← История

История · id 12047

فتنة مقتل عثمان بن عفان

محمد بن عبد الله غبان الصبحي

Полный текст (883 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

بعد أن خرج من في الدار ممن كان يريد الدفاع عنه، نشر ﵁ المصحف بين يديه، وأخذ يقرأ منه (١). وكان إذ ذاك صائماً (٢) فإذا برجل من المحاصرين -لم تسمه

стр. 212

الروايات- يدخل عليه، فلما رآه عثمان ﵁ قال له: "بيني وبينك كتاب الله" (١) فخرج الرجل، وتركه (٢) وما إن ولّى حتى دخل آخر، وهو رجل من بني سدوس، يقال له: الموت الأسود؛ فخنقه وخنقه قبل أن يضرب بالسيف، فقال: والله "ما رأيت شيئاً ألين من خنّاقه، لقد رأيت خنقته حتى رأيت نفسه مثل الجان تردد في جسده (٣). ثم أهوى إليه بالسيف، فاتقاه عثمان ﵁ بيده، فقطعها، وشك الراوي أبانها أو لم يبنها. فقال عثمان: أما والله إنها لأول كف خطت المفصَّل (٤) وذلك أنه كان من كتبة الوحي، وهو أول من كتب

стр. 213

المصحف من إملاء من رسول الله ﷺ فقُتل ﵁ والمصحف بين يديه (١). وعلى أثر قطع اليد، انتضح الدم على المصحف الذي كان بين يديه يقرأ منه، وسقط على قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢).

стр. 214

وفي رواية: إن أول من ضربه رجل يسمى رومان اليماني، ضربه بصولجان (١) ولما دخلوا عليه ليقتلوه أنشد قائلاً: أرى الموت لا يبقي عزيزاً ولم يدع … لعاد ملاذاً في البلاد ومرتقى وقال أيضاً: يبيت أهل الحصن والحصن مغلق … ويأتي الجبال في شماريخها (٢) العلى (٣) ولما أحاطوا به قالت امرأته نائلة بنت الفرافصة: "إن تقتلوه أو تدعوه فقد كان يحيي الليل بركعة يجمع فيها القرآن" (٤).

стр. 215

ولما فرغ قاتله -الرجل الأسود- من قتله رفع يده أو بسطها في الدار وهو يقول: "أنا قاتل نعثل" (١). وكانت قتلته وحشية، حتى إن أبا هريرة ﵁ كان كلما ذكر ما صُنع بعثمان ﵁ بكى حتى ينتحب يقول: هاه هاه (٢). وفي ذلك يقول سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ﵁: لو أن أحداً ارفضّ (٣) للذي صنعتم بعثمان لكان محقوقاً أن يرفضّ (٤).

стр. 216

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 217

المبحث الثاني: تاريخ قتله إن في تحديد السنة التي قتل فيها عثمان ﵁ شبه إجماع من المؤرخين، فلم يقع خلاف في أنه كان في السنة الخامسة بعد الثلاثين من الهجرة، إلا ما رُوي عن مصعب بن عبد الله: أنه كان في السنة السادسة والثلاثين (١) وهو قول شاذ مخالف للإجماع. فممن قال بالقول الأول جمع غفير منهم: عبد الله بن عمرو بن عثمان ت (٩٦) هـ (٢). وعامر بن شراحيل الشعبي ت بعد المائة من الهجرة (٣). ونافع مولى ابن عمر ت (١١٧) هـ (٤). وقتادة بن دعامة السدوسي توفي سنة بضع وعشرة ومائة (٥). ومخرمة بن سليمان الوالبي ت (١٣٠) هـ (٦). وعبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب المتوفى بعد سنة

стр. 218

١٤٠ هـ (١). ومحمد بن إسحاق ت (١٥٠) هـ (٢). وأبو معشر ت (١٧٠) هـ (٣). ويزيد بن عبيدة (٤). وسيف بن عمر التميمي، المتوفى في حدود (١٧٠) هـ (٥). والليث بن سعد ت (١٧٥) هـ (٦). وهشام بن الكلبي ت (٢٠٤) هـ (٧). ومحمد بن عمر الواقدي ت (٢٠٧) هـ (٨).

