← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12048

فقه الأدعية والأذكار

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

Полный текст (885 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

٦٦ ـ الآثار السيِّئة للأدعية المُحدَثة لقد تميَّزت الأدعيةُ الشرعية والأذكار المأثورة عن رسول الله ﷺ بكمالها في مبناها ومعناها، فألفاظُها وعباراتُها موجزةٌ مختصرةٌ، ومعانيها ودلالاتُها عظيمة واسعة، متضمِّنةٌ الخيرَ كلَّه، مشتملةٌ على المقاصد العالية، والمطالب العظيمة، والخيرات العميمة، ولهذا فإنَّ من الخيرِ لكلِّ مسلم، بل من الواجب عليه أن يجتهد قدرَ الاستطاعةِ في تعلُّمها وحفظِها والتعبُّد بها، ويَدَعَ ما سواها من الأوراد والأحزاب المخترعةِ التي أنشأها بعضُ شيوخ الضلالة وأئمة الباطل، والتي صَدُّوا بها كثيراً من عوام المسلمين وجهالهم عن الأدعيةِ المأثورةِ والأذكار المشروعةِ. ومَن يتأمَّل واقعَ بعض المسلمين ولا سيما مَن انتسب إلى بعضِ الطرق الصوفية يجدُ أنَّهم قد انشغلوا بهذه الأذكار المُختَرعةِ والأدعية المبتَدعة، فأصبحوا يتلونَها ليلاً ونهاراً، وصباحاً ومساءً، تاركين بسببها كتاب الله تعالى، مُعرضين عن الأدعية المأثورة عن رسول الله ﷺ ، ثمَّ إنَّ لكلِّ فئةٍ من هؤلاء أوراداً خاصةً يتلونها بطريقة خاصة ونَمط معيَّن، فلكلِّ طريقةٍ من هذه الطرق الصوفية أحزابُها وأورادُها الخاصة و ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ١، وكلٌّ منهم يعتقد أنَّ أورادَه أفضلُ من أوراد الطرق الصوفية الأخرى.

стр. 352

وما مِن ريبٍ أنَّ هذه الأدعيةَ المبتدَعَة لها نتائجُها المؤسفة وآثارها السيِّئة على المسلم في عقيدتِه وأعماله التعبُّديَّة، وهي آثارٌ كثيرةٌ يطول حصرُها، لكن قد أوجزها ولخَّصها الشيخ جيلان بن خضر العروسي في كتابه القيِّم: " الدعاءُ ومنزلتُه من العقيدة الإسلامية "١، في النقاط التالية: أولاً: أنَّ الأدعيةَ المبتدعة لا تفي بالغرض المطلوب من العبادات من تزكية النفوس وتطهيرها من الرعونات، وتقريبها إلى باريها، وتعلقها بربِّها رجاءً ورغبة ورهبةً، فهي لا تشفي عليلاً ولا تُروي غليلاً، ولا تهدي سبيلاً. وأما الأدعيةُ المشروعةُ فهي الدواءُ الناجعُ والبلسم الشافي للأدواء النفسية والأمراض القلبية والأهواء الشيطانية، فمَن استبدل بها الأدعية المبتَدعة فقد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير. ثانياً: أنَّ الأدعيةَ المبتدعَة تفوِّت على العبد الأجرَ العظيم والثوابَ الجزيل الذي يحصل لِمَن التزم بالأدعية الواردة وحافظ عليها وطبَّقها كما وردت، فإنَّه يحوز السبق، ويتعرَّض لنفحات الربِّ وجُودِه، بخلاف مَن يدعو بالأدعية المبتَدَعة، فإنَّه يفوِّت على نفسه الأجر والثوابَ ويعرضها لسخط الله وغضبه. ثالثاً: عدم إجابة الأدعية المبتَدَعة مع أنَّ الهدفَ والأساسَ للداعي في الغالب هو إجابةُ مطلوبه، ونيلُ مرغوبه، ودفعُ مرهوبِه، والأدعية

стр. 353

المبتَدَعة لا يُجاب الداعي بها، ولا تكون متقبَّلةً منه، وفي الحديث: " مَن عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد "١. رابعاً: أنَّ الأدعيةَ المبتَدَعة تشتمل غالباً على محذورٍ شرعيٍّ، وقد يكون ذلك المحذورُ من وسائل الشرك وذرائعه؛ إذ البدعةُ تجُرُّ إلى الشركِ والضلالِ، فمِن الأدعية البدعية التي تجُرُّ إلى الشرك: التوسُّل البدعي، فهو الذي فتح البابَ لدعاء غير الله والاستغاثة والاستمدادِ بغيره، وقد يكون ذلك المحذورُ اعتداءً في الدعاء ومجاوزةً للحدِّ، وسوءَ أدبٍ في خطاب الربِّ ومناجاته، وقد يكون ذلك المحذورُ ما يصحب تلك الأدعية من بدع أخرى من تحديدها بأوقات معيَّنة وبصفات خاصة، ورفع الأصوات على نغمات معيَّنة، وإيقاعات خاصة وأسجاع مصطنعة، وتراكيب ركيكة تمجُّها الأسماعُ، وتستقبحُها القريحةُ السليمةُ. خامساً: أنَّ الأدعيةَ المبتَدَعةَ مَن التزم بها واعتادها قلَّما يرجع عنها إلى الأدعية المشروعة، إلاَّ إذا وفَّقه اللهُ وأعانه وهداه إلى الخير، وذلك لأنَّ القلوبَ متى اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن، حيث إنَّ الملتزمَ بتلك الأدعية المبتَدَعة يعتقدها مشروعةً ويُدافعُ عنها، ولا يسمع إلى حُجَّةٍ ولا برهانٍ. سادساً: أنَّ استعمالَ الأدعية البدعية، وتركَ الأدعيةَ المشروعة من باب استبدال الخبيث بالطيِّب، والضاربالنافع، والشرِّ بالخير، وهذا ـ ولا ريب ـ غبنٌ فاحش، وتهور ظاهر، وخسارةٌ فادحةٌ.

стр. 354

سابعاً: أنَّ في الأدعيةِ المبتَدَعة المخترعة تشبُّهاً بأهل الكتاب في اختراعهم للأدعية المخالفة لما جاءت به رسلهم، وفيها أيضاً تشبُّه بهم في النَّغمات والإيقاعات والتمايلات وغير ذلك. ثامناً: أنَّ الذي يُلازم الأدعية المبتَدَعة المخترعة لا سيما التي هي مؤلفةٌ من أحزابٍ وأورادٍ يكون في الغالب جاهلاً لمعناها، وتنصرف همَّتُه إلى ألفاظها، وإلى سردها سرداً بدون تدبُّر، مع أنَّ المطلوبَ في الدعاء إحضارُ القلب والإخلاصُ في السؤال، ولا سيما أنَّ كثيراً من هذه الأدعيةِ عبارةٌ عن كلمات مرصوصة خفيَّة المعنى غامضة الدلالة، وهذا الداعي بمثل هذه الأدعية غيرُ سائل ولا داع، بل هو حاكٍ لكلام غيره، ثمَّ إنَّ اختيارَه ذلك الدعاء على غيره من الأدعية لأجل الذي نظمه وإعجابَه به، ففي ذلك تقديس لهذا الذي جمعها، ورفعٌ له فوق منزلته من حيث يعتقدُ الداعي أنَّ لأدعيتِه خاصيَّةً لا توجد في غيرها، وإلاَّ لَما داوم عليها ليل نهار، بل بعضهم يصرِّحُ أنَّ وِرْدَ شيخه أفضلُ الأوراد وأتمُّها وأكملُها. وبهذا يُعلم مدى جناية هذه الأدعية المخترعَة على المسلمين وعِظمُ خطورتها عليهم، وأنَّ الواجبَ على كلِّ مسلم الحذَرُ منها والبُعدُ عنها ومجانبتُها، وأن يقتصرَ على الوارِد والمأثور عن الرسول الكريم ﷺ ، فإنَّه أقومُ قيلاً، وأهدى سبيلاً. وإنَّا لنسأل الله الكريم أن يرزقنا لزومَ سنَّته واتباعَ هديه واقتفاءَ أثرِه وسلوكَ منهجه، إنَّه سميعٌ مجيبٌ.

