← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12048

فقه الأدعية والأذكار

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

Полный текст (885 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وقد ورد في هذا المعنى أحاديثُ عديدة، وحاصل معناها أنَّ الدعاءَ مِن قَدَرِ الله ؛ إذ إنَّه سبحانه قد يقضي بالأمر على عبدِه قضاءً مقيَّداً بأن لا يدعوه، فإذا دعاه اندفع عنه، وفي هذا دلالةٌ على أنَّ الدعاءَ من أعظم الأسباب التي تُنال بها سعادة الدنيا والآخرة، خلافاً لبعض المتصوِّفة الذين يعتقدون أنَّ الدعاءَ لا تأثيرَ له في حصول مطلوبٍ ولا دفع مرهوبٍ، وإنَّما هو مجرَّدُ عبادةٍ محضةٍ، وأنَّ ما حصل به يحصل بدونه، ولا يقول هذا مَن عَرَفَ قدرَ الدعاء، " ولهذا أُمر الناسُ بالدعاءِ والاستعانَةِ وغيرِ ذلك مِن الأسباب، ومَن قال: أنا لا أدعو ولا أسألُ اتِّكالاً على القَدَرِ كان مخطئاً؛ لأنَّ اللهَ جعلَ الدعاءَ والسؤالَ من الأسباب التي ينال بها مغفرتُه ورحمتُه وهداه ونصرُه ورزقُه، وإذا قدَّر للعبد خيراً يناله بالدعاءِ لَم يَحصل بدون الدعاء، وما قدَّره اللهُ وعَلِمَه من أحوالِ العباد وعواقبِهم فإنَّما قدَّره الله بأسبابٍ يسوقُ المقاديرَ إلى المواقيت، فليس في الدنيا والآخرة شيء إلاَّ بسبب، والله خالقُ الأسباب والمسبَّبَات "١. قال الإمام ابن القيم ﵀: " أساسُ كلِّ خيرٍ أن تعلَم أنَّ ما شاء اللهُ كان وما لَم يشأ لَم يكن، فتيقَّن حينئذٍ أنَّ الحسناتِ مِن نِعمه فتشكرَه عليها وتتضَرَّعَ إليه أن لا يقطعَها عنك، وأنَّ السيِّئاتِ مِن خذلانِه وعقوبتِه، فتَبْتَهِلَ إليه أن يَحُولَ بينك وبينها، ولا يَكِلَكَ في فعلِ الحسنات وترك السيِّئات إلى نفسِك، وقد أَجْمع العارفون على أنَّ كلَّ

стр. 317

خيرٍ فأصلُه بتوفيقِ الله للعبد، وكلَّ شرٍّ فأصلُه خذلانه لعبده، وأجمعوا أنَّ التوفيقَ أن لا يكِلَك الله إلى نفسك، وأنَّ الخذلانَ هو أن يخلي بينَك وبين نفسك، فإذا كان كلُّ خيرٍ فأصلُه التوفيق وهو بيد الله لا بيد العبدِ؛ فمفتاحُه الدعاءُ والافتقارُ وصدقُ اللَّجَأ والرغبةِ والرهبةِ إليه، فمتى أعطى العبدَ هذا المفتاحَ فقد أراد أن يفتح له، ومتى أضلَّه عن المفتاح بقي بابُ الخير مُرْتَجًّا دونه ... وما أُتي مَن أُتي إلاَّ مِن قِبَل إضاعة الشكرِ وإهمالِ الافتقار والدعاء، ولا ظَفِرَ مَن ظَفِرَ ـ بمشيئة الله وعونِه ـ إلاَّ بقيامه بالشكرِ وصدقِ الافتقارِ والدعاء " اهـ١. إنَّ حاجةَ المسلم إلى الدعاء ماسَّةٌ في أموره كلِّها وضرورتَه إليه ملحَّةٌ في شؤونه جميعِها، وقد ضَرَبَ أَحدُ أهل العلم لِحال المسلم مع الدعاء مَثلاً بديعاً تستبين به شدَّةُ حاجته إليه، ويظهرُ به عظمُ ضرورته إليه، روى الإمام أحمد في كتاب الزهد عن قتادة قال: قال مُوَرِّقٌ ﵀: " ما وجدتُ للمؤمن مثلاً إلاَّ رجلاً في البحر على خشبة، فهو يدعو يا ربِّ يا ربِّ، لعل الله أن ينجيَه "٢. ومَن أقبل على الله بصدقٍ، وألَحَّ عليه بالدعاء، وأَكثَرَ من سؤالِه أجاب الله دعاءَه، وحقَّق رجاءَه، وأعطاه سُؤْلَه، وفتح له أبوابَ الخير والسعادة في الدنيا والآخرة.

стр. 318

٥٩ ـ افتقار العبد إلى اللَّه وحاجته إلى دعائه إنَّ من فضائل الدعاء ودلائل عِظم شأنه أنَّ الله ﵎ يُحبُّه من عباده مع كمالِ غِناه عنهم، ووعدَ الدَّاعين له من عباده بالإجابة، وذلك في قوله سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُم ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ١. وهذا من لُطف الله بعباده وعظيم إكرامه لهم وإحسانه بهم، فهو سبحانه لا يُخيِّب عبداً دعاه، ولا يرُدُّ مؤمناً ناجاه، يقول الله تعالى كما في الحديث القدسي: " يا عبادي كلُّكم ضالٌّ إلاَّ مَن هديتُه، فاستهدوني أهدِكم، يا عبادي كلُّكم جائعٌ إلاَّ مَن أطعمته، فاستطعِموني أطعمكم، يا عبادي كلُّكم عارٍ إلاَّ من كسوتُه، فاستكسوني أكسُكم، يا عبادي إنَّكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم ... "، وقال فيه: " يا عبادي لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وإنسَكم وجنَّكم قاموا على صعيدٍ واحدٍ فسألوني فأعطيتُ كلَّ واحد مسألتَه ما نقصَ ذلك مِمَّا عندي إلاَّ كما ينقص المِخيَطُ إذا أُدخل البحر "، رواه مسلم في سياق طويل من حديث أبي ذر رضي الله عنه٢. وفي الحديث دلالةٌ على أنَّ اللهَ يحبُّ أن يسأله العبادُ جميعَ مصالح دينهم ودنياهم من الطعام والشراب والكسوة وغير ذلك، كما يسألونه

стр. 319

الهدايةَ والمغفرةَ والتوفيقَ والإعانةَ على الطاعةِ ونحوَ ذلك، ووعدَهم سبحانه على ذلك كلِّه بالإجابة. وفيه أيضاً دلالةٌ على كمال قدرةِ الله سبحانه وكمال ملكِه، وأنَّ ملكَه وخزائنَه لا تنفدُ ولا تنقصُ بالعطاء، ولو أعطى الأوَّلين والآخرين من الجنِّ والإنس جميعَ ما سألوه في مقام واحد، وفي ذلك حثٌّ على الإكثار من سؤاله وإنزال جميع الحوائجِ به، وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: " يدُ الله ملأى لا تغيضُها نفقة، سَحَّاءُ الليل والنهار، أفرأيتم ما أنفق ربُّكم منذ خلق السموات والأرض، فإنَّه لَم يَغِضْ ما في يمينه "١، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: " إذا دعا أحدُكم فلا يقُلْ اللَّهمَّ اغفر لي إن شئتَ، ولكن ليعزم المسألةَ وليُعظم الرغبةَ، فإنَّ الله لا يتعاظمه شيءٌ "٢. وقال أبو سعيد الخدري ﵁: " إذا دعوتم اللهَ فارفعوا في المسألة، فإنَّ ما عنده لا ينفد منه شيء، وإذا دعوتم فاعزموا فإنَّ الله لا مستكره له "٣. وتأمَّل قوله سبحانه في الحديث المتقدِّم: " لَم ينقص ذلك ممَّا عندي إلاَّ كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر "، فإنَّ فيه تحقيقاً بأنَّ ما عند الله

