٧٣ ـ التحذير من الانحراف في فهم معنى التوسُّل
تقدم الحديث عن التوسل أو ابتغاء الوسيلة إلى الله وهو لفظ شرعي ورد في القرآن الكريم كما في قوله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ ١، وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى ربِّهِم الوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ ٢.
وهذه الوسيلةُ التي أمر الله أن تُبتَغى إليه وأَخبَر عن ملائكتِه وأنبيائِه أنَّهم يَبتغونها إليه، وهي ما يُتقرَّب به إليه من الواجبات والمستحبات، وما ليس بواجبٍ ولا مستَحبٍّ لا يدخل في ذلك سواء كان مُحرَّماً أو مكروهاً أو مباحاً.
والواجب والمستحبُّ هو ما شرعه الرسول ﷺ فأَمر به أَمرَ إِيجابٍ أو استحبابٍ، وأصلُ ذلك الإيمان بما جاء به الرسول ﷺ ، ولهذا يُمكن أن يُقال إنَّ جماع الوسيلة التي أمر الله الخلق بابتغائها هو التوسل إليه باتِّباع ما جاء به الرسول ﷺ ، لا وسيلة لأحد إلى الله إلاَّ بذلك.
وسبق الإشارةُ إلى أنواعٍ ثلاثةٍ من التوسُّلِ قام الدليلُ على مشروعيَّتِها في دعاء المسلم لربِّه، وهي التوسُّلُ إلى الله بأسمائه، والتوسُّلُ إليه بالأعمال الصالحة، والتوسُّلُ إليه بدعاء الصالحين الأحياء. لكن
стр. 387
ينبغي على المسلم أن يعلم أنَّ لفظ الوسيلة والتوسل صار فيه إجمالٌ واشتباه في إطلاقات الناس وفهومهم بسبب كثرة الأهواء وانتشار البدع، ولهذا فإنَّ الواجبَ أن تُعرف معانيه ويُعطى كلُّ ذي حقٍّ حقَّه، فيُعرف ما ورد به الكتابُ والسنة من ذلك ومعناه، وما كان يتكلّم به الصحابةُ ويفعلونه من ذلك، وأيضاً ينبغي أن يُعرف ما أحدثه المحدِثون في هذا اللفظ ومعناه، إذ إنَّ المفاهيم الخاطئة في هذا الباب قد كثُرت، والأهواء والبدع فيه عمّت وانتشرت، فأُدخل في معنى التوسل أمورٌ كثيرةٌ محدثةٌ لا أصل لها ولا أُسُسَ، لَم تكن موجودةً زمن النبي ﷺ ، ولم تكن معروفةً في شيء من الأدعية المشهورة بينهم.
وأخطرُ ما كان ويكون في هذا الأمرِ هو دعاءُ الأموات والغائبين والاستغاثةُ بهم وسؤالُهم وإنزالُ الحوائج بهم، وطلبُهم قضاءَ الحاجات، وكشفَ الكربات، وشفاءَ المرضى ونحو ذلك، وتسميّة ذلك توسلاً، فجعل هؤلاء لفظ التوسل متكأً لهم نشروا من خلالِه هذه الأمور الكفرية والضلالات الخطيرة، وحقيقةُ هذه الأمور أنَّها توسُّلٌ إلى الشيطان لا إلى الرحمن وإلى الضلال والباطل لا إلى الحقِّ والهُدى؛ إذ هي من الشرك الأكبر الناقل من الملّة والعياذ بالله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وإن قال أنا أسأله لكونه أقربَ إلى الله منِّي، ليشفع لي في هذه الأمور؛ لأنِّي أتوسل إلى الله به كما يُتوسَّل إلى السلطان بخواصِّه وأعوانه، فهذا من أفعال المشركين والنصارى، فإنَّهم يزعمون أنَّهم يتخذون أحبارَهم ورهبانهم شفعاء يستشفعون بهم في مطالبهم، وكذلك أخبر الله عن المشركين أنَّهم قالوا
стр. 388
﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ ١، وقال : ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَ لَوْ كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ قُل للهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفَيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ﴾ ٣، وقال تعالى ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ ٤، فبيّن الفرقَ بينه وبين خلقِه، فإنَّ مِن عادةِ الناس أن يستشفعوا إلى الكبير من كبرائهم بمن يكرُمُ عليه فيسأله ذلك الشفيع، فيقضي حاجتَه إما رغبة وإما رهبةً وإما حياءً وإما مَوَدَّةً وإما غير ذلك، والله سبحانه لا يشفعُ عنده أحدٌ حتى يأذن هو للشافع، فلا يفعلُ إلاَّ ما شاء، وشفاعةُ الشافع من إذنه فالأمر كلُّه له "٥ اهـ كلامه ﵀.
إنَّ تسميةَ هذه الأمور الشركية توسلاً لا يغيّر من حقيقة الأمر، ولا يغني من الحقِّ شيئاً، فمجرَّدُ الاختلافِ في التسمية لا يؤثر تحليلاً ولا تحريماً، فالحلال لو سمّاه أحدٌ بغير اسمه لا يصبح حراماً، والحرام إذا سمّاه أحد بغير اسمه لا يصبح حلالاً، فمَن أطلق على الخمر غيرَ اسمِها وشَرِبَها كان حكمُه حكمَ مَن شرِبَها وهو يُسَمِّيها باسمها بلا خلاف بين المسلمين.
стр. 389
ولا شك أنَّ الدعاءَ من جملة العبادات، بل هو أفضل أنواع العبادة، فصَرْفُه لغير الله شرك، وتسمية ذلك توسلاً لا يغير من حقيقة الأمر شيئاً، فمن دعا المخلوقين من الموتى والغائبين واستغاث بهم كان مشركاً بالله العظيم وخسر الخسران المبين.
ولقد فتح هؤلاء بهذه الضلالات الطريق أمام أعداء الدين لنشر ضلالهم، وإنفاذ باطلهم، والدفاع عن عقائدهم، والكيد للمسلمين، وإليكم قصةً عجيبةً فيها تجليةٌ لهذا الأمر وبيانٌ لخطورته: لقي ثلاثةٌ من الرهبان شيخَ الإسلام ابن تيمية فناظرهم ﵀ وأقام عليهم الحجةَ بأنَّهم كفار، وأنَّهم ليسوا على ما كان عليه إبراهيم وعيسى ﵉، فقالوا له: نحن نعمل مثل ما تعملون: أنتم تقولون بالسيدة نفيسة، ونحن نقول بالسيدة مريم، وقد أجمعنا نحن وأنتم على أنَّ المسيح ومريم أفضل من الحسين ومن نفيسة، وأنتم تستغيثون بالصالحين الذين قبلكم ونحن كذلك. فانظر أخي المسلم كيف فتح هؤلاء الطريق أمام أعداء الدين عندما شابهوهم في العمل وابتعدوا عن روح الإسلام وحقيقته.
ولهذا أجاب شيخ الإسلام هؤلاء الرهبان بقوله: إنَّ مَن فعل ذلك ففيه شبهٌ منكم، وهذا ما هو دينُ إبراهيم الذي كان عليه، فإنَّ الدين الذي كان عليه إبراهيم ﵇ أن لا نعبد إلاَّ الله وحده لا شريك له ولا نِدَّ له ولا صاحبة ولا ولد له، ولا نشرك معه ملكاً ولا شمساً ولا قمراً ولا كوكباً، ولا نشرك معه نبياً من الأنبياء ولا صالحاً، وذكر ﵀ أموراً بيّن فيها حقيقةَ توحيد الأنبياء والمرسَلين بخلاف ما عليه
стр. 390
أولئك المبطلون، فلما سمع الرهبان ذلك قالوا له: الدينُ الذي ذكرته خيرٌ من الدين الذي نحن وهؤلاء عليه، ثمّ انصرفوا من عنده١.
فهذه القصة فيها عظة وعبرة وفوائد متنوِّعة، أهمُّها ضرورة العناية بدين الله كما جاء ووَرَد، بعيداً عن انحراف المُضلِّين وضلال المُبطلِين، والله وحده المستعان.
