رضي الله عنه وذلك في خطبة خطبها، بكى فيها بكاءً شديداً فلما أفاق واستفاق (١) قال: "اليوم انتزعت خلافة النبوة من أمة محمد ﷺ ، وصارت ملكاً وجبرية، من أخذ شيئاً غلب عليه" (٢).
فقد عبر ثمامة عن معنى عميق، يتصل بفهم نظام الخلافة، وأنه شورى، وأن هدمه بالقوة يحوِّل نظام الحكم إلى ملك جبري.
وكان إحساسه بخطورة التحول عميقاً، وألمه لذلك شديداً؛ مما يدل على وعي بالسنن الاجتماعية التي سنها الله في خلقه.
وفعلاً وقع ما قاله ثمامة ﵁ إلا أنه لم يقع بعد استشهاد عثمان ﵁ مباشرة، فقد تولى الخلافة من بعده علي ثم معاوية ﵄، ولم تكن خلافتهما كذلك، بل وقع ذلك بعدها.
стр. 247
كما ترتب على استشهاد عثمان ﵁ مفاسد كثيرة، فقد انكشفت حصون الإسلام، وسهل على الأعداء استهدافه، وفي ذلك يقول سمرة بن جندب ﵁ (١):
"إن الإسلام كان في حصن حصين، وإنهم ثلموا (٢) في الإسلام ثلمة بقتلهم عثمان، وإنهم شرطوا (٣) في الإسلام شرطة، وإنهم لا يسدوا ثلمتهم -أو لا يسدونها- إلى يوم القيامة" (٤).
وحقاّ فإن الإسلام كان في حصن التآلف والمحبة، يجمع بين أبنائه الإيمان بالله جل وعلا.
فلما تسلل إليه أعداؤه تحت ستار الإسلام، وفعلوا ما فعلوا بعثمان ﵁ زال الحصن ووقع القتال بينهم (٥).
ولعل قول سمرة هذا كان بعد وقوع الفتن التي حدثت في خلافة علي ﵁، لأن سمرة توفي سنة ثمان وخمسين بعد الهجرة.
стр. 248
ويبين حذيفة ﵁ (١) أثر قتل عثمان ﵁ على التزام الناس بالإسلام وفهم معانيه بقوله لما بلغه قتل عثمان: "اليوم نزل الناس حافة (٢) الإسلام، فكم من مرحلة (٣) قد ارتحلوا عنه" (٤).
ولا شك أن ذلك قد وقع فعلاً فإنَّ المجتمع في عهد النبي ﷺ وعهد أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ كان أقوى التزاماً بالإسلام ومعانيه وفهمه.
ويظهر من كلام حذيفة ﵁ أنهم درجوا في الضعف، والتدني، وعبر عن ذلك بالارتحال عن الإسلام مراحل، حتى وصلوا إلى
стр. 249
حافته؛ أي: طرفه، بعد قتل عثمان.
ولأقوال حذيفة ﵁ في ذلك أهمية عظيمة جداً، لوعيه العميق بالفتن، وذلك لما صح أن النبي ﷺ أعلمه بما كان وبما يكون من الفتن إلى أن تقوم الساعة (١).
ولم يكتف حذيفة ﵁ بهذا الوصف لما حصل للإسلام بقتل عثمان ﵁ بل صرح بأن قتله فتنة، وأنها أول الفتن (٢) وحقاً فإنها فتنة توالت بعدها الفتن كما جزم ﵁ بأن مصير قتلة عثمان ﵁ في الآخرة إلى النار (٣).
ويبين عبد الله بن سلام ﵁ (٤) لقتلة عثمان ﵁ أنهم لن يهرقوا محجماً من دم في الفتنة إلا ازدادوا من الله بعداً، وذلك في قوله لهم: "والله لا تهرقون محجماً من دم إلا ازددتم به من الله بعداً" (٥).
стр. 250
وبذلك يوافق ابن سلام حذيفة ﵄ في أن قتل عثمان ﵁ سبب في ضعف الأمة الإسلامية، ونقص في تمثلها لمعاني الدين، بل يقعِّد قاعدة عامة تقول أنهم: كلما أهرقوا دماً كلما ازدادوا من الله بعداً.
وعبد الله بن سلام ﵁ كان من أحبار اليهود (١) وسادتهم (٢) قبل إسلامه، فقد أنزل الله فيه: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ (٣) وثبت أن النبي ﷺ شهد له بأنه سيموت وهو متمسك بالعروة الوثقى (٤).
فأقواله ومواقفه لها أهمية منبثقة من هاتين الشهادتين له، إذ هو محافظ على بصيرته الناقدة ومقاييسه الإسلامية في ظروف الفتنة التي عصفت بالكثيرين، ومن هنا فسر بعضهم أنه المقصود بقوله تعالى: ﴿وَمَن عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (٥) أي: التوراة، قال مجاهد: "هو
стр. 251
عبد الله بن سلام" (١).
وبما أن أخباره هذه تتضمن أموراً غيبية، فإنّ ذلك يزيد التوثق من أن لها مصدراً موثوقاً عنده وإلا لما حدَّث بها.
ومما ثبت عنه في ذلك أنه خرج يوماً على قتلة عثمان ﵁ ونهاهم عن قتله، وأخبرهم أنه لم يبق من أجله إلا القليل، وقال لهم: "اتركوا هذا الرجل أربعين ليلة، فوالله لئن تركتموه فليموتن إليها، فأبوا، ثم خرج عليهم بعد ذلك بأيام، فقال: اتركوه خمس عشرة ليلة، فوالله لئن تركتموه ليموتن إليها" (٢).