стр. 355

٦٧ ـ جوامع الكلم والأدعية المأثورة لا يزال حديثنا موصولاً في بيان فضل الأذكار النبويةِ والأدعيةِ المأثورةِ التي كان يدعو بها النبي ﷺ ويعلِّمُها أصحابَه؛ لكمالها في مبانيها ومعانيها، ولاشتمالِها على جوامع الخير وفواتحِه وخواتِمِه، كما قالت أمُّ المؤمنين عائشةُ ﵂: " كان النبي ﷺ يُعجبُه الجوامعُ من الدعاءِ، ويدع ما بين ذلك "، رواه أبو داود في سننه، والإمام أحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه١. وروى الفريابي وغيرُه من حديث عائشة أيضاً أنَّ النبيَّ ﷺ قال لها: " يا عائشة، عليكِ بجوامع الدعاء: اللَّهمَّ إنِّي أسألكَ من الخيرِ كلِّه عاجلِه وآجلِه، ما علمتُ منه وما لَم أعلم، وأعوذُ بكَ من الشرِّ كلِّه عاجلِه وآجلِه، ما علمتُ منه وما لَم أعلم، اللَّهمَّ إنِّي أسألكَ مِن خيرِ ما سألكَ منه محمدٌ عبدُك ونبيُّك، وأعوذ بك من شرِّ ما عاذ منه عبدُك ونبيُّك، اللَّهمَّ إنِّي أسألكَ الجنَّةَ وما قرَّب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النارِ وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل، وأسألكَ ما قضيتَ لي من قضاءٍ أن تجعلَ عاقبتَه رشداً " ٢. وخرَّجه الإمام أحمد، وابن ماجه، وابن حبان في صحيحه، ١ سنن أبي داود (رقم:١٤٨٢) ، والمسند (٦/١٤٨، ١٨٩) ، وصحيح ابن حبان (رقم:٨٦٧) ، وهو في صحيح أبي داود (رقم:١٣١٥) .

стр. 356

والحاكم، وليس عندهم ذكر جوامع الدعاء، وعند أحمد والحاكم: " عليكِ بالكوامل ... "، وذكرَه١. وخرَّجه أبو بكر الأثرم وعنده أنَّ النبيَّ ﷺ قال لها: " ما منعكِ أن تأخذي بجوامع الكَلِم وفواتِحَه ... "، وذكر هذا الدعاء٢. وروى الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: " إنَّ رسول الله ﷺ عُلِّم فواتحَ الخير وجوامعَه، أو جوامعَ الخير وفواتحَه وخواتمه ... "٣. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، فإنَّه ﷺ أُعطي جوامع الكلم، وخُصَّ ببدائع الحكَم، كما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " بُعثتُ بجوامع الكَلِم "٤، قال الإمام محمد بن شهاب الزهري ﵀: " جوامع الكلم فيما بلغنا أنَّ الله يجمع له الأمور الكثيرة التي كانت تُكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد والأمرين ونحو ذلك "٥ اهـ. وحاصلُه أنَّه ﷺ كان يتكلَّم بالكلام الموجَزِ القليلِ اللفظ، الكثير المعاني، وهكذا الشأن في أذكاره وأدعيته صلوات الله وسلامه عليه،

стр. 357

كان يُعجبه من ذلك جوامع الذِّكر والدعاء ويدع ما بين ذلك. وإذاً فالواجبُ على كلِّ مسلمٍ أن يعرف عِظَمَ قدر الأدعيةِ النبوية ورفيع مكانتها وأنَّها مشتملةٌ على مجامع الخير وأبواب السعادةِ ومفاتيح الفلاح في الدنيا والآخرة، فخيرُ السؤال أن يسألَ المسلمُ ربَّه مِن خير ما سأله منه عبدُه ورسولُه ﷺ ، وأفضلُ الاستعاذة أن يستعيذ بالله من شرِّ ما استعاذ منه عبدُ الله ورسولُه ﷺ ، فإنَّ في ذلك فواتحَ الخير وخواتِمَه وجوامعَه، وأوَّلَه وآخرَه، وظاهره وباطنَه، ومن يتأمَّل جميعَ الأدعيةِ الواردةِ في القرآن والسنةِ يجدها كذلك، فإنَّ الله ﵎ قد اختار لنبيِّه محمد ﷺ جوامعَ الأدعيةِ وفواتح الخير وتمام الأمرِ وكماله في الدنيا والآخرة، فكيف يدَعُ المسلمُ هذا الخيرَ العميمَ والفضلَ العظيم الذي اشتملت عليه أدعيةُ النبي الكريم ﷺ ، ويُقبِلُ على أدعيةٍ أخرى لغيره ممَّن لا تُؤمَنُ غائلتُهم من شيوخ الضلال وأئمَّة الباطل، المتكلِّفين في الدِّين ما ليس منه، ولهذا يقول الخطابي ﵀: " أولى ما يُدعى به ويُستعمل منه ما صحَّت به الروايةُ عن رسول الله ﷺ وثبت عنه بالأسانيد الصحيحة، فإنَّ الغلطَ يعرض كثيراً في الأدعية التي يختارها الناس لاختلاف معارفهم وتباينِ مذاهبهم في الاعتقاد والانتحال، وبابُ الدعاء مطيَّةٌ مظنَّةٌ للخطر، وما تحت قدم الداعي دحضٌ، فليحذر فيه الزلل، وليسلك منه الجَدَد، الذي يؤمن معه العِثار، وما التوفيق إلاَّ بالله "١. اهـ.

стр. 358

ومَن يتأمَّل الأدعيةَ المأثورة التي جاءت في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ يجدُ فيها الجمالَ والكمالَ والوفاءَ بتحقيق المطالبِ العاليةِ، والمقاصدِ الرفيعةِ، والخيرِ الكاملِ في الدنيا والآخرة، مع السلامة فيها والأمان من الوقوع في الخطأ والزلل، فهي معصومة من ذلك؛ لأنَّها وحيُ الله وتنزيله. ولذا نجد أئمةَ العلم الأمناءَ الناصحين يُرغِّبون الناسَ في المحافظةِ على الأدعيةِ المأثورة والأذكار المشروعة، ويعتنون تمام الاعتناءِ بربط الناس بكتاب ربِّهم وسنَّةِ نبيِّهم ﷺ ؛ لأنَّ في ذلك السلامةَ والعصمةَ والفوزَ بأكبر الغنيمة، ومن ذلك قول الإمام الجليل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وينبغي للخلق أن يدعوا بالأدعية الشرعية التي جاء بها الكتاب والسنة، فإنَّ ذلك لا ريب في فضله وحُسنِه، وأنَّه الصراطُ المستقيم، صراطُ الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسُن أولئك رفيقا "١. فتأمَّل كلامَ هذا الإمام الناصح وغيرِه من أهل العلم أهل السنة والجماعة كيف أنَّهم كرَّسوا جهودَهم وبذلوا أوقاتَهم وأنفاسَهم في سبيلِ تفقيهِ الناسِ بالسنَّةِ وربطِهِم بِها ودعوتِهم إلى تحقيقها وحسنِ القيام بها؛ إذ هي صراطُ الله المستقيم وحبلُه المتين. تأمَّل قولَه ﵀: " ينبغي للخلق أن يدعوا بالأدعية الشرعية التي جاء بها الكتاب والسنة " تجد فيه تمامَ النصيحةِ للخَلْق وصِدقَ القيام

стр. 359

بالحقِّ، بخلاف أئمةِ الضلال ودعاةِ الباطل، فإنَّهم يدعون الناسَ إلى أنفسهم ويربطونهم بأشخاصهم، فتراهم يُنشئون للناس أوراداً وأدعيةً من قِبَل أنفسهم، ويعظمون من شأنِها، ويُعلونَ من قدرها رغبةً في تكثير الأتباع واستقطاب المريدين، كما قال الصحابيُّ الجليلُ معاذ بن جبل ﵁: " إنَّ مِن ورائِكم فتناً يكثر فيها المالُ، ويُفتحُ فيها القرآن حتى يأخذَه المؤمنُ والمنافقُ والرَّجلُ والمرأةُ والصغيرُ والكبيرُ والعبدُ والحرُّ، فيوشكُ قائلٌ أن يقول: ما للناسِ لا يتَّبعوني وقد قرأتُ القرآنَ؟ ما هم بمتَّبعيَّ حتى أبتدعَ لهم غيرَه، فإيَّاكم وما ابتدع، فإنَّ ما ابتدعَ ضلالةٌ "، رواه الإمام أبو داود في سننه والآجريُّ في الشريعة، وسنده صحيح١. فليكن المسلمُ على تَمام الحذر من مثل هؤلاء، وليحرص تَمام الحرص على لزوم السُّنَّة، ففيها السلامة والرِّفعة، والتوفيق بيد الله وحده.

