← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12048

فقه الأدعية والأذكار

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

Полный текст (885 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ووصف الله القرآن بأنَّه أحسنُ الحديث، وأنَّه تعالى ثنى فيه من الآيات وردّد القول فيه ليفهم، وأنَّ جلود الأبرار عند سماعه تقشعرّ خشيةً وخوفاً فقال تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ، ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ١. وعاتب سبحانه المؤمنين على عدم خشوعهم عند سماع القرآن، وحذّرهم من مشابهة الكفّار في ذلك، فقال سبحانه: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلّذِينّ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ٢، وأخبر سبحانه عن القرآن أنَّه يزيد المؤمنين إيمانًا إذا قرأوه وتدبّروا آياته فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ٣. وأخبر عن صالح أهل الكتاب أنَّ القرآن إذا تلي عليهم يخرّون للأذقان سُجَّداً يبكون ويزيدهم خشوعاً وإيماناً وتسليماً، فقال سبحانه: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً، وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً، وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ ٤.

стр. 72

وأخبر سبحانه بأنَّه لو أنزل القرآن الكريم على جبل لخشع وتصدّع من خشية الله ، وجعل هذا مثلاً للنّاس يبيِّن لهم عظمة القرآن وقوّة أثره فقال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا القُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١. ثم مع هذا فإنَّ الله تعالى قد حذّر عباده من الإعراض عن القرآن الكريم أشدَّ التحذير، وبيّن لهم خطورة ذلك، وما يجنيه مَن فَعلَ ذلك من الإثم والوزر الذي يحمله معه يوم القيامة بسبب إعراضه عن القرآن وعدم تلقّيه بالقبول والتسليم، يقول الله تعالى: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً، مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيَامَةِ وِزْراً، خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ ِحْملاً﴾ ٢، فإذا كان القرآن ذكرًا للرسول الله ﷺ ولأمّته، فيجب تلقّيه بالقبول والتسليم والانقياد والتعظيم، وأن يُهتدى بنوره إلى الصراط المستقيم، وأن يُقبل عليه بالتعلّم والتعليم، وأما مقابلته بالإعراض والصدود، أو بما هو [أخطر] من ذلك من الإنكار والجحود، فإنَّه كفرُ لهذه النعمة يستحق فاعله العقوبة. ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيَامَةِ وِزْراً﴾ ٣، وقوله في الآية: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً﴾ فيه وصف للقرآن الكريم بأنَّه ذكر، وقد مرّ معنا آيات كثيرة في هذا المعنى، وهذا يعني أنَّ القرآن

стр. 73

الكريم فيه ذكر للأخبار السابقة واللاَّحقة، وذِكرٌ يُتَذكّرُ به ما لله تعالى من الأسماء والصفات الكاملة، ويتذكّر به أحكام الأمر والنهي وأحكام الجزاء، وهذا أيضا ممّا يدلّ على أنَّ القرآن مشتملٌ على أحسن ما يكون من الأحكام التي تشهد العقول والفطر بحسنها وكمالها. إنَّ كتاباً هذا بعض شأنه لحريٌّ بكل مسلم أن يعظّمه ويقدره حق قدره، ويتلوه حق تلاوته بتدبر آياته والتفكر والتعقل لمعانيه، وبالعمل بما يقتضيه، وكما يقول العلاّمة ابن القيِّم ﵀: "فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبّر والتفكّر فإنَّه جامعٌ لجميع منازل السائرين وأحوال العاملين ومقامات العارفين، وهو الذي يورث المحبة والشوق والخوف والرجاء والإنابة والتوكل والرضا والتفويض والشكر والصبر وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله، وكذلك يزجر عن جميع الصفات والأفعال المذمومة التي بها فساد القلب وهلاكه. فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبّر لاشتغلوا بها عن كلِّ ما سواها، فإذا قرأه بتفكر حتى مرّ بآيةٍ وهو محتاجٌ إليها في شفاء قلبه كرّرها ولو مائة مرّة ولو ليلة، فقراءة آيةٍ بتفكّرٍ وتفهّمٍ خيرٌ من قراءة ختمةٍ بغير تدبّر وتفهُّم، وأنفع للقلب وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن"١. اهـ كلامه ﵀. وهو كما ترى واف الدلالة عظيم الفائدة، ومن كان في قراءته للقرآن على هذا الوصف أثّر فيه القرآن غاية التأثير وانتفع بتلاوته تمام الانتفاع، وكان بذلك من أهل العلم والإيمان الراسخين، وهذا هو

стр. 74

مقصود القرآن وغاية مطلوبه، ولذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والمطلوب من القرآن هو فهم معانيه والعمل به، فإنَّه إن لم تكن هذه همّة حافظه لم يكن من أهل العلم والدين"١. اللهم وَفِّقنا لتحقيق ذلك على الوجه الذي يُرضيك عنّا يا ذا الجلال والإكرام.

стр. 75

١٣/ آدابُ حملة القرآن لقد مرّ معنا بيان فضل القرآن الكريم، كلام ربّ العالمين وعظم شأن تلاوته وتدبّره، وما يترتّب على ذلك من أجورٍ عظيمةٍ وأفضالٍ كريمةٍ وخيراتٍ عميمةٍ في الدنيا والآخرة، وسيكون الحديثُ هنا بإذن الله عن أخلاق حملة القرآن التي ينبغي أن يتحلوا بها، وآداب وصفات أهله التي ينبغي أن يتأدّبوا بها، ولا ريب في شرف هذا الموضوع وعظم شأنه وحاجتنا دائماً إلى تذاكره ومدارسته. وقد كان أهلُ العلم وأئمّة الفضل والخير يولون هذا الموضوع عنايةً خاصةً ويعتنون به عنايةً فائقةً، إذ به تأتي ثمرة القرآن، وينال ما يترتّب عليه من أجورٍ عظيمةٍ وثوابٍ وإحسانٍ، وبدون هذه الآداب لا ينال التالي الثمرة المرجوة، ولا يحصل الخير العظيم والثواب الجزيل المأمول، بل ربَّما كان القرآن حجّةً عليه، وخصيماً له يوم القيامة. فقد ثبت عن النبي ﷺ أنَّه قال: " إنَّ الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع آخرين". وثبت عنه ﷺ أنّه قال: "والقرآن حجّة لك أو عليك "، وكلاهما في صحيح مسلم١. فالقرآن حجَّةٌ لمن عمل به وتأدّب بآدابه، وأمّا من ضيّع حدوده وأهمل حقوقه، وفرّط في واجباته فإنَّ القرآن يكون حجّةً عليه يوم القيامة. ولهذا يقول قتادة ﵀: "لم يجالس هذا القرآن أحدٌ إلاّ قام

стр. 76

عنه بزيادة أو نقصان"١. أي: بزيادة في الإيمان والخير إن عمل به، أو نقصان من ذلك إن أهمله وضيّع حقوقه. لقد كتب أهلُ العلم في هذا الموضوع آدابِ وأخلاقِ حملة القرآن كتاباتٍ عظيمةً، وألّفوا في هذا الباب مؤلّفاتٍ قيِّمةً نافعةً، وهي عديدةٌ ومتنوِّعةٌ إلاَّ أنَّ من أحسنها وفاء بهذا الموضوع كتاب "أخلاق حملة القرآن" للإمام العلاّمة أبي بكر محمّد بن الحسين الآجري المتوفّى سنة (٣٦٠هـ) ، فهو كتابٌ عظيمُ القدر، جليل الفائدة، وحريٌّ بكل حافظ للقرآن الكريم بل بكل مسلم أن يقف عليه ويفيد منه. وقد تحدّث فيه مؤلّفه ﵀ قبل بيانه لآداب حملة القرآن عن فضل حملة القرآن، وفضل من تعلّم القرآن وعلّمه، وفضل الاجتماع في المسجد لدرس القرآن، وقصد ﵀ من البدء بهذه الأبواب الترغيب في تلاوة القرآن والعمل به والاجتماع لمدارسته، ثم شرع بعد ذلك في بيان آداب حملة القرآن مستدلاًّ على كل ما يقول بالنّصوص القرآنية والأحاديث النبويّة والآثار المرويّة عن سلف الأمّة. ولعلّنا نأتي هنا على جملةٍ طيِّبةٍ من هذه الآداب الكريمة والخلال العظيمة التي ينبغي أن يتحلّى بها أهل القرآن وحملته، بل ينبغي أن يتحلّى بها المسلمون جميعهم. فمن هذه الآداب٢: أن يتحلّى صاحب القرآن بتقوى الله في سرِّه وعلنه، ويقصد بعلمه وعمله وجه الله تعالى، ويريد بتلاوته