وأقسم لهم بأنهم إن قتلوه فلا يصلون جميعاً أبداً (٣) ووقع فعلاً ما قاله ابن سلام ﵁، من حيث تفرق قلوب القوم، حتى إن الحسن البصري يقول: فوالله إن صلى القوم جميعاً إن قلوبهم لمختلفة (٤).
стр. 252
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "لم تحدث في خلافة عثمان بدعة ظاهرة، فلما قُتل وتفرق الناس حدثت بدعتان متقابلتان: بدعة الخوارج المفترين لعلي، وبدعة الرافضة المدعين لإمامته وعصمته، أو نبوته وإلاهيته" (١).
كما حذر ابن سلام ﵁: من ذهاب الملائكة على إثر قتله، تلك الملائكة التي أحاطت بالمدينة منذ قدمها النبي ﷺ ، وأن ذهابهم هذا أبدياً فلن يعودوا بعد ذهابهم أبداً (٢) ولم تبين الرواية أي الملائكة المقصودين بقوله، أهم ملائكة مخصوصون أم ماذا؟ فإنَّ الملائكة الذين يكتبون الحسنات وكذلك الذين يكتبون السيئات لن يذهبوا، إلا بخروج روح صاحب الجسد.
وأيضاً فإن النبي ﷺ أخبر أن الملائكة تحيط بالمدينة آخر الزمان حينما يحاول الدجال اقتحام المدينة، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال" وعن أبي بكرة عنه ﷺ : "لا يدخل المدينة رُعب المسيح الدجال ولها يومئذ
стр. 253
سبعة أبواب على كل باب ملكان" (١) والأثر إذا عارض الحديث، فإن الحديث يقدم عليه.
وحذرهم أيضاً من انسلال سيف الله عليهم، فلا يُغمد أبداً أو: إلى يوم القيامة وقد كان مغموداً عنهم، وأخبرهم أيضاً بأنه لم يقتل نبي قط إلا قتل به سبعون ألفاً، ولا خليفة إلا قتل به خمسة وثلاثون ألفاً قبل أن يجتمع الناس، وذكر لهم أنه قُتل على دم يحيى بن زكريا سبعون ألفاً.
وهذا التفصيل منه ﵁ يؤكد لنا أنه لا يتحدث بذلك تخرصاً، ولا تفرساً، بل بعلم راسخ وأكيد.
стр. 254
المبحث الثاني: نقد بعض كتابات المعاصرين عن الفتنة
بعد أن وفقني الله إلى جمع ودراسة أسانيد ومتون روايات الفتنة، وعرضها عرضاً تاريخياً، تكشّفت لي حقائق قد اشتهر ضدها، وانتشر في بطون كتب كثيرة؛ تناولت الحديث عن الفتنة من الكُتَّاب المعاصرين.
لذا رأيت أن أكشف في هذا الفصل عن بعض هذه الأخطاء التي وقع فيها بعض هؤلاء المعاصرين، واخترت كتاب كاتب يُعد من أبرزهم من حيث الشهرة، وتأثر الناس بأفكاره، وهو عباس محمود العقاد.
فقد ألف العقاد كتاباً أسماه: "ذو النورين عثمان بن عفان"، وطبع الكتاب عدة طبعات، وكان له رواج كبير بين بعض مثقفي العصر، ومدرسي التاريخ الإسلامي في المعاقل التعليمية في العالم، لما لمؤلفه من شهرة عالمية.
ومن طريق هؤلاء المدرسين، وغيرهم انتشرت أفكار المؤلف المبثوثة في الكتاب بين أبناء العالم الإسلامي، فالكتاب مرجع رئيس لدى كثير من أساتذة ومدرسي التاريخ الإسلامي في معاقل التعليم في العالم.
فقد أسهم الكتاب مساهمة فعالة قوية في تخييل صورة الفتنة في مجتمعنا المعاصر، فاستحق بذلك أن يُهتم به من حيث النقد والتصويب، لأن ذلك بمثابة تعديل لجزء كبير من صورة هذه الحادثة التاريخية في أذهان مثقفي عصرنا الحاضر.
стр. 255
والحق أن المؤلف أصاب في بعض المسائل التي وقع فيها كثير ممن كتب عن الفتنة؛ فنجده يعتدل إلى حد كبير في أكثر المسائل المتعلقة بشخصية عثمان ﵁، مع وجود ملحوظات شذ فيها عن هذا الاعتدال سيأتي ذكرها.
وكاد أن يُصيب في تفسير الفتنة، وألمح إلى الرد على بعض التفسيرات الخاطئة للفتنة.
ووصف قتلة عثمان ﵁ بأوصاف تليق بقبحهم، وفي الوقت نفسه برّأ الصحابة من هذه الفعلة الشنيعة، كما برأهم من تهمة التحريض على عثمان ﵃، إلا أنه يقع أحياناً فيما يناقض ذلك، كما سيأتي:
وردَّ على التهم التي وُجهت إلى عثمان ﵁ بردود ضعيفة، ثم زل فنقض بعض هذه الردود كما سيأتي بيانه.
وأطال في الرد على من وصف شخصية عثمان ﵁ بالضعف، وكان ينتهز الفرص من الأحداث ليدفع هذه التهمة عن هذا الخليفة الراشد ﵁، وهذا من الإيجابيات التي في الكتاب.
