٨٠ ـ خطورة التعلُّق بالقبور
لقد تقدَّم الكلامُ على فضلِ الدعاء ومكانتِه من الدِّين، وأنَّه حقٌّ خالصٌ لله لا يجوز صرفُه لغيره، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ المَسَاجِدَ للهِ فَلاَ تَدْعُو مَعَ اللهِ أَحَداً﴾ ١، أي لا تشركوا مع الله أحداً، ولكن أَفرِدوا له التوحيد، وأَخلِصوا له الدِّين، والمسلمُ مطلوبٌ منه أن يسألَ اللهَ في كلِّ أحواله، ويدعو اللهَ في جميعِ حاجاته، يسأله وحده دون سواه، ويرجوه ولا يرجو غيرَه، ويُنزل حاجاته كلَّها به، ومن عجيب أمر بعضِ الناس في هذا الباب الخطير أنَّهم أَقبلوا على غير الله من القِباب والقبور والأضرحة ونحوها، يستنجدون بأهلها ويستغيثون بهم، ويسألونهم النصرَ والرِزقَ والعافيةَ وقضاءَ الديون وتفريجَ الكُربات وإغاثةَ اللهفات، وغيرَ ذلك من أنواع الطلبات، فبدَّل هؤلاء قولاً غير الذي قيل لهم، بدَّلوا الدعاءَ لهم بدعائهم من دون الله، والترحُّم عليهم بطلب الرَّحمة والمغفرة منهم، ومن المُحال أن يكون دعاءُ الموتى أو الدعاءُ بهم أو الدعاءُ عندهم أمراً مشروعاً أو عملاً صالحاً يقبله الله، فهذه سنةُ رسول الله ﷺ في أهل القبور بضعاً وعشرين سنة حتى توفاه الله وهذه سنةُ خلفائه الراشدين، وهذه طريقةُ جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان، هل يمكن لبشرٍ على وجه الأرض أن يأتي عن أحدٍ منهم بنقلٍ صحيح أو ضعيف أو منقطع أنَّهم كانوا إذا كان لهم حاجة
стр. 422
قصدوا القبورَ فدعوا عندها وتمسَّحوا بها، فضلاً عن أن يُصلُّوا عندها أو يسألوا الله بأصحابها، أو يسألوهم حوائجهم، ولو كان ذلك سنةً أو فضيلةً لنُقل عن الرسول الكريم ﷺ ، ولَفَعله الصحابةُ والتابعون، وقد كان عندهم قبرُ النبي ﷺ وقبورُ سادات الصحابة، فما منهم مَن استغاث عند قبر صاحبٍ ولا دعاه ولا دعا به ولا دعا عنده ولا استشفى به ولا استسقى به، وحاشاهم أن يفعلوا شيئاً من ذلك، بل ثبت عنهم إنكارُ ما هو دون ذلك بكثير.
روى غيرُ واحد، عن المعرور بن سُويد قال: " صليتُ خلفَ عمرَ ابن الخطاب ﵁ في طريق مكةَ صلاةَ الصبح، فقرأ فيها ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفِيلِ﴾ ، و ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ ، ثمَّ رأى الناسَ يذهبون مذاهب، فقال: أين يذهبُ هؤلاء؟ فقيل: يا أميرَ المؤمنين، مسجدٌ صلَّى فيه النبيُّ ﷺ ، فهُم يُصلُّون فيه، فقال: إنَّما هلك مَن كان قبلكم بمثلِ هذا، كانوا يتَّبعون آثارَ أنبيائهم ويتخذونها كنائس وبِيَعاً، فمَن أدركته الصلاةُ منكم في هذه المساجد فليُصلِّ، ومَن لا فليمضِ ولا يتعمَّدها "١.
وأرسل ﵁ أيضاً فقطع الشجرةَ التي بايع تحتها أصحابُ النبي ﷺ خشيةَ افتتان الناس بها٢.
وروى محمد بن إسحاق في مغازيه عن خالد بن دينار، قال: حدَّثنا
стр. 423
أبو العالية ﵀ قال: " لَمَّا فتحنا تُستُر وَجدنا في بيت مال الهُرمزان سريراً عليه رجلٌ ميِّتٌ، عند رأسه مُصحفٌ له، فأخذنا المُصحفَ فحملناه إلى عمر بن الخطاب ﵁، فدعا له كعباً فنسَخَه بالعربية، فأنا أوَّلُ رجل من العرب قَرَأَه، قرأته مثل ما أقرأُ القرآنَ، فقلتُ لأبي العالية: ما كان فيه؟ قال: سيرتُكم وأمورُكم ولحون كلامكم وما هو كائنٌ بعدُ، قلتُ: فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبراً متفرِّقة، فلمَّا كان الليلُ دفنَّاه، وسوينا القبور كلَّها لنُعْميه على الناس لا ينبشونه، قلتُ: وما يرجون منه؟ قال: كانت السماءُ إذا حُبست عنهم برزوا بسريرِه فيُمطرون، فقلتُ: مَن كنتم تظنُّون الرجل؟ قال: رجلٌ يُقال له دانيال، فقلتُ: منذ كم وجدتموه مات؟ قال: منذ ثلاثمائة سنة، قلتُ: ما كان تغيَّر منه شيء؟ قال: لا إلاَّ شُعيراتٌ من قفاه، إنَّ لحومَ الأنبياء لا تُبليها الأرض، ولا تأكلها السباع "، أورد هذا الأثرَ ابنُ كثير في كتاب البداية والنهاية، وقال: " إسناده صحيح إلى أبي العالية "١.