стр. 320

لا ينقص ألبتة، كما قال تعالى: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللهِ بَاقٍ﴾ ١، فإنَّ البحرَ إذا غُمس فيه إبرة ثمَّ أُخرجت لَم تُنقص من البحر بذلك شيئاً، وكذلك لو فُرض أنَّ عصفوراً شرب منه فإنَّه لا يُنقص البحر ألبتة، وهو سبحانه إذا أراد شيئاً من عطاءٍ أو عذاب أو غيرِ ذلك قال له: كن فيكون، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ ٢، وقال سبحانه: ﴿إَنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ ٣، فكيف يُتصوَّر فيمن هذا شأنُه أن ينقص ما عنده أو ينفد، ولقد أحسن مَن قال: لا تخضعنَّ لمخلوق على طمع ... فإنَّ ذاك مُضرٌّ منك بالدِّين واسترزق الله مِمَّا في خزائنه ... فإنَّما هي بين الكاف والنون٤ إنَّ العبدَ محتاجٌ إلى الله في كلِّ شؤونِه، ومفتقرٌ إليه في جميعِ حاجاتِه، لا يستغني عن ربِّه ومولاه طرفة عين ولا أقلَّ من ذلك، وأما الربُّ سبحانه فإنَّه غنيٌّ حميدٌ، لا حاجة له بطاعات العباد ودعواتهم، ولا يعود نفعُها إليه، وإنَّما هم الذين ينتفعون بها، ولا يتضرَّرُ بمعاصيهم وإنَّما هم الذين يتضرَّرون بها، ولهذا قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ إِن يَشَأْ يُذْهِبُكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا

стр. 321

ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ٣، والآيات في هذا المعنى كثيرة. ثمَّ إنَّ الله ﵎ مع كمال غِناه عن عباده، وعن طاعاتهم ودعواتهم، وتوباتهم، فإنَّه يُحبُّ سماعَ دعاءِ الدَّاعينَ المخبتين، ورؤيةَ عبادةِ العابدين المطيعين، ويفرحُ بتوبة التائبين المُنيبين، بل إنَّه سبحانه يفرح بتوبة عبده أشدَّ من فرح مَن ضلَّت راحلتُه التي عليها طعامه وشرابه بفلاة من الأرض، وطلبها حتى أَيِسَ منها، واستسلم للموت، ثمَّ غلبته عينُه فنام واستيقظ، وهي قائمةٌ عنده، وهذا أعلى ما يتصوَّرُه المخلوقُ من الفَرَحِ، فالله سبحانه يَفرحُ بتوبة عبادِه أَشَدَّ مِن فرحِ هذا بِلُقياه لراحلته، هذا مع غِناه سبحانه الكامل عن طاعات عباده وتوباتهم إليه، وذلك كلُّه إنَّما يعود نفعُه إليهم دونَه، وهذا من كمال جُودِه وإحسانِه إلى عباده ومحبَّته لنفعهم ودفع الضر عنهم، فهو يُحبُّ من عباده أن يعرفوه ويُحبُّوه ويتَّقوه ويخافوه ويُطيعوه ويتقرَّبوا إليه، ويُحبُّ أن يعلموا أنَّه يغفر الخطيئات ويجيب الدعوات ويُقيلَ العَثَرات ويُكفِّر السيِّئات ويرزق من يشاء بغير حساب.

стр. 322

فحريٌّ بعبد الله المؤمن إذا عرف كمالَ ربِّه وجلالَه، وكرمه وإحسانه، وفضلَه وجُودَه أن ينزل به جميع حاجاته، وأن يُكثر من دعائه ومناجاته، وأن لا يَقْنَط مِن رحمة ربِّه ولا ييأس من رَوْحِه فإنَّه لا يَيْأَسُ مِن رَوْحِ الله إلاَّ القومُ الكافرون. فاللَّهمَّ وفِّقنا لِهُداك، وأعِنَّا على طاعتك، ولا تَكِلْنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك.

стр. 323

إجابه الله سبحانه للداعيين ... ٦٠ ـ إجابة الله سبحانه للدَّاعين لا يزال الحديثُ ماضياً بنا عن بيان مكانةِ الدعاءِ وفضلِه ورِفعةِ شأنِه عند الله ﵎؛ فإنَّ من فضل الدعاء أنَّ الله ﵎ وعدَ مَن دعاه أن يجيب دعاءَه ويحقِّقَ رجاءَه، ويُعطيَه سُؤْلَه، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُم ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ١، وهذا من فضله ﵎ وكرمِه أنَّه ندبَ عبادَه إلى دعائه وتكفَّلَ لهم بالإجابة، وأحبَّ منهم أن يُكثروا من دعائه وسؤاله، كما قال سفيان الثوري ﵀: " يا مَن أحبُّ عباده إليه مَن سأله فأكثر سؤاله، ويا مَن أبغضُ عباده إليه مَن لَم يسأله، وليس كذلك غيرُك يا ربِّ "، رواه ابن أبي حاتم وغيرُه٢. لقد ثبت عن النبي ﷺ أحاديثُ كثيرةٌ في الترغيب في الدعاء ببيان أنَّ الله تبارك يُعطي السائلين ويُجيب الدَّاعين، ولا يُخيب رجاء المؤمنين، فهو سبحانه حيِّيٌّ كريم، أكرمُ مِن أن يردَّ مَن دعاه أو يخيبَ من ناجاه أو يمنع مَن سأله. روى أبو داود، والترمذي، وغيرُهم بإسنادٍ جوَّده الحافظ في الفتح عن سلمان الفارسي ﵁، عن النبي ﷺ قال: " إنَّ اللهَ حَيِيٌّ

стр. 324

كريمٌ يستحيي مِن عبده إذا رفع يديه إليه أن يردَّهما صِفْراً "١، أي: خالية. وفي حديث النزول الإلهي يقول ﷺ : " ينزل ربُّنا ﵎ كلَّ ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثُلث الليل الآخر فيقول: مَن يدعوني فأستجيب له، مَن يسألني فأعطيَه، مَن يستغفرني فأغفرَ له " ٢، وهو حديث متواتر رواه عن النبيِّ ﷺ جمعٌ من الصحابة بلغ عددُهم ثمانية وعشرين صحابياً. وجاء في الحديث القدسي في بيان منزلة أولياء الله المتقين عند الله، أنَّ اللهَ ﵎ يقول: " مَن عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ ممَّا افترضتُه عليه، وما يزال عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته كنتُ سَمْعَه الذي يَسمع به، وبصرَه الذي يُبصر به، ويدَه التي يَبطِش بها، ورِجلَه التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينَّه ولئن استعاذ بي لأعيذنَّه ... "، رواه الإمام البخاري في صحيحه٣. إنَّ هذه الأحاديث وما جاء في معناها تدلُّ أبين دلالة على أنَّ الله ﵎ لا يردُّ مَن سأله من عباده المؤمنين، ولا يخيب مَن رجاه، لكن قد استُشكل هذا، كما ذكر الحافظ ابن حجر بأنَّ جماعةً من

стр. 325

العُبَّاد والصُلحاء دَعَوا وبالغوا ولَم يُجابوا، قال ﵀: " والجواب أنَّ الإجابةَ تتنوَّع، فتارة يقع المطلوب بعينه على الفور، وتارة يقع ولكن يتأخَّر لحكمةٍ، وتارة قد تقع الإجابةُ ولكن بغير عين المطلوب حيث لا يكون في المطلوب مصلحةٌ ناجزةٌ، وفي الواقع مصلحةٌ ناجزةٌ أو أصلحُ منها "١، وقال ﵀: " إنَّ كلَّ داعٍ يُستجاب له، لكن تتنوَّع الإجابةُ فتارة تقع بعين ما دعا به وتارة بعِوض "٢، وقد ورد في هذا المعنى الذي ذكره ﵀ أحاديث عديدة، منها: ما رواه الترمذي، والحاكم، وصححه الحافظ ابن حجر من حديث عُبادة بن الصامت ﵁ رفعه: " ما على الأرض مسلمٌ يدعو بدعوة إلاَّ أتاه الله إيَّاها أو صرف عنه من السوء مثلَها "٣. وروى الإمام أحمد، والبخاري في الأدب المفرد، والحاكم، وغيرهم عن أبي سعيد الخدري ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: " ما مِن مسلمٍ يدعو بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قطيعةُ رحِم إلاَّ أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إمَّا أن يُعجِّل له دعوتَه، وإمَّا أن يدَّخِرها له في الآخرة، وإمَّا أن يصرفَ عنه من السوء مثلَها، قالوا: يا رسول الله إذاً نُكثر، قال: الله أكثر "٤.