стр. 219

ويعقوب بن إبراهيم الزهري ت (٢٠٨) هـ. (١) وأبو نعيم الفضل بن دكين ت (٢١٨) هـ. (٢) وأبو عمر الضرير ت (٢٢٠) هـ. (٣) وخليفة بن خياط ت (٢٤٠) هـ. (٤) وعمرو بن علي ت (٢٤٩) هـ. (٥) والزبير بن بكار ت (٢٥٦) هـ. (٦) ويعقوب بن سفيان الفسوي ت (٢٧٧) هـ. (٧) تحديد الشهر: ولا خلاف أيضاً عند المؤرخين في تحديد الشهر الذي قتل فيه ﵁، وأنه ذو الحجة (٨) إلا أنه اختلف في تحديد ما بعد ذلك من اليوم والساعة وغير ذلك.

стр. 220

تحديد اليوم من الشهر: اختلف في ذلك على ثمانية أقوال، محصورة فيما بين الثامن والثامن والعشرين من ذي الحجة، وفيما يلي تفصيل هذه الأقوال: القول الأول: قال الواقدي: لثمان ليال خلت من ذي الحجة أي: (يوم التروية) ٨/ ١٢/٣٥ هـ (١). القول الثاني: روي عن عبد الله بن عمرو، وذكره خليفة بن خياط بصيغة التمريض أنه كان يوم النحر؛ أي: (يوم عيد الأضحى) (٢) ١٠/ ١٢/٣٥ هـ. القول الثالث: صح عن أبي عثمان النهدي (٣) وقال به عمرو بن علي (٤) ويعقوب الفسوي (٥) وحكاه الزهري (٦) بصيغة: "فزعم بعض الناس" أنه كان في أوسط أيام التشريق؛ وهو اليوم الثاني عشر من أيام ذي الحجة؛ ١٢/ ١٢/٣٥ هـ.

стр. 221

القول الرابع: روي عن الليث بن سعد (١) أنه كان مصدر الحاج؛ وهو اليوم الرابع من أيام النحر (٢)؛ أي ١٣/ ١٢/ (٣٥) هـ. القول الخامس: قال أبو نعيم الفضل بن دكين (٣) بأنه كان لست عشرة بقين من ذي الحجة؛ ١٣ - ١٤/ ١٢/ (٣٥) هـ. القول السادس: قال أيضاً بهذا القول (٤) أنه كان لثلاث عشرة بقيت من ذي الحجة، ١٧/ ١٢/ (٣٥) هـ. القول السابع: أنه كان لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة؛ ١٨/ ١٢/٣٥ هـ قال به: نافع مولى ابن عمر (٥) والشعبي (٦) ومخرمة بن سليمان الوالبي (٧) ومحمد بن إسحاق (٨)

стр. 222

وأبو معشر (١) وسيف بن عمر التميمي عن شيوخه (٢) وإبراهيم بن سعد الزهري (٣) وهشام بن الكلبي (٤) ومصعب بن عبد الله الزبيري، ويعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري (٥) وعزاه الطبري إلى الجمهور (٦) وذكره المحب الطبري في الرياض النضرة (٧). القول الثامن: ذكر ابن الأثير (٨) بصيغة التمريض أنه كان لليلتين بقيتا من ذي الحجة ٢٧ - ٢٨/ ١٢/٣٥ هـ. الترجيح: والذي ترجح لديَّ من هذه الأقوال؛ القول الثالث الذي فيه أنه

