وبذلك يتبين ضعف ما رُوي من أن عثمان ﵁ أرسل خمسين راكباً أميرهم محمد بن مسلمة وفيهم جابر ﵁ إلى وفد المصريين في ذي خشب، وأنهم وجدوا رجلاً من القوم معلقاً المصحف في
стр. 144
عنقه، تذرف عيناه دموعاً، وبيده السيف، وهو يقول: إلا إن هذا -يعني المصحف- يأمرنا أن نضرب بهذا -يعني السيف على ما في هذا- يعني المصحف - وأن محمدا بن مسلمة قال له: اجلس، فقد ضربنا بهذا على ما في هذا قبلك، فجلس، وأنه لم يزل يكلمهم حتى رجعوا (١).
ونزل القوم في ذي المروة، قبل مقتله بما يقارب شهراً ونصف (٢).
فأرسل عثمان إليهم علياً ﵁ ورجلاً آخر لم تسمه الروايات.
والتقى بهم علي ﵁ فقال لهم: تعطون كتاب الله وتعتبون من كلّ ما سخطتم، فوافقوا على ذلك (٣).
وفي رواية أنهم شادّوه، وشادّهم مرتين أو ثلاثاً، ثم قالوا: ابن عمّ رسول الله ﷺ ، ورسول أمير المؤمنين، يعرض عليكم كتاب الله فقبلوا (٤).
فاصطلحوا على خمس: على أن المنفي يقلب، والمحروم يعطى، ويوفر
стр. 145
الفيء، ويعدل في القسم، ويستعمل ذو الأمانة والقوة، وكتبوا ذلك في كتاب.
وأن يُردّ ابنُ عامر على البصرة، وأبو موسى الأشعري على الكوفة وأن يؤدى إلى كل ذي حقّ حقّه، ولم يكتبوا هذه، ثم انصرفوا راجعين إلى الكوفة (١).
هكذا اصطلح عثمان ﵁ مع وفد كلّ مصرٍ على حده، ثم انصرف الوفدان إلى ديارهم راضين.
وفي رواية أن عثمان اجتمع مع أهل الأمصار جميعاً، وأنه قال لهم: ليقم أهل كل مصر يسألوني صاحبهم، الذي يحبونه فأستعمله عليهم، وأعزل عنهم الذي يكرهون، فقال أهل البصرة: رضينا بعبد الله بن عامر، فأقره علينا، وقال: أهل الكوفة: اعزل سعيداً واستعمل علينا أبا موسى ففعل، وقال أهل الشام قد رضينا بمعاوية فأقرّه علينا، وقال أهل مصر: اعزل عنا ابن أبي سرح، واستعمل علينا عمرو بن العاص، ففعل، فما جاءوا بشيء إلا خرج منه، فانصرفوا راضين (٢).
стр. 146
وبعد عقد الصلح، كتب عثمان ﵁ كتاباً إلى أهل العراق، يقول فيه: "إن جيش ذي المروة نزلوا بنا فكان مما صالحناهم عليه: أن يؤدى إلى كل ذي حقٍّ حقه، فمن كان له قِبَلنا حق فليركب إليه، فإن أبطأ أو تثاقل فليتصدق فإن الله يجزي المتصدقين" (١).
وبعد هذا الصلح العظيم وعودة أهل الأمصار جميعاً راضين، تبين لمشعلي الفتنة أن خطتهم قد فشلت، وأهدافهم الدنيئة لم تتحقق، لذا خططوا تخطيطاً آخر، يُذكي الفتنة ويحييها، ويدمر ما جرى من صلح بين أهل الأمصار وعثمان ﵁ وبرز ذلك فيما يأتي:
في أثناء طريق عودة أهل مصر، رأوا راكباً على جمل يتعرض لهم، ويفارقهم -يظهر أنه هارب منهم- فكأنه يقول: خذوني، فقبضوا عليه، وقالوا له: ما لك؟ فقال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر، ففتشوه فإذا هم بالكتاب على لسان عثمان ﵁ وعليه خاتمه إلى عامل مصر، فتحوا الكتاب فإذا فيه أمر بصلبهم أو قتلهم أو تقطيع أيديهم وأرجلهم، فرجعوا إلى المدينة حتى وصلوها (٢).