стр. 391
٧٤ ـ من التوسُّل الباطل دعاء الصالِحين من دون الله
لقد تقدَّم معنا الكلامُ على التوسُّل وبيانُ معناه الصحيح الثابتِ في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وكذلك سبق الإشارةُ إلى وجود جملةٍ من المفاهيم الخاطئةِ والتقريرات الفاسدة شاعت بين بعض الناسِ ظنُّوها من التوسلِ المشروعِ المقرِّبِ إلى الله ، وربَّما أيضاً حَمل بعضَهم حبُّهم للأولياء والصالحين على تعظيمهم تعظيماً غيرَ مشروع بالاستغاثةِ بهم، ودعائهم مِن دون الله، وإنزال الحاجات بهم، وتسميةُ ذلك توسُّلاً.
إنَّ من الواجب على المسلمِ في هذا الباب العظيم أن يعرف للأولياء والصالحين قدرَهم ومكانتَهم ومنزلتَهم دون أن يحمله ذلك على الغلوِّ فيهم؛ إذ إنَّ الغلوَّ في الأولياء والصالحين أصلُ الشرك وسببُه في قديم الزمان وحديثه، لقرب الشرك بهم من النفوس، فإنَّ الشيطان يُظهرُ ذلك في قالب المحبَّة والتعظيم والاحترام والتوقير للأولياء والصالحين.
روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ ١، قال: " هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلمَّا هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً وسمُّوها بأسمائهم، ففعلوا ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسّخَ العلمُ عُبدت "٢.
стр. 392
وبهذا يتبيَّن أنَّ الشيطانَ يتنقَّلُ بهؤلاء في طريق الباطل عبر مراتبَ عديدة، ودرجات متنوِّعة إلى أن يصلَ بهم إلى غايةِ الباطلِ ومنتهاه، فيبدأ معهم عدوُّ الله أولاً بدعوتهم إلى تعظيم الصالحين تعظيماً مبتدعاً بالبناء على قبورهم أو اتخاذ تصاويرَ لهم أو نحوِ ذلك، فإذا فعلوا ذلك نقلَهم إلى ما هو أعظمُ من ذلك، وهو الإقسام على الله بهم، وشأنُ الله أعظمُ مِن أن يُقسم عليه أو يُسأل بأحد مِن خلقه، فإذا تقرَّر ذلك عندهم نقلَهم مِن ذلك إلى دعائِهم وعبادتِهم وسؤالهم الشفاعةَ مِن دون الله واتخاذِ قبورهم أوثاناً يُعكفُ عليها، وتُعلَّقُّ عليها القناديلُ والستورُ، ويُطاف بها وتستلم وتُقبَّل ويحجُّ إليها ويُذبحُ عندها، فإذا تقرَّر ذلك عندهم نقلهم منه إلى دعاء الناس إلى عبادتها واتخاذها عيداً ومَنسكاً ورأوا أنَّ ذلك أنفعُ لهم في دنياهم وأُخراهم. فإذا تقرَّر ذلك عندهم نقلهم منه إلى التحذير ممَّن ينهى عن ذلك ووصفِه بأنَّه يتنقَّص الصالحين ويحطُّ من أقدارهم ولا يُعظِّمهم ونحو ذلك، ومعلوم أنَّ ذلك ليس من التعظيم في شيء؛ بل من البهتان المبين والكفرِ الصريحِ والضلالِ العظيمِ.
إنَّ بابَ التعظيم عندما لا يُضبطُ بالضوابط الشرعية، ولا يتقيَّدُ فيها بنصوص الكتاب والسنةِ يوقِعُ الإنسانَ في صنوف من الخطأ وأنواع من الضلال، يتوهَّمُ أنَّها من التعظيم وليست كذلك، والشرعُ المطهَّرُ قد دلَّ على مشروعيةِ تعظيم الأنبياء والأولياء والصالحين في حدودٍ معيَّنةٍ، دون رفعٍ لهم عن منزلتهم التي أنزلهم الله إيَّاها، فمَن عظَّمهم بغير ما حُدَّ في الشرعِ وأتت به الأدلةُ فقد جاء بضدِّ التعظيم ونقيضِه، ولهذا قال
стр. 393
الرسول الكريم ﷺ لِمَن أطراه: " أنا محمد بن عبد الله عبدُ الله ورسولُه، والله ما أحبُّ أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله "١، فمَن عظَّمه ﷺ بما لا يُحبُّ فإنَّما أتى بضدِّ التعظيم، والتعظيمُ الحقُّ قد دلَّ عليه الشرعُ ومحلُّه القلب واللسان والجوارح.
أمَّا التعظيمُ بالقلب فهو ما يتبعُ اعتقاد كونِه رسولَ الله من تقديم محبَّتِه على النفس والولد والوالد والناسِ أجمعين، ويُصدِّق هذه المحبَّةَ أمران:
أحدهما: تجريد التوحيد لله ، فإنَّه ﷺ كان أحرصَ الناس على تجريدِه حتى قطع أسبابَ الشركِ ووسائلَه من جميعِ الجهات، فنهى أن يُقال " ما شاء الله وشئتَ "، وأن يُحلف بغير الله، وأخبر أنَّ ذلك شركٌ، ونهى أن يُصلَّى إلى القبورِ، وأن تُتَّخذَ مسجداً أو عيداً، أو أن يُوقد عليها السُرُجَ، أو غير ذلك ممَّا قرَّره ﷺ أتمَّ التقرير بقوله وفِعلِه وهديِه، فتعظيمه ﷺ إنَّما يكون بموافقته على ذلك لا بمناقضتِه فيه.
الأمر الثاني: تجريدُ متابعته وتحكيمُه وحده في الدقيق والجليلِ من أصولِ الدين وفروعه، والرضا بحكمه والانقيادُ له والتسليمُ والإعراضُ عمَّن خالفه، وعدمُ الالتفات إليه حتى يكون وحده الحاكمَ المتبَعَ المقبولَ قولُه، كما كان ربُّه تعالى وحده المعبودَ المألوهَ المخوفَ المرجوَّ المستعانَ لا شريك له
стр. 394
أمَّا تعظيمُه ﷺ باللسان، فيكون بالثناءِ عليه بما هو أهلُه مِمَّا أثنى به على نفسه وأثنى به عليه ربُّه من غير غلوٍّ ولا تقصيرٍ، فكما أنَّ المقصِّرَ المفرِّطَ تاركٌ لتعظيمه، فالغالي المُفْرِط كذلك، وكلٌّ منهم شرٌّ من الآخر من وجهٍ دون وجه، وأولياؤُه سلكوا بين ذلك قَواماً.
أمَّا التعظيمُ بالجوارحِ فهو العملُ بطاعته والسعيُ في إظهارِ دينِه وإعلاءِ كلماتِه ونصرِ ما جاء به، وبتصديقِه فيما أخبر وطاعتِه فيما أَمَرَ والانتهاءِ عمَّا نهى عنه وزَجَر، والموالاةُ والمعاداةُ والحبُّ والبغضُ لأجلِه وفيه، وتحكيمُه وحده والرضا بحكمِه١.
فهذا هو مدارُ دينِه ﵊، وبهذا يكون تعظيمُه وتوقيرُه، وهذا هو التعظيمُ الحق المطابقُ لحال المعظَّمِ النافعُ للمعظِّم في معاشه ومعاده، خلافاً لِمَن سلكَ في حقِّه ﷺ جانبَ الغلوِّ والإفراطِ، أو جانبَ الجفاءِ والتفريطِ، وكلا هذين قد أضاعوا الواجبَ عليهم تجاه رسولهم الكريم محمد بن عبد الله عليه صلوات الله وسلامه وبركاته.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنَّه قال: " لا تُطروني كما أطرت النصارى عيسى بنَ مريم فإنَّما أنا عبدٌ فقولوا عبد الله ورسوله "، رواه البخاري٢، ورغم وضوح هذا المنهجِ وبيانه إلاَّ أنَّ أهل الأهواءِ أبَوا إلاَّ مخالفةَ أمره وارتكاب نهيه وناقضوه أعظمَ المناقضةِ، وظنُّوا أنَّهم إذا وصفوه بأنَّه عبد الله ورسوله وأنَّه لا يُدعى ولا يُستغاثُ به ولا يُنذرُ له
стр. 395
ولا يُطافُ بحُجرتِه ونحو ذلك، أنَّ في ذلك هضماً لجنابه وغضًّا من قدرِه وانتقاصاً من شأنِه، وقد جهل هؤلاء أنَّ التعظيمَ للرسول الكريم ﷺ إنَّما يكون بالمتابعةِ له في هديِه ولزومِ نهجه وترسُّمِ خُطاه، لا بالأهواء والضلالات والبدعِ والمنكرات.