وقد لاحظت على الكتاب أموراً تتعلق بمنهجه في التأليف، وأخرى تتعلق ببعض الحقائق التاريخية، وقد أعرضت عما لا علاقة له بالفتنة إلا في مسألة واحدة ذكرتها؛ لأنها تساعد على تصور روح المؤلف أثناء كتابته لهذا الكتاب.
فمن الأمور المنهجية ما يلي:
стр. 256
١ - عدم عزو المعلومات إلى مصادرها، وخلو الكتاب من الحواشي الموثقة للمعلومات التاريخية، فليس في الكتاب كله إلا ثلاث عشرة حاشية، اثنتا عشرة منها لتوضيح النص، وواحدة خرَّج فيها شعراً، بعزوه إلى الطبري، وابن الأثير، وذلك للإشارة إلى ما فيهما من اختلاف مع ما ذكره المؤلف في المتن، والعجيب أنه لم يذكر المصدر الذي اعتمده، فخالف ما في الطبري وابن الأثير (١).
وإهمال عزو الحقائق والمعلومات التاريخية إلى مصادرها داءٌ منتشر في جُلِّ الكتّاب المعاصرين، وهو خطأ ظاهر، فإنهم لم يشاهدوا الأحداث ليصفوها للقراء، ولم يبرزوا مصادرهم المعتمدة في هذا التصوير التاريخي، مما يضعف ثقة القارئ في كتاباتهم، كما أنه يتيح الفرصة لمن يريد أن يلفق أو يخترع معلومات ويلصقها بالتاريخ الإسلامي، أن يفعل ذلك.
٢ - عدم تحققه من صحة الروايات.
٣ - اعتماده عدداً من الروايات التي لم يبين صحتها من ضعفها، ولا نعرف المنهج الذي اعتمده في اختيارها دون غيرها.
٤ - يتوسع في تحليل بعض الروايات الضعيفة، ويبني عليها الصورة التاريخية، بينما يهمل روايات أخرى أكثر منها وأصح وأوثق.
٥ - لم يذكر المؤلف قائمة مصادره، لنتبين سبب اعتماده على بعض الروايات دون بعضها الآخر، وليعلم القارئ مواطن الضعف في الكتاب
стр. 257
ليتمه من المصادر الأخرى التي لم يعتمدها المؤلف، وليعلم مقدار استفادته منها، ومنهجه الذي سار عليه في اختيار الروايات.
٦ - إن روح الكتاب والصياغة فيها شيء من البعد عن الصبغة الإسلامية الشرعية، ومما لوحظ عليه من ذلك عدم افتتاحه بالبسملة والحمدلة، وهذه سمة يتصف بها العقاد فيما اطلعت عليه من كتبه (١) ولا شك أن انتهاج مثل ذلك يدل دلالة واضحة على مدى تدين صاحبه، ومدى التزامه بالعادات والتقاليد الإسلامية، ولعل سبب ذلك هو التقليد الأعمى للإفرنج الذين تتلمذ عليهم.
أما الأخطاء العلمية التي وقفت عليها في هذا الكتاب فهي كما يلي:
١ - لم يحقق المؤلف في مسألة الكتاب المزوَّر، واستعمل بعض العبارات المحتملة للتصديق والتكذيب، كقوله: "ثم بلغ الكتاب أجله، بقصة ذلك الكتاب الذي قيل أنهم وجدوه مع غلام لعثمان … " (٢).
والحق أنه كتاب مزوَّر على عثمان ﵁، فلم يكتبه ولم
стр. 258
يأمر بكتابته، ولم يعلم به، كما تقدم إيضاح ذلك.
٢ - وذكر أن الكتاب المزوَّر المنسوب إلى عثمان ﵁ أمراً منه بجلد عبد الرحمن بن عديس، وعمرو بن الحمق، وعروة البياع (١) وحبسهم وحلق رؤوسهم ولحاهم وصلب بعضهم (٢).
ولعله اعتمد في ذلك على رواية الواقدي التي رواها الطبري في تاريخه، ونصها:
"فإذا فيه، بسم الله الرحمن الرحيم؛ أما بعد، فإذا قدم عليك عبدالرحمن بن عديس فاجلده مائة جلدة، واحلق رأسه ولحيته، وأطل حبسه حتى يأتيك أمري، وعمرو بن الحمق فافعل به مثل ذلك، وسودان بن حمران مثل ذلك، وعروة النِّباع، مثل ذلك … " (٣).
والواقدي متروك فيكون الإسناد ضعيفاً جداً.
وتخالف رواية الواقدي هذه الرواية الأقوى والأصح منها في بعض النقاط، فإنَّ فيها: "أن يصلبهم أو يقتلهم أو يقطع أيديهم وأرجلهم" (٤).
فليس في الرواية الصحيحة تعيين الأشخاص المراد تعذيبهم، وليس فيها الجلد ولا الحبس ولا حلق الرؤوس واللحى.
стр. 259
وهذا الذي يبدو أنه الصحيح، فإنَّ مزوِّر الكتاب يبدو من براعته في التزوير أنه لا ينسب إلى عثمان ﵁ هذه الترهات، ولكنه التمس تضليل الناس بأن عثمان ﵁ رأى أن هؤلاء من المفسدين في الأرض، ويستحقون عقاب المفسدين في الأرض، وهو الذي ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١).