стр. 147
وقبل أن نخوض في محاولات لكشف شخصية كاتب هذا الكتاب، هناك دلائل تشكك في صحة ما أشاعه أهل الأمصار من وجود هذا الرجل الذي يحمل هذا الكتاب، فلماذا لا يكونون قد ألفوا كتاباً في أثناء الطريق وعادوا به مظهرين أنهم وجدوه مع رجل على جمل؟
ومما يقوي ذلك، أنه لم تنقل المصادر أنهم انتقموا من هذا الرجل الذي يحمل هذا الكتاب الذي فيه هلاكهم، خاصة وأنهم قوم لم يتورعوا عن دم خليفتهم وأميرهم، فمن باب أولى أنهم لا يتورعون عن دم هذا الرسول.
ولو افترضنا صحة هذا الزعم، فلِم يسلك هذا الرسول طريقهم؟ أليس هناك طرق إلى مصر غير طريقهم؟ وإذا لم يكن هناك طرق أخرى ألا يستطيع أن ينحرف عن الطريق عند اقترابه منهم، ثم يعود إلى الطريق نفسه؟.
ولِم يتَعرض لهم ويفارقهم، ثم يرجع إليهم ثم يفارقهم، فلِمَ هذه التصرفات التي تدعوهم إلى القبض عليه؟.
وإذا كان مرسله عثمان ﵁ أو أحد ممن هم حوله، ألا يرشدونه إلى هذه التعليمات التي تعينه على التملص من أهل مصر، وينبهونه إلى أن يتستر ويخفي مضمون هذا الكتاب؟! بلى، هذا هو
стр. 148
المتحتم من خلال هذا الموقف.
ولكن انظر إلى هذا الرسول -المزعوم- عندما قبض عليه، قالوا له: مالك؟ قال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر.
ففتشوه فإذا هم -كما في الرواية- بالكتاب على لسان عثمان ﵁ عليه خاتمه إلى عامل مصر أن يصلبهم أو يقتلهم أو يقطع أيديهم وأرجلهم.
ومن الذي يؤكد لنا أن الخاتم خاتم عثمان ﵁؟ فلم تنقل لنا المصادر أن أحداً من الصحابة ﵃ قد رأى هذا الخاتم وأقر أنه خاتمه.
عاد القوم بعد ذهابهم يحملون هذه الأخبار، التي لا يستبعد إطلاقاً أن تكون ممثلة ملفقة، وقدموا المدينة.
وتفصل بعض الروايات الضعيفة في ذهابهم إلى بعض الصحابة وعرض الكتاب عليهم، إلا أنه لم يصح في ذلك شيء من الروايات.
ونفى عثمان ﵁ أن يكون كتب هذا الكتاب، وقال لهم: إنهما اثنتان: أن تقيموا رجلين من المسلمين، أو يميني بالله الذي لا إله إلا هو ما كتبت ولا أمللت، ولا علمت، وقد يُكتب الكتاب على لسان الرجل ويُنقش الخاتم، فلم يصدقوه.
ولا نشك نحن في صدق عثمان ﵁ كما أنهم لا يشكون في ذلك، ولكنهم لم يعبؤوا بهذا الحلف منه؛ لأنهم -ربما- يعرفون مسبقاً أنه ليس بكاتب الكتاب، وإنما هي حيلة لنقض العهد الذي أسفوا على
стр. 149
إبرامه، أو أسف واغتاظ مشعلوا الفتنة على وقوعه.
إذا فرضنا أنهم وجدوا كتاباً فعلاً بخط كاتب عثمان ﵁ وعليه خاتمه، فمن ذا الذي يكون قد باء بإثم تزويره؟!
يتهم بعضهم مروان بن الحكم في ذلك، وأنه افتأت (١) على عثمان ﵁ بكتابته، وأستبعد ذلك جداً، لما تقدم من أن تفاصيل خطة إرسال هذا الكتاب تدل على أن مرسله لم يكن يريد إيصاله إلى مصر، وإنما يهدف إلى إطلاع وفد أهل مصر عليه، كما أنه لا مصلحة لمروان في افتآت مروان بكتابة هذا الكتاب.