стр. 360

٦٨ ـ أهميَّة العناية بالألفاظ النبوية في الذِّكر والدعاء تقدَّم معنا الإشارةُ إلى عِصمةِ الأدعيةِ المأثورة في مبناها ومعناها، وسلامتِها من الخطأ والزللِ في ألفاظها ودلالتها؛ لأنَّها وحيُ الله وتنزيلُه، اختارها اللهُ لنبيِّه محمد ﷺ وعلَّمه إيَّاها، فعلِمَها صلوات الله وسلامه عليه وعمل بها على التمام والكمال، وبلَّغها أمَّتَه البلاغ المبين، وتلقاها عنه صحبُه الكرام خيرَ تلقٍّ فعملوا بها واجتهدوا في تطبيقها وعمارةِ الأوقات بها، ثمَّ بلَّغوها مَن وراءَهم وافيةً تامَّةً بحروفها وألفاظها، فكان لهم بذلك الحظُّ الأوفرُ والنصيب الأكملُ من قوله ﷺ : " نضَّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها وحفظها، ثمَّ أدَّاها إلى مَن لَم يسمعها "١، ولعلنا نقف وقفة، نتأمَّلُ فيها حرصَ الصحابة ﵃ على ضبطِ الأدعيةِ النبويَّة وتعلُّمِها، وحرصَ النبيِّ ﷺ على توجيههم وتسديدِهم فيها. فمِن ذلك ما ورد في عدَّةِ أحاديث متعلِّقة بالذِّكر والدعاء أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُعلِّمهم إيَّاها كما يُعلِّمهم السورةَ من القرآن الكريم. منها ما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس ﵄: " أنَّ رسول الله ﷺ كان يُعلِّمهم هذا الدعاءَ كما يُعلِّمهم السورةَ من

стр. 361

القرآن يقول: اللَّهمَّ إنَّا نعوذ بك من عذاب جهنَّم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنةِ المسيح الدجَّال، وأعوذ بكَ من فتنة المحيا والممات "١. وكذلك دعاء الاستخارة في صحيح البخاري من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: " كان رسول الله ﷺ يعلِّمنا دعاءَ الاستخارة كما يُعلِّمنا السورةَ من القرآن "٢. قال ابن أبي جمرة: " التشبيه في تحفظ حروفه وترتيب كلماته ومنع الزيادة والنقص فيه والدرْسِ له والمحافظة عليه، ويَحتمل أن يكون من جهة الاهتمام به والتحقق لبركته والاحترام له، ويحتملُ أن يكون من جهة كون كلٍّ منهما علم بالوحي "٣ اهـ. ومن ذلك أيضاً أنَّ الصحابةَ ﵃ كانوا يأتونه ويطلبون منه أن يعلِّمهم دعاءً يدعون به مع أنَّهم كانوا أهلَ علمٍ وفصاحةٍ، ومن هذا ما رواه البخاري ومسلم عن أبي بكر الصديق ﵁ أنَّه قال لرسول الله ﷺ : " علِّمني دعاءً أدعو به في صلاتي، قال: قل: اللَّهمَّ إنِّي ظلمتُ نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوبَ إلاَّ أنتَ فاغفرْ لي مغفرةً من عندك، وارحمني إنَّك أنت الغفور الرحيم "٤، قال الحافظ في الفتح: " وفي هذا الحديث من الفوائد أيضاً: استحباب طلبِ التعليم

стр. 362

من العالِم، خصوصاً في الدعوات المطلوبِ فيها جوامعُ الكلِم "١. اهـ. ومِن ذلك أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُصوِّبُ من يخطئ منهم ولو في لفظ من ألفاظ الذِّكر والدعاء، كما في الصحيحين من حديث البراء بن عازب ﵁ قال: " قال لي رسول الله ﷺ : إذا أتيتَ مَضجعَك فتوضَّأ وضوءك للصلاة، ثمَّ اضطجع على شِقِّك الأيمن وقل: اللَّهمَّ أسلمتُ وجهي إليك، وفوَّضتُ أمري إليك، وألجأتُ ظهري إليك، رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلاَّ إليك، آمنتُ بكتابك الذي أنزلت، وبنبيِّك الذي أرسلت، فإن مُتَّ متَّ على الفطرة، فاجعلهنّ آخر ما تقول، فقلت أستذكرهنّ: وبرسولك الذي أرسلت، قال: لا، وبنبيِّك الذي أرسلت "٢. قال الحافظ في الفتح: " وأولى ما قيل في الحكمة في ردّه ﷺ على من قال الرسول بدل النبيّ أنَّ ألفاظ الأذكار توقيفيّة، ولها خصائص وأسرار لا يدخلها القياس، فيجب المحافظة على اللّفظ الذي وردت به "٣. ومن ذلك أيضاً أنَّ الإنسان قد يختار لنفسه صيغةً معيَّنةً من الدعاء يرى أنَّ فيها تحقيق سعادته في الدنيا والآخرة، ويخفى عليه ما قد تتضمّنه من شرٍّ أو خطر إمّا في الدنيا أو الآخرة، بينما الأدعية النبوية

стр. 363

ليس فيها إلاَّ الخير والصلاح والسلامة في الدنيا والآخرة، روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ عاد رجلاً من المسلمين قد خفَتَ فصار مثل الفرخ، فقال له رسول الله ﷺ : " هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إيّاه، قال: نعم كنت أقول: اللَّهمَّ ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجِّله لي في الدنيا، فقال رسول الله ﷺ : سبحان الله لا تطيقه أو لا تستطيعه، أفلا قلت: اللهمّ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النّار، قال: فدعا اللهَ له فشفاه "١. فجمع له صلوات الله وسلامه عليه في هذا الدعاء العظيم الذي أرشده إليه بين خيري الدنيا والآخرة والسلامة فيهما من جميع الشرور. ومن ذلك أيضاً أنَّ الصحابةَ ﵃ كانوا ينكرون على من يسمعون منه المخالفة لهدي النبيِّ ﷺ في الذِّكر والدعاء والأمثلة على ذلك عنهم كثيرة منها: ما رواه الترمذي والحاكم عن عبد الله ابن عمر ﵄: " أنَّه سمع رجلاً عطس فقال: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، فقال له، ما هكذا علَّمنا رسول الله ﷺ ، بل قال: إذا عطس أحدكم فليحمد الله، ولم يقل وليصلّ على رسول الله "٢.

стр. 364

وروى أحمد وأبو داود وغيرهما عن ابن سعد بن أبي وقّاص ﵁ قال: سمِعَني أبي وأنا أقول: " اللهمّ إنّي أسألك الجنّة ونعيمها وبهجتها، وكذا وكذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها وكذا وكذا، فقال: يا بنيّ إنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: " سيكون قومٌ يعتدون في الدعاء " فإيّاك أن تكون منهم، إن أعطيت الجنّة أعطيتها وما فيها من الخير، وإن أُعذتَ من النار أُعذت منها ومن ما فيها من الشرّ "١. ومثلُه ما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وغيرهم عن عبد الله بن مغفّل ﵁ أنّه سمع ابنَه يقول: اللهمّ إنّي أسألك القصرَ الأبيض عن يمين الجنّة إذا دخلتُها، فقال: أي بنيّ! سل الله الجنّة وتعوّذ به من النار، فإنّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: " سيكون في هذه الأمّة قومٌ يعتدون في الطُّهور والدعاء "٢. فهذه نماذج يسيرة تبيِّن مكانةَ الدعاء النبوي وأهميّة العناية بألفاظه المأثورة لكمالِها ورِفعتِها وسلامتِها ووفائها بتحقيق أهمّ المطالب وأجلِّ الغايات.

