← История

История · id 12047

فتنة مقتل عثمان بن عفان

محمد بن عبد الله غبان الصبحي

Полный текст (883 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

المبحث الرابع: دفاع الصحابة عنه، ورفضه لذلك. فلما رأى عثمان ﵁ أن تلك المحاولات السلمية لم تفد فيهم، واشتد حصارهم له، شاور عبد الله بن سلام ﵁ في هذا الأمر، فأشار عليه بأن يكف عن قتالهم، ليكون ذلك أبلغ له في الحجة عند الله، فقد قال له: "الكف، الكف، فإنه أبلغ لك في الحجة" (١). وأرسل إلى عليّ ﵁ يدعوه، فانطلق علي متجهاً إلى الدار ومعه بعض أهله، فلما وصلوا الدار، وكانت محاطة بالمحاصرين، فعزم على اقتحامهم، والدخول على عثمان، فتعلق به بعض أهله، وحالوا بينه وبين دخول الدار خوفاً عليه من المحاصرين أن يؤذوه، فحسر عن رأسه عمامة سوداء كان يرتديها، ورمى بها إلى رسول عثمان (٢).

стр. 177

وعمل عثمان ﵁ بمشورة ابن سلام، فاتخذ موقفاً سلمياً يقتضي عدم الدخول مع القوم في قتال مهما بلغ الأمر. ولما رأى الصحابة رضوان الله عليهم قبح جرأة المحاصرين، وخشوا على عثمان ﵁ منهم، جاء جمع منهم فعرضوا عليه الدفاع عنه فرفض، ثم جاءوه مرة ثانية وأكدوا على عزمهم على الدفاع عنه فرفض بشدة، فلما رأوا أن الأمر سيبلغ مبلغاً خطيراً، استعدوا للقتال دفاعاً عنه، ودخل بعضهم الدار، ولكن عثمان ﵁ عزم عليهم بشدة، وشدد عليهم في الكف عن القتال دفاعاً عنه مما حال بين رغبتهم الصادقة في الدفاع عنه وبين تحقيقها. ويلاحظ من خلال الروايات الصحيحة أن رفض عثمان ﵁ الدفاع عنه يشتد كلما أظهر أصحابه قوة عزمهم في الدفاع عنه، بل لما رأى إصراراً من بعضهم، وعظهم وذكّرهم بالله، وناشدهم بما له عليهم من طاعة، مما يبين قوة عزمه على الكف عن القتال، وعدم تردده في

стр. 178

ذلك. وفيما يلي تفصيل لعروض الصحابة على عثمان ﵃ الدفاع عنه، وموقفه من هذه العروض: فقد جاءه حارثة بن النعمان ﵄ أثناء الحصار فقال له: إن شئت أن نقاتل دونك (١). وجاءه المغيرة بن شعبة ﵁، وأبدى له استعداد كثير من الناس للقتال دونه، واقترح عليه مقاتلتهم بمن معه من العدد والقوة، وذلك في قوله: إن معك عدداً وقوة، وأنت على الحق، وهم على الباطل، فقال له عثمان ﵁: "لن أكون أول من خلف رسول الله ﷺ في أمته بسفك الدماء" (٢). وقال له عبد الله بن الزبير ﵄: قاتلهم فوالله لقد أحل الله لك قتالهم، فقال عثمان: لا والله لا أقاتلهم أبداً" (٣).

стр. 179

وفي رواية: يا أمير المؤمنين، إنّا معك في الدار عصابة مستبصرة، ينصر الله بأقل منهم، فأذن لنا، فقال عثمان ﵁: أنشد الله رجلاً أهراق فيَّ دمه (١). ثم أمَّره على الدار، وقال: من كانت لي عليه طاعة، فليطع عبد الله ابن الزبير (٢) ولم تكشف لنا الروايات ما تضمنته هذه الإمارة من صلاحيات، كما أنه لم ينقل لنا أن ابن الزبير أصدر أمراً بعد تأمير عثمان له على الدار، ولعل عثمان ﵁ لما رأى موافقة وطاعة ابن الزبير ﵁ في عدم القتال، كلفه بنقل هذا الأمر إلى غيره، ولذلك أمر بطاعته. ولما اشتد الأمر لم يكتف الصحابة بالعرض الأول، والاعتذار برفضه للقتال.