والذي يبدو -والله أعلم- أن الذي زيف هذا الكتاب هو: عبد الله بن سبأ، أو أحدُ أعوانه، فهذه من عاداته القبيحة التي استخدمها في إشعال الفتنة، فليس هذا الكتاب هو الكتاب الوحيد المزور في هذه الفتنة؛ بل زُوّر غيره على ألسنة بعض الصحابة رضوان الله عليهم كعائشة، وعلي ﵄.
بعد عودتهم هذه حاصروا الدار، وقاموا بأبشع المعاملة مع الخليفة عثمان ﵁، وتصرفوا أقبح التصرفات. وفي الباب الآتي تفصيل ما جرى أثناء الحصار.
стр. 150
الباب الثاني: يوم الدار وقتل عثمان بن عفان ﵁
стр. 151
الفصل الأول: يوم الدار (الحصار)
стр. 152
المبحث الأول: وصف الدار
لقد أطلق يوم الدار على المدة التي حوصر فيها عثمان ﵁ بدءاً من رجوع المصريين إلى المدينة وانتهاءً بقتله ﵁ (١).
واختلف في مدة الحصار، فقيل إنه استمر أكثر من عشرين يوماً (٢) وقيل: أكثر من شهر، وقيل: كانت مدته أربعين يوماً (٣) وقيل:
стр. 153
كانت نيفا وأربعين ليلة (١) وقيل: تسعة وأربعين يوماً (٢) وقيل: شهرين وعشرين يوماً (٣).
ومكان الحصار هو: داره الكبرى التي كان يسكنها في المدينة النبوية (٤) ويسميها الرواة أحياناً بالقصر (٥).
وتقع شرق المسجد النبوي مقابل باب عثمان (٦) ويحدها من الشمال زقاق البقيع الذي يبلغ عرضه خمسة أذرع، ومن جهة الشرق داره
стр. 154
الصغرى، التي تليها دار أبي حزم، ويقابل دارَه الصغرى دارٌ لأبي بكر الصديق ﵁ (١).
وبين الدار الكبرى، والمسجد النبوي: ساحة تسمى البلاط (٢) كانت ممتلئة بالمحاصرين أثناء الحصار (٣).
ولعل موضع هذه الدار قد دخل في المسجد النبوي في توسعة من التوسعات التي وسع بها، ويبدو أنه المكان الذي بين قبر النبي ﷺ وبين جدار المسجد الشرقي مما يلي باب البقيع الذي فتح حديثاً مقابل باب السلام من الجهة الشرقية (٤).
стр. 155
وفي الروايات الصحيحة نتف من أوصاف هذه الدار، يشكل مجموعها: صورة تقريبية لها تساعد على فهم الأحداث التي جرت في الدار وأدت إلى قتل عثمان ﵁.
ومما وقفت عليه من وصف لهذه الدار، أنها كانت مجاورة لدور متساوية معها من حيث العلو، مما يساعد على إمكانية التنقل بينها عن طريق سطحها (١).
كما يجاورها دور أخرى غير ملتصقة بها، يمكن الانتقال إليها بواسطة خشب توضع بينها (٢).
وللدار خوخة تطل على المسجد، أو نافذة تطل على الشارع، يرى المطلع منها من في الشارع، أو من في المسجد كما يمكن عن طريقها أن يرى من في المسجد أو في الشارع من في الدار (٣) وفي الدار درج يصلها بسطحها (٤).
стр. 156
كما أن سعة الدار كبيرة جداً، بحيث تسع عدداً كبيراً من الناس (١) وفيها: مدخل يسمع من يدخله كلام من على البلاط (٢).
стр. 157
المبحث الثاني: بدء الحصار
لم تفصل الروايات الصحيحة في كيفية بدء وقوع الحصار، ولعل الأحداث التي سبقته تلقي شيئاً من الضوء على كيفية بدئه.
فبينما كان عثمان ﵁ يخطب الناس ذات يوم إذا برجل يقال له أعين (١) يقاطعه ويقول له: يا نعثل (٢) إنك قد بدلت، فقال عثمان ﵁: من هذا؟ فقالوا: أعين، قال عثمان: بل أنت أيها العبد، فوثب الناس إلى أعين، وجعل رجل من بني ليث يزعهم عنه حتى أدخله
стр. 158
الدار (١).