فهذا المفتري المزوِّر، يأمل أن تصدق كذبته التي قد يحكم بها عثمان ﵁ معتمداً على هذه الآية، أما إذا كانت بتلك الصورة فبعيد جداً أن يصدق نسبته إلى عثمان ﵁ أحدٌ من العقلاء، الذين يعرفون أن حدود التعزير في الإسلام لا تتجاوز نواهي الله جل وعلا، فليس للإمام أن يعزر بحلق اللحى، لأن حلقها معصية للرب، فقد تواترت الأدلة على تحريمه.
٣ - ويقول في آخر كتابه: "وإن وجبت كتابة السِّيَر، فأوجب ما
стр. 260
يوجبها أن تكشف جانب الخير أغوار النفس الإنسانية، لا قصيدة مديح كما يقال، بل تحية صدق تمتحن بالنار والنور بين ظلمات الشرور. وهذه السيرة الرابعة من سير الخلفاء الراشدين لا نسميها بالعبقرية كما سمينا عبقرية عمر وعبقرية الإمام وعبقرية الصديق، لأننا نؤمن بالعبقرية لعثمان ﵁، ونؤمن في الحق أنه ذو النورين: نور اليقين ونور الأريحية والخلق الأمين. ومن أبى عليه ميزانه أن يحابي في كلمة تستدعيها المُجاراة لما سبقها من الكلمات ينظم قصائد المديح في محراب التاريخ، فحسب النفس البشرية أملاً أنها غنية بالحق عن قصائد المديح في هذا المحراب … " انتهى كلامه وأنهى الكتاب بهذه العبارة (١).
ولي عليه في هذه العبارة عدة ملاحظات منها:
أ- تسميته علياً ﵁ بالإمام دون ذكر اسمه، وذلك مجاراة للرافضة.
ب- رفضه أن يسمي كتابه بالعبقرية وتسويغه ذلك بمسوغ مرفوض، مع تحفظي على هذه الكلمة، والطريقة التي تناول بها تلك الشخصيات والمدرسة التي أنتجها من هذه الدراسات عن طريق العبقرية …
ج- تأخيره كتابة سيرة عثمان ﵁ لتكون الرابعة، وتقديم سيرة علي بن أبي طالب ﵁ عليها، إذا قرن بتسمية علي ﵁ بالإمام، هو غلط ظاهر ومحل نظر، واستفهام.
стр. 261
الخاتمة
الحمد لله الذي بحمده تتم الصالحات، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء؛ نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد: فإنَّ أهمَّ النتائج التي ظهرت لي من خلال هذا البحث هي:
١ - أنه قد صح عن رسول الله ﷺ إخباره بوقوع فتنة يُقتل فيها عثمان ﵁، وأنه دعا الناس إلى أن يكونوا معه عند اشتعالها، وأنه حدد زمن وقوعها، وأن عثمان وأصحابه على الحق والهدى فيها.
٢ - أنه أشار إلى عظم هذه الفتنة، حتى قرنها بموته ﷺ ، وبفتنة الدجال، وأن من نجا منها فقد نجا، وأنه سيستشهد فيها عثمان ﵁ وهو على الحق صابراً على القتل معطياً له، شهيداً، ينتقل بعد شهادته هذه إلى جنة الخلد.
٣ - أنه أخبر عثمان ﵁ بوقوع هذه الفتنة، وأنه سيطلب منه خلع الخلافة، وأمره بأن لا يفعل.
٤ - أن النبي ﷺ بين عظم هذه الفتنة، وأن من نجا منها فقد نجا، وأن ذلك يشمل من عاصرها ومن لم يعاصرها، ونجاة من لم يعاصرها تكون بعدم الخوض فيها بالباطل.
٥ - أن ما تناقلته المصادر من معايب ألصقت بعثمان ﵁ منها: ما صح صدوره من الخارجين عليه، ومنها: ما لم يصح، ومنها: ما اشتهر ولم أقف على إسناد له.
وأن هذه المعايب بأقسامها الثلاثة، إنما هي في الحقيقة إما مناقب له،
стр. 262
وإما مفتراة عليه، وإما اجتهاد منه مأجور عليه.
٦ - أن شخصية ابن سبأ شخصية حقيقية دلت على وجودها الروايات الصحيحة، ولم تنفرد بإثباتها روايات سيف بن عمر التميمي، بل رواها غيره بأسانيد صحيحة وضعيفة.
٧ - وجوب الحذر عند الحديث عن مواقف عثمان ﵁ في الفتنة؛ لأن النبي ﷺ أرشده إلى مواقف يقفها عند حدوث هذه الفتنة لم يصلنا منها إلا اليسير.
٨ - أن عقيدة السلف في الصحابة هي: عدم الخوض فيما شجر بينهم، إلا عند ظهور مبتدع يقدح بالباطل، فيجب عندئذ الدفاع عنهم بالحق والعدل.
٩ - أن الله لا يرضى عن أحد من خلقه إلا وهو يعلم -سبحانه- أنه سيوافيه على مرضاته، وبما أن الصحابة قد ﵃، فإن خاتمتهم حتماً ستكون على خير، وهذا ما وقع فعلاً.
١٠ - أن عثمان ﵁ بذل ما بوسعه في سبيل إخماد الفتنة منذ قدوم أهل الأمصار، وإلى فتحه الباب ودخول القاتل عليه وقتله له.
١١ - أن الصحابة رضوان الله عليهم بذلوا ما في وسعهم للدفاع عن عثمان يوم الدار، إلا أنه منعهم بل شدد في منعهم من ذلك، فحال بينهم، وبين ما يريدون من الدفاع عنه، وبما أنه أميرهم وتجب عليهم طاعته نفذوا أمره ولم يقاتلوا الخارجين عليه، بعد يأسهم من سماحه لهم بالدفاع.