стр. 180

بل حث كعب بن مالك ﵁ الأنصار على نصرة عثمان ﵁ وقال لهم: يا معشر الأنصار كونوا أنصار الله مرتين، فجاءت الأنصار عثمان ﵃ ووقفوا ببابه. ودخل عليه زيد بن ثابت ﵁ وقال له: هؤلاء الأنصار بالباب: إن شئت كنا أنصار الله مرتين (١) فرفض القتال وقال: لا حاجة لي في ذلك كفوا (٢). وفي رواية أنهم قالوا له: يا أمير المؤمنين ننصر الله مرتين، نصرنا رسول الله ﷺ وننصرك، فرفض ﵁ (٣). وجاء الحسن بن علي ﵄ وقال له: "أخترط سيفي؟ قال له: لا، أبرأ (٤) الله إذاً من دمك، ولكن ثم (٥) سيفك، وارجع إلى

стр. 181

أبيك" (١). وبينما كان عثمان ﵁ يجلس على كرسي -في الدار- وعنده الحسن بن علي، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وبين يديه مراكن مملوءة ماء ورياط مضرجة، إذا برسول الزبير بن العوام ﵁ يدخل عليه، ويقرئه السلام من الزبير، ويقول له: إن الزبير يقول لك: إني على طاعتي لم أبدل، ولم أنكث، فإن شئت دخلت الدار معك، وكنت رجلاً من القوم، وإن شئت أقمت، فإنَّ بني عمرو بن عوف، وعدوني أن يصبحوا على بابي ثم يمضون على ما آمرهم به. فلما سمع عثمان ﵁ الرسالة؛ كبر الله وحمده، وطلب من الرسول أن يقرئه السلام ويقول له: إن يدخل الدار لا يكون إلا رجلاً من القوم، وإن مكانه أحب إليّ، وعسى الله أن يدفع بك عني (٢). فهاتان طريقتان لعرض الصحابة على عثمان المناصرة في قتال المحاصرين رفضهما ﵁ بشدة مع شدة حاجته إلى النصرة.

стр. 182

ولما رأى الصحابة أن الأمر استفحل، وأن السيل بلغ الزبى (١) عزم بعضهم على الدفاع عنه دون استشارته، فدخل بعضهم الدار مستعداً للقتال، فقد كان ابن عمر معه في الدار (٢) متقلداً سيفه لابساً درعه ليقاتل دفاعاً عن عثمان ﵁، ولكن عثمان عزم عليه أن يخرج من الدار خشية أن يتقاتل مع القوم عند دخولهم عليه فيقتل (٣) كما لبسه مرة أخرى أيضاً (٤). وتقلد أبو هريرة ﵁ سيفه، ودخل الدار على عثمان ﵁ يقول: يا أمير المؤمنين طاب أمضرب (٥) فقال له: يا أبا هريرة أَيَسُرُّك أن تقتل الناس جميعاً وإياي؟ قال: لا، قال: فإنك والله إن قتلت

стр. 183

رجلاً واحداً فكأنما قُتِل الناس جميعاً، فرجع ولم يقاتل (١) وفي رواية: أن أبا هريرة كان متقلداً سيفه حتى نهاه عثمان (٢). وبعد رد عثمان على رسالة الزبير، قام أبو هريرة ﵁ فقال: ألا أخبركم ما سمعت أذناي من رسول الله ﷺ ؟! قالوا: بلى، قال: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: تكون بعدي فتن وأمور، فقلنا: فأين المنجى منها يا رسول الله؟ قال: إلى الأمين وحزبه؛ وأشار إلى عثمان بن عفان. فقام الناس فقالوا: قد أمكنتنا البصائر فأذن لنا في الجهاد، فقال عثمان ﵁: أعزم على من كانت لي عليه طاعة ألا يقاتل (٣). وانطلق الحسن، والحسين، وابن عمر، وابن الزبير، ومروان كلهم شاكي السلاح حتى دخلوا الدار. فقال عثمان: أعزم عليكم لما رجعتم، فوضعتم أسلحتكم ولزمتم

стр. 184

بيوتكم (١) وقطع كل فرصة عليهم بقوله: أعزم على كل من رأى أن عليه سمعاً وطاعة إلا كف يده وسلاحه (٢) فإن أفضلكم عندي غناء من كف يده وسلاحه فرضي الله عنه وأرضاه. وجاءت أم المؤمنين صفية ﵂ على بغلة يقودها مولاها كنانة، لترد عن عثمان ﵁ فلقيها الأشتر، فضرب وجه بغلتها حتى مالت، فقالت: ردوني، ولا يفضحني هذا الكلب (٣). يقول سليط بن سليط: نهانا عثمان عن قتالهم، ولو أذن لنا لضربناهم حتى نخرجهم من أقطارها (٤). ويقول ابن أبي مليكة: كان مع عثمان في الدار عصابة مستبصرة، منهم عبد الله بن الزبير (٥).