وفي هذا الأثر دلالةٌ على ما كان عليه السلفُ ﵏ من حَيطةٍ كاملة وحذرٍ شديدٍ في هذا الباب الخطير، وما فعله المهاجرون والأنصارُ بتوجيه من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ من إخفاءٍ لقبر دانيال وتَعْمِيةٍ لمكانه دليلٌ على ما كانوا عليه من حيطةٍ وحذرٍ لئلا يَفتتن به الناس، ولو كان الدعاءُ عند القبور والصلاةُ عندها والتبرُّكُ بها
стр. 424
فضيلةً وسنةً أو مباحاً لَنَصَبَ الصحابةُ هذا القبرَ عَلَماً لذلك، ودعوا عنده، وسنوا ذلك لِمَن بعدهم، ولكن كانوا أعلمَ بالله ورسولِه ودينِه مِمَّن جاء بعدهم، وكذلك التابعون لهم بإحسانٍ ساروا على هذا السبيل واقتفوا تلك الآثار، وقد كان عندهم من قبور أصحاب رسول الله ﷺ بالأمصار عددٌ كثير وهم متوافرون فما منهم مَن استغاث عند قبرِ صاحب ولا دعاه ولا دعا به ولا دعا عنده، ومن المعلوم أنَّ مثلَ هذا ممَّا تتوافر الهِممُ والدواعي على نقله، بل على نقل ما هو دونَه، ولم ينقل عنهم في فعل شيء من ذلك حرفٌ واحد، وحينئذ يُقال إن كان هذا الأمرُ مشروعاً وسنةً فكيف يخفى علماً وعملاً على الصحابة والتابعين وتابعيهم، وكيف تكون القرونُ الثلاثةُ المفضَّلةُ جاهلةً به مع حرصهم على كلِّ خير، وبهذا يتبيَّنُ أنَّ هذا الأمرَ ليس من دين الله ولا من شرعه، والله يقول: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللهُ﴾ ١، فإذا لَم يشرع اللهُ ذلك فمَن شرعه فقد شرع من الدِّين ما لَم يأذن به الله، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ٢.
لقد ذكر علماءُ الإسلام وأئمَّةُ الدِّين الأدعيةَ الشرعيةَ المأخوذةَ من الكتاب والسنةِ بحدودها الشرعيةِ وضوابِطها المرعيةِ، وأعرضوا تمام
стр. 425
الإعراضِ عن الأدعيةِ البدعية، والواجبُ اتِّباعهم في ذلك، ومَن يتأمَّل الأدعيةَ التي أحدثها الناسُ في هذا الباب ولم تكن موجودةً عند الصحابة ومَن اتَّبعهم بإحسان يجد أنَّها على ثلاث مراتب١:
أحدِها: أن يدعوَ غير الله وهو ميِّتٌ أو غائب سواء كان من الأنبياء أو الصالحين أو غيرهم، فيقول: يا سيدي فلان أَغِثني، أو أنا أستجير بك، أو أستغيث بك، أو انصرني على عدوي، وأعظمُ من ذلك أن يقول: اغفر لي وتُب عليَّ كما يفعله طائفةٌ من الجهال المشركين، وأعظمُ من ذلك أن يسجد لقبره ويصلي إليه ويرى الصلاةَ فيه أفضلَ من استقبال القبلة، وكلُّ ذلك من الشركِ الناقل عن ملِّة الإسلام.
الثانية: أن يقال للميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين: ادعُ اللهَ لي، أو ادع لنا ربَّك، أو اسأل الله لنا، فهذا لا يستريب عالمٌ أنَّه غير جائز، وأنَّه من البدع التي لَم يفعلها أحدٌ من سلف الأمة المُفضية إلى الشرك بالله، بل نصَّ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنَّ ذلك عين الشرك " سواء طلب منهم قضاءَ الحاجات وتفريجَ الكربات، أو طلب منهم أن يطلبوا ذلك من الله "٢.
الثالثة: أن يُقال: أسألك بحقِّ فلان أو بجاه فلان عندك، أو نحو ذلك، وهذا أيضاً لَم يكن الصحابةُ ﵃ يفعلونه، ولا يُعرف
стр. 426
هذا في شيءٍ من الأدعية المشهورة بينهم، وإنَّما يُنقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفة أو موضوعة.
وينبغي أن يُعلم هنا أنَّه لو كان في شيءٍ ممَّا تقدَّم ذكرُه خيرٌ لسَبَقَنا إليه الصحابةُ ولدلُّونا عليه، فإن كان هدياً صواباً فقد ضلُّوا عنه، وهذا لا يقوله عاقل، وإن كان الذي كانوا عليه هو الهدى والحق، فماذا بعد الحقِّ إلاَّ الضلال.
стр. 427
٨١ ـ الغلُوُّ في قبور الصالِحين يصيرها أوثاناً تُعبد
إنَّ مِن أعظمِ أسباب وقوع الشرك في الدعاءِ ما أوحاه عدوُّ الله وعدوُّ عباده المؤمنين إبليسُ إلى حِزبِه وأوليائِه من الفتنة بقبور الأنبياء والأولياء والصالحين، حتى آل الأمرُ فيها إلى أن عُبد أربابُها من دون الله، وعُبدت قبورُهم واتُّخذت أوثاناً، وبُنيت عليها الهياكل، وصُوِّرت أربابها ثمَّ جُعلت تلك الصُور أجساداً لها ظِلٌّ، ثمَّ جُعلت أصناماً وعُبدت مع الله تعالى، وكان أولُ وقوع هذا الداء في قوم نوح كما أخبر الله سبحانه عنهم في كتابه حيث يقول: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ ١، روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ قال: " هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلمَّا هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً وسمُّوها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسّخَ العلمُ عُبدت "٢.
وقال ابن جرير في تفسيره: " وكان مِن خبرِ هؤلاء فيما بلغنا ما حدَّثنا به ابنُ حُميد قال: حدَّثنا مهران، عن سفيان، عن موسى، عن محمد بن قيس: أنَّ يغوث ويعوقَ ونسراً كانوا قوماً صالحين من بني
стр. 428
آدم، وكان لهم أتباعٌ يقتدون بهم، فلمَّا ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صوَّرناهم كان أشوقَ لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوَّروهم، فلمَّا ماتوا وجاء آخرون دبَّ إليهم إبليس فقال: إنَّما كانوا يعبدونهم، وبهم يُسقون المطر، فعبدوهم "١.
ونُقل هذا المعنى عن عددٍ من السلف ﵏، قال ابن القيم: " قال غير واحد من السلف: كان هؤلاء قوماً صالحين في قوم نوح ﵇، فلَمَّا ماتوا عكفوا على قبورهم، ثمَّ صوروا تماثيلهم، ثمَّ طال عليهم الأمَدُ فعبدوهم "٢.