стр. 77

وحفظه القرب منه سبحانه. جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ أنَّه قال: "لقد أتى علينا حينٌ وما نرى أنَّ أحدًا يتعلّم القرآن يريد به إلاّ الله ، فلمّا كان هاهنا بأخرةٍ خشيتُ أنَّ رجالاً يتعلّمونه يريدون به النّاس وما عندهم فأريدوا اللهَ بقراءتكم وأعمالكم". ومن هذه الآداب: أن يتخلّق بأخلاق القرآن الشريفة، ويتأدّب بآدابه الكريمة، ويجعل القرآن ربيعًا لقلبه يعمر به ما خرِب من قلبه، ويصلح به ما فسد منه، يؤدّب نفسه بالقرآن ويصلح به حاله ويقوّي به إيمانه، يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ ١. فحاملُ القرآن يجعل القرآن دليله إلى كلِّ خير، ورائده إلى كلِّ خُلُقٍ حسنٍ جميلٍ، حافظًا لجميع جوارحه عمّا نهى الله عنه، إن مشى مشى بعلم، وإن قعد قعد بعلم، وإن تكلّم تكلّم بعلم، وإن شرب شرب بعلم، وإن أكل أكل بعلم، يتصفّح القرآن ويقرؤه ليؤدّب نفسه، وليهذّب به سلوكه، وليزيّن به عمله، وليقوِّيَ به إيمانه. لهذا أُنزل القرآن الكريم، ولم ينزل للقراءة والتّلاوة فقط بدون العلم والعمل، قال الفضيل ﵀: "إنّما أنزل القرآن ليعمل به فاتّخذ النّاس قراءته عملاً"٢.

стр. 78

ومعنى قولِه: لِيُعْمَلَ به: أي ليُحِلُّوا حلالَه ويحرِّموا حرامَه، فاتّخذ النّاس قراءته عملاً، أي لا يتدبّرونه ولا يعملون به. ومن هذه الآداب: أن تكون همّة من يقرأ القرآن ايقاع الفهم لما ألزمه الله من اتّباع ما أمر والانتهاء عمّا نهى، ليس همّته متى أختم السورة، وإنّما همّته متى أستغني بالله عن غيره، متى أكون من المتقين، متى أكون من المحسنين، متى أكون من الخاشعين، متى أكون من الصادقين، متى أعرف قدر النِّعم المتواترة، متى أشكر الله عليها، متى أتوب من الذنوب، متى أعقل عن الله الخطاب، متى أفقه ما أتلو، متى أكون بزجر القرآن متّعظًا، متى أكون بذكر الله عن ذكر غيره مشتغلاً، متى أُحبُّ ما أحبَّ وأُبغض ما أبغضَ، فهذه همّته عند تلاوة القرآن. يقول الإمام الحسن البصري ﵀ وهو من أجلّة التّابعين، يصف بعض قرّاء زمانه وهو بصدد بيان أهمّيّة تدبّر القرآن والتفقه فيه، يقول: "أما والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إنَّ أحدهم ليقول: لقد قرأت القرآن فما أسقطت منه حرفًا، وقد والله أسقطه كلّه، ما يرى له القرآن في خلق ولا عمل، حتى إنَّ أحدهم ليقول: إنّي لأقرأ السورة في نَفَس، والله ما هؤلاء بالقرّاء ولا العلماء ولا الحكماء ولا الورعة، متى كانت القرّاء مثل هذا، لا كثَّر الله في النّاس مثل هؤلاء"١.

стр. 79

هذه بعض آداب حملة القرآن ممّا أورده الآجريُّ ﵀ في كتابه المشار إليه، وقد أنهى ذكره لتلك الآداب بقوله: "فالمؤمن العاقل إذا تلا القرآن استعرض القرآن فكان كالمرآة يرى بها ما حسن من فعله وما قبح منه، فما حذّره مولاه حذره، وما خوّفه به من عقابه خافه، وما رغّبه فيه مولاه رغب فيه ورجاه، فمن كانت هذه صفته أو ما قارب هذه الصفة فقد تلاه حق تلاوته ورعاه حق رعايته، وكان له القرآنُ شاهدًا وشفيعًا وأنيسًا وحرزًا، ومن كان هذا وصفه نفع نفسه ونفع أهله، وعاد على والديه وعلى ولده كلُّ خير في الدنيا والآخرة"١. واللهَ المرجو أن يوفّقنا وإيّاكم لذلك ولكلِّ خير والله وحده المستعان.

стр. 80

١٤/ تفاضلُ سوَر القرآن، وفضل سورة الفاتحة مرّ معنا فيما سبق، بيانُ فضل القرآن الكريم، سُوَره وآياته وحروفه، وبيان شرفه وخيريته وعظيم قدره وفضله على سائر الكلام، إذ هو كلام الرب ﵎ ووحيه وتنزيله، ولعلّ من الحسن والحديثُ ماضٍ بنا في ذلك أنْ نشير إلى ما ورد من النّصوص في تفضيل بعض سُوَر القرآن الكريم وآياته، فإنَّ ذكر الله ﵎ بتلاوتها وتدبُّرها يترتّب عليه من الأجر والثواب ما لا يترتّب على غيرها لِعِظَم مدلولاتها وقوّة متعلّقها، فإنَّ القرآن الكريم وإنْ كان كلّه كلامَ الله إلاّ أنَّ الكلام نوعان: إمّا إنشاء وإمّا إخبار، والإخبار إمّا خبر عن الخالق وإمّا خبر عن المخلوق، فالإنشاء هو الأحكام كالأمر والنهي، والخبر عن المخلوق هو القصص، والخبر عن الخالق هو ذكر أسمائه وصفاته، وما من ريبٍ في أنَّ النصوص القرآنية المشتملة على توحيد الله والخبر عن أسمائه وصفاته أفضل من غيرها، كما قال أحد أهل العلم: كلام الله في الله أفضل من كلامه في غيره فـ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ ، أفضل من ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ ، وهذا التفاضل بين السُوَر والآيات ليس باعتبار نسبته إلى المتكلّم، فإنّ المتكلِّمَ به واحدٌ وهو الله سبحانه، ولكن باعتبار معانيه التي تكلّم بها وباعتبار ألفاظه المبيّنة لمعانيه، والنصوص والآثار في تفضيل كلام الله بعضه على بعض كثيرةً جدًّا. فقد صحّ عن النبي ﷺ أنَّه فضّل من السور سورة الفاتحة، وأخبر أنَّه لم يُنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلُها، وأخبر أنَّها أمّ القرآن.