стр. 185

ويقول ابن سيرين: كان مع عثمان في الدار سبعمائة، لو يدعهم لضربوهم -إن شاء الله- حتى يخرجوهم من أقطارها؛ منهم ابن عمر، والحسن بن عليّ، وعبد الله بن الزبير (١). ويقول أيضاً: لقد قتل عثمان -يوم قتل- وإن الدار لغاصة، منهم ابن عمر، وفيهم الحسن بن عليّ في عنقه السيف، ولكن عثمان عزم عليهم ألا يقاتلوا (٢). ويقول الحسن البصري: لو أرادوا أن يمنعوه بأرديتهم لمنعوه (٣). ولكنهم تركوا الاحتكاك مع القوم استجابة لأمر الخليفة ﵁ الذي أمرهم بكف أيديهم -كما تقدم-. وبذلك يظهر زيف الاتهام الذي اتهم به الصحابة رضي الله عمهم من المهاجرين والأنصار من أنهم تخاذلوا عن نصرة عثمان ﵁.

стр. 186

وكل ما روي في ذلك، فإنه لا يسلم من علة إن لم تكن عللاً قادحة في الإسناد والمتن معاً. ولما رأى بعض الصحابة إصرار عثمان ﵁ على رفض قتال المحاصرين، وأن المحاصرين مصرون على قتله، لم يجدوا حيلة لحمايته سوى أن يعرضوا عليه مساعدته في الخروج إلى مكة هرباً من المحاصرين. فقد رُوي أن عبد الله بن الزبير (١) والمغيرة بن شعبة (٢) وأسامة ابن زيد (٣) عرضوا عليه ذلك، وكان عرضهم متفرقاً، فقد عرض كل واحد منهم عليه ذلك على حدة، وعثمان ﵁ يرفض كل هذه العروض. والثابت من ذلك؛ أنه عرض عليه ذلك فرفضه، دون تحديد للأسماء (٤). وترى ما السبب الذي دعا عثمان ﵁ إلى اتخاذ ذلك الموقف رغم حاجته إلى النصرة وقتال المحاصرين؟!.

стр. 187

إذا عرضنا هذا التساؤل على روايات الفتنة، تطالعنا أسباب خمسة هي: الأول: العمل بوصية رسول الله ﷺ التي سارّه بها، وبيَّنها عثمان ﵁ يوم الدار، وأنها عَهْدٌ عُهِدَ به إليه وأنه صابر نفسه عليه (١). الثاني: ما جاء في قوله: "لن أكون أول من خلف رسول الله ﷺ في أمته بسفك الدماء"، أي كره أن يكون أول من خلف رسول الله ﷺ في أمته بسفك دماء المسلمين وقتال بعضهم بعضا (٢). الثالث: علمه بأن البغاة لا يريدون غيره، فكره أن يتوقى بالمؤمنين، وأحب أن يقيهم بنفسه (٣). الرابع: علمه بأن هذه الفتنة ستنتهي بقتله، وذلك فيما أخبره به رسول الله ﷺ عند تبشيره إياه بالجنة على بلوى تصيبه، وأنه سيقتل

стр. 188

مصطبراً بالحق معطيه في فتنة (١) والدلالات تدل على أن أوانها قد حان، وأكد ذلك تلك الرؤيا التي رآها ليلة قتله، فقد رأى رسول الله ﷺ ، وقال له: أفطر عندنا القابلة، ففهم ﵁ أن موعد الاستشهاد قد قرب. الخامس: العمل بمشورة ابن سلام ﵁ له إذ قال له: "الكف، الكف، فإنه أبلغ لك في الحجة" (٢). وتحقق إخبار النبي ﷺ ، بأن عثمان ﵁ يتولى الخلافة ثم يقتل وهو مصطبر بالحق معطيا القتل. وذلك فيما رواه عبد الله بن حوالة (٣) ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من نجا من ثلاث فقد نجا -ثلاث مرات-: موتي، والدجال، وقتل خليفة مصطبر بالحق معطيه" (٤). ومن مواقف عثمان ﵁ وم الدار يتبين هدوء عثمان ﵁ في التفكير، وأن شدة البلوى لم تحل بينه وبين التفكير الصحيح، وإبداء الرأي السليم، فقد تضافرت الأسباب لتحديد هذا الموقف المسالم من قتال الخارجين عليه.