ولهذا تضافرت الأدلةُ وتواترت النصوص عن النبي ﷺ في المنع مِن ذلك والتحذير منه والتغليظ فيه، ولعن فاعله، ووصفِ مَن فعله بأنَّه من شرار الخلق، وأنَّ ذلك ليس من سُنَن المسلمين وإنَّما من سُنَن اليهود والنصارى، والنصوص عنه في هذا المعنى كثيرة.
روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂: أنَّ أم سلمة ﵂ ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسةً رأتها بأرض الحَبشة وما فيها من الصُوَر، فقال: " أولئك إذا مات فيهم الرجلُ الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوَّروا فيه تلك الصُوَر، أولئك شِرار الخلق عند الله "٣.
وروى مسلم في صحيحه عن جُندب بن عبد الله البجلي رضي الله
стр. 429
عنه قال: سمعتُ رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمسٍ وهو يقول: " إنِّي أبرأُ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإنَّ الله قد اتَّخذني خليلاً كما اتَّخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنتُ متَّخذاً من أمَّتِي خليلاً لاتَّخذتُ أبا بكر خليلاً، ألاَ وإنَّ مَن كان قبلكم كانوا يتَّخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتَّخذوا القبورَ مساجد فإنِّي أنهاكم عن ذل ك "١.
وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: قاتل الله اليهودَ اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ٢، وفي رواية لمسلم: " لعن الله اليهودَ والنصارى اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد "٣.
وروى البخاري عن عائشة وابن عباس ﵃ قالا: " لَمَّا نزل برسول الله ﷺ طفِق يطرح خميصةً له على وجهه، فإذا اغتمَّ بها كشفها، فقال وهو كذلك: لعنةُ الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد، يُحذِّر ما صنعوا "٤.
وقالت عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لَم يقُم منه: " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ولولا ذلك لأُبرز قبرُه، غير أنَّه خشي أن يتخذ مسجداً "، رواه البخاري ومسلم٥.
فقد نهى صلواتُ الله وسلامه عليه عن اتخاذ القبور مساجد في آخر
стр. 430
حياته، ثمَّ إنَّه لعن ـ وهو في السياق ـ مَن فَعَلَ ذلك مِن أهل الكتاب ليحذر أمته أن يفعلوا ذلك، والأحاديث والآثار المروية في هذا الباب كثيرةٌ جدًّا.
والنبيُّ ﷺ إنَّما نهى أمته عن اتخاذ القبور مساجد بتحري الدعاء أو العبادة عندها سَدًّا لذريعة الشرك، ولأنَّه مظنَّةُ اتخاذها أوثاناً، قال الإمام الشافعي ﵀: " وأكره أن يُعظَّم مخلوق حتى يُجعل قبرُه مسجداً مخافة الفتنة عليه وعلى مَن بعده من الناس ".
وقد ذكر هذا المعنى غيرُ واحد من أهل العلم، وأما مَن علَّل ذلك بأنَّها مظنَّةُ النجاسة لما يختلطُ بالتراب مِن صديد الموتى فقد أبعدَ غايةَ البُعد؛ لأنَّ نجاسةَ الأرض مانعٌ من الصلاة عليها، سواء كانت مقبرةً أو لَم تكن، ولأنَّ النبيَّ ﷺ قد نبَّه على العلَّة بقوله: " اللَّهمَّ لا تَجعل قبري وثناً يُعبد "، وبقوله: " إنَّ مَن كان قبلكم كانوا يتخذون القبورَ مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإنِّي أنهاكم عن ذلك ".
قال الإمام ابن القيم ﵀: " وبالجملة فمَن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه، وفَهِم عن الرسول ﷺ مقاصدَه جزم جزماً لا يحتمل النقيض أنَّ هذه المبالغة منه باللَّعن والنهي بصيغتيه: صيغة (لا تفعلوا) وصيغة (إنِّي أنهاكم) ليس لأجل النجاسة، بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحقة بِمَن عصاه وارتكب ما عنه نهاه، واتبع هواه، ولم يخش ربَّه ومولاه، وقلَّ نصيبُه أو عدم في تحقيق شهادة لا إله إلاَّ الله، فإنَّ هذا وأمثالَه من النبي ﷺ صيانةٌ لحِمى التوحيد أن يلحقه الشركُ ويغشاه وتجريدٌ له، وغضبٌ لربِّه أن يُعدل به سواه، فأبى المشركون إلاَّ معصيةً
стр. 431
لأمرِه وارتكاباً لنهيه، وغرَّهم الشيطانُ فقال: بل هذا تعظيمٌ لقبور المشايخ والصالحين، وكلما كنتم أشدَّ لها تعظيماً وأشدَّ فيهم غُلوًّا كنتم بقربهم أسعدَ ومِن أعدائهم أبعدَ، ولعمر الله مِن هذا الباب بعينه دخل على عُبَّاد يغوث ويعوق ونسر، ومنه دخل على عُبَّاد الأصنام منذ كانوا إلى يوم القيامة، فجمع المشركون بين الغلوِّ فيهم والطعن في طريقتهم، وهدى اللهُ أهلَ التوحيد لسلوك طريقتهم وإنزالهم منازلَهم التي أنزلهم الله إيَّاها من العبودية وسلب خصائص الإلهية عنهم، وهذا غاية تعظيمهم وطاعتهم "١.
وبما تقدَّم يتبيَّن أنَّ أصلَ الشرك في الأولين والآخرين إلى قيام الساعةِ الغلوُّ في الصالحين، والله إنَّما أمرنا بمحبَّتهم وإنزالهم منازلَهم من العبودية وسلبِ خصائص الإلهية عنهم، وهذا غايةُ التعظيمِ لهم وطاعتِهِم واتباعِ سبيلهم، ونهانا عن الغلوِّ فيهم فلا نرفعهم فوق منازلهم ولا نحطُّهم منها؛ لما يعلمه تعالى في ذلك من الفساد العظيم، فما وقع الشركُ إلاَّ بسبب الغلوِّ فيهم، فتجد الغالين فيهم عاكفين على قبورهم يدعونهم ويسألونهم وينذرون لهم، وفي الوقت نفسه هم معرِضون عن طريقتهم وسبيلهم، بل عائبين لها ومشتغلين بقبورهم عمَّا أُمروا به ودُعوا إليه، وتعظيمُ الأنبياء والصالحين إنَّما يكون باتِّباع ما دُعوا إليه من العلم النافع والعمل الصالح، واقتفاء آثارهم وسلوك طريقتهم دون عبادتهم وعبادة قبورهم.