стр. 81

روى الترمذي في سننه عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ خرج على أبيّ بن كعب فقال رسولُ الله ﷺ : "يا أُبيّ ـ وهو يصلي ـ فالتفت أُبَيٌّ فلم يجبه، وصلّى أُبيٌّ وخفّف، ثمّ انصرف إلى رسول الله ﷺ فقال: السلام عليك يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : "وعليك السلام، ما منعك يا أبيّ أن تجيبني إذ دعوتك"، فقال: يا رسول الله، إني كنت في الصلاة، قال: "أفلم تجد فيما أوحى الله إليَّ أنْ ﴿اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ١") قال: بلى، ولا أعود إن شاء الله، قال: "أتحبُّ أن أُعلِّمَك سورةً لم يُنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزّبور ولا في القرآن مثلُها"، قال: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : "كيف تقرأ في الصلاة؟ "، قال: فقرأ أمَّ القرآن، فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده، ما أنزلت في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلُها، وإنَّها سبعٌ من المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيته"، وصحّحه العلاّمة الألبانيُّ حفظه الله٢. [وفي صحيح البخاري٣ من حديث أبي سعيد بن المعلَّى نحو حديث أُبَيٍّ، وفيه التصريح بأنَّها أعظم سورة في القرآن، وأنَّها السبع المثاني والقرآن العظيم] . وروى البخاري في صحيحه، من حديث أبي هريرة رضي الله

стр. 82

عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أمّ القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم "١. ومن فضل هذه السورة أنّها لا صلاة لمن لم يقرأ بها، وكلُّ صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداجٌ غيرُ تمام، خرّج مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من صلّى صلاة لم يقرأ فيها بأمّ القرآن فهي خداجٌ ـ ثلاثاً ـ غيرُ تمام"، فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام فقال: اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولِعبدي ما سأل، فإذا قال العبدُ: ﴿الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال: مجّدني عبدي، وقال مرّة: فوّض إليَّ عبدي، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذه بيني وبين عبدي ولِعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمِ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ قال: هذا لِعبدي ولعبدي ما سأل"٢. فهذه الأحاديثُ ونحوُها تدلُّ على عظيم قدر هذه السورة الكريمة وأنَّها أعظم سُوَر القرآن بل لم يُنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلُها، وهي أمُّ القرآن، فالقرآن كلُّه تفسير لها وشرحٌ لمجملها، وذلك لاشتمالها على المعاني التي في القرآن من الثناء

стр. 83

على الله تعالى بما هو أهله، ومن التعبد بالأمر والنهي، ومن الوعد والوعيد ونحو ذلك. قال ابن القيِّم ﵀ في كتابه مدارج السالكين بين منازل إيّاك نعبد وإيّاك نستعين: "اعلم أنَّ هذه السورة اشتملت على أمّهات المطالب العالية أتمّ اشتمال وتضمّنتها أكمل تضمّن، فاشتملت على التّعريف بالمعبود ﵎ بثلاثة أسماء مرجع الأسماء الحسنى والصفات العليا إليها ومدارها عليها، وهي: الله والرّبُّ والرّحمن، وبنيت السورة على الإلهية والربوبية والرّحمة.. إلى أن قال: وتضمّنت إثبات المعاد، وجزاء العباد بأعمالهم حسنها وسيِّئها، وتفرّد الربّ تعالى بالحكم إذ ذاك بين الخلائق، وكون حكمه بالعدل، وكلُّ هذا تحت قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ، وتضمّنت إثبات النّبوّات من جهات عديدة ... "١، ثمّ أطال النّفَسَ ﵀ في بيان ما تضمّنته هذه السورة من أمّهات المطالب العالية، وما تضمّنته من الرّدّ على جميع طوائف أهل البدع والضلال، وما تضمّنته من منازل السائرين ومقامات العابدين، وبيان أنّه لا يقوم غيرُ هذه السورة مقامها ولا يسدُّ مسدّها. ومن هنا فإنَّه يتأكّد على كلّ مسلم أن تعظم عنايتة بهذه السورة الكريمة حفظًا وتلاوةً ومدارسةً وتدبُّرًا، فالمسلم يقرؤها في الصلاة المكتوبة في اليوم والليلة سبع عشرة مرّة، وإذا كان محافظًا على النّوافل أو على كثيرٍ منها فإنَّه يقرؤها مرّات كثيرة، لا يحصيها مدّة عمره وطول حياته إلاّ اللهُ ﵎، ومن أسفٍ أنَّك ترى مع ذلك في

стр. 84

بعض المسلمين من لا يحسن قراءة هذه السورة الكريمة، بل لربّما يلحن فيها لحنًا يفسد معناها، أو يخلُّ بمدلولها، أو ترى فيهم من لا يُعْنَى بتدبّرها وتفهُّمِها وتعقُّل معانيها ومعرفة مدلولاتها. والواجب من عباد الله المؤمنين كلِّهم تعظيمُ هذه السورة الكريمة وقدرُها حقّ قدرها، وتلاوتُها حقّ تلاوتها؛ إذ هي أعظم سُوَر القرآن وأفرضُها على الأمّة، وأجمعُها لكلِّ ما يحتاج إليه العبد، وأعمُّها نفعاً. قال ابن القيِّم ﵀: "وتالله لا تجد مقالةً فاسدةً ولا بدعةً باطلةً إلاّ وفاتحةُ الكتاب متضمّنةٌ لردّها وإبطالها بأقرب الطرق وأصحّها وأوضحها، ولا تجد باباً من أبواب المعارف الإلهية وأعمال القلوب وأدويتها من عللها وأسقامها إلاّ وفي فاتحة الكتاب مفتاحه وموضع الدِّلالة عليه، ولا منزلاً من منازل السائرين إلى ربّ العالمين إلاّ وبدايته ونهايته فيها، ولَعَمْرُ اللهِ إنَّ شأنَها لأعظمُ من ذلك، وهي فوق ذلك، وما تحقّق عبدٌ بها واعتصم بها وعقل عمّن تكلّم بها، وأنزلها شفاءً تاماًّ، وعصمةً بالغةً، ونورًا مبينًا، وفهمها وفهم لوازمها كما ينبغي ووَقَع في بدعةٍ ولا شركٍ ولا أصابه مرضٌ من أمراض القلوب إلاّ لماماً غير مستقرّ"١. وبهذا نأتي إلى نهاية ما قُصد بيانه هنا، حامدين لله، مثنين عليه بما هو أهله، وبما أثنى به على نفسه، حمداً غيرَ مكفيٍّ ولا مكفورٍ ولا مودعٍ، ولا مستغناً عنه ربنا.

стр. 85

١٥/ فضل آية الكرسي، وسورة الإخلاص، وسُوَر أخرى نواصل الحديث عن تفضيل بعض سور القرآن وآياته، حيث سبق تناول شيء ممّا ورد في فضل سورة الفاتحة التي هي أفضل سور القرآن وأعظمُها على الإطلاق. وقد صحّ عن النبيِّ ﷺ أنَّ أفضل آية في القرآن الكريم هي آيةُ الكرسي، ففي صحيح مسلم من حديث أُبيّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أبا المنذر أتدري أيُّ آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: يا أبا المنذر أتدري أيُّ آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال: قلت: ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ﴾ ، قال: فضرب في صدري وقال: واللهِ لِيَهْنِكَ العلمُ أبا المنذر"١. أي: ليكن العلمُ هنيئًا لك. وهذه الآية الكريمة إنَّما كانت بهذه المنزلة لعظم ما دلّت عليه من توحيد الله وتمجيده وحسن الثناء عليه، وذِكْرِ نعوت جلاله وكماله، فتضمّنت من أسماء الله خمسة أسماء، وتضمّنت من الصفات ما يزيد على العشرين صفة للربّ ﵎، فهي قد اشتملت من ذلك على ما لم تشتمل عليه آية أخرى في القرآن، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وليس في القرآن آية واحدة تضمّنت ما تضمّنته آيةُ الكرسي، وإنَّما ذَكَرَ اللهُ في أوّل سورة الحديد وآخر سورة الحشر عدّة آيات لا آيةً واحدةً"٢.