стр. 189

ولا شك أنه ﵁ كان على الحق في مواقفه التي اتخذها، لما صح عن النبي ﷺ أنه أشار إلى وقوع هذه الفتنة، وشهد لعثمان، وأصحابه أنهم على الحق فيها (١). وأما ماروي من أنه أخذ الحربة فنودي من السماء: أن مهلاً يا عثمان، فرمى بها، فإنه ضعيف الإسناد لا يحتج به (٢).

стр. 190

المبحث الخامس: القتال يوم الدار. ورغم هذه المحاولات منه ﵁ لصد المدافعين عنه عن قتال المحاصرين له، فإن بعض الروايات تشير إلى أنه قد حدث احتكاك، واشتباك خفيف أدى إلى حمل الحسن بن علي ﵄ جريحاً من الدار يوم الدار (١). وتفصل روايات ضعيفة (٢) وأخرى ضعيفة جداً (٣) في ذلك، وتذهب إلى أنه قد وقع قتال عنيف، ولكن لا يحتج بها لضعف أسانيدها. وفي رواية صحيحة، أنه أخرج من الدار يوم قتل عثمان ﵁ أربعة من شبان قريش ملطخين بالدم محمولين، كانوا يدرؤون عن

стр. 191

عثمان ﵁، وهم: الحسن بن علي، وعبد الله بن الزبير، ومحمد بن حاطب، ومروان بن الحكم (١).

стр. 192

المبحث السادس: آخر أيام الحصار وفيه الرؤيا. وفي آخر يوم من أيام الحصار-وهو اليوم الذي قتل فيه- نام ﵁ (١) فأصبح يحدث الناس (٢) يقول:

стр. 193

ليقتلني القوم (١).

стр. 194

ثم قال: رأيت النبي ﷺ في المنام (١) ومعه أبوبكر

стр. 195

وعمر (١) فقال النبي ﷺ :

стр. 196

"يا عثمان أفطر عندنا" (١) فأصبح

стр. 197

صائماً (١)

стр. 198

وقتل من يومه (١).

стр. 199

ورؤيا النبي ﷺ في المنام حق، فإن الشيطان لا يتمثل في صورته، كما ثبت في الصحيح عنه أنه قال: "من رآني فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي" (١).

стр. 200

وقال أيضاً: "وإن الشيطان لا يتراءى بي" (١)، وقال: "من رآني فقد رأى الحق (٢) فإن الشيطان لا يتكونني" (٣)، وقال: "من رآني في النوم فقد رآني، فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي" (٤). والصورة التي لا يستطيع الشيطان التمثل ولا التكون بها، إنما هي صورة النبي ﷺ الحقيقية التي كان عليها في حياته (٥). فمن يرى شخصاً في المنام، على أنه رسول الله ﷺ ، فعليه أن يطابق الصورة المرئية مع صورة الرسول ﷺ الحقيقية، إن كان رآها، وإلا فعلى ما ورد في الصحيح من وصفه ﷺ (٦).

стр. 201

لذلك يقول ابن سيرين: "إذا رآه في صورته" (١). ولما قال كليب (٢) لعبد الله بن عباس: رأيت النبي ﷺ في المنام، قال له: صفه لي، فوصفه له وذكر أنه يشبه الحسن بن علي، قال له: قد رأيته (٣). وكان ابن سيرين إذا قص عليه رجل أنه رأى النبي ﷺ : قال: صف لي الذي رأيته، فإن وصف له صفة لا يعرفها قال: لم تره (٤). وقيد الرؤيا الحقيقية على هذا النحو: القاضي أبوبكر بن العربي، فهو يرى أن ذلك لمن رآه على صورته المعروفة، وأما إذا رآه على خلاف صفته فإن رؤياه أمثال (٥). ويقول المازري في اشتراط تطابق صورة المرئي مع صورة النبي ﷺ المعروفة: "وعلى ذلك جرى علماء التعبير، فقالوا: إذا قال الجاهل رأيت النبي ﷺ ؛ فإنه يسأل عن صفته، فإن وافق الصفة المروية وإلا فلا يقبل منه" (٦).