стр. 223

استشهد في أوسط أيام التشريق (١٢/ ١٢/٣٥ هـ) لصحة نقله عن أبي عثمان النهدي، المعاصر للحادثة. وما سواه من أقوال لم يصح إسناد شيء منها، وكل ما جاء به من أسانيد فهي ضعيفة، وبعض منها صدر ممن لم يعاصر الحادثة. تحديد اليوم من أيام الأسبوع: أما عن تحديد اليوم الذي قتل فيه من أيام الأسبوع ففيه ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه يوم الجمعة، وقال به كل من: نافع مولى ابن عمر (١) ومخرمة بن سليمان الوالبي (٢) وأبومعشر (٣) وهشام بن الكلبي (٤) ومحمد بن عمر الواقدي (٥) ومصعب بن عبد الله الزبيري (٦) وخليفة بن خياط العصفري (٧) وأبو سليمان بن زبر (٨). القول الثاني: أنه كان يوم الاثنين، رُوي عن ابن إسحاق (٩) كما

стр. 224

روي عنه أيضاً القول الآتي. القول الثالث: أنه كان يوم الأربعاء، رواه ابن إسحاق (١). الترجيح: والذي ترجح لديَّ من هذه الأقوال الثلاثة، قول الجمهور، وهو يوم الجمعة؛ لأنه قول الجمهور ولم يخالفه قول أقوى منه، كما أنه يوافق الحساب الفلكي فإنه ينتج أن اليوم الثاني عشر من شهر ذي الحجة من السنة الخامسة والثلاثين يوافق يوم الجمعة (٢). وهذا يقوي أن وفاته كانت في اليوم الثاني عشر من شهر ذي الحجة. تحديد وقت قتله من اليوم: وفي تحديد وقت قتله من اليوم قولان هما: القول الأول: أنه كان في صبيحة، أو ضحوة اليوم، قال به الشعبي (٣) ومخرمة بن سليمان الوالبي (٤) وابن إسحاق (٥) وهشام بن الكلبي (٦) والفسوي (٧) وحكاه الطبري عن غيرهم بلفظ "آخرون" (٨) وقال

стр. 225

بعضهم: في ضحوته (١). القول الثاني: أنه كان في عصر اليوم، قال به أبو سليمان بن زبر (٢). الترجيح: ويترجح عندي من هذين القولين أنه كان في صبيحة اليوم، لقول الجمهور به، ولم يخالف بأقوى منه.

стр. 226

المبحث الثالث: سنُّه عند استشهاده لم أقف على رواية صحيحة الإسناد تحدد سن عثمان ﵁ عند استشهاده، وكل ما وقفت عليه في ذلك أقوال متضاربة مختلفة. والخلاف في ذلك قديم، حتى إن الطبري ﵀ يقول: "اختلف السلف قبلنا في قدر مدة حياته" (١). وبعد جمع الأقوال في ذلك نتج لديّ خمسة عشر قولاً، وهي كالتالي مرتبة على الأقل فما فوقه: القول الأول: أن سنه كانت ثلاثاً وستين سنة [٦٣]، رواه سيف ابن عمر التميمي عن شيوخه (٢). القول الثاني: نيف وسبعون، قال به أبو إسحاق السبيعي (٣). القول الثالث: خمس وسبعون [٧٥]، قال به هشام بن محمد بن السائب الكلبي (٤) وحكاه محمد بن إسحاق (٥) والبخاري عن بعضهم (٦).

стр. 227

القول الرابع: ثمانون سنة [٨٠] حكاه ابن إسحاق (١) عن بعضهم. القول الخامس: نيف وثمانون، قال به محمد بن يعلى (٢). القول السادس: أنه جاوز الثمانين، قال به أبو زرعة (٣). القول السابع: بين الثمانين والتسعين [٨٠ - ٩٠] قال به الزهري (٤). القول الثامن: إحدى وثمانون سنة [٨١]، قال به كل من: عثمان وأبوبكر ابنا أبي شيبة (٥) وأبو سليمان بن زبر (٦). القول التاسع: اثنتان وثمانون سنة [٨٢]، وقال به الجمهور، فقد قال به: أبوالمقدام، ومحمد بن عبد الله المخزومي (٧) وزيد (٨) وأبوعمرو الضرير (٩) وعبد الله بن عمرو الأموي (١٠) ويحيى بن بكير (١١) والزبير بن