стр. 263
١٢ - أن من أسباب رفض عثمان القتال:
أ- علمه بأن هذه الفتنة ستنتهي بقتله لإخبار النبي ﷺ له بذلك.
ب- عدم رغبته بأن يكون أول من خلف رسول الله ﷺ في أمته بسفك الدماء.
ج- علمه بأن البغاة لا يريدون غيره، فكره أن يتوقَّى بالمؤمنين، وأحب أن يقيهم بنفسه.
د- عملاً بمشورة عبد الله بن سلام ﵁ له بالكف عن القتال.
١٣ - أنه لم يقع يوم الدار قتال عنيف، بل وقع اشتباك خفيف أدى إلى جرح الحسن بن علي ﵄ وحمله من الدار على إثر هذا الجرح.
١٤ - أن عثمان ﵁ رأى في النوم -في آخر يوم من أيامه- النبي ﷺ ومعه أبا بكر وعمر ﵄ يقول له: يا عثمان أفطر عندنا، فأصبح صائماً، وأخرج من كان معه في الدار ممن كانوا يريدون الدفاع عنه، ثم وضع المصحف بين يديه، وأمر بفتح الباب، وأخذ يقرأ القرآن، فدخل عليه رجل أسود من أهل مصر يلقب بجبلة-لسواد بشرته- ولا يستبعد أن يكون هو عبد الله بن سبأ اليهودي؛ فقتله.
١٥ - أنه لم يشترك في التحريض على عثمان ﵁ فضلاً عن قتله أحد من الصحابة ﵃؛ وأن كل ما رُوي في ذلك ضعيف الإسناد.
стр. 264
١٦ - أن محمد بن أبي بكر لم يشترك في التحريض على قتل عثمان ﵁؛ ولا في قتله، وكل ما روي في اتهامه بذلك باطل لا صحة له.
١٧ - أن قتله كان في صبيحة يوم الجمعة، الموافق لأوسط أيام التشريق؛ (الثاني عشر) من شهر ذي الحجة من السنة الخامسة والثلاثين بعد الهجرة.
١٨ - أن سِنَّه عند قتله كانت: اثنتين وثمانين سنة على الراجح.
١٩ - أنه قد ترتب على قتله ﵁ فتن ومحن كثيرة، لا زالت الأمة الإسلامية تعاني منها إلى اليوم.
٢٠ - أنه لا يوثق بمعظم كتابات المعاصرين عن فتنة مقتل عثمان ﵁، لعدم تحري مصنفيها الروايات الصحيحة، في بناء الصورة التاريخية للفتنة، واعتمادها -في الغالب- على الروايات الواهية التي يرويها الضعفة أو الرافضة؛ ولعدم عزوهم المعلومات إلى مصادرها.
٢١ - أن روايات محمد بن عمر الواقدي عن فتنة مقتل عثمان ﵁ فيها دس كثير، وتخالف الروايات الصحيحة -في أكثر الحقائق- وأنها تعكس صورة مشوهة عن الفتنة، وتبرز مواقف غير صحيحة للصحابة، وتظهر فيها ملامح التشيع.
٢٢ - أن روايات سيف بن عمر التميمي عن فتنة مقتل عثمان ﵁، عبارة عن مجموعة روايات مسندة يحذف سيف أسانيدها، ثم يرويها من طريق عدد من شيوخه يصلون -أحياناً- إلى أربعة شيوخ،
стр. 265
وأن روايات سيف هذه لا تخلو من القدح في بعض الصحابة واتهامهم بما هم منه براء، وتعتدل أحياناً فتظهر الصورة الصحيحة لمواقفهم.
٢٣ - أن في الخروج على إمام المسلمين مضاراً كثيرة ويترتب عليه مفاسد كثيرة، فهؤلاء الخارجون على عثمان ﵁ أظهروا أنهم يريدون الإصلاح، وتجنيب المسلمين مفاسد ادعوا أنها ظهرت في خلافته ﵁ وها نحن نقف اليوم على ما أظهروه، وما فعلوه، وما ادعوا أنهم يهدفون إليه، فما الذي تحقق من تلكم الأهداف المزعومة؟ وماذا حصل للمجتمع الإسلامي في تلك الفترة من فتح باب الشر والفتن؟ فما الذي جناه المسلمون من خروجهم ذاك؟ ثم ماذا ترتب عليه من سلبيات على الإسلام بعامة إلى عصرنا هذا؟ فليعتبر أولو الأفئدة والأبصار، ولعلهم يعقلون.
إنهم شرذمة قليلون، حاقدون ناقمون، موترون، تتكرر صور لهم في كل زمان، فتعاد الصورة، ويخرجون على ولاة الأمر لأغراض شخصية، وحقد شخصي، وحسد أعمى بعاطفة هوجاء، جنَّب الله المسلمين شرور من يدمرون الإسلام لتحقيق مصالح شخصية.
ولو حصل في زمن من الأزمان أن وقع ولي الأمر في بعض الأخطاء، كما ادعى أولئك الخارجون على عثمان ﵁ فإنه لا يجوز الخروج عليه شرعاً، وفي الخروج عليه مفاسد مترتبة، أشد وأرجح من تلك المفاسد المزعومة.
ورحم الله علماء السلف الذين هم على الأثر، لازمين غرس
стр. 266
المصطفى ﵊ حيث يقول: "اسمعوا وأطيعوا ولو تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة"، ويقول: "أطع الإمام وإن أخذ مالك وجلد ظهرك".