стр. 432
٨٢ ـ إذا سألتَ فاسأل الله
لا شكّ أنَّ كلَّ مسلم يدعو الله ﵎، يدعوه وهو يرجو أن يجيب دعاءَه ويحقِّقَ رجاءَه، ويعطيه سُؤْله، إلاَّ أنَّ الدعاءَ له شروطٌ عظيمة وآداب مهمة ينبغي على المسلم أن يعتنيَ بها ويحافظَ عليها؛ ليُستجاب له بتحقيقها دعاؤه، وليتحقق له بتكميلها أملُه بالله ورجاؤه، وهذه الشروطُ والآدابُ وإن كانت جميعُها مهمةً عظيمةً إلاَّ أنَّها متفاوتةٌ في الأهميَّةِ بعضها أهمّ من بعض، فمنها شروطُ صحةٍ لا يُستجاب الدعاء إلاَّ بها، ومنها آدابٌ وسُننٌ ومُكمّلات، والمسلم الموفَّقُ يحافظ على ذلك كلِّه ويعتني به جميعه ليَكمُل له نصيبُه من الخير.
وقد مرَّ معنا الإشارةُ إلى جملةٍ طيبةٍ من شروط الدعاء وآدابِه، ولا سيما عند ذكرِ حديث أبي هريرة ﵁ المخرَّج في صحيح مسلم أنَّ النبي ﷺ قال: " إنَّ الله طيِّبٌ لا يقبل إلاَّ طيِّباً، وإنَّ اللهَ تعالى أَمَر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ١، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ٢، ثمَّ ذكر الرجلَ يطيل السفرَ أشعثَ أغبرَ يمدُّ يديه إلى السماء يا ربّ يا ربّ ومطعمُه حرام، ومشربُه حرام، وملبسُه حرام، وغُذِيَ بالحرام، فأنَّى يستجاب لذلك "٣.
стр. 433
وفي قوله ﷺ في هذا الحديث " فأنَّى يستجاب لذلك " إشارةٌ إلى أنَّ لقبول الدعاء واستجابته شروطاً لا بد من تحقيقها وضوابطَ لا بد من التزامها، والمخلُّ بها حري به ألاَّ يستجاب دعاؤه.
ويأتي في مقدمة شروط الدعاء بل وفي مقدمة شروط كلِّ طاعة يَتقرب بها العبدُ إلى الله الإخلاصُ لله ﵎ فهو شرطٌ أساسٌ وقَيدٌ مُهمٌّ، لا قبول للدعاء ولا لأي عبادةٍ إلاَّ بتحقيقه والإتيان به، قال الله تعالى: ﴿أَلاَ للهِ الدِّينُ الخَالِصُ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ ٤، وثبت في الحديث أنَّ النبي ﷺ قال لابن عباس ﵄: " إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعن بالله، واعلم أنَّ الأمَّةَ لو اجتمعتْ على أن ينفعوك بشيء لَم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضرُّوك بشيء لَم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلامُ وجَفَّت الصُّحف "٥.
стр. 434
فقوله ﷺ " إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعن بالله " أمرٌ بالإخلاصِ لله تعالى في السؤال والاستعانة بأن لا يُسأل إلاَّ الله، ولا يُستعان إلاَّ به، وهذا أمرٌ متعيِّنٌ على كلِّ مسلم " لأنَّ السؤالَ فيه إظهارُ الذُّلِّ من السائل والمسكنةِ والحاجةِ والافتقارِ، وفيه الاعترافُ بقُدرةِ المسؤول على دفع هذا الضررِ ونيلِ المطلوب وجلبِ المنافعِ ودرءِ المضارِ، ولا يصلحُ الذُّلُّ والافتقارُ إلاَّ لله وحده؛ لأنَّه حقيقةُ العبودية "١.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ومِن أعظم الاعتداء والعدوان والذُّلِّ والهوان أن يُدعى غير الله، فإنَّ ذلك من الشركِ، والله لا يغفر أن يُشرك به، و ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ٢، ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لقَاءَ ربِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ٣، وسؤالُ المخلوق محرَّمٌ لغير الحاجة [أي فيما يَقدرُ عليه] ، كما ثبت عن النبيِّ ﷺ في الأحاديث الصحيحة في تحريم المسألة له ولغيره، كحديث حكيم وقبيصة وغيرهما، ففي حديث حكيم بن حزام قال: " سألتُ رسول الله ﷺ فأعطاني، ثمَّ سألتُه فأعطاني، ثمَّ سألتُه فأعطاني، ثمَّ قال: يا حكيم إنَّ هذا المالَ خَضِرَةٌ حُلوةٌ، فمَن أخذه بطيب نفس بورك له فيه، ومَن أخذه بإشراف نفسٍ لَم يُبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خيرٌ من اليد السفلى "، أخرجاه٤.
стр. 435
وعن عوف بن مالك الأشجعي قال: " كنَّا عند رسول الله ﷺ سبعةً أو ثمانيةً، فقال: ألا تُبايعون؟ فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فعلامَ نُبايعك يا رسول الله؟ قال: على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، والصلوات الخمس، وأن تُطيعوا ـ وأسرَّ كلمةً خفية ـ ولا تسألوا الناسَ شيئاً، قال: فلقد رأيتُ بعضَ أولئك النفر يسقط سوطُ أحدهم فما يسأل أحداً أن يناوله إياه " رواه مسلم١ ...