وبعد قدوم المصريين -الثاني- وقبل اشتداد الحصار كان عثمان ﵁ يستطيع الخروج إلى الصلاة، ويُدخل عليه من يشاء، ثم منعوه من ذلك ومن الخروج من داره، فكان ﵁ لا يستطيع الخروج لصلاة الفريضة (٢).
стр. 159
فكان يصلي بالناس رجل من المحاصرين، من أئمة الفتنة، حتى أن عبيد الله بن عدي بن الخيار تحرج من الصلاة خلفه، فاسشتار عثمان في ذلك؛ فأشار عليه بأن يصلي خلفه، وقال له: الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم (١).
وفي بعض الروايات الضعيفة أن الذي كان يصلي بالناس هو أميرهم الغافقي (٢).
ولا صحة لما روى الواقدي من أن علياً ﵁ أمر أبا أيوب الأنصاري أن يصلي بالناس فصلى بهم أول الحصر، ثم صلى علي رضي
стр. 160
الله عنه بهم العيد وما بعده (١).
ومما يزيد في ضعف متن هذه الرواية؛ إضافة إلى ضعف إسنادها: أنه لو كان علي أو أبو أيوب ﵄ هما الذان يصليا بالناس، لما تحرج عبيد الله بن عدي بن الخيار من الصلاة خلفهما.
стр. 161
المبحث الثالث: المفاوضات بين عثمان ومحاصريه.
وبعد أن تم الحصار، وأحاط الخارجون -على عثمان ﵁ بالدار طلبوا منه خلع نفسه، أويقتلوه (١).
وهؤلاء الذين يطالبون الخليفة بخلع نفسه هم حثالة من الناس، وأوباشهم وأدناهم ديناً، وخلقاً، وعلماً وليسوا من أهل الحل والعقد.
وبعرضهم هذا تحقق ما قاله النبي ﷺ لعثمان ﵁ وحان وقت العمل بوصيته ﷺ له؛ لذا رفض عثمان ﵁ خلع نفسه، وقال: "لا أخلع سربالاً سربلنيه الله (٢) "يشير إلى ما أوصاه به رسول الله ﷺ (٣).
стр. 162
بينما كان قلة من الصحابة ﵁ يرون خلاف ما ذهب إليه، وأشار عليه بعضهم بأن يخلع نفسه ليعصم دمه، ومن هؤلاء المغيرة بن الأخنس ﵁، لكنه رفض ذلك.
وفي أثناء وجود أصحاب هذا الرأي عند عثمان ﵁ دخل عليهم ابن عمر ﵄.
فقال له عثمان ﵁: "انظر إلى ما يقول هؤلاء، يقولون: اخلعها ولا تقتل نفسك، فقال ابن عمر ﵄: إذا خلعتها أمخلد أنت في الدنيا؟ فقال عثمان ﵁: لا، قال: فإن لم تخلعها هل يزيدون على أن يقتلوك؟، قال عثمان ﵁: لا، قال: فهل يملكون لك جنة أو ناراً؟ قال: لا، قال: فلا أرى لك أن تخلع قميصاً قمصكه الله فتكون سنة كلما كره قوم خليفتهم أو إمامهم قتلوه" (١).
وفي رواية: فلا أرى أن تسن هذه السنة في الإسلام، كلما سخط قوم على أميرهم خلعوه، لا تخلع قميصاً قمصكه الله (٢).
стр. 163
ولا يدل هذا الحوار على أن عثمان ﵁ كان متردداً في الخلع وعدمه حتى أيده ابن عمر ﵄ لأن وصية رسول الله ﷺ له صريحة في عدم الخلع، إلا أن يكون قد نسيها ثم تذكرها بعد، والذي يبدو من عبارته ﵁ التي عبر بها عن رأيه في عدم الخلع أنه متذكر للوصية حيث استخدم معانيها.
وهذا الموقف الذي أملته وصية رسول الله ﷺ موقف حكيم، فإن الاستجابة لمطالب الثوار وهم فئة قليلة من الأمة، وليسوا من أهل الحل والعقد، ولا من رجالات الإسلام، وفقهاء الشريعة ستكون لها آثار خطيرة على مسيرة الأمة، وهيبة الخلافة، وعلاقة الراعي بالرعية، وكان ثمن دفع هذه الآثار السيئة أن دفع الخليفة حياته، وهو يعلم بمصيره ويستسلم له وهو أمر ثقيل على النفس، ولكنه قدم مصالح الأمة على مصلحته الشخصية.