فرحمهم الله حيث يقولون: "ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر، … ".
فهؤلاء العلماء الأجلاء من أئمة السلف حذروا ومنعوا من الخروج على الإمام وإن جار، فكيف بالخروج عليه لمخالفته في مسائل اجتهادية هو فيها على الصواب، وهي مجال اجتهاد، للمجتهد المخطئ فيها نصيب من الأجر.
لقد حذر الإسلام من الخروج على الإمام لما في الخروج عليه من فتن ومحن وإحن وقاصمة له، ولما فيه من عودة بالإسلام والمسلمين إلى الوراء أعواماً عديدة، وتضييع لجهود بذلت في سبيله كثيرة.
وأمروا ﵏ بلزوم الجماعة وعدم شق العصا من الطاعة، والموالاة لولي الأمر والطاعة له فيما ليس فيه معصية، بل جعلوا ذلك من صميم المعتقد الصحيح، وقد نبه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في قاعدة جليلة بعنوان: "قاعدة جليلة في وجوب طاعة الله ورسوله وولاة الأمر" حشد فيها الآيات والأحاديث والآثار عن السلف الصالح في ذلك (١).
стр. 267
الملاحق
стр. 268
القسم الأول: الأحاديث المرفوعة الصحيحة
стр. 269
١ - قال البخاري: "حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا أبو أسامة، قال: حدثني عثمان بن غياث، حدثنا أبو عثمان النهدي، عن أبي موسى ﵁، قال: "كنت مع النبي ﷺ في حائط من حيطان المدينة، فجاء رجل فاستفتح، فقال النبي ﷺ : افتح له، وبشره بالجنة، ففتحت له فإذا هو أبوبكر، فبشرته بما قال رسول الله ﷺ ، فحمد الله. ثم جاء رجل فاستفتح، فقال النبي ﷺ : افتح له وبشره بالجنة، ففتحت له فإذا هو عمر، فأخبرته بما قال النبي ﷺ فحمد الله. ثم استفتح رجل، فقال لي: افتح له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، فإذا عثمان، فأخبرته بما قال رسول الله ﷺ ، فحمد الله، ثم قال: الله المستعان) " (١).
وأخرجه مسلم (٢) وأحمد (٣) والترمذي (٤) وأبو نعيم (٥) والبغوي (٦) وابن
стр. 270
الأثير (١) وابن عساكر (٢): كلهم من طريق: أبي عثمان النهديّ، عن أبي موسى به.
ورواه أيضاً البخاري (٣) ومسلم (٤) وابن عساكر (٥): كلهم من طريق: سعيد بن المسيب، عن أبي موسى به.
ورواه من وجه آخر عن أبي موسى أبو نعيم (٦) وابن عساكر (٧).
وروى الحديث غير أبي موسى من الصحابة ﵃: زيد بن أرقم (٨) وزيد بن ثابت (٩) وعبد الله بن عمرو (١٠) وأبو هريرة (١١) وأنس بن مالك (١٢). فقد يبلغ الحديث حد التواتر.
стр. 271
٢ - قال البخاري: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن سعيد، عن قتادة، أن أنساً ﵁ حدثهم، قال: "صعد النبي ﷺ أحداً ومعه أبوبكر وعمر وعثمان، فَرَجَف، فقال: اسكن أحد -أظنه ضربه برجله- فليس عليك إلا نبيّ وصدّيق وشهيدان" (١).
وأخرجه أيضاً عن بشار بن يحيى بن سعيد به، وليس فيها (فضربه برجله) (٢).
ومن طريق يزيد بن زريع وكهمس بن المنهال، كلاهما عن سعيد به مثله (٣).
وأخرجه أحمد (٤) عن يحيى بن سعيد عن شعبة عن قتادة به، وليس فيه (أحد) الثانية.
ورواه الترمذي (٥) وأبو داود (٦) والنسائي (٧) والبغوي (٨) وابن
стр. 272
الأثير (١) كلهم من طريق قتادة عن أنس ﵁.
ورواه غير أنس عن النبي ﷺ من الصحابة: سهل بن سعد الساعدي (٢).
٣ - وقال مسلم: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز (يعني ابن محمد)، عن سهيل عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ كان على حراء، وأبوبكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، فتحركت الصخرة، فقال رسول الله ﷺ : "اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد" (٣).
ورواه الترمذي (٤) والنسائي (٥) وأحمد (٦).
стр. 273
٤ - قال أحمد: ثنا يحيى بن إسحاق (١) أخبرني يحيى بن أيوب (٢) قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب (٣) عن ربيعة بن لقيط (٤) عن عبد الله بن حوالة (٥) أن رسول الله ﷺ قال: "من نجا من ثلاث فقد نجا، ثلاث مرات، موتي، والدجال، وقتل خليفة مصطبر بالحق معطيه" (٦).
إسناده حسن: يحيى بن إسحاق، ويحيى بن أيوب، كلاهما صدوق، وقد تابعهما حجاج وليث، لكن ربيعة لم يوثقه غير العجلي وابن حبان.
ولا يضره ذلك فإن الحافظ ابن حجر يوثق من هو في حاله، فلا
стр. 274
ينزل حديثه عن درجة الحسن إن لم يصل إلى الصحة.
وأخرج مثله، ابن عساكر (١) من طريق ابن لهيعة عن يزيد به.
وروى نحوه أحمد (٢) عن حجاج (٣) ثنا ليث (٤) حدثني يزيد بن أبي حبيب به وفيه "قالوا: ماذا يا رسول الله؟ قال: موتي، وقتل خليفة مصطبر بالحق معطيه، والدجال" فأخرّ الدجال.