стр. 365

٦٩ ـ التحذير من الاعتداء في الدعاء إنَّ من الضوابطِ المهمَّةِ للدعاء أن يحذر المسلمُ أشدَّ الحَذر من الاعتداء فيه، والاعتداءُ هو تجاوز ما ينبغي أن يُقتصرَ عليه، يقول الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ ١، فأرشد ﵎ في هذه الآيةِ الكريمةِ عبادَه إلى دعائه الذي هو صلاحُ دينهم ودنياهم وآخرتهم، ثمَّ نهاهم سبحانه في هذا السياق عن الاعتداء بإخباره أنَّه لا يحبُّ المعتدين، فدلَّ ذلك على أنَّ الاعتداء مكروهٌ له مسخوطٌ عنده، لا يُحبُّ فاعلَه، ومن لا يحبُّه الله فأيُّ خيرٍ ينال، وأي فضلٍ يُؤمِل. ثمَّ إنَّ النهيَ عن الاعتداء في الآية وإن كان عاماً يشملُ كلَّ نوع من الاعتداء، إلاَّ أنَّه لمجيئِه عقِب الأمر بالدعاء يدلُّ دلالةً خاصة على المنع من الاعتداءِ في الدعاء والتحذير منه، وبيانِ أنَّ الدعاءَ المشتملَ على الاعتداء لا يحبُّه الله من عباده ولا يرضاه لهم؛ ولهذا روي عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿إنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ قال: " في الدعاء ولا في غيره "٢. وعن قتادة في معنى الآية قال: " اعلموا أنَّ في بعض الدعاء اعتداء فاجتنبوا العدوان والاعتداء إن استطعتم ولا قوة إلاَّ بالله ".

стр. 366

وعن الربيع في معنى الآية قال: " إيَّاك أن تسأل ربَّك أمراً قد نُهيتَ عنه أو ما ينبغي لك ". وعن ابن جريج في معنى الآية قال: " إنَّ من الدعاء اعتداءً، يُكره رفع الصوت والنداءُ والصياحُ بالدعاء، ويؤمرُ بالتضرُّع والاستكانة "١. وقد جاء عن النبي ﷺ ما يدلُّ على أنَّ من الأمَّة مَن سيقع في الاعتداء في الدعاء، وهو ﷺ عندما أخبر بذلك أخبر به محذِّراً منه ناهياً عنه مبيناً لخطره، وهذا من تَمام وكمال نصحه لأمَّته صلوات الله وسلامه عليه، وهو أيضاً من علامات نُبوَّته ﷺ . روى الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وغيرُهم عن عبد الله بن مغفل: أنَّه سمع ابنه يقول: " اللَّهمَّ إنِّي أسألك القصرَ الأبيض عن يمين الجنَّة إذا دخلتها، فقال: أي بُنيَّ سلِ الله الجنَّة وتعوَّذ بالله من النار، فإنِّي سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: سيكون في هذه الأمة قومٌ يعتدون في الدعاء والطُهور "٢. وروى الإمام أحمد، وأبو داود عن سعد بن أبي وقاص أنَّه سمع ابناً له يدعو يقول: " اللَّهمَّ إنِّي أسألك الجنَّة ونعيمَها وإستبرقها ونحواً من هذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها، فقال: لقد سألتَ اللهَ خيراً كثيراً، وتعوَّذتَ بالله من شرٍّ كثير، وإنِّي سمعتُ رسول الله ﷺ

стр. 367

يقول: إنَّه سيكون قومٌ يعتدون في الدعاء، وقرأ هذه الآية: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ ، وإنَّ بحسبِك أن تقول: اللَّهمَّ إنِّي أسألك الجنَّة وما قرَّب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرَّب إليها من قول أو عمل "١. فأخبر صلوات الله وسلامه عليه أنَّه سيكون قومٌ من أمته يعتدون في الدعاء ناهياً عن ذلك، وليكون المسلمون في حَيطةٍ وحَذرٍ من الوقوع في شيء منه، ولا سبيل إلى السلامةِ من ذلك إلاَّ بلزوم السنة واقتفاء آثار الرسول ﷺ كما قال ﵊: " فإنَّه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنَّتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين مِن بعدي تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومحدثاتِ الأمور، فإنَّ كلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ "٢. إنَّ الاعتداءَ في الدعاء بابٌ واسعٌ، ومَهْيَعٌ فجٌّ؛ إذ هو كما تقدَّم تعريفُه: تجاوز ما ينبغي أن يُقتصرَ عليه، وعلى هذا فكلُّ مخالفةٍ للسنة ومفارقة للهدي النبوي الكريم في الدعاء يُعدُّ اعتداء، ومن المعلوم أنَّ المخالفات متنوِّعةٌ وكثيرةٌ لا يجمعها نوعٌ واحد، ثمَّ هي أيضاً متفاوتةٌ في خطورتها، فمِن الاعتداءِ ما قد يبلغ حدَّ الكفر، ومنه ما هو دون ذلك، فمَن اعتدى في دعائه بأن دعا غيرَ الله أو سأله أو طلب منه

стр. 368

كشف ضرِّه أو جلب نفعه أو شفاءَ مرضه أو نحو ذلك، فقد وقع في أعظمِ أنواع الاعتداء في الدعاء وأشدِّها خطراً، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ الله مَن لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ ١، وحاصلُ كلام المفسرين في معنى هذه الآية أنَّ الله تعالى حكم بأنَّه لا أضلُّ مِمَّن يدعو من دون الله مَن لا يستجيب له إلى يوم القيامة، ومعنى الاستفهام في الآية إنكارُ أن يكون في الضُلاَّل كلِّهم أبلغُ ضلالاً مِمَّن عبَد غيرَ الله ودعاه، حيث يترك دعاء السميعِ المجيبِ القدير، ويدعو مِن دونه الضعيفَ العاجزَ الذي لا قدرة له على الاستجابة، كما قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى المَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ ٢، فهذا أخطرُ أنواع الاعتداء في الدعاء وأشدُّها ضرراً. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فهؤلاء أعظمُ المعتدين عدواناً، فإنَّ أعظم العدوان الشرك وهو وضع العبادة في غير موضعها، فهذا العدوان لا بدَّ أن يكون داخلاً في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ "٣. وأيُّ اعتداءٍ أعظم وأشدُّ من هذا، أن يَصرفَ العبدُ حقَّ الله الخالص الذي لا يجوز أن يُصرف لأحدٍ سواه إلى مخلوقٍ لا يَملكُ لنفسه ضرًّا

стр. 369

ولا رَشداً، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، فضلاً عن أن يَملك شيئاً من ذلك لغيره، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُورًا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِن دُونِ اللهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِن ظَهِيرٍ﴾ ٣. وما من ريب أنَّ هذا هو أعظم العدوان وأشد الانحراف والطغيان، نسأل الله العافية والسلامة.

стр. 370

٧٠ ـ من الاعتداء في الدعاء إنَّ مِمَّا ينبغي للمسلم أن يتنبّه له في أمر الدعاء أن يحذرَ غايةَ الحَذَر من الاعتداء فيه، فإنَّ اللهَ جلَّ وعلا لَماَّ أَمر عبادَه في آية الأعراف بالدعاء تضرعاً وخفيةً أخبر في أثناء ذلك بأنَّه لا يحب المعتدين، وذلك في قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ ١، وهذه الآيةُ الكريمةُ وإن كان التحذيرُ فيها من الاعتداء وَرَدَ بصيغةِ العموم متناولاً لكلِّ نوعٍ من أنواع الاعتداء، إلاَّ أنَّ تناولَها للتحذير من الاعتداء في الدعاء أكثرُ لِمَجيئِها في سياق الأمر به وذِكرِ شروطه وآدابه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ قيل: المراد إنَّه لا يحبُّ المعتدين في الدعاء، كالذي يَسأل ما لا يليق به من منازل الأنبياء وغير ذلك، وقد روى أبو داود في سننه عن عبد الله بن مغفَّل أنَّه سمع ابنَه يقول: " اللَّهمَّ إنِّي أسألك القصرَ الأبيض عن يمين الجنَّة إذا دخلتها، فقال: يا بُنيَّ سلِ الله الجنَّة وتعوَّذ به من النار، فإنِّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: سيكون في هذه الأمة قومٌ يعتدون في الطُهور والدعاء "٢. ثمَّ قال ﵀: وإن كان الاعتداء مراداً بها فهو من جملة المراد