стр. 396
٧٥ ـ أوقاتٌ يُستجابُ فيها الدعاء
إنَّ اللهَ لَمَّا شرع لعبادِه الدعاء ورغَّبهم فيه وحثَّهم عليه ووعدهم عليه الإجابةَ تفضُلاً منه سبحانه وتكرُّماً؛ هيَّأ لهم مع ذلك أمكنةً فاضلةً وأزمنةً فاضلةً، وآداباً عظيمةً يكون حظُّ العبد ونصيبُه من القبول والإجابةِ بحسب حظِّه ونصيبِه من تحقيق تلك الأمور وعنايتِه بها.
ومن الأوقات الفاضلةِ التي يحسن بالمسلمِ أن يتحرَّى دعاءَ الله فيها وقتُ السَّحَر وحين يبقى ثلثُ الليل الأخير، قال الله تعالى: ﴿وَالمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ٢، وثبت في الحديث المتواتر عن النبي ﷺ أنَّه قال: " ينزل ربُّنا تبارك تعالى كلَّ ليلةٍ إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلثُ الليل الآخر، يقول: مَن يدعوني فأستجيب له، مَن يسألني فأعطيَه، مَن يستغفرني فأغفر له "٣.
وهذا الحديث العظيمُ يدلُّ على شرف هذا الوقتِ عند الله وعِظمَ شأنه عنده، وأنَّه سبحانه لكمال إحسانه وتمام لُطفِه ينزل في ذلك الوقت هو سبحانه بنفسه إلى سماء الدنيا نزولاً حقيقياً يليق به سبحانه، لا يُشبه نزولَ المخلوقين تعالى الله وتنزَّه عن ذلك، ولا يدركُ أحدٌ من المخلوقين كيفيةَ نزوله سبحانه؛ إذ إنَّ كيفيةَ صفاته سبحانه مجهولةٌ
стр. 397
للخَلق، كما أنَّ كيفيةَ ذاتِه مجهولةٌ لهم، وليس لأحدٍ أن يخوضَ في شيء من صفات الله ـ لا النزول ولا غيره ـ بتحريف أو تعطيل، أو تكييف أو تمثيل.
والحديثُ دليلٌ على فضلِ هذا الوقتِ المباركِ، وأنَّه أفضلُ أوقات الدعاء والاستغفار والإقبال على الله بالسؤال، وأنَّ الدعاءَ في ذلك الوقت مستجابٌ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " والناس في آخر الليل يكون في قلوبهم من التوجُّه والتقرُّب والرِّقةِ ما لا يوجد في غير ذلك الوقت، وهذا مناسبٌ لنزوله إلى سماء الدنيا، وقوله: هل من داعٍ، هل من سائل، هل من تائب "١. اهـ كلامُه ﵀.
ومِن الأوقات الفاضلة التي يُستجابُ فيها الدعاء الساعةُ التي في يوم الجمعةِ، فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ ذَكَر يومَ الجمعة فقال: " فيه ساعةٌ لا يوافقها عبدٌ مسلمٌ قائمٌ يصلِّي يسأل الله تعالى شيئاً إلاَّ أعطاه إياه، وأشار بيده يُقلِّلُها "٢.
وقد اختلف أهلُ العلم في تعيين هذه الساعةِ على أقوالٍ عديدةٍ تُقارب الأربعين قولاً، إلاَّ أنَّ أقواها وأقرَبَها للدليل قولان:
أحدهما: أنَّها ما بين جلوس الإمام على المنبر إلى حين فراغه من الصلاة، وحُجَّةُ هذا القول حديثُ أبي بُردة بن أبي موسى الأشعريِّ: أنَّ عبدَ الله بنَ عمر قال له: أَسَمِعتَ أباك يحدِّث عن رسول الله ﷺ في
стр. 398
شأنِ ساعةِ الجمعة شيئاً؟ قال: نعم، سمعتُه يقول: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: " هي بين أن يجلس الإمامُ إلى أن تُقضى الصلاة "١.
والقول الثاني: أنَّها بعد العصر إلى غروب الشمس، ومِن أدلةِ هذا القول ما رواه أحمد وابن ماجه في سننه عن عبد الله بن سلام قال: قلتُ ورسول الله ﷺ جالسٌ: إنَّا لنجدُ في كتاب الله (يعني التوراة) في يوم الجمعة ساعةٌ لا يوافقُها عبدٌ مؤمنٌ يصلِّي يسألُ الله شيئاً إلاَّ قضى الله له حاجتَه، قال عبد الله: فأشار إليَّ رسول الله ﷺ أو بعض ساعة، قلتُ: صدقتَ يا رسول الله أو بعض ساعة، قلت: أيُّ ساعة هي؟ قال: هي آخرُ ساعة من ساعات النهار، قلتُ: إنَّها ليست ساعةَ صلاةٍ، قال: بلى، إنَّ العبدَ المؤمنَ إذا صلَّى ثمَّ جلس لا يُجلسُه إلاَّ الصلاة فهو في صلاة "٢.
قال الحافظ ابن حجر وقد سرَدَ الأقوالَ: " ولا شكَّ أنَّ أرجحَ الأقوال المذكورةِ حديثُ أبي موسى وحديثُ عبد الله بن سلام "٣ اهـ.
ورجَّح ابن القيم ﵀ في كتابه زاد المعاد القولَ الثاني، وهو أنَّها بعد صلاة العصر، واحتجَّ بحديث عبد الله بن سلام المتقدِّم وأحاديث أخرى وردت في الباب٤.
стр. 399
ومن الأزمنة الفاضلةِ شهرُ رمضان المبارك، ولا سيما العشرُ الأواخر منه، وخاصة ليلة القدر التي هي خيرٌ من ألف شهر، وقد ثبت في الترمذي وغيره عن أمِّ المؤمنين عائشة ﵂ قالت: قلتُ يا رسول الله: أرأيتَ إن علِمتُ ليلةَ القدر، ما أقول فيها، قال: قولي " اللَّهمَّ إنَّك عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فاعْفُ عنّي "١.
ومن الأوقات الفاضلة أيضاً والتي ينبغي للمسلم أن يتحرّى فيها الدعاءَ يومُ عرفة، فهو يومٌ فاضلٌ تُستجابُ فيه الدعواتُ وتُغفر فيه الزَّلاَّتُ وتُكفَّر فيه الخطيئات، وقد ثبت في الحديث عن النبي ﷺ أنَّه قال: " أفضلُ الدعاءِ دعاءُ يوم عرفة وأفضل ما قلتُه أنا والنبيون من قبلي لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلِّ شيء قدير "٢.
ومن الأوقات التي يُرجى فيها قبولُ الدعاء ما بين الأذان والإقامة لِمَا ثبت عن أنس بن مالك ﵁، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: " الدعاء لا يُردُّ بين الأذان والإقامة فادعوا " أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وغيرهم٣.
стр. 400
وثبت عن النبي ﷺ أنَّ الدعاء لا يردُّ عند النداء للصلاة، وذلك فيما رواه سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ثنتان لا تُرَدَّان، أو قَلَّما تُرَدَّان، الدعاء عند النداء، وعند البأس حين يلحمُ بعضهم بعضاً "١.
ومِمَّا ينبغي للمسلم أن يتحرَّى فيه الدعاءَ أدبار الصلوات المكتوبة، ففي الترمذي وغيره بسند جيِّد عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قيل يا رسول الله أيُّ الدعاء أَسْمَعُ؟ قال: " جوف الليل الآخر، ودُبر الصلوات المكتوبات "٢.