стр. 228

بكار (١) ومحمد بن عمر الواقدي، وادعى الإجماع عليه فقال: "لا خلاف عندهم أنه قتل وهو ابن اثنتين وثمانين سنة" (٢) وقدّم الطبري هذا القول على غيره (٣) وجزم به ابن الأثير (٤). القول العاشر: اثنتان وثمانون وأشهر [٨٢ وأشهر]، رواه الواقدي عن صالح بن كيسان (٥). القول الحادي عشر: ست وثمانون سنة [٨٦]، قال به قتادة (٦). القول الثاني عشر: ثمان وثمانون، أو تسع وثمانون سنة [٨٨ أو ٨٩] جاء عن قتادة (٧) على الشك هكذا. القول الثالث عشر: ثمان وثمانون أو تسعون [٨٨ أو ٩٠]، جاء عن قتادة (٨) أيضاً على الشك.

стр. 229

القول الرابع عشر: تسعون سنة [٩٠]، حكاه ابن الأثير (١) بصيغة التمريض (قُيل). القول الخامس عشر: ثلاث وتسعون سنة [٩٣]، قال به ابن إسحاق (٢). الترجيح: والذي ترجح لدي من هذه الأقوال؛ القول التاسع، الذي يذهب إلى أن سنه عند استشهاده كانت اثنتين وثمانين سنة، وما يدخل فيه من الأقوال الأخرى لأسباب ثلاثة: الأول: أنه ولد في السنة السادسة بعد عام الفيل (٣) واستشهد في السنة الخامسة والثلاثين بعد الهجرة (٤) فمقارنة سنة ولادته مع سنة استشهاده تؤيد هذا القول (٥). الثاني: أن أربعة أقوال من الأقوال الخمسة عشر تدخل في هذا

стр. 230

القول ولا تعارضه، وهذا لا يتفق مع أي قول من الأقوال الأخرى. الثالث: أنه قول الجمهور، ولم يخالفه قول أقوى منه.

стр. 231

المبحث الرابع: قاتله لقد اتّهم في مباشرة قتل عثمان ﵁ عدة أشخاص، جاء ذلك في روايات كثيرة، منها المقبول، وأكثرها ضعيف مردود. وفي الروايات الصحيحة أنه رجل أسود من أهل مصر (١) ولكنها تختلف في تعيينه، ففي رواية منها أنه كان يقال له: حمار (٢) وفي رواية ثانية: جبلة (٣) وفي ثالثة: جبلة بن الأيهم (٤). ومصدر هذه الروايات الثلاث واحد، وهو كنانة (٥) مولى صفية ﵂، اختلف فيها عليه، فروى عنه محمد بن طلحة بن مصرف الرواية الأولى، والثالثة، وروى عنه زهير بن معاوية الرواية الثانية.

стр. 232

وزهير ثقة حافظ (١) أما محمد فصدوق له أوهام (٢) فرواية زهير هذه محفوظة، فتصبح رواية محمد -الأولى- شاذة لمخالفتها لرواية أوثق منها. ويحتمل أن لفظة حمار مصحفة من جبلة، لتشابه الرسمين في طريقة الأقدمين في الكتابة، حيث إنّهم كثيراً ما يُغفلون النقط. أما روايته الثالثة، فلا يعمم الحكم عليها من حيث دخول الوهم عليها وعدمه، لأنه وافق زهيراً في بعضها وزاد اسم الأب. وزيادة الثقة مقبولة، إلا أن ما في محمد من وهم، وخفة في الضبط يخرجه من عداد من تقبل زيادتهم، خاصة وأن ما أدت إليه زيادته مردود من وجوه، فإن زيادته تجعل القاتل هو جبلة بن الأيهم، ولا يعرف بهذا الاسم إلا الغساني، ملك الغساسنة، وهو من أهل الشام (٣) بينما أجمعت الروايات الثلاث على أن القاتل من أهل مصر. كما أن زيادته هذه تدل على أن جبلة؛ اسم للقاتل، بينما يفهم من الروايات الثلاث أنه ليس اسماً إنما هو لقب، لقب به لسواد بشرته، يفهم هذا من قول كنانة: "رجل من أهل مصر يقال له جبلة … أي الرجل