стр. 326

فقد أخبر الصادقُ المصدوق في هذه الأحاديث أنَّه لا بدَّ في الدعوةِ الخالية من العدوان من إعطاء السُؤل معجَّلاً أو مثلِه من الخير مؤجَّلاً أو يصرفُ عنه من السوء مثله، وبهذا يتبيَّن أنَّ إجابةَ الداعي في سؤاله أعمُّ من إعطائه عينَ المسؤول. فهذا هو جواب الاستشكال السابق، وقد ذكر أهل العلم أيضاً جوابين آخرين: أحدهما: أنَّ إجابةَ الداعي لَم تضمَّن عطيَّة السؤال مطلقاً، وإنّما تضمَّنت إجابة الداعي، والداعي أعمُّ من السائل، وإجابةُ الداعي أعمُّ من إعطاء السائل كما تقدَّم معنا في حديث النزول التفريق بينهما بقوله سبحانه: " مَن يدعوني فأستجيب له، مَن يسألني فأعطيه "، ففرق بين الداعي والسائل، وبين الإجابة والإعطاء، لكن الاستشكال مع هذه الإجابة قائمٌ من جهة أنَّ السائلَ أيضاً موعودٌ بالإعطاء كما في الحديث المتقدِّم. الجواب الثاني: أنَّ الدعاءَ في اقتضائه الإجابة شأنه كسائر الأعمال الصالحة في اقتضائها الإثابة، فالدعاءُ سببٌ مقتضٍ لنيل المطلوب والسبب له شروط وموانع، فإذا حصلت شروطه وانتفت موانعه حصل المطلوب، وإلاَّ فلا يحصل ذلك المطلوب، كما هو الشأن في قبول الأعمال الصالحة والكلمات الطيِّبة، وللموضوع صلة

стр. 327

٦١ ـ إجابة الدعاء موقوفةٌ على توفُّرِ شروطٍ وانتفاء موانع تقدَّم معنا ذكرُ قول الله ﵎: ﴿وَقَالَ رَبُّكُم ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ١، وبيانُ ما فيه من دلالة على إجابة الله لِمَن دعاه، وتقدَّم معنا أيضاً استشكالُ بعض أهل العلم لذلك، بأنَّ بعضَ الداعين قد يدعو ويسأل اللهَ أموراً قد لا يرى أنَّه تحقَّق له شيءٌ منها أو تحقَّق له بعضُها دون بعض، وقد أجاب عن ذلك أهلُ العلم بأجوبةٍ عديدة تقدَّم ذكرُ ثلاثةٍ منها، إلاَّ أنَّ أحسنَ ما قيل في ذلك هو أنَّ الدعاءَ سببٌ مقتضٍ لنيل المطلوب، ونيل المطلوب له شروط وموانع، فإذا حصلت شروطُه وانتفت موانعُه تحقَّق المطلوبُ وإلاَّ فلا، كما هو الشأنُ في جميع الأعمال الصالحة والأذكار النافعة، لا تُقبل إلاَّ إذا استوفى المسلمُ شروطَها وابتعد عن موانع قبولها، أما إذا وُجد المانعُ وانتفى الشرط فإنَّ العملَ لا يُقبل. والشأنُ في الدعاء كذلك، فإنَّ الدعاءَ في نفسه نافعٌ مفيدٌ، وهو مفتاحٌ لكلِّ خير في الدنيا والآخرة، لكنه يستدعي قوَّةَ هِمَّة الداعي وصحةَ عزيمَتِه وحسنَ قصدِه وبُعدَه عن الأمور التي تمنع من القبول. قال ابن القيم ﵀: " فإنَّه ـ أي الدعاء ـ من أقوى الأسباب في دفعِ المكروه وحصول المطلوب، ولكن قد يتخلَّف عنه أثرُه؛ إمَّا لضعفٍ

стр. 328

في نفسه بأن يكون دعاءً لا يُحبُّه اللهُ لِمَا فيه من العدوان، وإمَّا لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيَّتِه عليه وقت الدعاءِ، فيكون بمنزلةِ القَوسِ الرَّخوِ جدًّا، فإنَّ السهمَ يخرج منه خروجاً ضعيفاً، وإمَّا لحصول المانع من الإجابة من أكل الحرام والظلمِ ورَيْنِ الذنوب على القلوب، واستيلاءِ الغفلةِ والشهوةِ واللَّهو وغلبتِها عليها، كما في مستدرك الحاكم من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: " ادعوا اللهَ وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أنَّ اللهَ لا يَقبلُ دعاءً من قلبٍ غافلٍ لاهٍ "١، فهذا دواءٌ نافع مزيلٌ للدَّاء، ولكنَّ غفلةَ القلب عن الله تُبطلُ قوَّتَه، وكذلك أكلُ الحرام يُبطلُ قوَّته ويُضعفها كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " يا أيُّها الناس، إنَّ اللهَ طيِّبٌ لا يقبل إلاَّ طيِّباً، وإنَّ اللهَ أمَرَ المؤمنين بما أمر به المرسَلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ٢، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ٣، ثمَّ ذَكرَ الرَّجلَ يُطيل السَّفر أشعث أغبر يَمدُّ يديه إلى السماء يا ربِّ يا ربِّ، ومطعمُه حرام، ومشربُه حرامٌ، وملبسُه حرام، وغُذِيَ بالحرام، فأنَّى يُستجاب لذلك "٤ "٥.

стр. 329

فأشار صلوات الله وسلامه عليه في هذا الحديث إلى آداب الدعاء وإلى الأسباب التي تقتضي إجابته وإلى ما يمنع من إجابته، والحديث فيه دلالةٌ عظيمةٌ وإشاراتٌ نافعةٌ في هذا الباب سيأتي بيانُها لاحقاً إن شاء الله. ومِمَّا يدلُّ على أنَّ الدعاءَ متوقِّفٌ في قبوله على وجود شروط وانتفاء موانع، ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: " يُستجاب لأحدكم ما لَم يعجَل، يقول: دعوتُ فلم يُستجب لي "١. وثبت في صحيح مسلم عنه ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: " لا يزال يُستجاب للعبد ما لَم يدعُ بإثمٍ أو قطيعة رحِم ما لَم يستعجل، قيل: يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوتُ، وقد دعوتُ فلم أَرَ يستجيبُ لي، فيَسْتَحْسِرُ عند ذلك، ويَدعُ الدعاءَ "٢. وفي المسند بإسناد جيِّد من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يزال العبدُ بخير ما لَم يستعجل، قالوا: يا رسول الله كيف يستعجل؟ قال: يقول: قد دعوتُ ربِّي فلم يستجب لي "٣. فاستعجالُ الإجابةِ آفةٌ من الآفات تمنع ترتُّبَ أثر الدعاء عليه، حيث إنَّ المستعجلَ عندما يستبطئ الإجابةَ يستحسرُ ويدعُ الدعاءَ، ويكون

стр. 330

بذلك كما يقول ابن القيم ﵀: " بِمنزلةِ مَن بذرَ بذراً، أو غرَسَ غرساً فجعل يتعهده ويسقيه، فلمَّا استبطأ كمالَه وإدراكَه تركَه وأهمله "١. كما أنَّ في قولِه ﷺ في الحديث المتقدم: " ما لَم يدْع بإثم أو قطيعة رحم " إشارةً أخرى إلى مانعٍ من موانع قبول الدعاء، وهو أن لا يدعو الإنسانُ بإثمٍ أو معصيةٍ أو سوءٍ يلحقه أو يلحق غيره، وهذا من حكمة الله ﵎ ولُطفِه بخَلقِه، ولو أنَّه سبحانه أجاب العبدَ في كلِّ ما يريد ويطلب لأدَّى ذلك إلى وقوع مفاسد عديدة له أو لغيره، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ اتَّبَعَ الحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً﴾ ٤. وبهذا يُعلم أنَّ النصوصَ قد دلَّت على أنَّ إجابةَ الدعاء موقوفةٌ على تحقُّق شروط وانتفاء موانع، وقد أشرتُ إلى بعضها، وسيأتي ذكرُ جملةٍ منها إن شاء الله.