وأوصى صلوات الله وسلامه عليه معاذ بن جبل أن يقول في دبر كلِّ صلاة " اللَّهمَّ أعِنِّي على ذِكْرِك وشُكرِك وحُسنِ عبادتك "٣، ودبر الصلاة المذكور في هذا الحديث والذي قبله يحتمل قبل السلام وبعده، قال ابن القيم ﵀: " وكان شيخُنا ـ يعني ابنَ تيمية ﵀ يُرجِّح أن يكون قبل السلام، فراجعتُه فيه، فقال: دُبر كلِّ شيء منه كدبر الحيوان "٤.وبالله التوفيق.
стр. 401
٧٦ ـ أحوالٌ للمسلم يُستجابُ فيها الدعاء
سبق الإشارةُ إلى جُملةٍ من الأوقات الفاضلةِ التي يُرجى فيها قبولُ الدعاء أكثرَ من غيرها؛ إذ إنَّ المسلمَ في كلِّ وقتٍ يدعو اللهَ في أيِّ ساعةٍ من ليل أو نهارٍ يرجو أن يتقبَّلَ اللهُ منه، إلاَّ أنَّ هناك أوقاتاً فاضلةً خصَّها الشارعُ بِمزيد فضيلةٍ فكان القبولُ فيها أرجى، والإجابةُ فيها أحرى من غيرها، فينبغي للمسلم أن يتحرَّى فيها الدعاءَ كثلثِ الليل الآخر، وكالساعة التي في يوم الجمعة، وغيرِ ذلك مِمَّا سبق الإشارةُ إليه.
وكما أنَّ هناك أوقاتاً فاضلةً ينبغي أن يتحرَّى المسلمُ فيها الدعاءَ، فكذلك هناك أحوالٌ فاضلةٌ في المسلم يزيد فيها قُربُه من الله وإقبالُه عليه وخشوعُه وخضوعُه واستكانتُه، ينبغي على المسلم أن يكثر فيها الدعاء وأن يعظم فيها الطلب.
ومِن ذلك في الصلاة، عندما يقفُ العبدُ بين يدي الله خاشعاً خاضعاً متذلِّلاً منيباً، ولا سيما حال السجود، فإنَّ العبدَ في سجوده يكون قريباً من ربِّه، فينبغي في هذه الحال أن يُكثرَ من دعاء الله وسؤالِه ومناجاتِه؛ لعِظَمِ قربِه فيه من الله ، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: " أقربُ ما يكون العبدُ من ربِّه وهو ساجد، فأكثِروا الدعاء " ١.
стр. 402
وروى مسلم في صحيحه عن ابن عباس ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: " ألاَ إنِّي نُهيتُ أن أقرأَ القرآنَ راكعاً أو ساجداً، فأمَّا الرُّكوعُ فعَظِّموا فيه الرَّبَّ ، وأمَّا السجودُ فاجتهدوا في الدعاءِ، فقَمِنٌ أن يُستجاب لكم " ١، أي حقيقٌ وجديرٌ أن يُستجاب لكم.
وكذلك يُتحرَّى الدعاء في آخر الصلاة قبل السلام بعد الصلاة الإبراهيمية على النبي ﷺ ، فقد روى الإمام أحمد والترمذي والنسائي وغيرُهم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: " كنتُ أصلِّي والنبيُّ ﷺ وأبو بكر وعمر معه، فلمَّا جلستُ بدأتُ بالثناء على الله، ثمَّ الصلاة على النبي ﷺ ، ثمَّ دعوتُ لنفسي، فقال النبي ﷺ : سَلْ تُعطه، سل تُعطه "٢.
وروى الترمذي والنسائي وغيرُهما عن فضالةَ بن عبيد ﵁ قال: " سمع رسول الله ﷺ رجلاً يدعو في صلاتِه لَم يُمجِّد اللهَ ولم يُصلِّ على النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : عجِلتَ أيُّها المصلِّي، ثمَّ علَّمهم رسولُ الله ﷺ ، وسَمِعَ رسولُ الله ﷺ رجلاً يصلِّي فمجَّد اللهَ وحمِدَه وصلَّى على النبيِّ ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : ادْعُ تُجب، وسَلْ تُعط "٣.
стр. 403
ومِن الأحوال التي يكون فيها المسلمُ حريًّا بالقبول وإجابة الدعاء، دعوته حال صيامِه، فقد روى البيهقي من حديث أنس ﵁ مرفوعاً: " ثلاثُ دعواتٍ لا تُردُّ: دعوةُ الوالد، ودعوةُ الصائم، ودعوة المسافر "١.
وكذلك عندما يكون المسلمُ متلبِّساً بإحرامه قاصداً بيتَ ربِّه، يريد الحجَّ أو العمرةَ، فإنَّ هذا من أسبابِ إجابةِ الدعاء، روى ابنُ ماجه في سننه وغيرُه بإسناد حسن عن عبد الله بن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: " الغازي في سبيل الله والحاجُّ والمعتمرُ وَفْدُ الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم "٢.
وأفضلُ ما يكون الدعاء للحاج يوم عرفة، فهو يوم إجابة الدعوات، وإقالةِ العثرات، وتفريج الكربات، وإغاثةِ الملهوفين، وقد ثبت في الحديث عن النبي ﷺ أنَّه قال: " خيرُ الدعاء دعاء يوم عرفة وخير ما قلتُه أنا والنبيُّون من قبلي لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كلِّ شيء قدير "٣؛ إذ في هذا اليوم المبارك يَغشى الناسَ من الإيمان والطمأنينةِ والخشوع والخضوع ما يكون سبباً لقبول دعواتِهم
стр. 404
وإقالة عثراتهم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " مِن المعلوم أنَّ الحجيجَ عشية عرفة ينزل على قلوبهم من الإيمان والرحمة والنورِ والبركةِ ما لا يمكن التعبير عنه "١.
وفي الحجِّ أمكنةٌ خاصةٌ ينبغي للمسلم أن يقفَ بها ويتحرَّى فيها الدعاءَ اقتداءً بالنبي ﷺ ، حيث ثبت عنه أنَّه كان يقفُ فيها ويستقبلُ القبلةَ ويدعو الله ، وهي بالأخصِّ ستة أماكن: في عرفة كما تقدَّم، وفي المَشعر الحرام كما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِندَ المَشْعَرِ الحَرَامِ﴾ ٢، وقد جاء في حديث جابر ﵁ في صفة حجَّة النبي ﷺ : " أنَّه ركب القصواءَ حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبَّره وهلله ووحده، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جدًّا، فدفع قبل أن تطلع الشمس "، رواه مسلم٣.
وكذلك على الصفا والمروة لما ثبت في صحيح مسلم في حديث جابر المتقدِّم: " أنَّ النبي ﷺ كان إذا وقف على الصفا يُكبِّر ثلاثا ويقول: لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كلِّ شيء قدير، يصنع ذلك ثلاث مرَّات ويدعو، ويصنع على المروةِ مثلَ ذلك "٤.
стр. 405
وكذلك بعد رمي الجمرتين الصغرى والوسطى، لما ثبت في صحيح البخاري أنَّ عبد الله بن عمر ﵄ كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات يُكبِّر على إثر كلِّ حصاة ثمَّ يتقدَّم حتى يُسهلَ فيقوم مستقبلَ القبلة، فيقومُ طويلاً يدعو ويرفع يديه، ثمَّ يرمي الوسطى ثمَّ يأخذ ذات الشمال فيسهل ويقومُ مستقبلَ القبلة فيقومُ طويلا ويدعو ويرفع يديه ويقوم طويلاً، ثمَّ يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها، ثمَّ ينصرف فيقول: هكذا رأيتُ النبيَّ ﷺ يفعله "١.
فهذه ستة مواضع ثبت أنَّ النبي ﷺ يقف فيها ويتحرَّى الدعاء ويرفع يديه، وعموماً فالدعاءُ له شأنٌ عظيم في الحج والصلاة والصيام، بل له شأنٌ بالغٌ في العبادات كلِّها، بل هو روحُ العبادة ولُبُّها.