стр. 371

والله لا يحب المعتدين في كلِّ شيء دعاءً كان أو غيرَه، كما قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ ١ "٢ اهـ. وعلى هذا فإنَّ الآيةَ الكريمة تكون دالةً على أمرين اثنين: أحدهما: محبوبٌ إلى الله مرغَّبٌ فيه، وهو دعاءُ الله تضرُّعاً وخُفيةً. والثاني: مكروهٌ له مسخوطٌ عنده، مُحذَّرٌ منه أشدَّ التحذير، وهو الاعتداء، فأمر بِما يُحبُّه وندب إليه ورغَّب فيه، وحذَّر مما يُبغضُه، وزجر عنه بما هو أبلغ طرق الزجر والتحذير، وهو إخبارُه سبحانه بأنَّه لا يحبُّ فاعلَه، ومَن لا يحبُّه الله فأيُّ خيرٍ ينال وأيُّ فضلٍ يؤمل٣. ومن هنا كان متأكَّداً على كلِّ مسلم أن يكون في حذرٍ بالغٍ وحَيْطةِ كاملة من الاعتداء في الدعاء بتجاوز حدِّ الشريعة فيه، والبعدِ عن ضوابِطه وأصولِه المعلومة، والاعتداء مشتقٌّ من العدوان، وهو تجاوز ما ينبغي أن يُقتصر عليه من حدود الشريعة وضوابِطها المعلومة، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾ ٤، أي أنَّ ما فصله الله سبحانه لعباده من الشرائع والأحكام يجب ملازمتُه والوقوفُ عنده وعدمُ تعدِّيه ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ ٥، وأيُّ ظلمٍ

стр. 372

للنفس أنكى وأشد من تجاوز الحدود الشرعية وضوابطها المهمَّة المتَّبَعة. ثمَّ كيف يُؤَمِّل في الإجابة ويَطمع في القبول مَن يتجاوز في دعائه ضوابطَ الشريعة ويتعدَّى حدودَها المقرَّرة، فالدعاءُ المعتدَى فيه لا يحبُّه الله ولا يرضاه، فكيف يؤمل صاحبُه أن يُستجاب منه ويُقبل. والاعتداء في الدعاء يتناولُ أموراً عديدة متفاوتةً في الخطورة والبُعدِ عن الحقِّ والاعتدال، إلاَّ أنَّ أشدَّ الاعتداء خطراً وأعظمَه ضرراً على صاحبِه دعاءُ غير الله تعالى، فإنَّ ذلك أعظمُ العدوان وأقبحُ الذُّلِّ والهوان؛ إذ كيف يتوجَّه المخلوق بدعائه ورجائه وذُلِّه وخضوعه إلى مخلوق مثله لا يُعطي ولا يمنع، ولا يخفض ولا يرفع، ويَدَعُ مَن بيده أزمَّة الأمور ومقاليدُ السموات والأرض؛ ولهذا فإنَّ مَن يدعو غيرَ الله وهو يؤمِل أن يُستجاب له قد بلغ النهاية في الضلال ولم يحصل مِن ذلك إلاَّ على الخَيْبة والحِرمان والذُّلِّ والخُسران في الدنيا والآخرة ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ الله مَن لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ ١. ومِن الاعتداء في الدعاء سؤالُ الله ما لا يجوز أن يُسأَلَه من المعونة على فعلِ المُحرَّمات وارتكاب الذنوب وغشيان المعاصي، كأن يسأل الله أن يعينه على سفر يريد به الإثمَ والباطلَ، أو أن يُيسِّرَ له طريقاً للفاحشة والعدوان.

стр. 373

ومن الاعتداء في الدعاء أن يسألَ الله ما عُلم من حكمته سبحانه أنَّه لا يفعله، كأن يسأله تخليده إلى يوم القيامة، أو أن يسأله أن يرفع عنه لوازمَ البشرية من الحاجة إلى الطعام والشراب والهواء، أو أن يسأله إطلاعَه على غَيبِه وما استأثر سبحانه بعلمه، أو أن يسأله أن يَجعلَه من المعصومين، أو أن يَهبَ له ولداً من غير زوجة، ونحو ذلك مِمَّا سؤالُه اعتداءٌ لا يحبُّه الله ولا يحب فاعله١. ومن الاعتداء في الدعاء سؤالُ الله ما لا يليق بالسائل من المنازل والدرجات، كأن يسأل الله منازلَ الأنبياء والمرسَلين، أو يكون ملَكاً أو نحو ذلك. وكذلك من العدوان في الدُّعاء أن يدعوَ اللهَ غير متضرِّع، بل دعاء هذا يكون كالمستغنِي المدلِي على ربِّه. ومن الاعتداء أن يَعبدَه بِما لَم يشرع، ويُثنِي عليه بِما لَم يُثنِ به على نفسِه ولا أذِنَ فيه. ومن الاعتداء في الدعاء كذلك الدعاءُ على المؤمنين باللَّعنة والخِزي والهوان، قال بعضُ السلف في معنى المعتدين في الآية المتقدِّمة: " هم الذي يدعون على المؤمنين فيما لا يحلُّ، فيقولون: اللَّهمَّ اخزِهم، اللَّهمَّ الْعَنْهم "٢. وجاء عن سعيد بن جُبير في معنى الآية قال: " لا تدعوا على المؤمن

стр. 374

والمؤمنة بالشَّرِّ: اللَّهمَّ اخْزِه والْعَنه ونحو ذلك، فإنَّ ذلك عدوان "١. ومن الاعتداء رفع الصوت به رفعاً يُخلُّ بالأدب، قال عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج: " إنَّ من الدعاء اعتداء: يكره رفعُ الصوت والنداءُ والصياحُ بالدعاء، ويؤمر بالتضرع والاستكانة "٢. وعموماً فإنَّ الإنسانَ بحسب مفارقته للسنة وابتعاده عن هدي خير الأمة محمد بن عبد الله صلواتُ الله وسلامه عليه يكون نصيبُه من الاعتداء والتجاوز، ومَن لزِمَ هديَ النبي الكريم ﷺ وتقيَّد بسنَّته أمِن من الزَلل، وحفظ بإذن الله من الخطل. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وإنَّما اشتغلت قلوب طوائف من الناس بأنواع من العبادات المبتدَعة إمَّا بالأدعية، وإمَّا من الأسفار، وإمَّا من السماعات ونحو ذلك؛ لإعراض قلوبِهم عن المشروع، وإن قاموا بصورة المشروع، وإلاَّ فمَن أقبل على الصلوات الخمس بوجهه وقلبه عاقلاً لما اشتملت عليه من الكلِم الطيب والعمل الصالح مهتماً بها كلَّ الاهتمام أَغْنَتْه عن كلّ ما يَتوهم فيه خيراً من جنسها، ومَن أصغى إلى كلام الله وكلام رسوله ﷺ بعقله، وتدبَّر بقلبه وجد فيه من الفهم والحلاوة والهدى وشفاء القلوب والبركة والمنفعة ما لا يجده في شيء من الكلام لا منظومه ولا منثوره، ومَن اعتاد الدعاءَ المشروع في أوقاته كالأسحار وأدبار الصلوات والسجود ونحو ذلك،

стр. 375

أغناه عن كلِّ دعاء مبتدَع في ذاته، أو في بعض صفاته، فعلى العاقلِ أن يجتهدَ في اتِّباع السنة في كلِّ شيء من ذلك، ويعتاض عن كلِّ ما يظنُّ من البدع أنَّه خيرٌ بنوعِه من السنن، فإنَّه من يتحرَّى الخيرَ يُعطه، ومَن يتوقَّى الشرَّ يوقه ". اهـ كلامه رحمه الله١. وهو كما ترى كلامٌ عظيمُ النفع جليلُ الفائدة من عَلَم الأعلام وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وأسكنه الجنَّة وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرَ الجزاء وأوفرَه.