مما يكشف عن قوة وعزيمة وشجاعة، ويرد به على تلك التهم التي وجهت إليه من ضعف في هذه الصفات.
فإنه ﵁ كان قادراً -بإذن الله- على كبح الفتنة، ولكنه قدّر حدوث مفاسد أعظم من مصلحة كبحها، فأعرض عن ذلك درءاً لها؛ وبذلك يعلم خطأ من قال بأن قتل عثمان: "لا يوصف بأكثر من أنه
стр. 164
(مشاغبة دهماء) لم تجد من يكبحها" (١) فإن في ذلك غمزاً في شخصية وشجاعة عثمان ﵁، وهي حقاً فتنة دهماء، ولكن عدم كبحها يعد منقبة لعثمان ﵁ لما فيه من تضحية في سبيل الله، رجاء تحصيل مصلحة للأمة، وعملاً بوصية رسول الله ﷺ .
وبينما كان عثمان ﵁ في داره، والقوم أمام الدار يحاصرونها، دخل ذات يوم ذاك المدخل الذي قدمنا أن داخله يسمع كلام من على البلاط، فإذا هو يسمع توعد المحاصرين له بالقتل، ويبدو أنه لم يكن يتوقع قبل هذا أن الأمر سيبلغ هذا المبلغ.
فخرج من المدخل، ودخل على من معه في الدار، ولونه منتقع، فقال: "إنهم ليتوعدونني بالقتل آنفاً، فقالوا له: يكفيكهم الله يا أمير المؤمنين، فقال ولم يقتلونني؟! وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا في إحدى ثلاث: رجل كفر بعد إيمانه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفساً بغير نفس" فوالله ما زنيت في جاهلية ولا في إسلام قط، ولا تمنيت أن لي بديني بدلاً منذ هداني الله، ولا قتلت نفساً؛ ففيم يقتلونني؟ " (٢).
стр. 165
ثم أشرف على المحاصرين، وحاول تهدئة ثورتهم وثنيهم عن خروجهم على إمامهم، مضمناً كلامه الرد على ما عابوه به، وكشف الحقائق التي لبّسها القوم، عسى أن يفيق المغرر بهم ويعودوا إلى رشدهم.
فطلب من المحاصرين أن يُخرجوا له رجلاً يكلمه، فأخرجوا له شاباً يقال له: صعصعة بن صوحان، فطلب منه عثمان ﵁ أن يبين له ما نقموه عليه (١).
فقال صعصعة: أُخرجنا من ديارنا بغير حق إلا أن قلنا ربنا الله (٢) فقال له عثمان ﵁: اتلُ أي: استدل بالقرآن، فقرأ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ
стр. 166
لَقَدِيرٌ﴾ (١).
فقال عثمان: ليست لك، ولا لأصحابك، ولكنها لي ولأصحابي، وفي رواية أنه قال له: كذبت لستم بأولئك، نحن أولئك، أخرجنا أهل مكة.
فقرأ عثمان الآية التي استدل بها صعصعة وما بعدها مما يفسرها ويبين زيف استدلال صعصعة بها، فتلا: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ
стр. 167
وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ﴾ (١).
وبذلك أفهم عثمان ﵁ الناس الآيات فهماً صحيحاً كما نزلت مبيناً سبب نزولها، وفيمن نزلت، وعلى ما تدل، لئلا يلبّس عليهم من قرأ القرآن وهو لا يعرف معناه، ويستدل به على ما يضاد مراده.
وقد قال بهذا الذي قاله عثمان ﵁ أئمة التفسير من الصحابة وغيرهم؛ ابن عباس، ومجاهد والضحاك وغير واحد من السلف، فقالوا: بأنها نزلت في المهاجرين (٢).