стр. 202

فإذا تحقق الرائي من أن المرئي هو الرسول ﷺ بأن تطابقت الصورة التي رآها في المنام مع الصورة المعروفة للرسول ﷺ ، فإن المرئي هو الرسول ﷺ ولكن هذه الرؤيا الحقيقية ليست كالرؤية المباشرة، فإن الثانية تثبت الصحبة للرائي، كما ينبني عليها أمور أخرى منها: أ - أن يكون الوحي لم ينقطع، وهذا مخالف للواقع. ب - ومنها أن يلزم الرائي ومن سمع رؤياه العمل بما يقتضيه قول النبي ﷺ في الرؤيا، لأن الرسول ﷺ يَروي ويُخبر ويَحكي عن ربه، فهذا الرائي يذكر ما يذكره عن ربه ويحكي ما يحكيه عن ربه. أما الأولى فلا تثبت الصحبة للرائي، كما لا يتعلق بها ما تقدم ذكره في الرؤية المباشرة والسماع المباشر. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "من قال: ما رآه في المنام حقاً فقد أخطأ، ومن قال إن رؤيته في اليقظة بلا واسطة، كالرؤية بالواسطة المقيدة بالنوم فقد أخطأ، ولهذا يكون لهذه تأويل وتعبير دون تلك، وكذلك ما سمعه منه من الكلام في المنام، هو سماع منه في المنام، وليس هذا كالسماع في اليقظة" (١). والرؤيا الحقيقية في اليقظة "تكون مطلقة وتكون مقيدة بواسطة المرآة والماء أو غير ذلك، حتى إن المرئي يختلف باختلاف المرآة، فإذا كانت كبيرة مستديرة، رئي كذلك، وإن كانت صغيرة أو مستطيلة رُئي

стр. 203

كذلك" (١). والفرق بين كون الرؤيا حقيقية أو غير حقيقية، هو احترازها عن حديث النفس وتحزين الشيطان، فإن الرؤيا ثلاثة أقسام: أ- رؤيا بشرى من الله. ب- ورؤيا تحزين من الشيطان. ج- ورؤيا مما يحدث به المرء نفسه في اليقظة فيراه في المنام، وقد ثبت هذا في الصحيحين عن النبي ﷺ (٢). ومما تقدم يتبين أن رؤيا الصحابة للنبي ﷺ في المنام، رؤيا صحيحة حقة، لأنهم يعرفون صورته الحقيقية التي لا يستطيع الشيطان تقمصها أو التمثل بها، بعكس من لا يعرف صورته الحقيقية فإن الشيطان قد يلبس

стр. 204

عليه، فيتصور بصورة غير النبي ﷺ ويوهم الرائي أنه النبي ﷺ . أما أقواله ﷺ التي يسمعها الرائي في منامه، فتعرض على سنته فما وافقها فهو حق، وما خالفها فالخلل في سمع الرائي، فرؤيا النبي ﷺ حق، والخلل إنما وقع في سمع الرائي أو بصره (١). فتبين من ذلك أن عثمان ﵁ قد رأى النبي ﷺ في المنام فعلاً، وليس تمثلاً من الشيطان بصورته؛ لأن عثمان ﵁ يعرف صورة النبي ﷺ التي لا يستطيع الشيطان التمثل بها. كما أن في هذه الرؤيا بشارة ثانية من النبي ﷺ لعثمان بالجنة وأنه معه فيها. وفيها أيضاً دليل على أن عثمان ﵁ لم يغير ولم يبدل، بل ثبت واستقام حتى أتاه اليقين، لا كما يزعم أعداؤه المبطلون.