وأخرجه ابن عساكر (٥) من طريق عيسى بن حماد، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، بمثل حديث حجاج.
٥ - قال أحمد: "حدثنا أسود بن عامر (٦) حدثنا سنان بن هارون (٧) عن كليب بن
стр. 275
وائل (١) عن ابن عمر قال: ذكر رسول الله ﷺ فتنة، فمرّ رجل، فقال: يقتل فيها هذا المقنع يومئذ، قال: فنظرت فإذا هو: "عثمان بن عفان" (٢).
إسناده حسن: رجاله ثقات إلا سناناً فإنه صدوق، وقد صحح إسناده الحافظ ابن حجر (٣) وأحمد شاكر (٤).
ورواه الترمذي (٥) من طريق شاذان (٦) عن الأسود بن عامر … به نحوه، وفيه (مظلوماً) بدل (المقنع).
وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ابن عمر".
روى أبو نعيم (٧) بإسناده إلى الشافعي قال: "ما صح في الفتنة حديث عن النبي ﵊، إلا حديث عثمان بن عفان: أنه مر بالنبي ﷺ فقال: هذا يومئذ على الحق".
стр. 276
٦ - قال ابن ماجه: "حدثنا علي بن محمد (١) ثنا عبد الله بن إدريس (٢) عن هشام بن
حسان (٣) عن محمد بن سيرين (٤) عن كعب بن عجرة (٥) قال: "ذكر رسول الله ﷺ فتنة فقربها، فمر رجل مقنّع رأسه فقال رسول الله ﷺ : "هذا يومئذ على الهدى"، فوثبت فأخذت بضبعي عثمان، ثم استقبلت رسول الله ﷺ فقلت: هذا؟ قال: "هذا" (٦). إسناده حسن لغيره.
قال البوصيري: "هذا إسناد منقطع، قال أبو حاتم: محمد بن سيرين لم يسمع من كعب بن عجرة ورجال الإسناد ثقات، رواه الإمام أحمد في
стр. 277
مسنده من حديث (كعب بن عجرة)، ورواه أبوبكر بن أبي شيبة في مسنده عن إسماعيل بن علية عن هشام به، ورواه أحمد بن منيع في مسنده ثنا يزيد بن هارون، ثنا هشام بن حسان؛ فذكره بزيادة، ورواه أبو يعلى الموصلي في مسنده ثنا هدبة، ثنا همام، ثنا قتادة، عن محمد بن سيرين به" (١).
ونص كلام أبي حاتم في ذلك هو: "ابن سيرين عن كعب بن عجرة: مرسل" (٢).
ورواية الإمام أحمد له من طريق مطر الوراق عن ابن سيرين به، وفيها (الحق) بدل (الهدى) (٣).
وأيضاً عن يزيد عن هشام به نحوه (٤).
فهو ضعيف لانقطاعه كما بيّن البوصيري، ولكنه سيأتي من حديث غير كعب بن عجرة، كما تقويه الرواية السابقة.
وقد صححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، وأحال على المشكاة، وفي المشكاة حديث كعب بن مرة الآتي.
وجعل التبريزي الحديثين حديثاً واحداً ولم ينبه الألباني على ذلك.
стр. 278
٧ - قال أحمد: "حدثنا بهز (١) وعبد الصمد (٢) قالا: ثنا أبو هلال (٣) عن قتادة (٤) عن عبد الله بن شقيق (٥) عن مرة البهزي (٦) قال: كنت عند رسول الله ﷺ وقال بهز في حديثه قال: قال رسول الله ﷺ : "تهيج فتنة كالصياصي، فهذا ومن معه على الحق، قال: فذهبت فأخذت بمجامع ثوبه، فإذا هو عثمان بن عفان ﵁" (٧).
إسناده حسن لغيره: بالروايتين: السابقة واللاحقة.
стр. 279
ورواه ابن عدي (١) من طريق طالوت بن عباد، عن أبي هلال به نحوه، وفيه: "فمر بنا رجل مقنع فقال: هذا … "؛ وإسناده ضعيف: بأبي هلال (٢).
ورواه أحمد من وجه آخر، قال (٣): حدثنا أبو أسامة حماد بن أسامة عن كهمس بن الحسن، عن عبد الله بن شقيق عن هرم بن الحارث وأسامة بن خريم، عن مرة البهزي به، نحوه، وفيه: "قال: عليكم هذا وأصحابه، واتبعوا هذا وأصحابه"؛ وإسناده ضعيف أيضا: لجهالة شيخي عبد الله بن شقيق (٤).
ورواه ابن أبي عاصم عن ابن أبي شيبة عن أبي أسامة به مثله (٥).
وعبد الله بن شقيق لم يوصف بالتدليس لا في التقريب ولا في تعريف أهل التقديس، ولا في التبيين لأسماء المدلسين.
وروى نحوه الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن حوالة ﵁ (٦).
стр. 280
وقال المباركفوري: "أخرجه أحمد (١) والطبراني ورجالهما رجال الصحيح ".