وعن قبيصة بن مخارق الهلاليِّ أنَّه قال: " تحملتُ حَمالةً فأتيتُ رسول الله ﷺ أسأله فيها، فقال: أَقِم حتى تأتينا الصدقةُ فنأمرَ لك بها، ثمَّ قال: يا قبيصة إنَّ المسألةَ لا تحلُّ إلاَّ لأحدِ ثلاثة: رجلٌ تحمَّل حَمالةً فحلَّت له المسألةُ حتى يصيبها ثمَّ يمسك، ورجلٌ أصابته جائحةٌ اجتاحت مالَه فحلَّت له المسألةُ حتى يصيب قَواماً من عيش، ورجلٌ أصابته فاقةٌ حتى يقول ثلاثةٌ مِن ذوي الحِجى من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقةٌ، فحلَّت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش، أو قال: سداداً، فما سواهنَّ مِن المسألة يا قبيصة فسُحْتٌ يأكلها صاحبُها سُحْتاً "، رواه مسلم وأبو داود والنسائي٢.
وتركُ السؤال للمخلوق اعتياضاً بسؤال الخالق أفضلُ مطلقاً، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: " أصابتني فاقةٌ فأتيتُ
стр. 436
النبيَّ ﷺ فوجدته يخطبُ الناسَ وهو يقول: يا أيُّها الناس، والله مهما يكونُ عندنا من خيرٍ فلن ندَّخره عنكم، وإنَّه مَن يستغن يُغنه الله، ومن يستعف يُعفَّه الله، ومَن يتصبَّر يصبِّره الله، وما أُعطي أحدٌ عطاء خيراً وأوسعَ من الصبر، فقلتُ في نفسي: والذي بعثك بالحقِّ لا أسألكَ شيئاً، فرجعتُ فأغنى اللهُ وجاء بخيرٍ "١، فأبو سعيد فهِم من كلام النبي ﷺ أنَّ تركَ سؤالِه تعفُّفاً واستغناءً خيرٌ له من سؤالِه، فإذا كان تركُ سؤال الأنبياء في حياتهم أفضلَ مع الحاجة والفاقة، ومع عدم الحاجة يكون حراماً، فكيف سؤالُ الغائب والميِّت منهم ومِن غيرهم ... "٢.
وقال ﵀: " ... فإنَّ سؤالَ المخلوقين فيه ثلاثُ مفاسد: مفسدةُ الافتقار إلى غير الله، وهي من نوع الشرك، ومفسدةُ إيذاء المسؤول وهي من نوع ظلم الخلق، وفيه ذُلٌّ لغير الله، وهو ظلمٌ للنفس، فهو مشتملٌ على أنواع الظلم الثلاثة "٣ اهـ كلامُه ﵀.
والمسلمُ الموفَّقُ يعلم علمَ يقين أنَّه لا ينفع ولا يضرُّ ولا يُعطي ولا يمنع غيرُ الله، ولهذا فهو يُفرده وحده بالخوف والرجاء، والمحبَّة والسؤال، والتضرُّع والدعاء، والذُّلِّ والخضوع، وإنَّا لنرجوه سبحانه أن يوفِّقنا وإيَّاكم لتحقيق ذلك، وألاَّ يكِلنا إلى أحد سواه، فإنَّه سبحانه نِعم المسؤول ونِعم المرجو والمستعان.
стр. 437
٨٣ ـ ترويجُ أهل الباطل للأدعية الباطلة بالحكايات المُلفَّقة
سبق الكلامُ على أهميَّةِ الإخلاصِ في الدعاء وأنَّه شرطٌ هامٌّ من شروطِ قبوله، وأنَّ عدمَ إخلاصِه لله من أعظم الاعتداء والعدوان، والذُّلِّ والهوانِ، سواءٌ في ذلك مَن دعا غيرَ الله دعاءً مستقِلاًّ، أو جعله واسطةً بينه وبين الله، فإنَّ ذلك من أعظمِ الإثمِ وأشدِّ الضلال، والله يقول: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ الله مَن لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ ١.
وها هنا أمرٌ لا بدَّ من التنبيه عليه، وهو أنَّ طائفةً من الضُّلال من عُبَّاد القبور والأضرحة والقِباب ونحوها قد يلبِّسون على العوام وجهَّال الناس في هذا الباب بذكرِ بعض القصص والأخبار بأنَّ فلاناً دعا عند قبر فلانٍ فأُجيب، وأنَّ جماعاتٍ دعوا عند قبور جماعاتٍ من الأنبياء والصالحين فاستجيب لهم الدعاء، وكقولهم: إنَّ قبرَ فلان ترياقُ المجرِّبين، وزعمهم بأنَّه عند القبور تُقال العثراتُ، وتستجابُ الدعواتُ، وتتنزَّلُ الرحمات، وأنَّ بعضَهم رأى منامات في الدعاء عند قبور بعض الأشياخ، وجرَّب أقوامٌ استجابة الدعاء عند قبور معروفة، ونحو ذلك مِمَّا لبَّس به هؤلاء الضُّلاّل على بعض جُهال المسلمين، فصرفوهم بذلك عن التوحيد الخالص واليقين الصادق والثقة بالله إلى التعلُّق بالقبورِ والعكوفِ عندها والاستغاثةِ بأهلها ودعائِهم من دون الله.
стр. 438
وما مِن ريبٍ أنَّ القَصصَ والحكاياتِ لها تأثيرٌ بالغٌ في قلوب العامَّةِ والجُهالِ، فكم أوقعت كثيراً منهم في صنوف الضَلال وأنواعٍ من الباطل، والواجبُ على عبد الله المسلمِ أن لا يَبْنِيَ دينَه على شيء من ذلك؛ إذ لا عبرةَ به ولا مُعوَّلَ عليه، ولا حُجَّة فيه وإنَّما الحُجَّةُ في كتاب الله تعالى وسنَّةِ رسوله ﷺ ، لا في الحكايات المختلقَة والقصص الملَفَّقةِ والأخبار المزوَّرة.
قال الإمام العلاَّمة ابن القيم ﵀ وهو بصدد بيان بعض الأمور التي أوقعت بعضَ الناسِ في الافتتان بالقبور والتعلُّقِ بها مع أنَّ ساكنيها أمواتٌ لا يملكون لهم ضرًّا ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، قال ﵀: " ومنها [أي الأمور التي أدَّت إلى ذلك] : حكايات حُكيت لهم عن تلك القبور أنَّ فلاناً استغاث بالقبر الفلاني في شدَّة فخلص منها، وفلاناً دعاه أو دعا به في حاجة فقُضيت له، وفلاناً نزل به ضرٌّ فاسترجى صاحبَ ذلك القبر فكشف ضُرَّه، وعند السَدنة والمَقَابريَّة مِن ذلك شيءٌ كثير يطول ذكرُه، وهم مِن أكذبِ خَلق الله تعالى على الأحياء والأموات ... "، إلى آخر كلامه رحمه الله١.