стр. 86

ولهذا كان من فضل هذه الآية الكريمة أنَّ مَن قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يَقْرَبُه شيطان حتى يُصبح، وهو في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ في سياق طويل١. ومن فضلها ما ثبت في سنن النسائي وغيره من حديث أبي أمامة ﵁ عن النبيّ ﷺ أنَّه قال: " من قرأ آية الكرسي في دُبُرِ كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ لم يمنعه من دخول الجنة إلاّ أن يموت" ٢، يعني لم يكن بينه وبين دخول الجنة إلاّ الموت، قال ابن القيّم ﵀: "بلغني عن شيخنا أبي العباس ابن تيمية ـ قدّس الله روحه ـ أنَّه قال: ما تركتها عقيب كلِّ صلاة"٣. وقد صحّ عن النبي ﷺ تفضيل سورة الإخلاص، وأنَّها تعدلُ ثلُث القرآن، ففي البخاري من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنَّ رجلا سمع رجلاً يقرأ ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ يردّدها، فلمّا أصبح جاء إلى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له وكأنَّ الرجل يتقالُّها، فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده إنَّها لتعدل ثلث القرآن"٤. وروى البخاري عن أبي سعيد ﵁ قال: قال النّبيُّ ﷺ لأصحابه: "أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة"، فشقّ ذلك

стр. 87

عليهم وقالوا: أيُّنا يطيق ذلك يا رسول الله؟ فقال: "الله الواحد الصمد ثلثُ القرآن"١. وأهل العلم قد تكلّموا في بيان وجه كون هذه السورة تعدل ثلث القرآن، وذكروا في ذلك أجوبةً عديدةً، وأحسنها كما يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هو الجواب المنقول عن أبي العباس بن سريج حيث قال: "معناه أُنزل القرآن على ثلاثة أقسام: ثلث منها الأحكام، وثلث منها وعد ووعيد، وثلث منها الأسماء والصفات، وهذه السورة جمعت الأسماء والصفات"٢. قال شيخ الإسلام: "وإذا كانت ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن، لم يلزم من ذلك أنَّها أفضلُ من الفاتحة ولا أنّها يكتفى بتلاوتها ثلاث مرّات عن تلاوة القرآن، بل قد كره السلف أن تقرأ إذا قرئ القرآنُ كلُّه إلاّ مرّة واحدة كما كتبت في المصحف، فإنَّ القرآن يقرأ كما كتب في المصحف لا يزاد على ذلك ولا ينقص منه ... ولكن إذا قُرئت ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ مفردةً تقرأ ثلاث مرّات وأكثر من ذلك، ومن قرأها فله من الأجر ما يعدل ثلث القرآن، لكن عدلَ الشيء يكون من غير جنسه"٣.اهـ. ثمّ إنَّ الأحاديث المشتملة على ذكر فضائل السور وثواب من قرأها كثيرة، وجملة منها لا تخلو من ضعف، بل إنَّ فيها ما هو كذب

стр. 88

على رسول الله ﷺ ؛ ولهذا فإنه يتأكّد على المسلم تحرّي معرفة الصحيح في ذلك، بسؤال أهل العلم، ومدارسة أهل الاختصاص، قال ابن القيِّم ﵀ في كتابه المنار المنيف في الصحيح والضعيف: "ومنها: ـ أي الأحاديث الموضوعة ـ ذكر فضائل السور وثواب من قرأ سورة كذا، فإنّ أجره كذا، من أوّل القرآن إلى آخره، كما ذكر ذلك الثعلبي والواحدي في أوّل كلِّ سورة، والزمخشري في آخرها، قال عبد الله بن المبارك: أظن الزنادقة وضعوها. والذي صحّ في أحاديث السُوَر، حديث فاتحة الكتاب، وأنَّه لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور مثلُها، وحديث البقرة وآل عمران أنهما الزهراوان، وحديث آية الكرسي وأنها سيِّدة آي القرآن، وحديث الآيتين من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلةٍ كفتاه، وحديث سورة البقرة لا تقرأ في بيت فيقربه شيطان، وحديث العشر آيات من أوّل سورة الكهف من قرأها عصم من فتنة الدّجّال، وحديث ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ وأنَّها تعدل ثلث القرآن، ولم يصح في فضائل سورةٍ ما صحّ فيها، وحديث المعوّذتين وأنَّه ما تعوّذ المتعوِّذون بمثلها، وقوله: ﷺ "أنزل عليَّ آيات لم يُر مثلُهنَّ، ثمّ قرأها". ويلي هذه الأحاديث وهو دونها في الصحة حديث ﴿إِذَا زُلْزِلَتْ﴾ تعدل نصف القرآن، وحديث ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ تعدل ربع القرآن، وحديث ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ هي المنجية من عذاب القبر. ثم سائر الأحاديث بعدُ، كقوله: من قرأ سورة كذا أعطي ثواب كذا فموضوعةٌ على رسول الله ﷺ ، وقد اعترف بوضعها واضعُها، وقال:

стр. 89

قصدت أن أشغل الناس بالقرآن عن غيره، وقال بعض جهلاء الوضّاعين في هذا النوع: نحن نكذب لرسول الله ﷺ ولا نكذب عليه، ولم يعلم هذا الجاهل أنَّه من قال عليه ما لم يقل فقد كذب عليه واستحقّ الوعيد الشديد"١. اهـ كلام ابن القيّم ﵀. وممّا ينبغي أن يعلم هنا أن فضل القراءة لهذه السور وغيرها يختلف باختلاف حال التّالي لتلك السور، فالقراءة بتدبّر أفضل من القراءة بلا تدبّر، فقد يكون حال بعض الناس في قراءة بعض السور وما يصاحبهم حال القراءة من خشوع وتدبّر وتفهّم لكلام الله وعزم صادق على العمل به، خيرًا وأفضل من حال غيرهم ممن ليسوا كذلك، وإن كانت السور التي يقرؤها هؤلاء أفضل، بل إنَّ الإنسان الواحد يختلف حاله فقد يفعل العمل المفضول على وجه كامل فيكون به أفضل من سائر أعماله الفاضلة. قال شيخ الإسلام: "وكان بعضُ الشيوخ يرقي بـ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ وكان لها بركةٌ عظيمة، فيرقي بها غيرُه فلا يحصل ذلك، فيقول ليس ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ من كلِّ أحد تنفع كلَّ أحد"٢. وإنَّما اختلف أثر هاتين القراءتين مع أنَّ السورةَ المقروءة واحدةٌ، بسبب اختلاف ما قام بالقلب من صدق وإخلاص وتدبّر ويقين ورغبة وخشوع. واللهَ نرجو أن يوفّقنا وإيّاكم لتحقيق ذلك وحسن القيام به، فهو ﵎ وحده الموفق لكل خير.