وفي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ﴾ يقول عمر بن عبد العزيز: "ألا إنها ليست على الوالي وحده، ولكنها على الوالي والمُولّى عليه، ألا أنبئكم بما لكم على الوالي من ذلكم، وبما للوالي عليكم منه؛ إن لكم على الوالي من ذلكم أن يأخذكم بحقوق الله عليكم، وأن يأخذ لبعضكم من بعض، وأن يهديكم للتي هي أقوم ما استطاع … " (٣).
كما أن نفي عثمان لمن نفاه إنما هو عمل بالآية التي التي استدل بها صعصعة، فإنها تأمر من مكنه الله في الأرض، أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وعثمان خليفة، ونفيهم أمر بالمعروف، ونهي عن المنكر لما قاموا به من تعدٍّ على بعض المسلمين، وإثارة الفتنة، ولو قتلهم لكان ذلك حقاً
стр. 168
وعدلاً منه؛ لأنهم من المفسدين في الأرض الذين جعل الله جزاءهم هو: القتل أو الصلب أو تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، أو النفي من الأرض، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١).
فما استدل عليه صعصعة بالآية بعيد جداً عن معناها الحقيقي، كما أن إخراجهم ليس بسبب أنهم قالوا: ربنا الله، يقول ابن كثير: "إلا أن يقولوا ربنا الله أي: ما كان لهم إلى قومهم إساءة ولا كان لهم ذنب إلا أنهم وحَّدوا الله وعبدوه لا شريك له" (٢).
فهل هذا هو سبب إخراج مشاغبي أهل الكوفة؟! وهل استدلال صعصعة بالآية صحيح، أم أنه استدلال مزيف؟ فقد حرّف المعنى ليوافق هواه.
وصدور هذا الفهم السقيم لكتاب الله الكريم من متكلم القوم دليل قوي على أن القوم إما مثله، أو دونه في فهم كلام الله؛ فهل يصلح هؤلاء لمعاتبة ومناظرة ثالث المسلمين منزلة وفضلا؟، ومن هاجر الهجرتين
стр. 169
وعاصر نزول القرآن آية آية!
ولذا: فإن عثمان ﵁ بعد أن رد على هؤلاء، ذكّر الناس بمكانته، وبمكانة المحاصرين في الإسلام، وببعض فضائله مناشداً بالله من يعلمها أو سمعها من رسول الله ﷺ ليبينها للناس.
ومن جملة مناشدته لهم؛ ناشدهم بالإقرار بشهادة رسول الله ﷺ له بالشهادة وذلك في قوله ﷺ : "اسكن حراء ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد"، وأنه كان معه إذ ذاك (١).
ومعلوم أن عثمان ليس بنبي، وأن الصديق هو أبوبكر، لاشتهاره بهذه الصفة، فلم يبق لعثمان ومن معه من الصحابة ﵃ إلا الصفة الثالثة وهي: (الشهادة)، وقد ذكَّر عثمان الناس بذلك، وعلَّم الجاهل منهم، ليتيقنوا أنه سيستشهد وأن قتله شهادة؛ فعسى أن يُنجي
стр. 170
القوم أنفسهم من قتله، وليبين للناس ضلال من اتهمه بالتبديل؛ وليؤكد لهم أيضاً عصمة دمه، وشهادة رسول الله ﷺ له بحسن الخاتمة، فيفهموا أن ما ألصقوه به من معايب لا تبيح قتله؛ لأنه على أقل الأحوال لا يخرج عن كونه مسلماً معصوم الدم.
ورداً على ما عابوه به من تخلف عن بيعة الرضوان، ذكّرهم وناشدهم ببعث رسول الله ﷺ إياه إذ ذاك إلى المشركين من أهل مكة، ولما كانت البيعة قال: هذه يد عثمان فبايع له، فانتشد له رجال (١).
فعدم حضوره جسدياً للبيعة لا يعني فوات فضلها منه، كما أن عدم حضورها جسدياً ليس بمذمة تلصق به، بل دليل على فضله ومكانته من رسول الله ﷺ حيث انتدبه لهذه المهمة العظيمة.
ولمنع القوم له من الصلاة في مسجد رسول الله ﷺ ذكّرهم وناشدهم بما كان منه من توسعة للمسجد يوم قال رسول الله ﷺ : "من يوسع لنا هذا البيت في المسجد -يشير إلى بيت جانب المسجد- ببيت له في الجنة" وأنه ابتاعه من ماله فوسع به المسجد (٢).