стр. 205

الفصل الثاني: قتله ﵁ وقاتله

стр. 206

المبحث الأول: صفة قتله ﵁. استمر الحصار إلى صبيحة يوم الجمعة؛ الموافق للثاني عشر من شهر ذي الحجة من السنة الخامسة والثلاثين بعد الهجرة (١). وفي هذا الوقت كان عثمان بن عفان ﵁ يجلس في داره ومعه عدد كبير (٢) جداً (٣) من الصحابة ﵃ وغيرهم، يريدون الدفاع عنه وحمايته من اعتداء المحاصرين منهم:

стр. 207

الحسن بن علي (١) وعبد الله بن عمر (٢) وعبد الله بن الزبير (٣) وعبد الله بن عامر بن ربيعة ﵃ (٤) ومحمد

стр. 208

بن حاطب، ومروان بن الحكم (١)، وكثير بن الصلت (٢)، ونائلة بنت الفرافصة (٣)،

стр. 209

كنانة مولى صفية ﵂ (١) ورجال من بني عدي بن سراقة وابن مطيع (٢).

стр. 210

وكان عثمان ﵁ يأمرهم بالخروج، وينهاهم عن الدفاع عنه، وهم مصرون على ذلك؛ كما تقدم. وأخيراً استطاع أن يقنعهم، فخرجوا من الدار، وخُلِّي بينه، وبين المحاصرين (١) فلم يبق في الدار إلا عثمان وآله، وليس بينه وبين المحاصرين مدافع، ولا حامٍ من الناس، وفتح ﵁ باب الدار (٢). فترى هل سيهاب القوم من خليفتهم فيحجموا عن إيذائه، فتزول كل الأحقاد لهول الموقف، أو أنهم أناس صادقون في غيرتهم ضالون عن جادة الحق يرون أن قتله واجب ديني؟ فسيقتلونه محسنين قتلته، لنترك بيان ذلك إلى الروايات الصحيحة التي ستكشف لنا عن حقيقة القوم، وعن صفة دخولهم عليه وما فعلوه به. لتحكي لنا أحداث تلك الساعة الحاسمة التي لم يمح ذكرها عبر العصور التي مضت منذ حدوثها إلى يومنا هذا، أي منذ ما يقارب الأربعة عشر قرناً.

стр. 211

بعد أن خرج من في الدار ممن كان يريد الدفاع عنه، نشر ﵁ المصحف بين يديه، وأخذ يقرأ منه (١). وكان إذ ذاك صائماً (٢) فإذا برجل من المحاصرين -لم تسمه

стр. 212

الروايات- يدخل عليه، فلما رآه عثمان ﵁ قال له: "بيني وبينك كتاب الله" (١) فخرج الرجل، وتركه (٢) وما إن ولّى حتى دخل آخر، وهو رجل من بني سدوس، يقال له: الموت الأسود؛ فخنقه وخنقه قبل أن يضرب بالسيف، فقال: والله "ما رأيت شيئاً ألين من خنّاقه، لقد رأيت خنقته حتى رأيت نفسه مثل الجان تردد في جسده (٣). ثم أهوى إليه بالسيف، فاتقاه عثمان ﵁ بيده، فقطعها، وشك الراوي أبانها أو لم يبنها. فقال عثمان: أما والله إنها لأول كف خطت المفصَّل (٤) وذلك أنه كان من كتبة الوحي، وهو أول من كتب

стр. 213

المصحف من إملاء من رسول الله ﷺ فقُتل ﵁ والمصحف بين يديه (١). وعلى أثر قطع اليد، انتضح الدم على المصحف الذي كان بين يديه يقرأ منه، وسقط على قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢).

стр. 214

وفي رواية: إن أول من ضربه رجل يسمى رومان اليماني، ضربه بصولجان (١) ولما دخلوا عليه ليقتلوه أنشد قائلاً: أرى الموت لا يبقي عزيزاً ولم يدع … لعاد ملاذاً في البلاد ومرتقى وقال أيضاً: يبيت أهل الحصن والحصن مغلق … ويأتي الجبال في شماريخها (٢) العلى (٣) ولما أحاطوا به قالت امرأته نائلة بنت الفرافصة: "إن تقتلوه أو تدعوه فقد كان يحيي الليل بركعة يجمع فيها القرآن" (٤).

стр. 215

ولما فرغ قاتله -الرجل الأسود- من قتله رفع يده أو بسطها في الدار وهو يقول: "أنا قاتل نعثل" (١). وكانت قتلته وحشية، حتى إن أبا هريرة ﵁ كان كلما ذكر ما صُنع بعثمان ﵁ بكى حتى ينتحب يقول: هاه هاه (٢). وفي ذلك يقول سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ﵁: لو أن أحداً ارفضّ (٣) للذي صنعتم بعثمان لكان محقوقاً أن يرفضّ (٤).
следующие страницы →