стр. 331

٦٢ ـ أربعة أسباب لإجابة الدعاء إنَّ من الأحاديث العظيمة الجامعة لذكرِ آداب الدعاء وشروطِه وموانعِ قبوله ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إنَّ اللهَ تعالى طيِّبٌ لا يقبل إلاَّ طيِّباً، وإنَّ اللهَ تعالى أمَرَ المؤمنين بما أمر به المرسَلين، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا للهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ٢، ثمَّ ذَكرَ الرَّجلَ يُطيل السَّفر أشعث أغبر يَمدُّ يديه إلى السماء يا ربِّ يا ربِّ، ومطعمُه حرام، ومشربُه حرامٌ، وملبسُه حرام، وغُذِيَ بالحرام، فأنَّى يُستجاب لذلك "٣. هذا الحديث يُعدُّ من جوامعِ كَلِم الرسول ﷺ ، وقد جمع فيه صلوات الله وسلامه عليه جملةً طيِّبةً من آداب الدعاء وشروط قبوله، والأمور المانعة من القبول، وقد بدأه ﵊ بالإشارةِ إلى خطورة أكلِ الحرام، وأنَّه مانعٌ من موانع قبول الدعاء، ومفهوم المخالفة لذلك أنَّ إطابةَ المطعم سببٌ من أسباب قبول الدعاء، كما قال وهبُ ابن منبِّه ﵀: " مَن سرَّه أن يستجيب الله دعوتَه فليُطيب طُعْمَتَه "، ولَمَّا سئل سعدُ بن أبي وقاص ﵁ تستجاب دعوتك من بين

стр. 332

أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فقال: " ما رفعتُ إلى فمي لُقمةً إلاَّ وأنا عالِمٌ من أين مجيئُها ومن أين خرجت "١. أمَّا من استمرأ ـ والعياذ بالله ـ أكلَ الحرام وشربه ولبسَه والتغذي به، فإنَّ فعلَه هذا يكون سبباً موجباً لعدم إجابةِ دعوته، ولهذا قال ﵊ في الحديث: " فأنَّى يُستجاب لذلك "، أي كيف يُستجاب له، فهو استفهامٌ وقع على وجه التعجب والاستبعاد، وقد يكون أيضاً ارتكابُ المحرَّمات الفعلية مانعاً من الإجابةِ، وكذلك تركُ الواجبات، كما قال بعض السلف: " لا تستبطئ الإجابةَ وقد سددتَ طُرقَها بالمعاصي "٢. ولهذا فإنَّ توبةَ العبد إلى ربِّه، وبُعدَه عن معاصيه، وإقبالَه على طاعته وعبادته، وإطابتَه لمطعمه ومشربِه وملبسه، وانكسارَه بين يديه، وذُلَّه وخضوعَه له سبحانه كلُّ ذلك من موجبات القبول ومن أسباب إجابةِ الدعاء، وأضدادُ ذلك من موجبات الردِّ. لقد ذكر رسول الله ﷺ في الحديث المتقدِّم أربعةَ أسباب عظيمةٍ لقبولِ الدعاء تقتضي إجابتَه: أحدها: إطالة السفر، والسفر بمجرَّده يقتضي إجابةَ الدعاء، كما في حديث أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ : " ثلاثُ دعوات مستجابات لا شكَّ فيهنَّ: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد لولده "، رواه أبو

стр. 333

داود وابن ماجه والترمذي بإسناد حسن، ولفظ الترمذي: " ودعوة الوالد على ولده "١، ومتى طال السفرُ كان أقربَ إلى إجابةِ الدعاء؛ لأنَّه مظنَّةُ حصولِ انكسار النفس بطول الغُربةِ عن الأوطان وتحملِ المشاق، والانكسارُ من أعظم أسباب إجابة الدعاء. الثاني: أن يكون متواضِعاً مُتذلِّلاً مستكيناً، فهذا أيضاً من مقتضيات الإجابة كما في الحديث المشهور عن النبي ﷺ : " رُبَّ أشعث أغبَر مدفوع بالأبواب، لو أَقسمَ على الله لأبرَّه " ٢. وعن ابن عباس ﵄ لَمَّا سُئل عن صلاة رسول الله ﷺ في الاستسقاء؟ قال: " خرج رسول الله ﷺ متبذِّلاً متواضعاً مُتضرِّعاً ... "، الحديث رواه أبو داود، وغيرُه٣. الثالث: مدُّ اليدين إلى السماء، وهو مِن آداب الدعاء التي يُرجى بسببها إجابته، ففي سنن أبي داود وغيره عن سلمان الفارسيِّ ﵁، عن النبي ﷺ قال: " إنَّ اللهَ حيِيٌّ كريم، يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردَّهما صِفْراً خائبتين "٤.

стр. 334

الرابع: الإلحاح على الله بتكرير ذكر ربوبيَّته، وهو من أعظم ما يطلب به إجابة الدعاء، روي عن عطاء أنَّه قال: " ما قال عبدٌ يا رب يا رب ثلاث مرَّات إلاَّ نَظر اللهُ إليه، فذُكر ذلك للحَسن فقال: أما تقرؤون القرآن؟ ثمَّ تلا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ المِيعَادَ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنكُمْ﴾ ١ "٢. ولهذا فإنَّ غالبَ الأدعيةِ المذكورةِ في القرآن مفتتحةٌ باسم الربِّ، ولهذا لَمَّا سُئل مالك ﵀ عمَّن يقول في الدعاء يا سيِّدي، قال: " يقول: يا ربِّ كما قالت الأنبياء في دعائهم "٣. فهذه أربعة أسباب عظيمةٍ لإجابة الدعاء انتظمها قول النبي ﷺ في ذلك الرجل " يطيل السفر، أشعث أغبر، يمدُّ يديه إلى السماء، يا رب يا رب "، ومع ذلك استبعد صلوات الله وسلامه عليه إجابةَ دعائه؛ لأنَّ

стр. 335

مطعمَه حرامٌ وملبسَه حرامٌ، ومَشربَه حرامٌ، وغُذي بالحرام، فكيف يُستجاب لِمَن كانت هذه حاله. ولهذا فليتق اللهَ عبدُ الله المؤمن في طعامه وشرابه وسائر شؤونه، وليَستعِن بالله على ذلك، فالتوفيق بيده وحده، فنسأله سبحانه أن يرزُقَنا الرزقَ الطيب الحلال، والدعوةَ الصالحة المستجابة، إنَّه نِعم المرجو ونعم المعين.

стр. 336

٦٣ ـ الدعاءُ حقٌّ خالصٌ لله لقد مرَّ معنا قولُ النبي ﷺ : " الدعاء هو العبادة، ثمَّ قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُم ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ١ "٢، ولا ريبَ أنَّ في هذا الحديث أبلغَ دلالة على عِظم شأن الدعاء، وأنَّه نوعٌ من أنواع العبادة، ولا يخفى على كلِّ مسلم أنَّ العبادةَ حقٌّ خالصٌ لله وحده، فكما أنَّ الله ﵎ لا شريك له في الخلق والرزق والإحياء والإماتة والتصرُّف والتدبير، فكذلك لا شريك له في العبادة بجميع أنواعها ومنها الدعاء، فمَن دعا غير الله طالباً منه أمراً من الأمور التي لا يقدرُ عليها إلاَّ الله فقد عَبَدَ غيرَ الله وأَشركَ معه غيرَه، والله ﵎ لَم يَبعث رُسلَه ولم يُنزل كتبَه إلاَّ لدعوةِ الناس إلى الإخلاص في العبادة والتحذير من صرفِها لغير الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِداً لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُو سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿أَلاَ للهِ الدِّينُ

стр. 337

الخَالِصُ﴾ ١، والآياتُ في هذا المعنى كثيرةٌ. ولهذا فقد تواترت الأدلةُ وتضافرت النصوص في الكتاب والسنة على التحذير من صرفِ الدعاء لغير الله والنهي عن ذلك وذمِّ فاعله بأشدِّ أنواع الذمِّ، حتى صار ذلك من ضروريات هذا الدِّين التي لا يرتابُ فيها كلُّ مَن فهم كتاب الله وسنَّةَ رسوله ﷺ ، وقد تنوَّعت دلالاتُ نصوص القرآن الكريم المشتملةِ على ذلك وتكرَّرت في مواطن كثيرة، وذلك لشدَّةِ خطورةِ دعاء غير الله، ولكونه أكثر أنواع الشرك وقوعاً، حتى قال بعضُ أهل العلم: " لا نعلم نوعاً من أنواع الكفر والرِّدة ورد فيه من النصوص مثل ما ورد في دعاء غير الله بالنهي عنه والتحذير من فعلِه والوعيد عليه "٢. فمِن هذه النصوص قول الله ﵎: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنينَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿هُوَ الحَيُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ ٥.