стр. 406
٧٧ ـ مَن تُستجابُ دعوتُهم
تقدم معنا الإشارةُ إلى أوقاتٍ وأحوالٍ تُجاب فيها الدعوات، وهي أوقاتٌ وأحوالٌ فاضلة يزداد فيها قُربُ العبدِ من ربِّه ويَعْظُم إلْحاحُه عليه، ويَقوى إقبالُه وقربه وإخلاصه، وفي السنة النبوية المباركة إشاراتٌ إلى أمور عديدة من هذا القبيل يُنبّه فيها رسولُ الله ﷺ أنَّ من كان كذلك فإنَّ دعوتَه لا تُردُّ. ولَعلِّي أشير هنا إلى جملةٍ من نصوص السنة الواردة فيمن لا ترد دعوتهم. فمِمَّا ورد في السنة أنَّ دعوتهم لا ترد: الصائم حتى يفطر، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد لولده أو عليه، ودعوة المظلوم، ففي السنن الكبرى للبيهقي من حديث أنس ﵁ مرفوعاً: " ثلاثُ دعواتٍ لا تُردُّ: دعوةُ الوالد، ودعوةُ الصائم، ودعوة المسافر "١.
وروى الترمذي وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ثلاثُ دعوات يستجاب لهنّ لا شكّ فيهنَّ: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد لولده "٢، وقد رواه
стр. 407
الإمام أحمد في مسنده بلفظ " دعوة الوالد على ولده "١.
ومِمَّا ورد أيضاً في دعوة المظلوم حديثُ ابن عباس ﵄ في ذكر بعثة النَّبِيِّ ﷺ معاذاً إلى اليمن وفيه: " واتقِ دعوة المظلوم فإنَّها ليس بينها وبين الله حجاب " ٢.
وكُتُب السير والأخبار مليئةٌ بذكر الوقائع والشواهد على ذلك، ومِن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن عروة بن الزبير: أنَّ أروى بنت أويس ادَّعت على سعيد بن زيد أنَّه أخذ شيئاً من أرضها فخاصمته إلى مروان بن الحكم فقال سعيدٌ: أنا كنتُ آخذُ من أرضها شيئاً بعد الذي سمعتُ من رسول الله ﷺ ؟ قال: وما سمعتَ من رسول الله ﷺ ؟ قال سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: " مَن أخذ شبراً من الأرض ظلماً طُوِّقه إلى سبع أرضين "، فقال له مروان: لا أسألك بيِّنة بعد هذا. فقال: اللَّهمَّ إن كانت كاذبةً فعمِّ بصرَها واقتلها في أرضها، قال: فما ماتت حتى ذهب بصرُها، ثمَّ بَيْنَا هي تمشي في أرضِها إذ وقعت في حُفرة فماتت " ٣.
وكذلك دلّت السنة أنَّ دعوةَ المسلم لأخيه المسلمِ بظهر الغيب لا تُرَد، ففي صحيح مسلم عن أم الدرداء ﵂: أنَّها قالت لصفوان أتريد الحج العام؟ قال: فقلت: نعم، قالت فادعُ الله لنا بخير فإنَّ
стр. 408
النبي ﷺ كان يقول: " دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابةٌ، عند رأسه مَلَكٌ كلَّما دعا لأخيه بخير قال المَلَكُ الموكَّلُ به: آمين، ولك بمثل "١.
وروى مسلم في صحيحه عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ أنَّه قال: " ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلاَّ قال المَلَك ولك بمثل " ٢.
ومِمَّا ورد في السنة في إجابة الدعاء ما ثبت في صحيح البخاري عن عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ قال: " من تعارَّ من الليل فقال: لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلِّ شيء قدير، الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلاَّ الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله، ثمَّ قال: اللهمّ اغفر لي أو دعا استُجيب له، فإن توضأ وصلّى قُبلت صلاتُه "٣.
وروى أبو داود في سننه، وأحمد في المسند، وغيرُهما عن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ قال: " ما من مسلم يبيت على ذكر الله طاهراً فيتعارَّ من الليل فيسأل الله خيراً من الدنيا والآخرة إلاَّ أعطاه الله إيّاه "٤.
стр. 409
والعبدُ كلَّما كان قريباً من الله مطيعاً له محافظاً على أوامره كان حرياًّ بالإجابة والقبول في دعواته ومناجاته لربّه، وقد ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إنَّ الله تعالى قال: مَن عادى لي ولياًّ فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذ بي لأعيذنَّه، وما ترددتُ عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته "١.
وكذلك عندما يُقبِل العبد على الله إذا مسّه الضرُّ بصدقٍ وإخلاصٍ وشدّة رغبةٍ فإنَّ دعاءَه لا يُردّ، والله يقول: ﴿أَمَّن يُجِيبُ المُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ ٢، قال بعض أهل العلم في هذه الآية: " ضَمِن الله تعالى إجابةَ المضطر إذا دعاه، وأخبرَ بذلك عن نفسه، والسببُ في ذلك أنَّ الضرورةَ إليه باللَّجَأ ينشأ عن الإخلاص وقطع القلب عما سواه، وللإخلاص عنده سبحانه موقعٌ وذمّةٌ وُجِدَ من مؤمن أو كافر، طائع أو فاجر "٣.
ودعوةُ ذي النون ﵇ التي دعا بها في بطن الحوت لها شأنٌ
стр. 410
عظيمٌ في الإجابة والقبول، قال الله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَن نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي المُؤْمِنِينَ﴾ ١، وقد ثبت في السنة أنَّ هذه الدعوةَ العظيمة المباركة لا يدعو بها مسلم في شيء إلاّ استجاب الله له، روى الترمذي وغيره عن رسول الله ﷺ قال: " دعوةُ ذي النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت: لا إله إلاَّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، لَم يَدْعُ بها رجل في شيء قط إلاَّ استجاب الله له "٢.
وإذا ضمّ العبدُ إلى ذلك التوسلَ إلى الله بأعمالِه الصالحة التي قام بها في حياته متقرِّباً بها إلى الله طالباً بها مرضاته لَم تُردَّ له دعوة كما هو الشأن في النفر الثلاثة الذين أطبقت عليهم الصخرة وهم في الغار فتوسَّلَ كلُّ واحد منهم بعمل من أعماله الصالحة حتى فرّج الله عنهم بذلك وقد مضت قصّتهم كاملة.
فتقرُّبُ العبد إلى الله وإكثارُه من الأعمال الصالحة وإقبالُه على ربِّه بما يرضيه هو أعظمُ أسباب القبول وأهمُّ دواعي الإجابة، والتوفيق بيد الله وحده.
стр. 411
٧٨ ـ التحذيرُ من الأدعية المبتدعة
إنَّ الدعاءَ طاعةٌ عظيمةٌ وعبادةٌ جليلةٌ يلزم المسلمَ فيها ـ شأن جميع العبادات ـ التقيّدُ بهدي الرسول الكريم ﷺ ، ولزوم سنّته، واتباعُ طريقته، وسلوكُ سبيله، فإنَّ خيرَ الهدي وأكملَه وأقومَه هدي محمد ﷺ ، وقد كان ﵊ يقول كلَّ جمعة إذا خطب الناس: " أما بعد فإنَّ أصدق الحديث كتابُ الله وخيرَ الهدي هدي محمد ﷺ ، وشرَّ الأمور محدثاتها وكلَّ محدثة بدعة وكلَّ بدعة ضلالة وكلَّ ضلالة في النار "١، ولذا فإنَّ الواجب على كلِّ مسلم أن يحذر أشدَّ الحذر من المحدثات في الدين، ويلزم في جميع أمور دينه هديَ سيِّد الأنبياء والمرسَلين.
إنَّ هديَ النبي ﷺ في الدعاء هديٌ كاملٌ لا نقصَ فيه بوجه من الوجوه، فلم يَدَعْ ﷺ شيئاً من الخير والفائدة المتعلِّقةِ بالدعاء إلاَّ بيّنها على أتمِّ الوجوه وأكملِها وأوفاها كما هو شأنُه صلوات الله وسلامه عليه في جميع جوانب الدين، ولم يمت ﷺ حتى أنزل الله قوله: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ ٢، ومَن يتأمّل هديَه ﷺ في الدعاء يجدُه هدياً كاملاً وافياً شاملاً لا نقصَ فيه، فبيّن للأمَّة الأدعيةَ المتعلِّقة بالأوقات المعيّنة أو الأمكنة المعيّنة أو الأحوال المعيّنة، ووضّح المطلق من الدعاء والمقيّد، وقد سبق
стр. 412
ذكرُ بعض ما ورد عنه مما يتعلّق بالأوقات الفاضلة التي يُستحَبُّ للمسلمين أن يتحرّوا فيها الدعاءَ، وسبق ذكرُ ما ورد عنه من بيان للأمكنة الفاضلة التي يستحب تحري الدعاء فيها، وكذلك سبق الإشارةُ إلى جملة من الأحوال الفاضلة التي يكون عليها المسلم فيستحب له فيها تحري الدعاء؛ لعِظم قربِه فيها من الله وشدَّةِ إخباته وخضوعه وذُلِّه.