стр. 90

١٦/ وَسَطيَّةُ أهلِ القرآن مرّ معنا أنَّ خير الذكر وأجلّه وأفضله هو القرآن الكريم، ومرّ معنا فضل حملته فهم أهل الله وخاصّته، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ ، ولا ريب أنَّ لحملة القرآن صفاتٍ جليلةً ونعوتا كريمةً وهي كثيرة جدا، إلا أن أهمّ نعوتهم وأجلّ صفاتهم وأبرز علامتهم التوسطُ والاعتدالُ، وذلك بلزوم ما جاء في القرآن والوقوف عنده، دون غلو أو جفاء، ودون إفراطٍ أو تفريطٍ، أو زيادةٍ أو تقصيرٍ. يقول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ ١، فلما جعل الله هذه الأمة أمةَ محمد ﷺ أمةً وسطاً أي خياراً عدولاً، خصّها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب، وجعل كتابه المبين يهدي للتي هي أقوم ويدعو للتي هي أرشد وأحكم، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ ٢. ولم ينزل اللهُ هذا القرآن الكريم ليشقى به الناس، وإنما أنزله ليسعدوا به سعادة لا شقاء بعدها، وليهتدوا به هداية لا ضلال بعدها، كما قال سبحانه: ﴿طَهَ مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقَى، إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشَى، تَنزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ العُلَى، الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ

стр. 91

اسْتَوَى﴾ ١، وقد ذكر المفسِّرون في سبب نزول هذه الآيات، أنَّ الله لمّا أنزل القرآن على رسوله ﷺ قام به هو وأصحابه خير قيام، فقال المشركون: ما أنزل هذا القرآن على محمّد إلاّ ليشقى، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿طَهَ مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقَى، إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشَى﴾ أي: فليس الأمر كما زعمه هؤلاء المبطلون، بل من آتاه الله العلم بوحيه والفقه في تنزيله فقد أراد به خيراً كثيراً، قال قتادة ﵀ في قوله: ﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ قال: "لا والله ما جعله شقاءً، ولكن جعله رحمة ونورًا ودليلاً إلى الجنّة"٢. فحقيقٌ بحامل القرآن بل وبكلِّ مسلم أن يقف عنده فيحلّ حلاله ويحرِّم حرامه ويصدّق بأخباره، ولا يتجاوز بغلوٍّ وإفراط، أو يَقْصِرُ عنه بجفاء وتفريط، بل يكون في ذلك وسطًا. روى أبو داود في سننه، والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ من إجلال الله إكرامَ ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه، وذي السلطان المقسط"، وإسناده حسن، حسّنه الذهبي في الميزان، وابن حجر في التلخيص الحبير وغيرُهما من أهل العلم٣. فوصف ﷺ أهلَ القرآن حقًّا وحملته صدقاً الذين يستحقون

стр. 92

الإجلال والإكرام، بأنَّ حالهم فيه بين الغلوّ والجفاء، وأخبر أنَّ إكرام هؤلاء أي أهل هذا الوصف من إجلال الله ﵎، وما من ريبٍ أنَّ هذه درجةٌ منيفة، ومنزلة شريفة تبوّأها هؤلاء بسبب لزومهم القرآن، وعدم تجانفهم عنه بغلوٍّ أو جفاء أو زيادة أو تقصير. قال أبو عبيد القاسم بن سلاّم ﵀ في بيان معنى حديث أبي موسى المتقدّم: "فالغالي المفرط في اتباعه حتى يخرجه إلى إكفار النّاس مثل الخوارج، والجافي عنه المضيّع لحدوده المستخفِّ به. وفي معنى هذا الحديث قولُ رابعِ الخلفاء الراشدين عليّ بن أبي طالب ﵁: "إنَّ دين الله بين الغالي والمقصِّر، فعليكم بالنُّمرقة الوسطى، فإنَّ بها يلحق المقصّر وإليها يرجع الغالي". وهو كلام حسن عظيم الفائدة، قال فيه ثعلب اللغوي المشهور: "ما روي في التوسُّط أحسن من قول أمير المؤمنين عليّ ﵁" ـ يشير إلى كلامه هذا المتقدّم ـ. إنّ الشيطان أحرصُ ما يكون على صرف المسلم عن الجادة وإبعاده عن الصراط المستقيم، إمّا إلى غلوّ أو إلى الجفاء، ولا يبالي عدوُّ الله بأيِّ الأمرين منهما ظفر. قال بعض السلف: "ما أمر الله تعالى بأمر إلاّ وللشيطان فيه نزغتان: إمّا إلى تفريط وتقصير، وإمّا إلى مجاوزة وغلو، ولا يبالي بأيِّهما ظفر"١. ولِعَدوِّ الله في هذا الأمرِ مكرٌ عجيبٌ وكيدٌ غريبٌ.

стр. 93

قال ابن القيم ﵀ في كتابه العظيم إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان: "ومن كيده ـ أي الشيطان أعاذنا الله وإيّاكم منه ـ أنَّه يشامُّ النفس حتى يعلم أي القوّتين تغلب عليها قوّة الإقدام والشجاعة، أم الانكفاف والإحجام والمهانة، فإن رأى الغالبَ على النفس المهانة والإحجام أخذ في تثبيطه وإضعاف همّته وإرادته عن المأمور به، وثقله عليه، فهوّن عليه تركه حتى يتركه جملةً أو يقصّر فيه ويتهاون، وإن رأى الغالب عليه قوّة الإقدام وعلوّ الهمّة، أخذ يقلّل عنده المأمور به، ويوهمه أنَّه لا يكفيه، وأنَّه يحتاج معه إلى مبالغة وزيادة فيَقْصُرُ بالأوّل ويتجاوز بالثاني ... وقد اقتطع أكثر الناس إلاّ أقلّ القليل في هذين الواديين وادي التقصير، ووادي المجاوزة والتعدّي، والقليل منهم جدًّا الثابت على الصراط الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ... "١. ثم أطال ﵀ في ضرب الأمثلة على ذلك ثم قال: "وهذا باب واسع جدًّا لو تتبّعناه لبلغ مبلغاً كثيرًا"٢. وقد صحّ في الحديث عن النبي ﷺ أنَّه قال: "القصدَ القصدَ تبلغوا"٣، أي عليكم بالقصد من الأمور في الأقوال والأفعال، والقصد هو الوسط بين الطرفين، وصحّ عن النبي ﷺ أنَّه قال كما في المسند وغيره: "عليكم هديًا قاصدًا، فإنَّه من يشادّ الدّين يغلبه"٤، وكان ابن

стр. 94

مسعود ﵁ يقول: "الاقتصاد في سنَّة خيرٌ من الاجتهاد في بدعة"١. قال ابن القيِّم ﵀: "فدينُ الله بين الغالي فيه والجافي عنه، وخير الناس النمط الأوسط، الذين ارتفعوا عن تقصير المفرطين، ولم يلحقوا بغلوّ المعتدين، وقد جعل الله سبحانه هذه الأمة وسطاً، وهي الخيار العدل، لتوسّطها بين الطرفين المذمومين، والعدل هو الوسط بين طرفي الجور والتفريط، والآفات إنّما تتطرّق إلى الأطراف والأوساط محميةٌ بأطرافها فخيار الأمور أوساطها"٢. فنسأل الله أن يهدينا إليه صراطًا مستقيمًا، وأن يجنِّبنا الزلل في القول والعمل، وأن يوفِّقنا للعمل بكتابه واتّباع سنّة رسول الله ﷺ .

стр. 95

١٧/ أفضليَّةُ القرآن على مجرَّدِ الذكر إنَّ ملازمة ذكر الله دائماً هي أفضل ما شغل العبد به وقته وصرف فيه أنفاسه، بعد قيامه بفرائض الله التي افترضها على عباده. والذِّكر شاملٌ لكلِّ قولٍ صالحٍ يحبّه الله ويرضاه من تلاوةٍ لكلام الله أو تسبيحٍ أو تحميدٍ أو تكبيرٍ أو تهليلٍ أو دعاءٍ أو غيرِ ذلك، وما من شكٍّ في أنَّ أفضلَ هذه الأذكار وأجلِّها وأعظمها وأرفعها قدراً قراءة القرآن الكريم كلام ربّ العالمين، كما في صحيح مسلم عن النبي ﷺ : "أحبُّ الكلام إلى الله أربع: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر"١، وفي لفظٍ كما في المسند للإمام أحمد عن النبي ﷺ أنَّه قال: "أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهنَّ من القرآن: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر"٢. وفي سنن الترمذي وحسّنه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " من شغله قراءة القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين"٣. وكما في الحديث الذي في السنن في الذي سأل النبي ﷺ فقال: إني لا أستطيع أن آخذ شيئا من القرآن، فعلِّمني ما يجزئني في صلاتي، قال: "قل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر "٤.