стр. 338

قال الشوكاني ﵀ في رسالةٍ له في وجوب توحيد الله بعد أن أورد طرفاً من هذه النصوص: " فهذه الآياتُ البيِّنات دلَّت على أنَّ الدعاءَ مطلوبٌ لله من عباده، وهذا القدر يكفي في إثبات كونه عبادة، فكيف إذا انضمَّ إلى ذلك النهيُ عن دعاء غير الله سبحانه، قال الله : ﴿فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً﴾ ١، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ﴾ ٢، وقال سبحانه ناعياً على مَن يدعو غيرَه ضارباً له الأمثال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿قُل ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ﴾ ٤. فكيف إذا صرَّح القرآنُ الكريمُ بأنَّ الدعاءَ عبادةٌ تصريحاً لا يبقى عنده ريبٌ لمرتابٍ، قال الله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ٥، فقد طلبَ اللهُ سبحانه من عباده في هذه الآيةِ أن يدعوه، وجعلَ جزاءَ الدعاء له منهم الإجابةَ منه فقال: ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ، ولهذا جزمه لكونه جواباً للأمر، ثمَّ توعَّدهم على الاستكبار عن هذه العبادة

стр. 339

ـ أعني الدعاءَ ـ بما صرَّح به في آخر الآية وجعل العبادةَ مكان الدعاء تفسيراً له وإيضاحاً لمعناه، وبياناً لعباده بأنَّ هذا الأمرَ الذي طلبه منهم وأرشدهم إليه هو نوعٌ من عبادته التي خصَّ بها نفسَه وخلق لها عباده كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ١، ومع هذا كلِّه فقد جاءت السنة المطهرةُ بما يدلُّ أبلغ دلالة على أنَّ الدعاءَ من أكمل أنواع العبادة ... "٢، ثمَّ ذكر ﵀ ما يدل على ذلك من السنة. إنَّ الواجبَ على كلِّ مسلمٍ أن يدركَ خطورةَ الأمر، وأن يعلمَ أنَّ هذا حقٌّ خالصٌ لله لا يجوز أن يُشرَك معه فيه غيرُه، وكيف يُشرَك المخلوقُ الضعيفُ العاجزُ بالملِكِ العظيم الذي بيده أزمَّةُ الأمور، المتفرِّدُ بإجابةِ الدعاءِ وكشف الكروب، الذي له الأمرُ كلُّه، وبيده الخيرُ كلُّه، وإليه يرجعُ الأمرُ كلُّه، لا مُعقِّب لحكمه، ولا رادَّ لقضائه، الذي ما تعلَّق به ضعيفٌ إلاَّ أفاده القوَّةَ، ولا ذليلٌ إلاَّ أناله العزَّةَ، ولا فقيرٌ إلاَّ أعطاه الغنى، ولا مستوحشٌ إلا آنسَه، ولا مغلوبٌ إلاَّ أيَّده ونصره، ولا مضطرٌ إلاَّ كشف ضُرَّه، ولا شريدٌ إلاَّ آواه، فهو سبحانه الذي يجيب المضطرِّين، ويغيثُ الملهوفين، ويُعطي السائلين، لا مانعَ لما أعطى، ولا مُعطي لما منع، لا إله إلاَّ هو الملكُ الحقُّ المبين.

стр. 340

وقد أجمع أهلُ العلم على أنَّ مَن صرف شيئاً من الدعاء لغير الله فهو مشركٌ بالله العظيم، ولو قال لا إله إلاَّ الله محمد رسول الله، ولو صلَّى وصام؛ إذ شرطُ الإسلام أن لا يُعبدَ إلاَّ الله، فليحذر مَن يريد لنفسه الفوزَ والسعادةَ مِن هذا الإثم المبين والخطرِ العظيم. نسأل الله الكريم أن يُجنِّبنا والمسلمين ذلك، وأن يقينا من الزلل في القول والعمل، إنَّه وليُّ ذلك والقادر عليه.

стр. 341

٦٤ ـ أهميَّةُ اتباع السنة في الدعاء لقد تقدَّم معنا الإشارةُ إلى جملةٍ من الضوابطِ المهمِّةِ والشروطِ العظيمة التي ينبغي أن يتقيَّدَ بها المسلمُ في الدعاءِ، وأهمُّها هو إخلاصُه لله وحده لا شريك له؛ إذ الدعاءُ نوعٌ من أنواعِ العبادة وفردٌ من أفرادها، والعبادةُ حقٌّ لله لا شريك له فيها، فهو سبحانه المعبود بحقٍّ ولا معبود بحقٍّ سواه، ولذا فإنَّ أخطرَ جانبٍ يُخلُّ به في الدعاءِ هو أن يُصرف لغير الله بأن يُجعل لغيره شركةٌ فيه، والله يقول: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُوا مِن دُونِ الله مَن لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿وَأَنَّ المَسَاجِدَ للهِ فَلاَ تَدْعُو مَعَ اللهِ أَحَداً﴾ ٢، والآياتُ في هذا المعنى كثيرةٌ، وقد مضى معنا طرفٌ منها. وكما أنَّ الدعاءَ يُشترطُ فيه إخلاصُه لله ليكون مقبولاً عنده، فكذلك يُشترطُ فيه المتابعةُ للرسول الكريم ﷺ ؛ إذ إنَّ هذين الأمرين ـ أعني الإخلاصَ والمتابعةَ ـ هما شرطَا قبول الأعمال كلِّها، فلا قبول لأيِّ عملٍ من الأعمال إلاَّ بهما، كما قال الفضيل بن عياض ﵀: " دين الله أخلصُه وأصوبُه، قيل: يا أبا علي، ما أخلصُه

стр. 342

وأصوبُه؟ فقال: إنَّ العملَ إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لَم يُقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لَم يُقبل، حتى يكون خالصاً صواباً، والخالصُ ما كان لله، والصواب ما كان على السنة "١. وقد جاءت السنةُ النبوية بالهدى المبين والسَنن القويم والصراط المستقيم، الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم، سواءً في الدعاء أو في غيره من الأعمال التي يُقصد بها التقرُّبُ إلى الله، فالسنةُ قد دلَّت على جنس المشروع والمستحبِّ في ذكر الله ودعائه كسائر العبادات، فقد بيَّن النبي الكريم ﷺ لأمَّته ما ينبغي لهم أن يقولوه من ذِكر ودعاءٍ في الصباح والمساء، وفي الصلوات وأعقابِها، وعند دخول المسجد، وعند النوم، وعند الانتباه منه، وعند الفَزَع فيه، وعند تناول الطعام وبَعده، وعند ركوب الدَّابَّةِ، وعند السفر، وعند رؤية ما يُحبُّه المرءُ، وعند رؤيةِ ما يكره، وعند المصيبة، وعند الهمِّ والحزن، أو غير ذلك من أحوال المسلم وأوقاته المختلفة. كما أنَّه ﷺ بيَّن مراتبَ الأذكار والأدعية وأنواعَها وشروطَها وآدابَها أتمَّ البيان وأوفاه وأكمَلَه، وتركَ أمَّتَه في هذا الباب وفي جميع أبواب الدِّين على محجَّةٍ بيضاء وطريقٍ واضحةٍ لا يزيغُ عنها بعده إلاَّ هالكٌ، فالمشروع للمسلم هو أن يذكرَ اللهَ بما شرع، وأن يدعوه بالأدعيةِ المأثورة؛ لأنَّ الذِّكرَ والدعاءَ عبادةٌ، والعبادةُ مبناها على الاتِّباع