وما كان لهذا التقرير الفاسد والاستدلال الباطل أن يَرُوجَ بين أحد من المنتسبين للإسلام والمنتمين لهذه الملَّة الحنيفية؛ لولا غلبةُ الجهل وقلَّةُ العلم بحقيقة ما بعث الله به رسولَه ﷺ ، بل جميعَ الرسل من تحقيق التوحيد وقطع أسباب الشرك ووسائلِه.
وقد ذكر أهل العلم أجوبةً كثيرةً ووجوهاً عديدة في الردِّ تُبيِّن وهاءَ
стр. 439
هذا الاستدلال وفسادَه، ومِن تلك الأجوبة:
أنَّ دينَ الله تامٌّ كاملٌ لا نقص فيه، والله يقول: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ ١، فما لَم يكن ديناً زمن نبيِّنا ﷺ وأصحابه فليس اليوم ديناً، ولن يكون ديناً إلى أن تقوم الساعة، والله جلَّ وعلا لا يقبل في الدِّين إلاَّ ما دلَّ عليه كتابه وسُنَّة نبيِّه ﷺ ، وأما الحكاياتُ والمناماتُ والقَصصُ والأخبارُ فليست مما يُقام عليه شرعٌ أو يُبنى عليه دينٌ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وإنَّما المتَّبَع عند علماء الإسلام في إثبات الأحكام هو كتابُ الله وسنةُ رسوله ﷺ وسبيلُ السابقين الأولين، ولا يجوز إثباتُ حكم شرعي بدون هذه الأصول الثلاثة نصًّا أو استنباطاً بحال "٢.
ولَم يرِد في تحرِّي الدعاء عند القبور آيةٌ مُحكمةٌ ولا سنَّةٌ متَّبَعةٌ ولم يُنقل في جواز ذلك شيءٌ ثابتٌ عن القرون الثلاثة المفضَّلة التي أثنى عليها رسول الله ﷺ حيث قال: " خير أمتي القرن الذي بُعثتُ فيهم ثمَّ الذين يلونهم ثمَّ الذين يلونهم "٣، ولم يُنقل شيءٌ من ذلك عن إمامٍ معروف، ولا عالِمٍ متَّبَع.
ثمَّ إنَّ كثيراً من هذه الحكايات والمنامات التي تُروى في هذا الباب لا تصح عمَّن نُقلت عنه، وإنَّما هي متقوَّلةٌ مكذوبةٌ مفتراةٌ، ولا سيما منها ما يُنسب إلى بعض أهل العلم والفضل، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وهذا والحمد لله لَم يُنقل عن إمام معروف ولا عالم
стр. 440
متبع، بل المنقول في ذلك إمَّا أن يكون كذباً على صاحبه، وإما أن يكون المنقولُ من هذه الحكايات عن مجهول لا يُعرف، ومنها ما قد يكون صاحبُه قاله أو فعله باجتهاد يخطئ فيه ويُصيب، أو قاله بقيود وشروط كثيرة على وجه لا محذور فيه، فحُرِّف النقلُ عنه كما أنَّ النبيَّ ﷺ لَمَّا أذِن في زيارة القبور بعد النهي عنها فَهِمَ المبطلونَ أنَّ ذلك هو الزيارةُ التي يفعلونها من حجها للصلاة عندها والاستغاثة بها "١.اهـ.
ثمَّ إنَّ قضاءَ حاجات بعض هؤلاء الداعينَ وتحقُّقَ رغباتهم لا يدلُّ على صحَّةِ عملِهم وسلامتِه، فقد تكون الإجابةُ استدراجاً وابتلاءً وامتحاناً، فليس مجرَّدُ كونِ الدعاءِ حصل به المقصودُ أو تحقَّقَ به المرادُ دليلاً على أنَّه سائغٌ في الشريعة، فإنَّ حصولَ التأثير ليس دليلاً على المشروعية، فالسِّحرُ والطلِسمات والعين وغيرُ ذلك من المؤَثِّرات في العالم بإذن الله قد يقضي الله بها كثيراً من أغراض النفوس الشرِّيرة، ومع ذلك فهي محرَّمةٌ وباطلةٌ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وليس مجرَّد كون الدعاء حصل به المقصود ما يدلُّ على أنَّه سائغٌ في الشريعة، فإنَّ كثيراً من الناس يدعون مِن دون الله من الكواكب والمخلوقين، ويحصُلُ ما يحصل من غرضِهم، وبعضُ الناس يقصدون الدعاء عند الأوثان والكنائس وغير ذلك، ويدعو التماثيل التي في الكنائس ويحصل ما يحصل من غرضه، وبعض الناس يدعو بأدعيةٍ محرَّمة باتِّفاق المسلمين ويحصل ما يحصل من غرضهم.
стр. 441
فحصول الغرض ببعض الأمور لا يستلزم إباحته، وإن كان الغرض مباحاً، فإنَّ ذلك الفعل قد يكون فيه مفسدة راجحة على مصلحته، والشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإلاَّ فجميع المحرَّمات من الشرك والخمر والميسر والفواحش والظلم قد يحصل لصاحبه به منافع ومقاصد، لكن لمَّا كانت مفاسدُها راجحةً على مصالحها نهى الله ورسوله عنها كما أنَّ كثيراً من الأمور كالعبادات والجهاد وإنفاق الأموال قد تكون مضرَّةً، لكن لَمَّا كانت مصلحتُه راجحةً على مفسدتِه أمر به الشارع، فهذا أصل يجب اعتبارُه "١.