стр. 233

الأسود" (١). وإذا تذكرنا أن الرجل الذي دخل على عثمان ﵁ وخنقه أسود أيضاً، وأن الراوي قال: "خنقه ثم خنقه قبل أن يضرب بالسيف" (٢) دلنا ذلك على أن هذا الرجل هو القاتل الذي يقال له: جبلة؛ لأنه أسود البشرة، ولأن في قول الراوي: "قبل أن يضرب بالسيف" دليلاً على أنه ضرب بالسيف. فإذا صح هذا الربط، فإنه يبين لنا نسبة هذا القاتل، حيث إن الراوي أوضح عن نسبته وأنه من بني سدوس (٣). ويزيد ذلك في توهم زيادة (الأيهم)؛ لأن جبلة بن الأيهم الغساني من الغساسنة (٤) وهذا القاتل من بني سدوس. والخلاصة: أن قاتل عثمان ﵁ رجل مصري، لم تفصح الروايات عن اسمه، وبينت أنه سدوسي الأصل، أسود البشرة، لقب بـ (جِبْلة) لسواد بشرته كما لقب أيضاً ب (الموت الأسود)، ولم أقف

стр. 234

على ترجمة تتصف بهذه الصفات. وذهب محب الدين الخطيب إلى أن القاتل: هو عبد الله بن سبأ حيث قال: "ومن الثابت أن ابن سبأ كان مع ثوار مصر عند مجيئهم من الفسطاط إلى المدينة، وهو في كل الأدوار التي مثلها كان شديد الحرص على أن يعمل من وراء ستار، فلعل (الموت الأسود) اسم مستعار له أراد أن يرمز به إليه، ليتمكن من مواصلة دسائسه لهدم الإسلام" (١). وقد يشهد لما ذهب إليه: أن ابن سبأ أسود البشرة؛ فقد صح عن علي ﵁ أنه وصفه بالخبث، وسواد البشرة، وذلك في قوله عنه: "الخبيث الأسود" (٢). وأنه يعتبر من أهل مصر لتغلغل أفكاره في بعض أهلها، ولمكثه فيها آخر أمره، ولقدومه مع أهلها (٣). وأن اللقبين اللذين وردا للقاتل يلتقيان مع لقبه المشهور (ابن السوداء)، فإن الألقاب الثلاثة تشتمل على لون بشرته وهو السواد. وأن اللقب الذي لقب به القاتل (جبلة) اسم لرجل يهودي يمني (٤) ورُوي أن ابن سبأ من يهود اليمن (٥).

стр. 235

ولا صحة لاتهام كنانة بن بشر التجيبي الكندي (١) ورجل بن بني عبد الدار يسمى نهران الأصبحي (٢) وأبي عمرو بن بديل الخزاعي (٣) وسودان بن رومان المرادي (٤) ورجل من بني أسد بن خزيمة يسمى رومان (٥) وسودان بن حمران (٦) ومحمد بن أبي بكر الصديق (٧) وعلي بن أبي طالب ﵁ (٨) بقتل عثمان ﵁. فكل ذلك رُوي بأسانيد ضعيفة، بينت عللها في قسم دراسة الأسانيد، كما أن متونها شاذة؛ لمخالفتها للرواية الصحيحة التي تبين أن القاتل هو رجل مصري يقال له: جبلة؛ لسواد بشرته.