стр. 376

٧١ ـ من آداب الدعاء إخفاؤُه مرَّ معنا قولُ الله ﵎: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ ، وما فيه من نهيٍ وتحذيرٍ من الاعتداء في الدعاء بجميع صُوَرِه، وأنَّ الدعاءَ الذي يتضمَّنُ الاعتداءَ لا يحبُّه الله ولا يرضاه ولا يَقبله، مِمَّا يتطلَّب من المسلمِ الحيطةَ والحذَرَ من الوقوع في شيء من ذلك. والآيةُ الكريمةُ مع هذا تضمَّنت أيضاً بيانَ أدبٍ آخر عظيمٍ من آداب الدعاءِ، ألا وهو إخفاؤُه وإسرارُه وعدمُ الجهرِ به، وذلك في قوله سبحانه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ ، أي: سرًّا لا علناً، كما قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ ، وقد ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعريِّ ﵁ قال: " رفع الناسُ أصواتَهم بالدعاءِ، فقال رسول الله ﷺ : أيُّها الناس، اربَعُوا على أنفسِكم، فإنَّكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً، إنَّ الذي تدعونَه سميعٌ قريبٌ "١. قال الحسن البصريُّ: " لقد أدركنا أقواماً ما كان على الأرضِ من عملٍ يقدرون أن يعملوه في السرِّ فيكون علانيةً أبداً، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يُسمع لهم صوتٌ، إن كان إلاَّ همساً بينهم وبين ربِّهم ، وذلك أنَّ الله تعالى يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّك

стр. 377

تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ ، وذلك أنَّ اللهَ ذكَرَ عبداً صالحاً رضيَ فِعلَه فقال: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ ١ "٢. وقال ابن جُريج ﵀: " يكره رفعُ الصوت والنداءُ والصياحُ في الدعاء، ويؤمر بالتضرع والاستكانة "٣. فإخفاء الدعاء وعدمُ الجهرِ به أدبٌ لا بدَّ منه، ويترتَّبُ عليه من الفوائد والفضائل والمنافعِ ما لا يُعدُّ ولا يُحصى، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لإخفاء الدعاء فوائدَ عديدةً يتبيَّن من خلالها أهميَّةُ إخفاء الدعاء وكثرةُ العوائدِ والفضائل المترتِّبةِ على إخفائِه. أحدها: أنَّه أعظمُ إيماناً؛ لأنَّ صاحبَه يعلم أنَّ الله يسمع الدعاءَ الخفيَّ. وثانيها: أنَّه أعظمُ في الأدب والتعظيمِ، فإذا كان يسمع الدعاءَ الخفيَّ فلا يليق بالأدب بين يديه إلاَّ خفض الصوت به. ثالثها: أنَّه أبلغُ في التضرُّعِ والخشوع، الذي هو روح الدعاء ولُبُّه ومقصودُه، فإنَّ الخاشعَ الذليلَ إنَّما يسألُ مسألةَ مسكين ذليلٍ، قد انكسر قلبُه وذلَّت جوارحُه وخشع صوتُه. رابعها: أنَّه أبلغُ في الإخلاص. خامسُها: أنَّه أبلغُ في جَمعيَّةِ القلبِ على الذِّلَّةِ في الدعاء، فإنَّ رفعَ

стр. 378

الصوتِ يفرقه، فكلما خفض صوتَه كان أبلغَ في تجريدِ همَّته وقصدِه للمدعو سبحانه. سادسها: أنَّه دالٌّ على قربِ صاحبِه للقريب، لا مسألة نداء البعيد للبعيد، ولهذا أثنى الله على عبدِه زكريا بقوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ ١، فلمَّا استحضر القلبُ قُرْبَ الله ، وأنَّه أقربُ إليه من كلِّ قريبٍ أخفى دعاءَه ما أمكنه. سابعُها: أنَّه أدْعى إلى دوامِ الطلبِ والسؤال، فإنَّ اللسانَ لا يمَلُّ، والجوارحَ لا تتعب، بخلاف ما إذا رفع صوتَه، فإنَّه قد يملُّ اللسان، وتضعفُ قواه، وهذا نظير من يقرأُ ويكرِّر، فإذا رفع صوتَه فإنَّه لا يطول له، بخلاف مَن خفض صوتَه. ثامنها: أنَّ إخفاءَ الدعاء أبعدُ له من القواطعِ والمشوشات، فإنَّ الداعيَ إذا أخفى دعاءَه لَم يدرِ به أحدٌ، فلا يحصلُ على هذا تشويشٌ ولا غيره، وإذا جهر به فرطت له الأرواحُ البشريَّة ولا بدَّ، ومانعته وعارضته، ولو لَم يكن إلاَّ أن تعلقها به يُفزع عليه همتَه، فيضعفُ أثرُ الدعاء، ومَن له تجربةٌ يعرف هذا، فإذا أسرَّ الدعاءَ أمِن هذه المفسدةَ. تاسعُها: أنَّ أعظمَ النعمةِ الإقبالُ والتعبُّد، ولكلِّ نعمةٍ حاسد على قَدرِها، دقَّت أو جلَّت، ولا نعمةَ أعظمُ من هذه النعمةِ، فإنَّ أنفسَ الحاسدين متعلِّقةٌ بها، وليس للمحسود أسلمُ من إخفاءِ نعمتِه عن

стр. 379

الحاسدِ، وقد قال يعقوب ليوسف ﵉: ﴿لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ ١ الآية. فهذه جملةٌ من الفوائدِ العظيمةِ والثمارِ الكريمةِ التي تترتَّبُ على إخفاءِ الذِّكرِ وعدمِ الجهرِ به، ومِن خلالها يظهرُ للمسلم أهميَّةُ إخفاءِ الدعاء وإسرارِه، بخلاف الجهرِ به وإعلانِه، فإنَّه يترتَّبُ عليه ضِدُّ ذلك. ثمَّ إنَّ شيخ الإسلام ﵀ عقَدَ مقارنةً مفيدةً بين الذِّكرِ والدعاءِ في هذا الباب، بعد أن بيَّنَ أنَّ كلَّ واحدٍ من الدعاء والذِّكر يتضمَّن الآخرَ ويدخل فيه، قال ﵀: " وتأمَّل كيف قال [تعالى] في آيةِ الذِّكر: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضُرُّعاً وَخِيفَةً﴾ ٢، وفي آية الدعاء قال: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ ٣، فذكر التضرُّعَ فيهما معاً، وهو التذلُّلُ والتمسكنُ والانكسارُ، وهو روحُ الذِّكر والدعاء. وخصَّ الدعاء بالخُفية لِما ذكرنا من الحِكَم وغيرها، وخصَّ الذِّكرَ بالخِيفَة لحاجة الذَّاكر إلى الخوف، فإنَّ الذِّكرَ يستلزم المحبَّةَ ويُثمرُها، ولابدَّ لِمَن أكثرَ من ذكر الله أن يُثمرَ له ذلك محبَّتَه، والمحبَّةُ ما لَم تقترن بالخوفِ فإنَّها لا تنفعُ صاحبَها بل تضرُّه؛ لأنَّها توجبُ التواني ... فما حفظت حدود الله ومحارمه، ووصل الواصلون إليه بمثلِ خوفِه ورجائه ومحبَّتِه، فمتى خلا القلبُ من هذه الثلاث فسد فساداً لا يُرجى صلاحه

стр. 380

أبداً، ومتى ضعف فيه شيء من هذه ضعف إيمانُه بحسبه، فتأمَّل أسرارَ القرآن وحكمته في اقتران الخِيفَةِ بالذِّكر، والخُفيةِ بالدعاء. ... وذكرَ الطمعَ الذي هو الرجاءُ في آية الدعاءِ؛ لأنَّ الدعاءَ مبنيٌّ عليه، فإنَّ الداعيَ ما لَم يطمع في سؤالِه ومطلوبِه لَم تتحرَّك نفسيتُه لطلبه؛ إذ طَلَبُ ما لا طمعَ له فيه ممتنعٌ. وذَكَرَ الخوفَ في آية الذِّكرِ لشدَّةِ حاجة الخائف إليه، فذكَرَ في كلِّ آيةٍ ما هو اللائقُ بها من الخوفِ والطمعِ، فتباركَ مَن أنزلَ كلامَه شفاءً لِمَا في الصدور "١. اهـ كلامُه ﵀. وإذا كان الجهرُ بالدعاءِ يترتَّبُ عليه ما تقدَّم من فواتٍ لتلكَ المصالحِ والفوائدِ إن كان صادراً من فردٍ، فلا ريبَ أنَّ صدورَه من جماعة وبأداءٍ واحد أبلغُ في تفويتِ تلك المصالحِ والفوائد المترتِّبةِ عليه وكان السلفُ ﵏ يعدُّون ذلك نوعاً من الإحداث في الدِّين والخروج عن نهج سيِّدِ المرسَلين. روي عن مجالد بن مسعود السلمي ﵁: أنَّه سمع قوماً يعجُّون في دعائهم، فمشى إليهم، فقال: أيُّها القوم، لقد أصبتُم فضلاً على مَن كان قبلكم، أو لقد هلكتم، فجعلوا يتسلَّلون رجلاً رجلاً حتى تركوا بُقعتَهم التي كانوا فيها "٢. فالله وحده المستعان، وهو ولِيُّ التوفيق والسداد.