стр. 343

للرسول الكريم ﷺ ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " لا ريب أنَّ الأذكارَ والدعواتِ من أفضل العبادات، والعباداتُ مبناها على التوقيف والاتِّباع، لا على الهوى والابتداع، فالأدعيةُ والأذكارُ النبويَّةُ هي أفضلُ ما يتحرَّاه المتحرِّي من الذِّكر والدعاء، وسالكُها على سبيل أمانٍ وسلامة ... وما سواها من الأذكار قد يكون محرَّماً، وقد يكون مكروهاً، وقد يكون فيه شركٌ ممَّا لا يهتدي إليه أكثرُ الناس، وهي جملةٌ يطول تفصيلها. وليس لأحدٍ أن يَسُنَّ للناسِ نوعاً من الأذكار والأدعيةِ غير المسنون، ويجعلَها عبادةً راتبةً يواظب الناسُ عليها كما يُواظبون على الصلوات الخمس، بل هذا ابتداعُ دينٍ لَم يأذن الله به، بخلاف ما يدعو به المرءُ أحياناً من غير أن يجعله للناسِ سنة، فهذا إذا لَم يُعلم أنَّه يتضمَّن معنى محرَّماً لَم يُجزم بتحريمه، لكن قد يكون فيه ذلك، والإنسان لا يَشعرُ به، وهذا كما أنَّ الإنسانَ عند الضرورةِ يدعو بأدعيةٍ تُفتحُ عليه ذلك الوقت فهذا وأمثالُه قريب. وأمَّا اتِّخاذُ وِرْدٍ غير شرعيٍّ، واستنانُ ذِكرٍ غير شرعيٍّ فهذا مِمَّا يُنهى عنه، ومع هذا ففي الأدعيةِ الشرعية والأذكار الشرعيةِ غايةُ المطالبِ الصحيحةِ، ونهايةُ المقاصدِ العلية، ولا يَعدلُ عنها إلى غيرها من الأذكارِ المُحدَثةِ المبتَدَعة إلاَّ جاهلٌ أو مفرِّطٌ أو مُتعدٍّ "١. اهـ كلامه ﵀.

стр. 344

ومع أنَّ الأدعيةَ المأثورةَ مشتملةٌ على جِماع الخير وتمامِ الأمرِ ونهايةِ المقاصدِ العليَّة وأشرفِ المطالبِ الصحيحةِ إلاَّ أنَّك ترى في كثيرٍ من الناس مَن يعدِلُ عنها ويرغَبُ في غيرها، بل ولربَّما فضَّل غيرَها عليها، ومِن هؤلاء مَن يجعلُ لنفسه وِرْداً خاصًّا قاله بعضُ الشيوخ، فيلتزمُه ويحافظُ عليه ويعظِّمُ من شأنه، ويقدِّمُه على الأدعية المأثورة، والأورادِ الصحيحةِ الثابتة عن الرسول الكريم ﷺ ، وهذا من أشدِّ الناس نكوباً عن الجادَّة. قال شيخ الإسلام ﵀: " ومِن أشدِّ الناس عَيباً مَن يتَّخذُ حزباً ليس بمأثور عن النبي ﷺ وإن كان حزباً لبعض المشايخ، ويَدَعُ الأحزابَ النبويَّة التي كان يقولها سيِّدُ بني آدم، وإمامُ المرسَلين، وحجَّةُ الله على عباده "١. وقال العلاَّمة المعلّمي ﵀: " ... وما أخسر صفقة مَن يَدَع الأدعيةَ الثابتة في كتاب الله ، أو في سنَّة رسول الله ﷺ فلا يكاد يدعو بها، ثمَّ يعمدُ إلى غيرِها فيَتحرَّاه ويُواظبُ عليه، أليس هذا من الظلم والعدوان؟ "٢. فالخيرُ كلُّ الخير في اتِّباع الرسول الكريم ﷺ ، والاهتداءِ بهديِه وترسمِ خُطاه، ولزوم نهجه، فهو القدوةُ لأمَّته، والأُسوةُ الحسنةُ لهم، وقد كان أكملَ الناس ذكراً لله، وأحسنَهم قياماً بدعائه سبحانه.

стр. 345

ولهذا فإنَّ مَن اجتمع له في هذا الباب لزومُ الأذكار النبوية والأدعية المأثورة مع فهم معانيها ومدلولاتها، وحضورِ القلب عند الذكرِ والدعاءِ بها، فقد كمل نصيبُه من الخيرِ وعظم حظّه من السداد. ولهذا أيضاً اعتنى أهل العلم بجمع الأدعية المأثورة لتكون بين أيدي الناس وفي متناولهم، فيستغنوا بها عن الأوراد المُحدَثة والأدعية المبتدعة، قال الإمامُ أبو القاسم الطبراني ﵀ في مقدِّمة كتابه الدعاء: " هذا كتابٌ ألَّفته جامعاً لأدعية رسول الله ﷺ حداني على ذلك أنِّي رأيتُ كثيراً من الناس قد تمسَّكوا بأدعية سجعٍ، وأدعيةٍ وُضعت على عدد الأيام ممَّا ألَّفها الورَّاقون لا تُروى عن رسول الله ﷺ ولا عن أحدٍ من أصحابه ولا عن أحدٍ من التابعين بإحسان، مع ما روي عن رسول الله ﷺ من الكراهية للسجعِ في الدعاء والتعدِّي فيه، فألَّفتُ هذا الكتابَ بالأسانيد المأثورة عن رسول الله ﷺ ... "١، إلى آخر كلامِه ﵀. ومن المؤلفات الجيِّدة في هذا الباب: " الأذكار " للنووي، و" الكلم الطيِّب " لابن تيمية، و" الوابل الصيب " لابن القيم، فحريٌّ بالمسلم أن يُفيدَ من مثل هذه الكتب القيِّمة، المبنيَّة على ما أُثر عن رسول الله ﷺ ، ويَدَع ما سوى ذلك مِمَّا أحدثه الورَّاقون، وأنشأه المتكلِّفون، رزقنا الله جميعاً لزومَ السنَّة واقتفاء آثار خير الأمة صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 346

٦٥ ـ التحذيرُ من الأدعية المُحدَثة تقدَّم الكلامُ حول أهميَّة التقيُّد بالسنة في الدعاء، وضرورة لزومِ هَدي النبي ﷺ فيه؛ لأنَّ الدعاءَ عبادةٌ، والعبادةُ مبناها على التوقيف والاتباع، لا على الهوى والابتداع، وسبق الإشارةُ إلى أنَّ السنةَ قد جاء فيها بيانُ الدعاءِ وجميعُ ما يتعلَّق به بياناً وافياً شافياً لا مزيد عليه بذكر أنواعه وشروطه وآدابه وأوقاته وغير ذلك ممَّا يتعلَّق به. ولهذا فإنَّ المتأكَّدَ على كلِّ مسلمٍ في هذا البابِ العظيمِ أن يجتهدَ في طلب هدي النبيِّ ﷺ في الدعاء، وأن يحرصَ أشدَّ الحِرصِ على معرفة سبيله فيه؛ ليقتفي آثاره، وليسير على نهجه، وليلزمَ طريقته صلوات الله وسلامه عليه. ولا يجوز لمسلم أن يلتزم أدعيةً راتبةً أو مُخصَّصة بأوقات معيَّنة أو بصفات معيَّنة سوى ما ورد من ذلك في سنة الرسول الكريم ﷺ ، أمَّا الأدعيةُ العارضةُ التي تحصلُ من المسلم بسبب أمورٍ قد تعرضُ له، فله أن يسألَ اللهَ ما شاء فيما لا يتنافى مع الشرع. ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " الأذكار والدعوات من أفضل العبادات، والعباداتُ مبناها على الاتباع، وليس لأحد أن يسُنَّ منها غيرَ المسنون، ويجعلَه عادةً راتبةً يواظب الناسُ عليها، بل هذا ابتداعُ دينٍ لم يأذن به الله، بخلاف ما يدعو به المرء أحياناً من غير أن يجعله سنة "١ اهـ.