стр. 171
فمنعهم له من الصلاة في هذا المسجد ظلمٌ ظاهر، فإنه مسلم له حق في المسجد كباقي المسلمين، وله زيادة أحقية فيه، لمساهمته الكبيرة في بنائه.
وفي وعد رسول الله ﷺ له ببيت في الجنة دليل ظاهر على حسن خاتمته، فلعل القوم يعون هذه الشهادة من رسول الله ﷺ له ببيت في الجنة، فيعصمون دمه، ولعلهم يدركون أن ما كان يهبه عثمان ﵁ لأهل قربته لم يكن من بيت مال المسلمين، بل هو من ماله الخاص، الذي كان به جواداً سخياً قبل أن يلي بيت مال المسلمين.
стр. 172
ولم تكن النفقة في سبيل الله هي اليتيمة من نوعها، بل أنفق ما يفوقها كثرة، ولتذكيرهم بذلك ناشدهم بما كان من تجهيزه لجيش العسرة بكامله استجابة لقول رسول الله ﷺ : "من ينفق اليوم نفقة متقبلة" (١).
وبشرائه بئر رومة التي كان ماؤها يباع من ابن السبيل، فابتاعها من ماله وأباحها لابن السبيل.
ففي منعهم الماء عنه جزاء بعكس ما أكرم هو به المسلمين، فذكَّرهم ﵁ بما كان منه من التوسيع عليهم بوهبه إياهم بئر رومة، فتمتع
стр. 173
رسول الله ﷺ وأهل بيته وسكان مدينته بهذا الماء العذب الزلال، وهم يمنعونه من الماء، ويضطرونه إلى الشرب من بئر نتنة في بيته يرمي بها النتن والأوساخ (١).
فلما رأى إصراراً منهم على العزم على قتله، حذرهم من ذلك ومن مغبته، فاطلع عليهم من كَوٍّ (٢) وقال لهم: أيها الناس، لا تقتلوني واستعتبوني، فوالله لئن قتلتموني لا تقاتلون جميعاً أبداً، ولا تجاهدون عدواً أبداً، لتختلفن حتى تصيروا هكذا؛ وشبك بين أصابعه (٣).
وفي رواية أنه قال: أيها الناس لا تقتلوني فإني والٍ وأخٌ مسلم، فوالله
стр. 174
إن أردت إلا الإصلاح ما استطعت، أصبت أو أخطأت، وإنكم إن تقتلوني لا تصلوا جميعاً أبداً، ولا تغزوا جميعاً أبداً، ولا يقسم فيئكم بينكم (١).
وقال أيضاً: "فوالله لئن قتلوني لا يحابون بعدي أبداً، ولا يقاتلون بعدي جميعاً عدواً أبداً" (٢).
وقد تحقق ما حذرهم منه، فبعد قتله وقع كل ما قاله ﵁، وفي ذلك يقول الحسن البصري: "فوالله إن صلى القوم جميعاً إن قلوبهم لمختلفة" (٣).
كما حذرهم عبد الله بن سلام ﵁ من قتله (٤).
ثم أرسل عثمان إلى الصحابة ﵃ يشاورهم في أمر
стр. 175
المحاصرين وتوعدهم إياه بالقتل، فأرسل إلى ابن سلام ﵁ يشاوره في الأمر كما سيأتي في المبحث التالي:
стр. 176
المبحث الرابع: دفاع الصحابة عنه، ورفضه لذلك.
فلما رأى عثمان ﵁ أن تلك المحاولات السلمية لم تفد فيهم، واشتد حصارهم له، شاور عبد الله بن سلام ﵁ في هذا الأمر، فأشار عليه بأن يكف عن قتالهم، ليكون ذلك أبلغ له في الحجة عند الله، فقد قال له: "الكف، الكف، فإنه أبلغ لك في الحجة" (١). وأرسل إلى عليّ ﵁ يدعوه، فانطلق علي متجهاً إلى الدار ومعه بعض أهله، فلما وصلوا الدار، وكانت محاطة بالمحاصرين، فعزم على اقتحامهم، والدخول على عثمان، فتعلق به بعض أهله، وحالوا بينه وبين دخول الدار خوفاً عليه من المحاصرين أن يؤذوه، فحسر عن رأسه عمامة سوداء كان يرتديها، ورمى بها إلى رسول عثمان (٢).