وقد اشتملت أدعيةُ النبيِّ ﷺ الثابتةُ عنه جميعَ أحوال الناس من سرورٍ أو حزنٍ، وصحةٍ أو سقمٍ، ونعمةٍ أو مصيبةٍ، وسفرٍ أو إقامة وغير ذلك، فدلَّ أمّتَه ﷺ في ذلك كلِّه إلى خير ما ينبغي أن يقولوه في جميع تلك الأحوال، ولَم يَدَعْ ﷺ شيئاً من الدعاء المقرِّب إلى الله والموصِل إلى الخير والسعادة في الدنيا والآخرة إلاَّ بيَّنه للأمَّة تاماًّ كاملاً، كيف لا وهو القائلُ صلوات الله وسلامه عليه: " ما بَعث الله من نبِيٍّ إلاَّ كان حقاًّ عليه أن يدلَّ أمَّتَه على خير ما يعلمه لهم، ويُنذِرهم شرّ ما يعلمه لهم "، رواه مسلم١.
وإنَّ من العجب حقاًّ أن يَدَعَ بعضُ عوامِّ المسلمين الأدعيةَ الصحيحةَ الثابتةَ عن رسول الله ﷺ وهي مجموعة في كتبٍ كثيرة معتَبَرةٍ مُتَداولَة بين المسلمين ويُقْبِلوا على أدعِيةٍ مُحْدَثَةٍ مُبتدَعَةٍ أنشأها بعضُ المتكلِّفِين، وكتبَها بعضُ المتخرِّصين دون تعويلٍ على الكتاب والسنة، ودون اعتبارٍ لِهَدْيِ خيرِ الأمَّةِ صلوات الله وسلامه عليه، فشَغَلُوا بذلكَ الناسَ عن السُّنَنِ وأوقَعوهم في البدعِ، وفي مثل هذا يقولُ بعضُ
стр. 413
السَّلف: " ما ابتدع قومٌ بدعةً في دينهم إلاَّ نَزَع الله من سنَّتِهم مثلَها، ثمّ لا يُعيدُها إليهم إلى يوم القيامة "١، وكيف يليق بمسلم يعرفُ فضلَ الرسول ﷺ وقَدْرَه ونُصْحَه لأمَّته، ثمَّ مع ذلك يَدَعُ هديَه وأدعِيتَه العظيمة المبارَكة، ويُقْبِلُ على أدعيةِ وكتبِ هؤلاء المتخرِّصين المتَكَلِّفين.
قال أبو بكر محمد بن الوليد الطَرْطُوشيُّ صاحبُ كتاب الحوادث والبدع: " ومِن العَجب العُجاب أن تُعرِضَ عن الدعوات التي ذَكَرها الله في كتابه عن الأنبياء والأولياء والأصفياءِ مقرونةً بالإجابةِ، ثمَّ تنتقي ألفاظَ الشُّعراء والكتَّاب، كَأنَّك قد دعوتَ في زعمِك بجميع دعواتِهم ثمّ استعنتَ بدعوات مَن سواهم "٢.
ويقول الإمام القرطبي في تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ وهو يذكر جملة من أنواع الاعتداء في الدعاء: " ومنها أن يدعو بما ليس في الكتاب والسنة فيتخيّر ألفاظاً مفقرةً، وكلماتٍ مسجَّعةً، قد وجدها في كراريس، لا أصل لها ولا معوّل عليها فيجعلها شعارَه، ويترك ما دعا به رسوله ﷺ ، وكلُّ هذا يَمنع من استجابة الدعاء "٣.
وإنَّ أشدَّ ما يكون في هذا الأمر خطورةً أنَّ بعضَ هذه الأدعية المؤلّفةِ مشتملةٌ على ألفاظٍ كفرية واستغاثات شركية وشطط بالغ، قال
стр. 414
أبو العباس أحمدُ بن إدريس القرافي بعد أن ذكر أنَّ الأصلَ في الدعاء التوقف، وذكر أنواعاً من الأدعية الكفرية الناقلة من الملّة الإسلامية: " إذا تقرّر هذا فينبغي للسائلِ أن يحذرَ هذه الأدعيةَ وما يجري مجراها حَذراً شديداً؛ لما تؤدي إليه من سَخطِ الدَيَّان والخلودِ في النيران وحبوط الأعمال وانفساخ الأنكحة واستباحة الأرواح والأموال، وهذا فسادٌ كلّه يتحصل بدعاء واحد من هذه الأدعية ولا يرجع إلى الإسلام، ولا ترتفع أكثر هذه المفاسد إلاَّ بتجديد الإسلام، والنطق بالشهادتين؛ فإن مات على ذلك كان أمره كما ذكرناه، نسأل الله تعالى العافية من موجبات عقابه "١.
إنَّ الواجب على كلِّ مسلم أن يَحذر أشدّ الحَذر من مِثل هذه الأدعيةِ التي أَحْدَثَها بعضُ شيوخ الضلال وأئمّة الباطلِ، فصدُّوا بها الناسَ عن هَدْيِ النبي ﷺ وصرَفُوهم بها عن سنَّتِه، فضَلُّوا وأضَلُّوا كثيراً وضَلُّوا عن سواء السبيل، وإنَّ المسلم الفَطِن ليتساءل في هذا المقام ما الذي دعا أولئكَ إلى ابتكار تلك الأدعيةِ واختراعِ تلك الأورادِ رَغم ما فيها من ضلال وباطل، فلا يَجِد جواباً على ذلك إلاَّ أنَّ أولئك يريدون أكلَ أموال الناس بالباطل وتكثيرَ الأتباع والمريدين، وقد سبق أن مرَّ معنا قولُ معاذ بن جبل ﵁: " إنَّ من ورائكم فتناً يكثر فيها المال ويُفتح فيها القرآن حتى يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل والمرأة، والصغير والكبير، والعبد والحرُّ، فيوشكُ قائلٌ أن يقول ما للناس لا
стр. 415
يتبعوني وقد قرأتُ القرآن؟ ما هم بمتبعيَّ حتى أبتدع لهم غيرَه، فإيّاكم وما ابتدع، فإنَّ ما ابتدع ضلالةٌ "١، رواه أبو داود في سننه والآجري في الشريعة، فمِن هؤلاء يجب أن يكون المسلم على حَذَرٍ بالغٍ وحَيْطَةٍ كاملة، وليلزم السُّنَّةَ، وليتبِّع سبيلَ أهلِها، ففي ذلك السلامة والفلاح.