стр. 347

ولهذا نجد أنَّ الصحابةَ ﵃ بادروا إلى إنكار تخصيص هيئات معيَّنة للأذكار والأدعيةِ أو أوقات معيَّنة أو نحو ذلك ممَّا لَم يرِد به الشرعُ ولم تثبت به السنةُ، ومِن ذلكم إنكارُ عبد الله بن مسعود ﵁ على أولئك النفر الذين تحلَّقوا في المسجد وفي أيديهم حصًى يُسبِّحون بها ويُهلِّلون ويُكبِّرون بطريقة مُحدَثةٍ وصفةٍ مبتدعةٍ، لَم تكن موجودةً على عهد رسول الله ﷺ ، فبادرهم بالإنكار ونهاهم عن ذلك أشدَّ النهي، وبيَّن لهم خطورةَ ذلك وسوءَ مغَبَّتِه عليهم، روى الإمام الدارمي ﵀ بإسنادٍ جيِّد عن عمرو بن سلمة الهمداني قال: " كنّا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري فقال: أخَرَج إليكم أبو عبد الرحمن بعدُ؟ قلنا: لا، فجلس معنا حتى خرج، فلمّا خرج قُمنا إليه جميعاً، فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن! إنّي رأيتُ في المسجد آنفاً أمراً أنكرتُه، ولَم أَرَ والحمد لله إلا خيراً، قال: فما هو؟ فقال: إن عِشْتَ فستراه، قال: رأيت في المسجد قوماً حِلَقاً جلوساً ينتظرون الصلاةَ، في كلِّ حَلْقَةٍ رَجلٌ، وفي أيديهم حصى، فيقول: كبِّروا مائة! فيكبّرون مائة، فيقول: هلِّلوا مائة! فيهلِّلون مائة، ويقول: سبِّحوا مائة! فيسبّحون مائة، قال: فماذا قلتَ لهم؟ قال: ما قلتُ لهم شيئاً انتظارَ رأيِك قال: أفلا أمرتَهم أن يَعُدّوا سيئاتهم وضَمنتَ لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء. ثمَّ مضى ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحلق، فوقف عليهم، فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن! حصى نَعُدُّ به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: فعدّوا

стр. 348

سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء؛ وَيْحَكم يا أمّة محمد! ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيّكم ﷺ متوافرون، وهذه ثيابه لَم تَبْلَ، وآنيتُه لَم تكسر، والذي نفسي بيده إنّكم لعلى ملّة هي أهدى من ملّة محمد؟ أو مفتتحوا باب ضلالة؟ قالوا: والله، يا أبا عبد الرحمن! ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه "١. فتأمّل كيف أنكر عبدُ الله بن مسعود ﵁ على أصحاب الحلقات هؤلاء، مع أنَّهم في حلْقة ذِكرٍ ومجلسِ عبادة لما كان ذكرُهم لله وتعبُّدُهم له بغير الوارد المشروع، وفي هذا دلالةٌ على أنَّه ليس العبرة في العبادة والدعاءِ والذِّكر كثرتَه، وإنَّما العبرةُ في موافقته للسنَّةِ، كما قال ابن مسعود ﵁ في مقام آخر: " اقتصادٌ في سنة خيرٌ من اجتهاد في بدعة "٢، وابن مسعود ﵁ لَم يُنكر عليهم ذكرَهم لله واشتغالَهم بذلك، وإنَّما أنكر عليهم مفارقتهم للسنة في صفة أدائه وكيفيةِ القيام به مع أنَّ الألفاظَ التي كانوا يذكرون الله بها ألفاظٌ صحيحةٌ وردت بها السنة، فكيف الحال بمَن ترك السنة في ذلك جملةً وتفصيلاً في الألفاظ وصفة الأداء وغير ذلك، كالأوراد التي يقرؤها بعض الناس ممَّا كتبه بعضُ أشياخ الطرق الصوفية بصِيَغٍ مختلفةٍ وأساليبَ متنوِّعةٍ ممَّا هو متضمِّنٌ لأنواعٍ من الباطل وصنوفٍ من الضلالِ كالتوسُّلات الشركية والألفاظ البِدعيةِ والأذكار المُحدَثةِ،

стр. 349

ويُرتِّبُ هؤلاء لأورادهم وظائف محدَّدة وصفات معيَّنة وأوقات ثابتة، وهذا كلُّه ولا ريب من الإحداثِ في الدِّين، ومن المفارقة لسبيل سيِّد الأنبياء والمرسَلين، والاستعاضة عنه بما أحدثه شيوخ الضلال وأئمة الباطل، وهو تشريعٌ في الدِّين بما لَم يأذن به الله، والله تعالى يقول: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللهُ﴾ ١، ثمَّ تجدُهم مع ذلك يعظِّمون أورادهم هذه ويُعْلُون من شأنها، ويرفعون من قَدْرِها، ويُقدِّمونها على الأوراد الصحيحة والأدعية الثابتة عن رسول الله ﷺ أفضلِ الخلق وأكملِهم ذكراً ودعاءً لربِّه سبحانه. قال القاضي عياضٌ ﵀: " أذن الله في دعائه، وعلَّم الدعاءَ في كتابه لخليقته، وعلَّم النبيُّ ﷺ الدعاءَ لأمَّته، واجتمعت فيه ثلاثةُ أشياء: العلمُ بالتوحيد، والعلم باللغة، والنصيحة للأمَّة، فلا ينبغي لأحدٍ أن يعدلَ عن دعائه ﷺ ، وقد احتال الشيطانُ للناس من هذا المقام، فقيَّض لهم قومَ سوء يخترعون لهم أدعيةً يشتغلون بها عن الاقتداء بالنَّبِيِّ ﷺ "٢. وقال الإمام القرطبي ﵀ في تفسيره الجامع لأحكام القرآن: " فعلى الإنسان أن يستعمل ما في كتاب الله وصحيح السنة من الدعاء ويدع ما سواه، ولا يقول أختار كذا؛ فإنَّ الله قد اختار لنبيِّه وأوليائه وعلَّمهم كيف يدعون " اهـ٣.

стр. 350

فالواجبَ على مَن أراد لنفسه الفضيلةَ والسلامةَ والتمامَ والرِفعةَ أن يلزمَ هديَ النبي الكريم ﷺ ويتقيَّد بسنَّته، ويدع ما أحدثه المحدِثون وأنشأه المبطلون ممَّا لا أصل له ولا أساس إلاَّ اتِّباعُ الأهواء، والله المستعان وإليه المشتكى وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 351

٦٦ ـ الآثار السيِّئة للأدعية المُحدَثة لقد تميَّزت الأدعيةُ الشرعية والأذكار المأثورة عن رسول الله ﷺ بكمالها في مبناها ومعناها، فألفاظُها وعباراتُها موجزةٌ مختصرةٌ، ومعانيها ودلالاتُها عظيمة واسعة، متضمِّنةٌ الخيرَ كلَّه، مشتملةٌ على المقاصد العالية، والمطالب العظيمة، والخيرات العميمة، ولهذا فإنَّ من الخيرِ لكلِّ مسلم، بل من الواجب عليه أن يجتهد قدرَ الاستطاعةِ في تعلُّمها وحفظِها والتعبُّد بها، ويَدَعَ ما سواها من الأوراد والأحزاب المخترعةِ التي أنشأها بعضُ شيوخ الضلالة وأئمة الباطل، والتي صَدُّوا بها كثيراً من عوام المسلمين وجهالهم عن الأدعيةِ المأثورةِ والأذكار المشروعةِ. ومَن يتأمَّل واقعَ بعض المسلمين ولا سيما مَن انتسب إلى بعضِ الطرق الصوفية يجدُ أنَّهم قد انشغلوا بهذه الأذكار المُختَرعةِ والأدعية المبتَدعة، فأصبحوا يتلونَها ليلاً ونهاراً، وصباحاً ومساءً، تاركين بسببها كتاب الله تعالى، مُعرضين عن الأدعية المأثورة عن رسول الله ﷺ ، ثمَّ إنَّ لكلِّ فئةٍ من هؤلاء أوراداً خاصةً يتلونها بطريقة خاصة ونَمط معيَّن، فلكلِّ طريقةٍ من هذه الطرق الصوفية أحزابُها وأورادُها الخاصة و ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ١، وكلٌّ منهم يعتقد أنَّ أورادَه أفضلُ من أوراد الطرق الصوفية الأخرى.