ثمَّ إنَّ تلك التأثيرات قد تكون من الشيطان فإنَّه قد يتراءى لبعض هؤلاء في صورة من يعظِّمُه أو يعتقد فيه أو ينتسب إليه، وقد يخاطبُ هؤلاء أو يقضي بعض حوائجهم بإذن الله فيكونُ فتنةً لهم ويُظنُّ أنَّ ذلك كرامةٌ لهؤلاء المدعوِّين، وما هو في الحقيقة إلاَّ فتنة، ولا يعلم هؤلاء أنَّ هذا من جنس ما تفعله الشياطين بعُبَّاد الأوثان حيث تتراءى أحياناً لِمَن يعبدها وتخاطبُهم ببعض الأمور الغائبة وتقضي لهم بعض طلباتهم فكان ذلك أعظمَ أسباب عبادة الأوثان والتعلُّقِ بها.
والحاصلُ أنَّ مثلَ تلك الحكايات لا يستقيمُ الاحتجاجُ بها ولا يصح الاعتمادُ عليها، ولا يُبنى دينُ الله على شيءٍ منها وإنَّما يُبنى على ما جاء في الكتاب والسنة لا على الظنون والتخرُّصات والقَصص والحكايات والتجارب والمنامات، أعاذنا الله من الزَّلَلِ ووفّقنا لصائبِ القول وصحيحِ العمل.
стр. 442
٨٤ ـ من آداب الدعاء عدم استعجال الإجابة
إنَّ من آداب الدعاء العظيمة ألاَّ يستعجلَ الدعاء ويستبطئ الإجابةَ، فيستحسر ويمل ويترك الدعاءَ، ويقع في اليأس من روْح الله والقنوط من رحمته، وقد ورد في الحديث عن النبيِّ ﷺ النهيُ عن استعجال الدعاء وأنَّ ذلك من موانع إجابته وأسباب عدم قبوله، ففي الصحيحين
عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: " يُستجاب لأحدكم ما لَم يعجَل، يقول: دعوتُ فلم يستجب لي "١، وفي لفظٍ عند مسلم: " لا يزال يُستجابُ للعبد ما لَم يَدعُ بإثم أو قطيعة رحم ما لَم يستعجل، قيل: يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوتُ وقد دعوتُ، فلَم أر يستجيبُ لِي، فيستحسر عند ذلك ويدَعَ الدعاءَ "٢.
قال ابن حجر ﵀: " وفي هذا الحديث أدبٌ من آداب الدعاء، وهو أنَّه يُلازِم الطلبَ ولا ييأس من الإجابة؛ لِمَا في ذلك من الانقياد والاستسلام وإظهار الافتقار، حتى قال بعضُ السلف: لأنا أشدُّ خشية أن أُحرَم الدعاء من أن أُحرَم الإجابة ... وقال الداودي: يُخشى على مَن خالف وقال: قد دعوتُ فلم يستجب لي أن يُحرم الإجابة وما قام مقامها من الادخار والتكفير "٣.
стр. 443
ونقل عن ابن بطَّال أنَّه قال في شرح الحديث: " المعنى أنَّه يسأم فيترك الدعاء، فيكون كالمانِّ بدعائه، أو أنَّه أتى من الدعاء ما يستحق به الإجابة، فيصير كالمُبَخِّل للرَّبِّ الكريم الذي لا تعجزه الإجابة ولا يُنقصه العطاء ".
إنَّ الواجبَ على مَن أراد أن يُحقِّق الله رجاءَه وأن يُجيب دعاءَه أن يدعو ربَّه وهو موقنٌ بالإجابة؛ عظيمُ الثقة بالله، شديدُ الرجاء فيما عنده.
قال ابن رجب ﵀: " ومِن أعظم شرائطه [أي الدعاء] حضورُ القلب ورجاءُ الإجابة من الله تعالى كما خرَّج الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فإنَّ الله لا يقبلُ دعاءً من قلبِ غافلٍ لاَهٍ "١، وفي المسند عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: " إنَّ هذه القلوبَ أوعيةٌ، فبعضُها أوعى من بعض، فإذا سألتم اللهَ فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة، فإنَّ اللهَ لا يستجيبُ لعبدٍ دعاءً من ظهرِ قلبٍ غافل "٢، ولهذا نُهي العبدُ أن يقول في دعائه: " اللَّهمَّ اغفر لي إن شئتَ، ولكن ليعزِم المسألةَ فإنَّ الله لا مكره له "٣، ونُهي أن يستعجل ويترك الدعاء؛ لاستبطاء الإجابة، وجُعل ذلك من موانع الإجابة، حتى لا يقطع رجاءَه من إجابة دعائه
стр. 444
ولو طالت المُدَّة، فإنَّه سبحانه يحبُّ الملحِّين في الدعاء ... فما دام العبدُ يُلحُّ في الدعاء ويطمع في الإجابة من غير قطع الرجاء، فهو قريبٌ من الإجابة، ومن أدمَن قَرْعَ الأبواب يوشك أن يُفتح له " اهـ١.
وكيف لا يكون المسلمُ واثقاً بربِّه والأمورُ كلُّها بيده، ومعقودةٌ بقضائه وقَدَرِه، فما شاء الله كان كما شاء، في الوقت الذي يشاء، على الوجه الذي يشاء، من غير زيادة ولا نقصان ولا تقدُّم ولا تأخُّر، وحُكمه سبحانه نافذٌ في السموات وأقطارها وفي الأرض وما عليها وما تحتها وفي البحار والجوِّ، وفي سائر أجزاء العالَم وذرَّاته يُقلِّبها ويصرفها ويُحدث فيها ما يشاء ﴿مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ ٢، أحاط بكلِّ شيء علماً، وأحصى كلَّ شيء عدداً، ووسع كلَّ شيء رحمة وحكمة، له الخلقُ والأمر، وله المُلكُ والحمد، وله الدنيا والآخرة، وله النعمة والفضل، وله الثناء الحسن، شملت قدرتُه كلَّ شيء، ووسعت رحمتُه كلَّ شيء ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ ٣، لا يتعاظمه ذنبٌ أن يغفرَه، ولا حاجةٌ يُسألها أن يعطيها، لو أنَّ أهلَ سمواته وأهل أرضه إنسهم وجِنَّهم حيَّهم وميِّتَهم صغيرَهم وكبيرَهم رطبهم ويابسهم قاموا في صعيد واحد فسألوه فأعطى كلَّ واحد منهم ما سأله ما نقص ذلك مما عنده مثقال ذرة، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ
стр. 445
لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ١، ولهذا فإنَّ مِمَّا يتنافى مع تمام الإيمان به وكمال توحيده سبحانه أن يدعوَه العبدُ وهو غير عازم في مسألته؛ بأن يقول في دعائه: اللَّهمَّ ارحمني إن شئت، أو اللَّهمَّ اغفر لي إن شئت، أو اللَّهمَّ وفِّقني إن شئت، ونحوَ ذلك لِما في هذا القول من إيهام الاستغناء عن الله وعدم الثقةِ فيما عنده، ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يقولنَّ أحدُكم: اللَّهمَّ اغفر لي إن شئتَ، اللَّهمَّ ارحمني إن شئتَ، ولكن ليعزم المسألةَ وليُعظِّم الرغبة، فإنَّ اللهَ تعالى لا يتعاظمه شيء أعطاه "، وهذا لفظ مسلم٢.