стр. 177
وعمل عثمان ﵁ بمشورة ابن سلام، فاتخذ موقفاً سلمياً يقتضي عدم الدخول مع القوم في قتال مهما بلغ الأمر.
ولما رأى الصحابة رضوان الله عليهم قبح جرأة المحاصرين، وخشوا على عثمان ﵁ منهم، جاء جمع منهم فعرضوا عليه الدفاع عنه فرفض، ثم جاءوه مرة ثانية وأكدوا على عزمهم على الدفاع عنه فرفض بشدة، فلما رأوا أن الأمر سيبلغ مبلغاً خطيراً، استعدوا للقتال دفاعاً عنه، ودخل بعضهم الدار، ولكن عثمان ﵁ عزم عليهم بشدة، وشدد عليهم في الكف عن القتال دفاعاً عنه مما حال بين رغبتهم الصادقة في الدفاع عنه وبين تحقيقها.
ويلاحظ من خلال الروايات الصحيحة أن رفض عثمان ﵁ الدفاع عنه يشتد كلما أظهر أصحابه قوة عزمهم في الدفاع عنه، بل لما رأى إصراراً من بعضهم، وعظهم وذكّرهم بالله، وناشدهم بما له عليهم من طاعة، مما يبين قوة عزمه على الكف عن القتال، وعدم تردده في
стр. 178
ذلك.
وفيما يلي تفصيل لعروض الصحابة على عثمان ﵃ الدفاع عنه، وموقفه من هذه العروض:
فقد جاءه حارثة بن النعمان ﵄ أثناء الحصار فقال له: إن شئت أن نقاتل دونك (١).
وجاءه المغيرة بن شعبة ﵁، وأبدى له استعداد كثير من الناس للقتال دونه، واقترح عليه مقاتلتهم بمن معه من العدد والقوة، وذلك في قوله: إن معك عدداً وقوة، وأنت على الحق، وهم على الباطل، فقال له عثمان ﵁: "لن أكون أول من خلف رسول الله ﷺ في أمته بسفك الدماء" (٢).
وقال له عبد الله بن الزبير ﵄: قاتلهم فوالله لقد أحل الله لك قتالهم، فقال عثمان: لا والله لا أقاتلهم أبداً" (٣).
стр. 179
وفي رواية: يا أمير المؤمنين، إنّا معك في الدار عصابة مستبصرة، ينصر الله بأقل منهم، فأذن لنا، فقال عثمان ﵁: أنشد الله رجلاً أهراق فيَّ دمه (١).
ثم أمَّره على الدار، وقال: من كانت لي عليه طاعة، فليطع عبد الله ابن الزبير (٢) ولم تكشف لنا الروايات ما تضمنته هذه الإمارة من صلاحيات، كما أنه لم ينقل لنا أن ابن الزبير أصدر أمراً بعد تأمير عثمان له على الدار، ولعل عثمان ﵁ لما رأى موافقة وطاعة ابن الزبير ﵁ في عدم القتال، كلفه بنقل هذا الأمر إلى غيره، ولذلك أمر بطاعته.
ولما اشتد الأمر لم يكتف الصحابة بالعرض الأول، والاعتذار برفضه للقتال.
стр. 180
بل حث كعب بن مالك ﵁ الأنصار على نصرة عثمان ﵁ وقال لهم: يا معشر الأنصار كونوا أنصار الله مرتين، فجاءت الأنصار عثمان ﵃ ووقفوا ببابه.
ودخل عليه زيد بن ثابت ﵁ وقال له: هؤلاء الأنصار بالباب: إن شئت كنا أنصار الله مرتين (١) فرفض القتال وقال: لا حاجة لي في ذلك كفوا (٢).
وفي رواية أنهم قالوا له: يا أمير المؤمنين ننصر الله مرتين، نصرنا رسول الله ﷺ وننصرك، فرفض ﵁ (٣).
وجاء الحسن بن علي ﵄ وقال له: "أخترط سيفي؟ قال له: لا، أبرأ (٤) الله إذاً من دمك، ولكن ثم (٥) سيفك، وارجع إلى