стр. 352

وما مِن ريبٍ أنَّ هذه الأدعيةَ المبتدَعَة لها نتائجُها المؤسفة وآثارها السيِّئة على المسلم في عقيدتِه وأعماله التعبُّديَّة، وهي آثارٌ كثيرةٌ يطول حصرُها، لكن قد أوجزها ولخَّصها الشيخ جيلان بن خضر العروسي في كتابه القيِّم: " الدعاءُ ومنزلتُه من العقيدة الإسلامية "١، في النقاط التالية: أولاً: أنَّ الأدعيةَ المبتدعة لا تفي بالغرض المطلوب من العبادات من تزكية النفوس وتطهيرها من الرعونات، وتقريبها إلى باريها، وتعلقها بربِّها رجاءً ورغبة ورهبةً، فهي لا تشفي عليلاً ولا تُروي غليلاً، ولا تهدي سبيلاً. وأما الأدعيةُ المشروعةُ فهي الدواءُ الناجعُ والبلسم الشافي للأدواء النفسية والأمراض القلبية والأهواء الشيطانية، فمَن استبدل بها الأدعية المبتَدعة فقد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير. ثانياً: أنَّ الأدعيةَ المبتدعَة تفوِّت على العبد الأجرَ العظيم والثوابَ الجزيل الذي يحصل لِمَن التزم بالأدعية الواردة وحافظ عليها وطبَّقها كما وردت، فإنَّه يحوز السبق، ويتعرَّض لنفحات الربِّ وجُودِه، بخلاف مَن يدعو بالأدعية المبتَدَعة، فإنَّه يفوِّت على نفسه الأجر والثوابَ ويعرضها لسخط الله وغضبه. ثالثاً: عدم إجابة الأدعية المبتَدَعة مع أنَّ الهدفَ والأساسَ للداعي في الغالب هو إجابةُ مطلوبه، ونيلُ مرغوبه، ودفعُ مرهوبِه، والأدعية

стр. 353

المبتَدَعة لا يُجاب الداعي بها، ولا تكون متقبَّلةً منه، وفي الحديث: " مَن عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد "١. رابعاً: أنَّ الأدعيةَ المبتَدَعة تشتمل غالباً على محذورٍ شرعيٍّ، وقد يكون ذلك المحذورُ من وسائل الشرك وذرائعه؛ إذ البدعةُ تجُرُّ إلى الشركِ والضلالِ، فمِن الأدعية البدعية التي تجُرُّ إلى الشرك: التوسُّل البدعي، فهو الذي فتح البابَ لدعاء غير الله والاستغاثة والاستمدادِ بغيره، وقد يكون ذلك المحذورُ اعتداءً في الدعاء ومجاوزةً للحدِّ، وسوءَ أدبٍ في خطاب الربِّ ومناجاته، وقد يكون ذلك المحذورُ ما يصحب تلك الأدعية من بدع أخرى من تحديدها بأوقات معيَّنة وبصفات خاصة، ورفع الأصوات على نغمات معيَّنة، وإيقاعات خاصة وأسجاع مصطنعة، وتراكيب ركيكة تمجُّها الأسماعُ، وتستقبحُها القريحةُ السليمةُ. خامساً: أنَّ الأدعيةَ المبتَدَعةَ مَن التزم بها واعتادها قلَّما يرجع عنها إلى الأدعية المشروعة، إلاَّ إذا وفَّقه اللهُ وأعانه وهداه إلى الخير، وذلك لأنَّ القلوبَ متى اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن، حيث إنَّ الملتزمَ بتلك الأدعية المبتَدَعة يعتقدها مشروعةً ويُدافعُ عنها، ولا يسمع إلى حُجَّةٍ ولا برهانٍ. سادساً: أنَّ استعمالَ الأدعية البدعية، وتركَ الأدعيةَ المشروعة من باب استبدال الخبيث بالطيِّب، والضاربالنافع، والشرِّ بالخير، وهذا ـ ولا ريب ـ غبنٌ فاحش، وتهور ظاهر، وخسارةٌ فادحةٌ.

стр. 354

سابعاً: أنَّ في الأدعيةِ المبتَدَعة المخترعة تشبُّهاً بأهل الكتاب في اختراعهم للأدعية المخالفة لما جاءت به رسلهم، وفيها أيضاً تشبُّه بهم في النَّغمات والإيقاعات والتمايلات وغير ذلك. ثامناً: أنَّ الذي يُلازم الأدعية المبتَدَعة المخترعة لا سيما التي هي مؤلفةٌ من أحزابٍ وأورادٍ يكون في الغالب جاهلاً لمعناها، وتنصرف همَّتُه إلى ألفاظها، وإلى سردها سرداً بدون تدبُّر، مع أنَّ المطلوبَ في الدعاء إحضارُ القلب والإخلاصُ في السؤال، ولا سيما أنَّ كثيراً من هذه الأدعيةِ عبارةٌ عن كلمات مرصوصة خفيَّة المعنى غامضة الدلالة، وهذا الداعي بمثل هذه الأدعية غيرُ سائل ولا داع، بل هو حاكٍ لكلام غيره، ثمَّ إنَّ اختيارَه ذلك الدعاء على غيره من الأدعية لأجل الذي نظمه وإعجابَه به، ففي ذلك تقديس لهذا الذي جمعها، ورفعٌ له فوق منزلته من حيث يعتقدُ الداعي أنَّ لأدعيتِه خاصيَّةً لا توجد في غيرها، وإلاَّ لَما داوم عليها ليل نهار، بل بعضهم يصرِّحُ أنَّ وِرْدَ شيخه أفضلُ الأوراد وأتمُّها وأكملُها. وبهذا يُعلم مدى جناية هذه الأدعية المخترعَة على المسلمين وعِظمُ خطورتها عليهم، وأنَّ الواجبَ على كلِّ مسلم الحذَرُ منها والبُعدُ عنها ومجانبتُها، وأن يقتصرَ على الوارِد والمأثور عن الرسول الكريم ﷺ ، فإنَّه أقومُ قيلاً، وأهدى سبيلاً. وإنَّا لنسأل الله الكريم أن يرزقنا لزومَ سنَّته واتباعَ هديه واقتفاءَ أثرِه وسلوكَ منهجه، إنَّه سميعٌ مجيبٌ.

стр. 355

٦٧ ـ جوامع الكلم والأدعية المأثورة لا يزال حديثنا موصولاً في بيان فضل الأذكار النبويةِ والأدعيةِ المأثورةِ التي كان يدعو بها النبي ﷺ ويعلِّمُها أصحابَه؛ لكمالها في مبانيها ومعانيها، ولاشتمالِها على جوامع الخير وفواتحِه وخواتِمِه، كما قالت أمُّ المؤمنين عائشةُ ﵂: " كان النبي ﷺ يُعجبُه الجوامعُ من الدعاءِ، ويدع ما بين ذلك "، رواه أبو داود في سننه، والإمام أحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه١. وروى الفريابي وغيرُه من حديث عائشة أيضاً أنَّ النبيَّ ﷺ قال لها: " يا عائشة، عليكِ بجوامع الدعاء: اللَّهمَّ إنِّي أسألكَ من الخيرِ كلِّه عاجلِه وآجلِه، ما علمتُ منه وما لَم أعلم، وأعوذُ بكَ من الشرِّ كلِّه عاجلِه وآجلِه، ما علمتُ منه وما لَم أعلم، اللَّهمَّ إنِّي أسألكَ مِن خيرِ ما سألكَ منه محمدٌ عبدُك ونبيُّك، وأعوذ بك من شرِّ ما عاذ منه عبدُك ونبيُّك، اللَّهمَّ إنِّي أسألكَ الجنَّةَ وما قرَّب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النارِ وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل، وأسألكَ ما قضيتَ لي من قضاءٍ أن تجعلَ عاقبتَه رشداً " ٢. وخرَّجه الإمام أحمد، وابن ماجه، وابن حبان في صحيحه، ١ سنن أبي داود (رقم:١٤٨٢) ، والمسند (٦/١٤٨، ١٨٩) ، وصحيح ابن حبان (رقم:٨٦٧) ، وهو في صحيح أبي داود (رقم:١٣١٥) .
следующие страницы →