стр. 381

٧٢ ـ أنواع التوسُّل المشروع إنَّ مِن آداب الدعاء العظيمة التوسلَ إلى الله ﵎ بين يدي الدعاء بما شرعه وأحبَّه ورضيَه لعباده وسيلةً تقرِّبهم إليه، يقول الله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ ١، أي: القُربة، ومن المعلوم أنَّ التوسلَ إلى الله والتقرُّبَ إليه وطلَبَ مرضاته إنَّما يكون بما شرع وأحبَّ، لا بالأهواء والبِدع، وهذا بابٌ هامٌّ للغاية ينبغي للمسلم أن يتفطَّن له، وأن يحذرَ من الوقوعِ في المخالفةِ فيه؛ إذ إنَّ من الناسِ مَن يقعُ في هذا البابِ في مخالفات عديدةٍ وانحرافاتٍ متنوِّعةٍ، وهو يظنُّ أنَّ ما يفعله أمرٌ يُقرِّبه إلى الله، ووسيلةٌ تدنيه منه، إلاَّ أنَّ التوسُّلَ إلى الله والتقرُّبَ إليه لا يكون نافعاً للعبد مقبولاً عند الله إلاَّ إذا كان مشروعاً قد دلَّ على مشروعيَّته كتابُ الله وسنةُ رسوله ﷺ ، وعند التأمُّل للنصوص في هذا نجد أنَّها قد دلَّت على أنواع معيَّنةٍ يُشرع للعباد أن يتوسَّلوا إلى الله بها، وهي: أولاً: التوسُّلُ إلى الله بأسمائه الحسنى الواردة في كتابه وسنة رسوله ﷺ ، كما قال الله تعالى: ﴿وَللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاًمَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى﴾ ٣.

стр. 382

ومن أمثلة هذا النوع قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصَّرَاطَ المُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخر السورة، فقدَّم بين يدي الدعاء وهو قوله: ﴿اهْدِنَا الصَّرَاطَ المُسْتَقِيمَ﴾ الثناءَ على الله بذِكر أسمائه الحسنى العظيمة، ومِن ذلك أيضاً قولُ الداعي: يا رحمن ارحمني، أو يا غفور اغفر لي، أو يا رزاق ارزقني، ونحو ذلك من التوسلات إلى الله بأسمائه الحسنى. ثانياً: التوسل إلى الله تعالى بالأعمال الصالحةِ التي يقوم بها العبدُ، كأن يتوسَّل إلى الله بالإيمان به وطاعته واتِّباع رسوله ﷺ ومحبَّته، ومن هذا النوع قولُ الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ١، وقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ﴾ ٢، ومِن ذلك توسُّل النفر الثلاثةِ بأعمالهم عندما انطبقت عليهم الصخرة وهم في الغار، فاستجاب الله دعاءَهم وفرج همَّهم، روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: " بينما ثلاثة نَفَرٍ يتَمَشَّوْنَ أخذَهم المطرُ، فأَوَوا إلى غار في جبل فانحطت على فمِ غارِهم صخرةٌ من الجبل، فانطبقت عليهم، فقال بعضُهم لبعض: انظروا أعمالاً عملتُمُوها صالحةً

стр. 383

لله، فادعوا الله تعالى بها لعلَّ الله أن يفرِّج عنكم، فقال أحدهم: اللَّهمَّ إنَّه كان لي والدان شيخان كبيران، وامرأتي ولِي صِبْيةٌ صغارٌ أرعى عليهم، فإذا أرحتُ عليهم حلبتُ، فبدأتُ بوالديَّ فسقيتُهما قبل بَنِيَّ، وإنَّه نأى بي ذات يومٍ الشجر، فلم آت حتى أمسيتُ، فوجدتُهما قد ناما، فحلبتُ كما كنتُ أحلبُ، فجئتُ بالحِلابِ فقمتُ عند رؤوسِهما، أكره أن أوقظَهما من نومِهما، وأكره أن أسقيَ الصِبيةَ قبلهما، والصِبيةُ يتَضَاغون عند قدمي، فلم يزل ذلك دأبي ودأبَهُم حتى طلع الفجرُ، فإن كنتَ تعلم أنِّي فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهك فافرج لنا منها فرجةً، نرى منها السماء، ففرَج الله منها فرجةً فرأوا منها السَّماءَ. وقال الآخرُ: اللَّهمَّ إنَّه كانت لي ابنةُ عمٍّ أحببتها كأشدِّ ما يحبُّ الرجالُ النساءَ، وطلبتُ إليها نفسَها فأبَت حتى آتيها بمائة دينار، فتعبتُ حتى جمعتُ مائةَ دينار، فجئتها بها، فلمَّا وقعت بين رجليها قالت: يا عبدَ الله اتَّقِ اللهَ ولا تفتح الخاتَم إلاَّ بحقِّه، فقُمتُ عنها، فإن كنتَ تعلمُ أنِّي فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهك فافرج لنا منها فرجةً ففرج لهم. وقال الآخرُ: اللَّهمَّ إنِّي كنتُ استأجرتُ أجيراً بفَرَق أَرُزٍّ، فلمَّا قضى عملَه قال: اعطني حقِّي، فعرضتُ عليه فرقَه، فرغب عنه، فلم أزَل أزرعه حتى جمعتُ منه بقراً ورِعاءَها، فجاءني، فقال: اتَّق الله ولا تظلمني حقِّي، قلت: اذهب إلى تلك البقر ورِعائِها، فخذها، فقال: اتقِّ الله ولا تستهزئ بي، فقلتُ: إنِّي لا أستهزئ بك، خذ ذلك البقر ورِعاءَها، فأخذه فذهب به، فإن كنتَ تعلم أنِّي فعلتُ ذلك ابتغاء

стр. 384

وجهك فافرج لنا ما بقي، ففرج الله ما بقي "١. فهؤلاء توسَّل كلُّ واحد منهم إلى الله تعالى بعملٍ صالحٍ يحبُّه اللهُ ويرضاه، فكان ذلك سبباً لإجابة دعائهم وتحقيق رجائهم وكشف كربتهم. ثالثاً: التوسل إلى الله تعالى بدعاء الصالحين الأحياء، بأن يطلب المسلم من أخيه الحيّ الحاضر أن يدعو الله له، فهذا النوع من التوسل مشروعٌ لثبوته عن بعض الصحابة مع النبي ﷺ حيث كان بعضهم يأتيه صلوات الله وسلامه عليه ويطلب منه الدعاء له أو لعموم المسلمين، ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ أنَّ أعرابياًّ قام يوم الجمعة والنبيُّ ﷺ يخطب فقال: يا رسول الله! هلك المالُ وجاع العيالُ، فادع اللهَ لنا، فرفع يديه ـ وما نرى في السماء قَزَعَة ـ فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثمَّ لَم ينزل عن مِنبره حتى رأيتُ المطرَ يتحادر على لحيته ﷺ .. "، إلى آخر الحديث، ومثله كذلك توسل الصحابة ﵃ بدعاء العباس ﵁، وهو في صحيح البخاري من حديث أنس ﵁ " أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قُحطوا استسقى بالعباس ابن عبد المطلب، فقال: اللهمّ إناَّ كناَّ نتوسّل إليك بنبيِّنا ﷺ فتسقينا، وإناَّ نتوسّل إليك بعمِّ نبيِّنا فاسقنا، قال: فيسقون "٢.