стр. 236

وأما ما يتعلق بتهمة محمد بن أبي بكر (١) فإنه يضاف إلى ما تقدم أنه قد وردت رواية صحيحة الإسناد تبرئه من هذه التهمة، وتكشف عن سبب اتهامه بها؛ يرويها لنا شاهد عيان، -حضر يوم الدار ورأى القاتل- وهو كنانة مولى صفية ﵂ فقد سأله محمد بن طلحة؛ هل ندى محمد بن أبي بكر بشيء من دمه -أي عثمان- فقال: معاذ الله، دخل عليه فقال له عثمان: يا ابن أخي لست بصاحبي، وكلمه بكلام فخرج ولم يند بشيء من دمه (٢). وفي رواية صحيحة أخرى أن كنانة قال: لم يند محمد بن أبي بكر من دم عثمان بشيء، فقال له محمد بن طلحة: فلم قيل إنه قتله؟ قال: معاذ الله أن يكون قتله، إنما دخل عليه فقال له عثمان .. " (٣). وبهاتين الروايتين الصحيحتين تظهر لنا براءة محمد بن أبي بكر الصديق من دم عثمان، براءة الذئب من دم يوسف، كما تبين أن سبب تهمته هو دخوله عليه قبل القتل.

стр. 237

وقد ذكر ابن كثير ﵀ أنه لما كلمه عثمان ﵁ استحيى، ورجع، وتندم، وغطى وجهه وحاجز دونه فلم تفد محاجزته (١).

стр. 238

المبحث الخامس: جنازته والصلاة عليه ودفنه لم يصح مما ورد في الصلاة على عثمان ﵁، وجنازته، ودفنه إلا نتف من روايات ضعيفة، قوّى بعضها بعضاً، فمما تقوى أنه صُلِّي عليه (١) وأن مالك بن أبي عامر كان ممن حمل نعشه، وسار في

стр. 239

جنازته (١) وأنه دُفن في حائط من حيطان المدينة يقال له: حش كوكب (٢).

стр. 240

وحش كوكب: هو بستان (١) بالقرب من بقيع الغَرْقد (٢). هذه المعلومات التي صحت في هذه الموضوعات الثلاث، وأما الروايات الضعيفة التي رُويت في ذلك فإنها تارة تتوافق، وتارة تتضارب. فقد اختلفت في وقوع منع الصلاة عليه ﵁، فقد رويت روايات ضعيفة جداً في أن الأنصار مُنعوا من أن يصلى عليه (٣) وأن منهم: أسلم بن بجرة الساعدي، وأبو حية المازني (٤). وفي رواية ضعيفة أيضاً أنه بقي ليلتين ويوماً لا يصلون عليه، وأن أباحذيفة قال: ادفنوه فقد صلى الله عليه وملائكته، وفي لفظ آخر إن تمنعوا الصلاة عليه فقد صلى الله عليه وملائكته (٥). ويروي ابن عساكر أنه لما قتل مكث ثلاثاً لا يدفن، حتى هتف بهم هاتف، أن ادفنوه، ولا تصلوا عليه فإن الله قد صلى عليه (٦).

стр. 241

وذكر ابن الأثير وعوانة منع الصلاة عليه بصيغة التضعيف (١) وفي رواية لسيف أنه لم يمتنع أحد أن يصلي عليه من شيء، وأن مروان صلى عليه (٢). وهذه الروايات التي تثبت منع الصلاة عليه، ويثبت بعضها عدم الصلاة عليه -كما تقدم- شديدة الضعف من حيث الإسناد، ويضاف إلى ضعف أسانيدها نكارة متونها. فقد ثبت -كما تقدم- في الرواية الصحيحة أنه صُلي عليه، بل وتفصل روايات يسيرة الضعف، فتذكر أسماء الذين صلوا عليه، وهم: جبير ابن مطعم (٣) وحكيم بن حزام (٤) وحويطب بن عبد العزى (٥)،

стр. 242

والزبير بن العوام (١) ومالك بن أبي عامر كما تقدم، ومروان بن الحكم (٢) والمسور بن مخرمة (٣) ونيار الأسلمي، وأبوجهم بن حذيفة العدوي (٤) ونائلة بنت الفرافصة الكلبية زوجته، وأم البنين بنت عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزارية (٥). وفي رواية ضعيفة أيضاً أنه وُضع على سريره في البيت، والناس يجيئون فيصلون عليه، وأن رجلاً كان قد أعطى الله عهداً إن قدر أن يلطم وجه عثمان إلا لطمه، فدخل كأنه يصلي عليه، فوجد خلوة فرفع الثوب عن وجهه فلطم وجهه وسجاه، فيبست يمينه (٦).