стр. 416
٧٩ ـ خطورة دعاة الباطل وأئمَّة الضلال
لقد تضافرت الأدلّةُ وكثرت النصوصُ في الكتاب والسنة الدالّة على تحريم صَرفِ الدعاءِ لغير الله، وأنَّ ذلك نوعٌ من الشرك الناقلِ من الملَّةِ، وأنَّ الدعاءَ لا يكون إلاَّ لِمَن بيده المنع والعطاء، والخفض والرفع، والقبض والبسط، وليس لله شريك في شيء من ذلك، قال الله تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ المُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَءِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٣، ولهذا فإنَّه كيف يليق بإنسانٍ، ويصحُّ من عاقلٍ خلقه الله فيدعو غيرَه، ويرزقُه الله ويسألُ سواه، ويعطيه الله ويُقبل على غيره، مع أنَّ كلَّ مدعوٍّ غير الله ليس بيده عطاءٌ ولا منعٌ ولا نفعٌ ولا ضرٌّ، يقول الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاَ﴾ ٤، ويقول
стр. 417
تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِن ظَهِيرٍ وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الحَقَّ وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ٢، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
ورغم وضوحِ هذا الأمرِ وكثرةِ الشواهد عليه، وظهور دلالتها على ذلك إلاَّ أنَّ مِن الناس مَن لا يزال يفتُ في عضدهم دعاةُ الضلال وأئمةُ الباطل، فيُشبِّهون عليهم الأمورَ، ويلْبسون عليهم الحقائق، ويزيِّنون لهم الباطل، وقد خاف النبي ﷺ على أمَّته من الأئمَّة المضلِّين، روى الإمام أحمد وأبو داود والحاكم وغيرُهم بإسناد صحيح من حديث ثوبان عن النبي ﷺ أنَّه قال: " وإنَّما أخاف على أمتي الأئمةَ المضلِّين "٣، وهذا الذي خافه النبي ﷺ على أمته قد وقع في بعض فترات التاريخ، حيث تسلَّط بعضُ دعاةِ الباطل وأئمةِ الضلال فزيَّنوا للناس دعاءَ الأحجار والتعلُّقَ بالقبور، والتقدُّمَ إليها بأنواع القرابين والنذور، قال أبو الوفاء
стр. 418
ابنُ عقيل ﵀: " صبئت قلوب أهل الإلحاد لانتشار كلمة الحق وثبوت الشرائع بين الخلق والامتثال لأوامرها ... ثمَّ مع ذلك لا يرون لمقالتهم نباهةً ولا أثراً، بل الجوامع تتدفَّق زحاماً، والأذانات تملأ أسماعهم بالتعظيم لشأن النبي ﷺ والإقرار بما جاء به، وإنفاق الأموال والأنفس في الحج مع ركوب الأخطارِ ومعاناة الأسفار ومفارقةِ الأهلِ والأولاد، فجعل بعضُهم يندسُّ في أهل النقل فيضع المفاسد على الأسانيد، ويضع السِير والأخبار، وبعضُهم يروي ما يُقارب المعجزات مِن ذِكرِ خواصٍّ في أحجار، وخوارق العادات في بعض البلاد، وإخبار عن الغيوب عن كثير من الكهنةِ والمنجِّمين ويُبالغ في تقرير ذلك ... فقالوا تعالوا نكثر الجوْلان في البلاد والأشخاص والنجوم الخواص ... "١، إلخ كلامِه ﵀.
فتأمَّل أخي المسلم كيف تمكَّن هؤلاء بخفيِّ مكرهم وعِظم كيدهم من صدِّ كثير من عوام المسلمين وجهالهم عن الحقِّ والهدى الذي جاء به رسول الله ﷺ ، ونقلِهم منه إلى أنواع من الضلالات وصنوفٍ من الباطل، مِن تعلُّقٍ بقبور أو تبرُّكٍ بأشجار وأحجار، أو ذبحٍ ونذر لأضرحةٍ وقِباب، ونحو ذلك من الضلال المفارق لدين الإسلام، المبايِنِ لِملِّة التوحيد القائمةِ على إخلاص العمل للمعبود، والمتابعةِ في ذلك كلِّه للرسول ﷺ . ومِمَّا ينبغي أن يُعلم هنا أنَّ سببَ ضلال هؤلاء وغيرِهم مِمَّن تأثَّر
стр. 419
بهم وسار على طريقهم ثلاثةُ أشياء:
أحدُها: إمَّا اعتمادُهم على ألفاظٍ متشابهةٍ مُجملةٍ مشكلة منقولة عن الأنبياء، وعدلوا عن الألفاظ الصريحة المحكمة وتمسَّكوا بها، وهم كلَّما سمعوا لفظاً فيه شبهةٌ تمسَّكوا به وحملوه على مذهبهم وإن لَم يكن دليلاً على ذلك، والألفاظُ الصريحةُ المخالفةُ لذلك إمَّا أن يفوِّضوها وإما أن يتأوَّلوها كما يصنع أهل الضلال يتِّبعون المتشابه من الأدلة العقلية والسمعية، ويعدِلون عن المحكم الصريح، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ ١.
الأمر الثاني: أخبارٌ منقولةٌ إليهم عن الأنبياء ظنُّوها صدقاً، وهي مكذوبةٌ عليهم، وَضَعها عُبَّاد الأصنام وأئمَّةُ الباطلِ انتصاراً لمذاهبهم وتأييداً لباطلهم، وليس في جميع ما يُروى في هذا الباب حديثٌ واحدٌ مرفوعٌ إلى النبي ﷺ يُعتمد عليه باتِّفاق أهل المعرفة بحديثه ﷺ ، بل المرويُّ في ذلك إنَّما يَعرفُ أهلُ المعرفة بالحديث أنَّه من الموضوعات، إمَّا تعمُّداً من واضعه، وإمَّا غلطاً منه، مثل نسبتهم إلى الرسول ﷺ أنَّه قال: " لو حسَّن أحدُكم ظنَّه في حجر لنفعه الله به "٢، ونحو ذلك من
стр. 420
الإفك البيِّن والكذب الواضح.
الأمر الثالث: خوارقُ ظنُّوها من الآيات، وهي من أحوال الشيطان١، وحكاياتٌ حُكيت لهم عن أصحاب القبور مثل أنَّ فلاناً استغاث بالقبر الفلانيِّ في شدَّة فخُلِّص منها، وفلاناً دعاه أو دعا به في حاجة فقُضيت له، وفلاناً نزل به ضرٌّ فاسترجى صاحبَ القبر فكشف ضُرَّه، والنفوسُ مولعةٌ بقضاء حوائجها وإزالة ضروراتها، ومِن هذا المدخل نفذ الشيطانُ إلى قلوب هؤلاء، وتدرَّج بهم في دعوتهم إليه، فحسَّن للواحد من هؤلاء أولاً الدعاءَ عند القبور، وأنَّه أرجحُ منه في بيته ومسجده وأوقات سَحَرِه، فإذا تقرَّر ذلك عنده نقلَه درجةً أخرى من الدعاء عنده إلى الدعاء به والإقسام على الله به، وهذا أعظمُ من الذي قبله، فإذا قرَّر الشيطانُ عنده أنَّ الإقسامَ على الله به أبلغُ في تعظيمِه واحترامِه وأنجحُ في قضاءِ حاجته نقله درجةً أخرى إلى دعائه نفسِه من دون الله، ثمَّ ينقله بعد ذلك درجةً أخرى إلى أن يتَّخذ قبرَه وثناً يعكفُ عليه، ويوقدُ عليه القناديل، ويُعلِّقُ الستور، ويبني عليه المسجد، ويعبدُه بالسجود له والطواف به وتقبيله واستلامِه والحج إليه والذبح عنده٢، والواجبُ الحذرُ من الشيطان وجنوده، ولزومُ سبيلِ المؤمنين بإخلاص العمل كلِّه لله مع المتابعة في ذلك كلِّه للرسول الكريم ﷺ ، جعلنا الله وإياكم مِن أتباعه وهدانا لزومَ سنَّتِه.