стр. 96

ولهذا كانت القراءةُ واجبةً في الصلاة، ولا يُعدلُ عنها إلى الذِّكر إلاّ عند العجز عن ذلك، وهذا واضحٌ في الدِّلالة على أفضلية قراءة القرآن، ويدل على ذلك أيضاً أنَّ القراءة يشترط لها الطهارة الكبرى دون الذِّكر فإنَّه لا يشترط فيه ذلك، وما لم يشرع إلاّ على الحال الأكمل فهو أفضل، كما أنَّ الصلاة لمّا اشترط لها الطّهارتان كانت أفضل من مجرّد القراءة، كما قال النبي ﷺ : "استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أنَّ خيرَ أعمالكم الصلاة"١، ولهذا نصّ العلماء على أنَّ أفضل تطوّع البدن الصلاة، وأيضاً فما يكتب فيه القرآن لا يمسّه إلاّ طاهر دون ما يكتب فيه الذِّكر فإنَّه لا يشترط فيه ذلك. فهذا كلّه يدلّ على أن قراءة القرآن الكريم هي أفضل من التسبيح والتحميد والتكبير وغير ذلك من الأذكار، هذا من حيث الجملة، وإلاّ فإنَّه قد يقترن بالعمل المفضول ما يجعله أفضل. وقد أوضح هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وبيَّنه بيانًا وافيًا في جوابٍ له عن هذه المسألة٢، يقول ﵀: "وتحقيق ذلك أنَّ العمل المفضول قد يقترن به ما يصيّره أفضل من ذلك وهو نوعان: أحدهما: ما هو مشروع لجميع الناس. والثاني: ما يختلف باختلاف أحوال الناس.

стр. 97

أما الأوّل: فمثل أن يقترن إما بزمان أو بمكان أو عمل يكون (به) أفضل، مثل ما بعد الفجر والعصر ونحوهما من أوقات النهي عن الصلاة، فإنَّ القراءة والذِّكر والدعاء أفضلُ في هذا الزمان، وكذلك الأمكنةُ التي نُهي عن الصلاة فيها كالحمّام وأعطانِ الإبل، فالذِّكرُ والدعاء فيها أفضل، وكذلك الجنب الذِّكر في حقّه أفضل، فإذا كُره الأفضل في حال حصول مفسدة كان المفضول هناك أفضل بل هو المشروع. وكذلك حال الركوع والسجود، فإنَّه قد صحّ عن النبي ﷺ أنَّه قال: "نُهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، أما الركوع فعظِّموا فيه الرّب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقَمِنٌ أن يستجاب لكم "١. وقد اتّفق العلماء على كراهة القراءة في الركوع والسجود، وتنازعوا في بطلان الصلاة بذلك على قولين هما وجهان في مذهب الإمام أحمد، وذلك تشريفاً للقرآن وتعظيماً له أن لا يقرأ في حال الخضوع والذُّلّ، وما بعد التشهّد هو حال الدعاء المشروع بفعل النبي ﷺ وأمره، والدعاءُ فيه هو الأفضل، بل هو المشروع دون القراءة والذِّكر، وكذلك حال الطّواف، وبعرفة ومزدلفة وعند رمي الجمار المشروع هناك هو الذكر والدعاء. ثم ذكر ﵀ النوع الثاني: وهو أن يكون العبد عاجزاً عن العمل الأفضل، إما عاجزاً عن أصله كمن لا يحفظ القرآن ولا يستطيع حفظه كالأعرابي الذي سأل النبي ﷺ ، أو عاجزاً عن فعله على وجه

стр. 98

الكمال مع قدرته على فعل المفضول على وجه الكمال، إلى أن قال: وليس كلُّ ما كان أفضل يشرع لكلِّ أحد، بل كلُّ واحد يشرع له أن يفعل ما هو أفضل له، فمن الناس من تكون الصدقة أفضل له من الصيام وبالعكس، وإن كان جنس الصدقة أفضل، ومن الناس من يكون الحج أفضل له من الجهاد كالنساء وكمن يعجز عن الجهاد، وإن كان جنس الجهاد أفضل، ثم قال: إذا عُرف هذا فيقال: الأذكار المشروعة في أوقات متعيّنة، مثل ما يقال عند جواب المؤذّن هو أفضل من القراءة في تلك الحال، وكذلك ما سنّه النبي ﷺ فيما يقال عند الصباح والمساء وإتيان المضطجع هو مقدّمٌ على غيره، وأما إذا قام من الليل فالقراءة له أفضل إذا أطاقها، وإلاّ فليعمل ما يطيق، والصلاةُ أفضل منهما، ولهذا نقلهم عند نسخ وجوب قيام الليل إلى القراءة فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ الَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ ١") . اهـ. وبهذا التحقيق الذي ذكره شيخ الإسلام ﵀ يتبيّن القول الفصل في هذه المسألة العظيمة، فتلاوة القرآن الكريم هي أفضل الأذكار، ومقدَّمة على التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل والدعاء والاستغفار وغير ذلك من الأدعية والأذكار، إلاّ أنَّ هناك حالات معيَّنة تقترن بالعمل الفاضل يكون بها أفضل من غيره، وقد أشار شيخ الإسلام في تحقيقه المتقدّم إلى أمثلة عديدة لذلك.

стр. 99

روى الطبري عن عمرو بن أبي سلمة، قال: "سألتُ الأوزاعي عن قراءة القرآن أعْجَبُ إليك أم الذكر؟ فقال: سل أبا محمّد ـ يعني سعيد بن المسيّب ـ فسألته؟ فقال: بل القرآن. فقال الأوزاعي: إنَّه ليس شيءٌ يعدل القرآن، ولكن إنَّما كان هدي من سلف يذكرون الله تعالى قبل طلوع الشمس وقبل الغروب"١. فأشار ﵀ إلى أنَّ القرآن هو أفضل الأذكار ولا يعدله شيء، لكنَّ الأذكار الوارندة في الصباح والمساء وأدبار الصلوات وغيرها تكون في وقتها أفضل، والله أعلم، وصلّى الله وسلّم على نبيِّنا محمّد وآله وصحبه.

стр. 100

١٨/ فضلُ طلب العلم ما من شكٍّ في أنَّ الاشتغال بطلب العلم وتحصيله، ومعرفة الحلال والحرام، ومدارسة القرآن الكريم، وتدبُّره، ومعرفة سنّة رسول الله ﷺ وسيرته وأخباره هو خيرُ الذكر وأفضلُه، ومجالسه خير المجالس، وهي أفضل من مجالس ذكر الله بالتسبيح والتحميد والتكبير؛ لأنَّها دائرة بين فرض عين أو فرض كفاية، والذكر المجرّد تطوّع محض. ولهذا فقد ثبت عن النبي ﷺ في تفضيل العلم وتقديمه على العبادة، وتقديم العالم على العابد أنَّه قال: " وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب" خرّجه الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وغيرهم من حديث أبي الدرداء١. وقد تضمّن هذا الحديث مثلاً بديعاً يتضّح من خلاله مدى الفرق بين العالم والعابد، حيث شبّه ﷺ العالم بالقمر ليلة البدر، أي ليلة الخامسَ عشر والتي فيها يكون نهاية كمال القمر وتمام نوره، وشبّه العابد بالكواكب، وفي هذا التشبيه سرٌّ لطيف نبّه عليه أهل العلم. يقول الإمام ابن رجب ﵀: "والسّر في ذلك والله أعلم، أنَّ الكوكب ضوءه لا يعدو نفسه، وأما القمر ليلة البدر فإنَّ نوره يشرقُ على أهل الأرض جميعًا فيعمّهم نورُه، فيستضيئون بنوره، ويهتدون به في سيرهم، وإنَّما قال على سائر الكواكب، ولم يقل على