стр. 243

ولا شك أن الظروف التي كانت تحيط بجنازته والصلاة عليه ودفنه، كانت حرجة للغاية، حيث إن الخارجين عليه كانوا محيطين بالدار، كما أن الصلاة عليه كانت ليلاً. وهذا يبين لنا جلياً عذر من لم يصلِّ عليه ممن كان في المدينة إذ ذاك، على فرض صحة نقل ما يثبت ذلك. ولم يرد أن أحداً من الصحابة ﵃ امتنع عن الصلاة عليه إلا ما روي بإسناد ضعيف عن بعض الأنصار، وإضافةً إلى ضعف الإسناد، فإن الرواية أبهمت أسماء هؤلاء الممتنعين عن الصلاة عليه، فلم تعيّن اسم واحدٍ منهم سوى شخصين اثنين، ويكفينا في ردّها أنها ضعفيفة الإسناد. كما أنها لا تدل على أنه لم يصلّ عليه سوى من سمتهم الروايات، فلا نفي لصلاة كبار الصحابة عليه، كعلي وطلحة والزبير وغيرهم.

стр. 244

الفصل الثالث: متفرقات عن الفتنة

стр. 245

المبحث الأول: ما أثر عن الصحابة في أثر قتل عثمان ﵁ استشهد عثمان ﵁ وفاز بالجنة على بلوى أصابته، كما أخبره النبي ﷺ وأخبر الصحابة معه بفتنة قتله، وبشيء من التفصيلات التي ستكون فيها. والروايات تثبت أنه أسرَّ إليه بشيء لم يكن يرغب ﵊ إعلانه، فاختص عثمان به دون غيره (١). ولكن هل أخبر النبي ﷺ أحداً من الصحابة رضوان الله عليهم بأثر استشهاده ﵁ على الأمة؟. لم يصرح أحد من الصحابة بذلك فيما وصل إلينا من روايات، وقد روى بعضهم شيئاً من آثار استشهاده، فهل ذلك بإخبار منه ﷺ أم مجرد تفرس وبعد نظر منهم رضوان الله عليهم؟. كلا الاحتمالين وارد، لأنهم ليسوا ممن يطلق للسانه العنان دون وعي بما يقول، فيقولون بغير علم، كما أنهم أقوى الناس إيماناً بعد الأنبياء والرسل، فالتفرس أقرب ما يكون إليهم من غيرهم. فمن ذلك ما قاله ثمامة بن عدي ﵁ (٢) لمّا بلغه قتل عثمان

стр. 246

رضي الله عنه وذلك في خطبة خطبها، بكى فيها بكاءً شديداً فلما أفاق واستفاق (١) قال: "اليوم انتزعت خلافة النبوة من أمة محمد ﷺ ، وصارت ملكاً وجبرية، من أخذ شيئاً غلب عليه" (٢). فقد عبر ثمامة عن معنى عميق، يتصل بفهم نظام الخلافة، وأنه شورى، وأن هدمه بالقوة يحوِّل نظام الحكم إلى ملك جبري. وكان إحساسه بخطورة التحول عميقاً، وألمه لذلك شديداً؛ مما يدل على وعي بالسنن الاجتماعية التي سنها الله في خلقه. وفعلاً وقع ما قاله ثمامة ﵁ إلا أنه لم يقع بعد استشهاد عثمان ﵁ مباشرة، فقد تولى الخلافة من بعده علي ثم معاوية ﵄، ولم تكن خلافتهما كذلك، بل وقع ذلك بعدها.