٨ - قال أحمد: "ثنا محمد بن بكر يعني البرساني (٢) أنا وهيب بن خالد (٣) ثنا أيوب (٤) عن أبي قلابة (٥) عن أبي الأشعث (٦) قال: قامت خطباء بإيلياء في إمارة معاوية رضي الله تعالى عنه فتكلموا، وكان آخر من تكلم مرّة بن كعب (٧) فقال: لولا حديث سمعته من رسول الله ﷺ ما قمت، سمعت رسول الله ﷺ يذكر فتنة فقربها فمرّ رجل مقنع، فقال:
стр. 281
"هذا يومئذ وأصحابه على الحق والهدى، فقلت: هذا يا رسول الله؟ وأقبلت بوجهه إليه، فقال: "هذا" فإذا هو عثمان ﵁" (١).
إسناده حسن: رجاله رجال الشيخين إلا أبا الأشعث، فلم يخرج له البخاري، وهو ثقة، ومحمد بن بكر: صدوق قد يخطئ.
ورواه أيضاً عن إسماعيل بن إبراهيم (٢) عن أيوب عن أبي قلابة به نحوه، بإسقاط أبي الأشعث. ودون لفظة: "الحق".
ورواه الترمذي (٣) ومن طريقه ابن الأثير (٤) من رواية عبد الوهاب الثقفي عن أيوب به نحوه، دون لفظة "الحق".
ورواه البغوي (٥) من طريق عفان عن وهيب به نحوه، دون لفظة "الحق".
ورواه الإمام أحمد (٦) من طريق جبير بن نفير، عن كعب بن مرة ﵁ به نحوه، وفي آخره "أن ابن حوالة الأزدي قام من عند المنبر فقال: إنك لصاحب هذا؟ قال: نعم. قال: والله إني لحاضر ذلك المجلس، ولو علمت أن لي في الجيش مصدِّقاً كنت أول من تكلم به".
стр. 282
٩ - قال أحمد: "حدثنا يزيد (١) أنبأنا العوام (٢) حدثني أبوإسحاق الشيباني (٣) عن القاسم بن عبد الرحمن (٤) عن أبيه (٥) عن عبد الله عن النبي ﷺ قال: "تدور رحى الإسلام على رأس خمس وثلاثين، أو ست وثلاثين، أو سبع وثلاثين، فإن هلكوا فسبيل من هلك، وإن بقوا يقم لهم دينهم سبعين سنة" (٦).
إسناده صحيح: فقد صحح إسناده أحمد شاكر وهو كما قال؛ فإن رجاله رجال الشيخين عدا القاسم فإنه من رجال البخاري فقط.
وجاء الحديث من وجه آخر عن عبد الله بن مسعود ﵁ رواه أحمد (٧) وأبو داود (٨) ويعقوب بن سفيان (٩) والبغوي (١٠)
стр. 283
والحاكم (١) وابن عدي (٢).
كلهم من طريق منصور بن المعتمر، عن ربعي عن البراء بن ناحية الكاهلي، عن ابن مسعود به نحوه، وألفاظهم متقاربة، وهذا الإسناد ضعيف، لانقطاعه بين البراء وابن مسعود، فقد قال البخاري في ترجمة البراء: "قال ابن أبي شيبة عن قبيصة هو المحاربي، وقال ابن عيينة: الكاهلي عن ابن مسعود، ولم يذكر سماعاً من ابن مسعود (٣) ".
ومع وجود هذه العلة، فقد صححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
وقال الألباني: "وهو كما قالا" (٤) وصححه أيضاً أبو الطيب آبادي وأحمد شاكر، ونفى قدح هذه العلة في هذا الإسناد.
وذكر له الألباني طريقاً أخرى إلى ابن مسعود، من طريق الشعبي عن مسروق عنه، وعزاها إلى الطبراني والطحاوي (٥)
стр. 284
١٠ - وقال أحمد أيضاً: "ثنا عفان (١) ثنا وهيب (٢) ثنا موسى بن عقبة (٣) قال: حدثني جدِّي أبوأمي أبوحبيبة أنه دخل الدار وعثمان محصور فيها، وأنه سمع أبا هريرة يستأذن عثمان في الكلام، فأذن له، فقام فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنكم تلقون بعدي فتنة واختلافاً، أو قال: اختلافاً وفتنة، فقال له قائل من الناس: فمن لنا يا رسول الله؟ عليكم بالأمين وأصحابه، وهو يشير إلى عثمان بذلك" (٤).
إسناده حسن: قال أحمد شاكر: "إسناده صحيح"؛ والذي يظهر لي أنه لا يصل إلى الصحة لما في أبي حبيبة من اختلاف، فقد ضعفه ابن معين ووثقه العجلي، وسكت عنه البخاري وابن أبي حاتم (٥) فحديثه لا يرقى إلى درجة الصحيح، والله أعلم.
стр. 285
ورواه ابن عساكر من طريق مصعب بن عبد الله بن مصعب عن أبيه؛ والإسناد من مصعب حسن لذاته، صحيح لغيره.
١١ - وقال أحمد: "ثنا يحيى (١) عن إسماعيل (٢) قال: ثنا قيس (٣) عن أبي سهلة (٤) عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "ادعوا لي بعض أصحابي، فقلت: أبوبكر، قال: لا، قلت: عمر، قال: لا، قلت: ابن عمك علي؟ قال: لا، قالت: قلت: عثمان، قال: نعم، فلما جاء عثمان قال: تنحى (٥) فجعل يساره، ولون عثمان يتغير، فلما كان يوم الدار وحصر فيها، قلنا (٦): يا أمير المؤمنين: ألا تقاتل؟ قال: لا، إن رسول الله ﷺ عهد إلي عهداً وإني صابر نفسي عليه" (٧).
إسناده صحيح: رجاله رجال الشيخين إلا أبا سهلة وهو ثقة.