стр. 101

سائر النّجوم؛ لأنَّ الكواكب هي التي تسير ولا يُهتدى بها، فهي بمنزلة العابد الذي نفعه مقصور على نفسه"١. فدلّ الحديث على تفضيل العلم على العبادة تفضيلاً بيِّناً، وثبت عن النبي ﷺ في مسند البزار، ومستدرك الحاكم وغيرهما، من حديث سعد ابن أبي وقّاص ﵁ أنَّه قال: "فضل العلم أحبُّ إليَّ من فضل العبادة، وخير دينكم الورع"٢. ومما يدلّ على تفضيل العلم على جميع النوافل والمستحبّات، بما فيها الذِّكر، أنَّ العلم يجمع جميع فضائل الأعمال المتفرّقة، روي عن معاذ بن جبل ﵁ أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : "تعلّموا العلم فإنَّ تعلُّمه حسنة، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، لأنَّه معالم الحلال والحرام، ومنار سبيل أهل الجنّة، وهو الأنس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السّرّاء والضّرّاء، والسلاح على الأعداء، والزين عند الأخلاّء، يرفع الله به أقواماً فيجعلهم في الخير قادةً وأئمّةً، تُقتصُّ آثارهم، ويقتدى بأفعالهم، وينتهى إلى رأيهم، ترغب الملائكة في خلّتهم، وبأجنحتها تمسحهم، يستغفر لهم كلّ رطب ويابس، وحيتان البحر وهوامّه، وسباع البرّ وأنعامه، لأن العلم حياة القلوب من الجهل، ومصابيح الأبصار من الظلم، يبلغ العبد بالعلم

стр. 102

منازل الأخيار والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، والتفكر فيه يعدل الصيام، ومدارسته تعدل القيام، وبه توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال من الحرام، وهو إمام العمل، والعمل تابعه، يلهَمه السعداء ويُحرمه الأشقياء". رواه ابن عبد البر في كتابه جامع بيان العلم وفضله، وقال: "وهو حديث حسن جداً، ولكن ليس له إسنادٌ قويٌّ١. وقد جاء عن السلف الصالح ﵏ في تفضيل العلم آثارٌ كثيرةٌ٢، يقول الثوري ﵀: "ما يُراد الله بشيء أفضلُ من طلب العلم، وما طُلب العلم في زمان أفضلَ منه اليوم". وقال ميمون بن مهران: "إنَّ مثل العالم في البلد كمثل عين عذبة في البلد". وقال الحسن البصري: "العالم خيرٌ من الزاهد في الدنيا المجتهد في العبادة، ينشر حكمة الله فإن قبلت حمد الله، وإن رُدّت حمد الله". وقال الإمام الشافعي: "طلب العلم أفضل من صلاة النافلة". وسئل الإمام أحمد: "أيُّما أحبُّ إليك أن أصلّي بالليل تطوُّعاً أو أجلس أنسخ العلم؟ قال: إذا كنت تنسخ ما تعلم من أمر دينك فهو أحبُّ إليّ". وقال أيضا: "العلم لا يعدله شيء". وإذا كان أهل العلم بهذه المنزلة الرفيعة والدرجة العالية فإنَّ الواجب على من سواهم أن يحفظ لهم قدرهم ويعرف لهم مكانتهم

стр. 103

وينزلهم منازلهم، فقد رُوي عن النبي ﷺ أنَّه قال: "ليس منّا من لم يرحم صغيرنا ويوقّر كبيرنا، ويعرف لِعالمنا [حقَّه] "١. هذا وإنَّ من عدم معرفة قدر أهل العلم وحفظ مكانتهم الإدّعاءَ بأنَّ علماءَ الأمّة وفقهاءَ الملّة وأهل الحلّ والعقد فيها لا يفقهون غير علم الحيض والنفاس، ممّا يترتّب على ذلك الحطُّ من شأنهم والتقليلُ من قدرهم، وصرفُ النّاس عن الإفادة منهم، وهي مقالةٌ فاسدةٌ وكلمةٌ خطيرةٌ، نشأت قديما عند أرباب البدع وأهل الأهواء، ولكلِّ قومٍ وارثٌ، وفي الغالب أنَّ أهلَ هذه المقالة لا يسلم الواحد منهم من أحد توجهين: ـ إما توجّه صوفيٌّ، ينحى بهذه المقالة إلى الحطِّ من قدر العلم والتنقيص من مكانته، ليخلص من ذلك إلى تفضيل العبادة والذكر عليه، وربّما استشهد بعض هؤلاء على هذا بما يحكى عن رابعة العدوية أنَّها أتت ليلة بالقدس تصلّي حتى الصباح، وإلى جانبها بيت فيه فقيه يكرر على باب الحيض إلى الصباح، فلمّا أصبحت رابعة قالت له: يا هذا وصل الواصلون إلى ربّهم، وأنت مشتغل بحيض النّساء؟ ٢. ولهذا دأب هؤلاء على النهي عن العلم والتحذير منه وعدّه آفة من الآفات، كما يقول أحدهم: "آفة المريد ثلاث: التزوّج، وكتابة الحديث، والأسفار".

стр. 104

ـ وإما توجّه فكريٌّ ينحى بهذه المقالة إلى إقحام الناس في متاهاتٍ فكريةٍ وتخرُّصاتٍ عقليةٍ وظنونٍ وأوهامٍ، وهذا يكثر عند أهل الكلام الباطل كالمعتزلة وغيرهم. روي عن إسماعيل بن علَيَّة، قال حدّثني اليسع، قال: تكلّم واصل ابن عطاء يومًا، فقال عمرو بن عبيد: "ألا تسمعون؟ ما كلام الحسن وابن سيرين عندما تسمعون إلاّ خرقة حيض ملقاة". وروي أنَّ زعيمًا من زعماء أهل البدع كان يريد تفضيل الكلام على الفقه فكان يقول: "إنَّ علم الشافعي وأبي حنيفة جملته لا يخرج من سراويل امرأة". ذكر هذا والذي قبله الشاطبي في كتابه الاعتصام١، ثم قال: "هذا كلام هؤلاء الزائغين قاتلهم الله". ولا ريب أنَّ هذه توجُّهاتٌ متحلّلةٌ من ربقة العلم مستحكمةٌ في الهوى والباطل، فنسأل الله أن يحفظنا وإيّاكم من الأهواء المطغية، والفتن المردية، بمنّه وكرمه، كما نسأله أن يحفظ علينا علماءنا الذين هم أمناء الشريعة وحفّاظ الدّين وأنصار الملّة، وأن يجزيهم عن الإسلام وأهله خير الجزاء، وأن يعلي قدرهم في الدنيا والآخرة، وأن ينصر بهم دينه ويعلي بهم كلمته إنّه وليُّ ذلك والقادر عليه.