стр. 385

والمراد بقوله " إناَّ نتوسّل إليك بعمِّ نبيِّنا " أي بدعائه. فهذه الأنواع الثلاثة من التوسل كلُّها مشروعة لدلالة نصوص الشرع عليها، وأمّا ما سوى ذلك مما لا أصل له، ولا دليل على مشروعيته فينبغي على المسلم أن يجتنبه، والله الموفِّق.

стр. 386

٧٣ ـ التحذير من الانحراف في فهم معنى التوسُّل تقدم الحديث عن التوسل أو ابتغاء الوسيلة إلى الله وهو لفظ شرعي ورد في القرآن الكريم كما في قوله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ ١، وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى ربِّهِم الوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ ٢. وهذه الوسيلةُ التي أمر الله أن تُبتَغى إليه وأَخبَر عن ملائكتِه وأنبيائِه أنَّهم يَبتغونها إليه، وهي ما يُتقرَّب به إليه من الواجبات والمستحبات، وما ليس بواجبٍ ولا مستَحبٍّ لا يدخل في ذلك سواء كان مُحرَّماً أو مكروهاً أو مباحاً. والواجب والمستحبُّ هو ما شرعه الرسول ﷺ فأَمر به أَمرَ إِيجابٍ أو استحبابٍ، وأصلُ ذلك الإيمان بما جاء به الرسول ﷺ ، ولهذا يُمكن أن يُقال إنَّ جماع الوسيلة التي أمر الله الخلق بابتغائها هو التوسل إليه باتِّباع ما جاء به الرسول ﷺ ، لا وسيلة لأحد إلى الله إلاَّ بذلك. وسبق الإشارةُ إلى أنواعٍ ثلاثةٍ من التوسُّلِ قام الدليلُ على مشروعيَّتِها في دعاء المسلم لربِّه، وهي التوسُّلُ إلى الله بأسمائه، والتوسُّلُ إليه بالأعمال الصالحة، والتوسُّلُ إليه بدعاء الصالحين الأحياء. لكن

стр. 387

ينبغي على المسلم أن يعلم أنَّ لفظ الوسيلة والتوسل صار فيه إجمالٌ واشتباه في إطلاقات الناس وفهومهم بسبب كثرة الأهواء وانتشار البدع، ولهذا فإنَّ الواجبَ أن تُعرف معانيه ويُعطى كلُّ ذي حقٍّ حقَّه، فيُعرف ما ورد به الكتابُ والسنة من ذلك ومعناه، وما كان يتكلّم به الصحابةُ ويفعلونه من ذلك، وأيضاً ينبغي أن يُعرف ما أحدثه المحدِثون في هذا اللفظ ومعناه، إذ إنَّ المفاهيم الخاطئة في هذا الباب قد كثُرت، والأهواء والبدع فيه عمّت وانتشرت، فأُدخل في معنى التوسل أمورٌ كثيرةٌ محدثةٌ لا أصل لها ولا أُسُسَ، لَم تكن موجودةً زمن النبي ﷺ ، ولم تكن معروفةً في شيء من الأدعية المشهورة بينهم. وأخطرُ ما كان ويكون في هذا الأمرِ هو دعاءُ الأموات والغائبين والاستغاثةُ بهم وسؤالُهم وإنزالُ الحوائج بهم، وطلبُهم قضاءَ الحاجات، وكشفَ الكربات، وشفاءَ المرضى ونحو ذلك، وتسميّة ذلك توسلاً، فجعل هؤلاء لفظ التوسل متكأً لهم نشروا من خلالِه هذه الأمور الكفرية والضلالات الخطيرة، وحقيقةُ هذه الأمور أنَّها توسُّلٌ إلى الشيطان لا إلى الرحمن وإلى الضلال والباطل لا إلى الحقِّ والهُدى؛ إذ هي من الشرك الأكبر الناقل من الملّة والعياذ بالله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وإن قال أنا أسأله لكونه أقربَ إلى الله منِّي، ليشفع لي في هذه الأمور؛ لأنِّي أتوسل إلى الله به كما يُتوسَّل إلى السلطان بخواصِّه وأعوانه، فهذا من أفعال المشركين والنصارى، فإنَّهم يزعمون أنَّهم يتخذون أحبارَهم ورهبانهم شفعاء يستشفعون بهم في مطالبهم، وكذلك أخبر الله عن المشركين أنَّهم قالوا

стр. 388

﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ ١، وقال : ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَ لَوْ كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ قُل للهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفَيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ﴾ ٣، وقال تعالى ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ ٤، فبيّن الفرقَ بينه وبين خلقِه، فإنَّ مِن عادةِ الناس أن يستشفعوا إلى الكبير من كبرائهم بمن يكرُمُ عليه فيسأله ذلك الشفيع، فيقضي حاجتَه إما رغبة وإما رهبةً وإما حياءً وإما مَوَدَّةً وإما غير ذلك، والله سبحانه لا يشفعُ عنده أحدٌ حتى يأذن هو للشافع، فلا يفعلُ إلاَّ ما شاء، وشفاعةُ الشافع من إذنه فالأمر كلُّه له "٥ اهـ كلامه ﵀. إنَّ تسميةَ هذه الأمور الشركية توسلاً لا يغيّر من حقيقة الأمر، ولا يغني من الحقِّ شيئاً، فمجرَّدُ الاختلافِ في التسمية لا يؤثر تحليلاً ولا تحريماً، فالحلال لو سمّاه أحدٌ بغير اسمه لا يصبح حراماً، والحرام إذا سمّاه أحد بغير اسمه لا يصبح حلالاً، فمَن أطلق على الخمر غيرَ اسمِها وشَرِبَها كان حكمُه حكمَ مَن شرِبَها وهو يُسَمِّيها باسمها بلا خلاف بين المسلمين.

стр. 389

ولا شك أنَّ الدعاءَ من جملة العبادات، بل هو أفضل أنواع العبادة، فصَرْفُه لغير الله شرك، وتسمية ذلك توسلاً لا يغير من حقيقة الأمر شيئاً، فمن دعا المخلوقين من الموتى والغائبين واستغاث بهم كان مشركاً بالله العظيم وخسر الخسران المبين. ولقد فتح هؤلاء بهذه الضلالات الطريق أمام أعداء الدين لنشر ضلالهم، وإنفاذ باطلهم، والدفاع عن عقائدهم، والكيد للمسلمين، وإليكم قصةً عجيبةً فيها تجليةٌ لهذا الأمر وبيانٌ لخطورته: لقي ثلاثةٌ من الرهبان شيخَ الإسلام ابن تيمية فناظرهم ﵀ وأقام عليهم الحجةَ بأنَّهم كفار، وأنَّهم ليسوا على ما كان عليه إبراهيم وعيسى ﵉، فقالوا له: نحن نعمل مثل ما تعملون: أنتم تقولون بالسيدة نفيسة، ونحن نقول بالسيدة مريم، وقد أجمعنا نحن وأنتم على أنَّ المسيح ومريم أفضل من الحسين ومن نفيسة، وأنتم تستغيثون بالصالحين الذين قبلكم ونحن كذلك. فانظر أخي المسلم كيف فتح هؤلاء الطريق أمام أعداء الدين عندما شابهوهم في العمل وابتعدوا عن روح الإسلام وحقيقته. ولهذا أجاب شيخ الإسلام هؤلاء الرهبان بقوله: إنَّ مَن فعل ذلك ففيه شبهٌ منكم، وهذا ما هو دينُ إبراهيم الذي كان عليه، فإنَّ الدين الذي كان عليه إبراهيم ﵇ أن لا نعبد إلاَّ الله وحده لا شريك له ولا نِدَّ له ولا صاحبة ولا ولد له، ولا نشرك معه ملكاً ولا شمساً ولا قمراً ولا كوكباً، ولا نشرك معه نبياً من الأنبياء ولا صالحاً، وذكر ﵀ أموراً بيّن فيها حقيقةَ توحيد الأنبياء والمرسَلين بخلاف ما عليه

стр. 390

أولئك المبطلون، فلما سمع الرهبان ذلك قالوا له: الدينُ الذي ذكرته خيرٌ من الدين الذي نحن وهؤلاء عليه، ثمّ انصرفوا من عنده١. فهذه القصة فيها عظة وعبرة وفوائد متنوِّعة، أهمُّها ضرورة العناية بدين الله كما جاء ووَرَد، بعيداً عن انحراف المُضلِّين وضلال المُبطلِين، والله وحده المستعان.
следующие страницы →