стр. 421
٨٠ ـ خطورة التعلُّق بالقبور
لقد تقدَّم الكلامُ على فضلِ الدعاء ومكانتِه من الدِّين، وأنَّه حقٌّ خالصٌ لله لا يجوز صرفُه لغيره، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ المَسَاجِدَ للهِ فَلاَ تَدْعُو مَعَ اللهِ أَحَداً﴾ ١، أي لا تشركوا مع الله أحداً، ولكن أَفرِدوا له التوحيد، وأَخلِصوا له الدِّين، والمسلمُ مطلوبٌ منه أن يسألَ اللهَ في كلِّ أحواله، ويدعو اللهَ في جميعِ حاجاته، يسأله وحده دون سواه، ويرجوه ولا يرجو غيرَه، ويُنزل حاجاته كلَّها به، ومن عجيب أمر بعضِ الناس في هذا الباب الخطير أنَّهم أَقبلوا على غير الله من القِباب والقبور والأضرحة ونحوها، يستنجدون بأهلها ويستغيثون بهم، ويسألونهم النصرَ والرِزقَ والعافيةَ وقضاءَ الديون وتفريجَ الكُربات وإغاثةَ اللهفات، وغيرَ ذلك من أنواع الطلبات، فبدَّل هؤلاء قولاً غير الذي قيل لهم، بدَّلوا الدعاءَ لهم بدعائهم من دون الله، والترحُّم عليهم بطلب الرَّحمة والمغفرة منهم، ومن المُحال أن يكون دعاءُ الموتى أو الدعاءُ بهم أو الدعاءُ عندهم أمراً مشروعاً أو عملاً صالحاً يقبله الله، فهذه سنةُ رسول الله ﷺ في أهل القبور بضعاً وعشرين سنة حتى توفاه الله وهذه سنةُ خلفائه الراشدين، وهذه طريقةُ جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان، هل يمكن لبشرٍ على وجه الأرض أن يأتي عن أحدٍ منهم بنقلٍ صحيح أو ضعيف أو منقطع أنَّهم كانوا إذا كان لهم حاجة
стр. 422
قصدوا القبورَ فدعوا عندها وتمسَّحوا بها، فضلاً عن أن يُصلُّوا عندها أو يسألوا الله بأصحابها، أو يسألوهم حوائجهم، ولو كان ذلك سنةً أو فضيلةً لنُقل عن الرسول الكريم ﷺ ، ولَفَعله الصحابةُ والتابعون، وقد كان عندهم قبرُ النبي ﷺ وقبورُ سادات الصحابة، فما منهم مَن استغاث عند قبر صاحبٍ ولا دعاه ولا دعا به ولا دعا عنده ولا استشفى به ولا استسقى به، وحاشاهم أن يفعلوا شيئاً من ذلك، بل ثبت عنهم إنكارُ ما هو دون ذلك بكثير.
روى غيرُ واحد، عن المعرور بن سُويد قال: " صليتُ خلفَ عمرَ ابن الخطاب ﵁ في طريق مكةَ صلاةَ الصبح، فقرأ فيها ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفِيلِ﴾ ، و ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ ، ثمَّ رأى الناسَ يذهبون مذاهب، فقال: أين يذهبُ هؤلاء؟ فقيل: يا أميرَ المؤمنين، مسجدٌ صلَّى فيه النبيُّ ﷺ ، فهُم يُصلُّون فيه، فقال: إنَّما هلك مَن كان قبلكم بمثلِ هذا، كانوا يتَّبعون آثارَ أنبيائهم ويتخذونها كنائس وبِيَعاً، فمَن أدركته الصلاةُ منكم في هذه المساجد فليُصلِّ، ومَن لا فليمضِ ولا يتعمَّدها "١.
وأرسل ﵁ أيضاً فقطع الشجرةَ التي بايع تحتها أصحابُ النبي ﷺ خشيةَ افتتان الناس بها٢.
وروى محمد بن إسحاق في مغازيه عن خالد بن دينار، قال: حدَّثنا
стр. 423
أبو العالية ﵀ قال: " لَمَّا فتحنا تُستُر وَجدنا في بيت مال الهُرمزان سريراً عليه رجلٌ ميِّتٌ، عند رأسه مُصحفٌ له، فأخذنا المُصحفَ فحملناه إلى عمر بن الخطاب ﵁، فدعا له كعباً فنسَخَه بالعربية، فأنا أوَّلُ رجل من العرب قَرَأَه، قرأته مثل ما أقرأُ القرآنَ، فقلتُ لأبي العالية: ما كان فيه؟ قال: سيرتُكم وأمورُكم ولحون كلامكم وما هو كائنٌ بعدُ، قلتُ: فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبراً متفرِّقة، فلمَّا كان الليلُ دفنَّاه، وسوينا القبور كلَّها لنُعْميه على الناس لا ينبشونه، قلتُ: وما يرجون منه؟ قال: كانت السماءُ إذا حُبست عنهم برزوا بسريرِه فيُمطرون، فقلتُ: مَن كنتم تظنُّون الرجل؟ قال: رجلٌ يُقال له دانيال، فقلتُ: منذ كم وجدتموه مات؟ قال: منذ ثلاثمائة سنة، قلتُ: ما كان تغيَّر منه شيء؟ قال: لا إلاَّ شُعيراتٌ من قفاه، إنَّ لحومَ الأنبياء لا تُبليها الأرض، ولا تأكلها السباع "، أورد هذا الأثرَ ابنُ كثير في كتاب البداية والنهاية، وقال: " إسناده صحيح إلى أبي العالية "١.
وفي هذا الأثر دلالةٌ على ما كان عليه السلفُ ﵏ من حَيطةٍ كاملة وحذرٍ شديدٍ في هذا الباب الخطير، وما فعله المهاجرون والأنصارُ بتوجيه من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ من إخفاءٍ لقبر دانيال وتَعْمِيةٍ لمكانه دليلٌ على ما كانوا عليه من حيطةٍ وحذرٍ لئلا يَفتتن به الناس، ولو كان الدعاءُ عند القبور والصلاةُ عندها والتبرُّكُ بها
стр. 424
فضيلةً وسنةً أو مباحاً لَنَصَبَ الصحابةُ هذا القبرَ عَلَماً لذلك، ودعوا عنده، وسنوا ذلك لِمَن بعدهم، ولكن كانوا أعلمَ بالله ورسولِه ودينِه مِمَّن جاء بعدهم، وكذلك التابعون لهم بإحسانٍ ساروا على هذا السبيل واقتفوا تلك الآثار، وقد كان عندهم من قبور أصحاب رسول الله ﷺ بالأمصار عددٌ كثير وهم متوافرون فما منهم مَن استغاث عند قبرِ صاحب ولا دعاه ولا دعا به ولا دعا عنده، ومن المعلوم أنَّ مثلَ هذا ممَّا تتوافر الهِممُ والدواعي على نقله، بل على نقل ما هو دونَه، ولم ينقل عنهم في فعل شيء من ذلك حرفٌ واحد، وحينئذ يُقال إن كان هذا الأمرُ مشروعاً وسنةً فكيف يخفى علماً وعملاً على الصحابة والتابعين وتابعيهم، وكيف تكون القرونُ الثلاثةُ المفضَّلةُ جاهلةً به مع حرصهم على كلِّ خير، وبهذا يتبيَّنُ أنَّ هذا الأمرَ ليس من دين الله ولا من شرعه، والله يقول: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللهُ﴾ ١، فإذا لَم يشرع اللهُ ذلك فمَن شرعه فقد شرع من الدِّين ما لَم يأذن به الله، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ٢.
لقد ذكر علماءُ الإسلام وأئمَّةُ الدِّين الأدعيةَ الشرعيةَ المأخوذةَ من الكتاب والسنةِ بحدودها الشرعيةِ وضوابِطها المرعيةِ، وأعرضوا تمام
стр. 425
الإعراضِ عن الأدعيةِ البدعية، والواجبُ اتِّباعهم في ذلك، ومَن يتأمَّل الأدعيةَ التي أحدثها الناسُ في هذا الباب ولم تكن موجودةً عند الصحابة ومَن اتَّبعهم بإحسان يجد أنَّها على ثلاث مراتب١:
أحدِها: أن يدعوَ غير الله وهو ميِّتٌ أو غائب سواء كان من الأنبياء أو الصالحين أو غيرهم، فيقول: يا سيدي فلان أَغِثني، أو أنا أستجير بك، أو أستغيث بك، أو انصرني على عدوي، وأعظمُ من ذلك أن يقول: اغفر لي وتُب عليَّ كما يفعله طائفةٌ من الجهال المشركين، وأعظمُ من ذلك أن يسجد لقبره ويصلي إليه ويرى الصلاةَ فيه أفضلَ من استقبال القبلة، وكلُّ ذلك من الشركِ الناقل عن ملِّة الإسلام.
الثانية: أن يقال للميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين: ادعُ اللهَ لي، أو ادع لنا ربَّك، أو اسأل الله لنا، فهذا لا يستريب عالمٌ أنَّه غير جائز، وأنَّه من البدع التي لَم يفعلها أحدٌ من سلف الأمة المُفضية إلى الشرك بالله، بل نصَّ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنَّ ذلك عين الشرك " سواء طلب منهم قضاءَ الحاجات وتفريجَ الكربات، أو طلب منهم أن يطلبوا ذلك من الله "٢.
الثالثة: أن يُقال: أسألك بحقِّ فلان أو بجاه فلان عندك، أو نحو ذلك، وهذا أيضاً لَم يكن الصحابةُ ﵃ يفعلونه، ولا يُعرف