стр. 105

أركان التعبد القلبية وغيره من العبادات ... ١٩/ أركانُ التعبّد القلبيَّة للذكر وغيره من العبادات إنَّ ذكر الله والتقرّب إليه بما يحبّ من صالح الأعمال والأقوال لا يكون مقبولاً عند الله إلاّ إذا أقامه العابد على أركان ثلاثة، وهي الحب والخوف والرّجاء. فهذه الأركان الثلاثة هي أركان التعبّد القلبية التي لا قبول لأيِّ عبادة إلاّ بها، فالله جلّ وعلا، يعبد حبًّا فيه ورجاءً لثوابه وخوفًا من عقابه، وقد جمع الله ﵎ بين هذه الأركان الثلاثة في سورة الفاتحة التي هي أفضل سور القرآن، فقوله سبحانه: ﴿الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ فيه المحبّة؛ لأنَّ الله منعم، والمنعم يُحب على قدر إنعامه؛ ولأنَّ الحمد هو المدح مع الحبّ للممدوح. وقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فيه الرجاء، فالمؤمن يرجو رحمة الله ويطمع في نيلها، وقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فيه الخوف، ويوم الدّين هو يوم الجزاء والحساب، ثمّ قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي أعبدك يا ربّ بما مضى بهذه الثلاث: بمحبّتك ورجائك وخوفك، فهذه الثلاث هي أركان العبادة التي عليها قيام ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُوَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لا تقوم إلاّ على المحبّة التي دلّ عليها قوله ﴿الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ والرّجاء الذي دلّ عليه قوله ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ والخوف الذي دلّ عليه قوله ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ١. وقد جمع الله أيضًا بين هذه الأركان في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ

стр. 106

يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ ١، فإنَّ ابتغاء الوسيلة إليه هو التقرب إليه بحبّه وفعل ما يحبّه، ثم قال: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ فذكر الحبّ والخوف والرّجاء٢، وكذلك في قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ ٣. ولذا يجب أن يكون العبد في عبادته وذكره لله جامعًا بين هذه الأركان الثلاثة المحبّة والخوف والرّجاء، ولا يجوز له أن يعبد الله بواحد منها دون باقيها، كأن يعبد الله بالحبّ وحده دون الخوف والرّجاء، أو يعبد الله بالرّجاء وحده، أو بالخوف وحده، ولذا قال بعض أهل العلم: "من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالرّجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرّجاء فهو مؤمن موحّد"٤. وأعظم هذه الأركان الثلاثة وأجلّها هو الحبّ، حبُّ الله ﵎ الذي هو أصل دين الإسلام وقطب رحاه، والمحبّة منزلةٌ شريفةٌ فيها يتنافس المتنافسون، وإليه شمّر المسابقون، وهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرّة العيون، وروح الإيمان والعمل، ومن لم يظفر بها في هذه الحياة فحياته كلُّها شقاءٌ وألمٌ.

стр. 107

وقد ذكر الإمام ابن القيم ﵀ أسبابًا عظيمة جالبة للمحبّة فقال: "إنَّ الأسباب الجالبة للمحبّة عشرة: أحدها: قراءة القرآن بالتدبّر، والتفهُّم لمعانيه وما أريد به. الثاني: التقرُّب إلى الله تعالى بالنّوافل بعد الفرائض. الثالث: دوام ذكره على كلّ حال باللّسان والقلب والعمل والحال، فنصيبه من المحبّة على قدر هذا. الرّابع: إيثار محابّه على محابّك عند غلبات الهوى. الخامس: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته ومشاهدتها وتقلّبه في رياض هذه المعرفة وميادينها. السادس: مشاهدة برّه وإحسانه ونعمه الظاهرة والباطنة. السابع: وهو أعجبها، انكسار القلب بين يديه. الثّامن: الخلوة وقت النزول الإلهي، وتلاوة كتابه ثمّ ختم ذلك بالاستغفار والتوبة. التاسع: مجالسة المحبّين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم، ولا تتكلّم إلاّ إذا ترجّحت مصلحة الكلام، وعلمت أنَّ فيه مزيدًا لحالك ومنفعةً لغيرك. العاشر: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله ". ثم قال: "فمن هذه الأسباب العشرة وصل المحبّون إلى منازل المحبّة"١.

стр. 108

ثم مع المحبّة يجب على العبد أن يكون خائفًا من الله راجيًا له راغبًا راهبًا، إن نظر إلى ذنوبه وعدل الله وشدّة عقابه خشي ربّه وخافه، وإن نظر إلى فضله العام والخاص وعفوه الشّامل رجا وطمع، إن وُفِّق لطاعة رجا من ربّه تمام النِّعمة بقبولها، وخاف من ردّها بتقصيره في حقِّها، وإن ابتلي بمعصية رجا من ربّه قبول توبته ومحوها وخشي بسبب ضعف التّوبة والالتفات للذّنب أن يعاقب عليها، وعند النّعم والمسارّ يرجو الله دوامها والزيادة منها والتوفيق لشكرها، ويخشى بإخلاله بالشكر من سلبها، وعند المكاره والمصائب يرجو الله دفعها وينتظر الفرج بحلّها، ويرجو أيضًا أن يثيبه عليها حين يقوم بوظيفة الصبر، ويخشى من اجتماع المصيبتين فوات الأجر المحبوب، وحصول الأمر المكروه إذا لم يوفّق للقيام بالصبر الواجب. فالمؤمن الموحّد ملازم في كل أحواله للخوف والرّجاء، وهذا هو الواجب وهو النّافع، وبه تحصل السعادة، لكن يخشى على العبد من خُلُقين مذمومين: إمّا أن يستولي عليه الخوف حتى يقنط من رحمة الله، أو يتجارى به الرّجاء حتى يأمن من مكر الله وعقوبته، ومتى بلغت الحال بالعبد إلى هذا فقد ضيّع واجب الخوف والرّجاء اللّذين هما من أكبر أصول الدّين ومن أعظم واجباته١. إنَّ الخوف المحمود الصادق هو ما حال بين صاحبه وبين محارم الله، فإذا تجاوز ذلك خيف منه أن يقع صاحبه في اليأس من رَوْح الله والقنوط من رحمة الله، والرّجاء المحمود الصادق هو الرّجاء الذي يكون

стр. 109

مع عملٍ بطاعة الله على نور من الله، أمّا إذا كان الرّجل متمادياً في التفريط والخطايا، مُنْهَمِكا في الذنوب والمعاصي، يرجو رحمة الله بلا عمل، فهذا هو الغرور والتمنّي والرّجاء الكاذب، ولذا قال بعض السّلف: "الخوف والرّجاء كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطير وتمّ طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النّقص وإذا ذهبا صار الطائر في حدّ الموت". هذا واللهَ الكريمَ أسأل أن يوفِّقنا وإيّاكم لتحقيق هذه المقامات العظيمة المحبّة والخوف والرّجاء، وأن يجعلنا ممن عبد الله حبًّا فيه، ورجاءً لثوابه، وخوفًا من عقابه، وأن يعيننا على تكميل ذلك وحسن القيام به، إنَّه سميع الدعاء، وهو أهل الرّجاء، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 110

٢٠/ ذكرُ الله بذكرِ أسمائه وصفاته إنّ من أجلّ الذكر وأفضله ذِكْرَ الربّ ﵎ بذكر أسمائه الحسنى وصفاته العظيمة، والثناء عليه بما هو أهله، بما أثنى به على نفسه، وبما أثنى عليه به عبده ورسوله محمّد ﷺ من نعوت الجلال وصفات الكمال وأنواع المحامد ونحو ذلك. إذ إنَّ الذكر نوعان: أحدهما: ذكر أسماء الربّ الحسنى وصفاته العظيمة والثناء عليه بها، وتنزيهه سبحانه وتقديسه عمّا لا يليق به ﵎. وهذا أيضًا نوعان: أحدهما: إنشاء الثناء عليه بها من الذاكر، وهذا النوع هو المذكور في الأحاديث المشتملة على الحثّ على حمد الله وتكبيره وتسبيحه وحسن الثناء عليه، ومن ذلك قوله ﷺ : " أحبّ الكلام إلى الله بعد القرآن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" ١، وقوله ﷺ : "من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرّة حُطَّت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر"٢، وكذلك قوله ﷺ : "كلمتان خفيفتان على اللّسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان للرّحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" ٣، ونحو هذه الأحاديث.
следующие страницы →