стр. 247

كما ترتب على استشهاد عثمان ﵁ مفاسد كثيرة، فقد انكشفت حصون الإسلام، وسهل على الأعداء استهدافه، وفي ذلك يقول سمرة بن جندب ﵁ (١): "إن الإسلام كان في حصن حصين، وإنهم ثلموا (٢) في الإسلام ثلمة بقتلهم عثمان، وإنهم شرطوا (٣) في الإسلام شرطة، وإنهم لا يسدوا ثلمتهم -أو لا يسدونها- إلى يوم القيامة" (٤). وحقاّ فإن الإسلام كان في حصن التآلف والمحبة، يجمع بين أبنائه الإيمان بالله جل وعلا. فلما تسلل إليه أعداؤه تحت ستار الإسلام، وفعلوا ما فعلوا بعثمان ﵁ زال الحصن ووقع القتال بينهم (٥). ولعل قول سمرة هذا كان بعد وقوع الفتن التي حدثت في خلافة علي ﵁، لأن سمرة توفي سنة ثمان وخمسين بعد الهجرة.

стр. 248

ويبين حذيفة ﵁ (١) أثر قتل عثمان ﵁ على التزام الناس بالإسلام وفهم معانيه بقوله لما بلغه قتل عثمان: "اليوم نزل الناس حافة (٢) الإسلام، فكم من مرحلة (٣) قد ارتحلوا عنه" (٤). ولا شك أن ذلك قد وقع فعلاً فإنَّ المجتمع في عهد النبي ﷺ وعهد أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ كان أقوى التزاماً بالإسلام ومعانيه وفهمه. ويظهر من كلام حذيفة ﵁ أنهم درجوا في الضعف، والتدني، وعبر عن ذلك بالارتحال عن الإسلام مراحل، حتى وصلوا إلى

стр. 249

حافته؛ أي: طرفه، بعد قتل عثمان. ولأقوال حذيفة ﵁ في ذلك أهمية عظيمة جداً، لوعيه العميق بالفتن، وذلك لما صح أن النبي ﷺ أعلمه بما كان وبما يكون من الفتن إلى أن تقوم الساعة (١). ولم يكتف حذيفة ﵁ بهذا الوصف لما حصل للإسلام بقتل عثمان ﵁ بل صرح بأن قتله فتنة، وأنها أول الفتن (٢) وحقاً فإنها فتنة توالت بعدها الفتن كما جزم ﵁ بأن مصير قتلة عثمان ﵁ في الآخرة إلى النار (٣). ويبين عبد الله بن سلام ﵁ (٤) لقتلة عثمان ﵁ أنهم لن يهرقوا محجماً من دم في الفتنة إلا ازدادوا من الله بعداً، وذلك في قوله لهم: "والله لا تهرقون محجماً من دم إلا ازددتم به من الله بعداً" (٥).

стр. 250

وبذلك يوافق ابن سلام حذيفة ﵄ في أن قتل عثمان ﵁ سبب في ضعف الأمة الإسلامية، ونقص في تمثلها لمعاني الدين، بل يقعِّد قاعدة عامة تقول أنهم: كلما أهرقوا دماً كلما ازدادوا من الله بعداً. وعبد الله بن سلام ﵁ كان من أحبار اليهود (١) وسادتهم (٢) قبل إسلامه، فقد أنزل الله فيه: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ (٣) وثبت أن النبي ﷺ شهد له بأنه سيموت وهو متمسك بالعروة الوثقى (٤). فأقواله ومواقفه لها أهمية منبثقة من هاتين الشهادتين له، إذ هو محافظ على بصيرته الناقدة ومقاييسه الإسلامية في ظروف الفتنة التي عصفت بالكثيرين، ومن هنا فسر بعضهم أنه المقصود بقوله تعالى: ﴿وَمَن عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (٥) أي: التوراة، قال مجاهد: "هو
следующие страницы →