وفي الصحيحين أيضاً من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا دعا أحدكم فليعزم في الدعاء، ولا يَقُل: اللَّهمَّ إن شئتَ فأعطِني، فإنَّ الله لا مستكره له " ٣.
وقد أورد الإمام المجدِّد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ هذا الحديث في كتاب التوحيد، وترجم له بقوله: " باب قول: اللَّهمَّ اغفر لي إن شئت "، وهو ﵀ ينبِّه بهذه الترجمة إلى أنَّ عدمَ العزم في الدعاء وتعليقه بالمشيئة ممَّا يتنافى مع التوحيد الواجب الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم؛ لأنَّ قولَ القائلِ: " اللَّهمَّ اغفر لي إن شئتَ "، يدلُّ على فتورٍ في الرغبة، وقلَّةِ اهتمامٍ في الطلب، وكأنَّ هذا القول يتضمَّن أنَّ هذا المطلوبَ إن حصلَ وإلاَّ استغنى عنه، ومَن كان هذه حاله لَم
стр. 446
يتحقق من حاله الافتقارُ والاضطرارُ الذي هو روحُ العبادة ولُبُّها، وكان ذلك دليلاً على قلَّة معرفته بذنوبه وسوء عاقبتها وقلَّة معرفته برحمة ربِّه، وشِدَّة احتياجه إليه، وضعف يقينه بالله وإجابته للدعاء.
ولهذا قال في الحديث: " وليَعزِم المسألةَ "، أي ليجْزِم في طلبته، ويحقق رغبته، ويتيقَّن الإجابة، فإنَّه إذا فعل ذلك دلَّ على علمه بعظيم ما يطلب من المغفرة والرحمة، وعلى أنَّه مفتقرٌ إلى ما يطلب مضطرٌّ إليه، وعلى أنَّه محتاجٌ إلى الله مفتقرٌ إليه، لا يستغني عن مغفرته ورحمته طرفةَ عين١.
ولهذا فإنَّ الواجبَ على المسلم إذا دعا الله أن يجتهدَ ويُلحَّ في الدعاء، ولا يَقُل: " إن شئتَ "، كالمستثنِي، بل يدعو دعاءَ البائس الفقير بإلحاحٍ وصِدق وجِدٍّ واجتهاد، مع الثقة الكاملة بالله والطمع فيما عنده، وحسن الظنِّ به سبحانه، وهو جلَّ وعلا يقول كما في الحديث القدسي: " أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني "، أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما٢.
وإنَّا نسأل الله الكريم أن يرزقنا حسنَ الظنِّ به وعظيم الثقة فيما عنده، وأن يُوفِّقنا لكلِّ خير يحبه ويرضاه في الدنيا والآخرة.
стр. 447
٨٥ ـ أهميَّة حضور القلب في الدعاء وجُملة من الآداب الأخرى
إنَّ الدعاءَ من أقوى الأسباب التي تُجلبُ بها الأمور المحبوبة، وتدفع بها الأمور المكروهة، لكنه قد يتخلَّف أثرُه وتضعف فائدتُه، وربَّما تنعدم لأسباب منها: إمَّا ضعف في نفس الدعاء، بأن يكون دعاءً لا يحبُّه الله لِما فيه من العدوان، وإمَّا لضعف القلبِ وعدم إقباله على الله وقت الدعاء، وإمَّا لحصول المانع من الإجابة من أكل الحرام، ورَيْنِ الذنوب على القلوب، واستيلاء الغفلة والسهو واللهو وغلبتهما عليها؛ إذ إنَّ هذه الأمور تُبطل الدعاءَ، وتُضعف من شأنِه.
ولهذا فإنَّ من الضوابط المهمَّة والشروطِ العظيمةِ التي لا بدَّ من توفرها في الدعاء حضورَ قلب الداعي وعدم غفلته،؛ لأنَّه إذا دعا بقلب غافلٍ لاهٍ ضعُفت قوةُ دعائه، وضعُف أثرُه، وأصبح شأنُ الدعاء فيه بمنزلة القوس الرخو جدًّا، فإنَّه إذا كان كذلك خرج منه السهم خروجاً ضعيفاً، فيضعف بذلك أثرُه، ولهذا فإنَّه قد ورد عن النبي ﷺ الحثُّ على حضور القلب في الدعاء، والتحذيرُ من الغفلة، والإخبارُ بأنَّ عدمَ ذلك مانعٌ من موانع قبوله.
روى الإمامُ أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قال: " القلوبُ أوعيةٌ، وبعضها أوعى من بعض، فإذا سألتُم اللهَ أيُّها الناس فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة، فإنَّ اللهَ لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر
стр. 448
قلبٍ غافلٍ "١، وإسناده ضعيف؛ لأنَّ فيه عبد الله بن لهيعة سيء الحفظ، وباقي رجاله ثقات، إلاَّ أن له شاهدا يتقوَّى به عند الإمام الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه٢.
ومعنى الحديث صحيحٌ؛ إذ لا بدَّ للمسلم مع الدعاء مِن حضور القلب وعدم الغفلة والإيقان بالإجابة، ولهذا فقد عدَّ الإمام العلاَّمةُ ابن القيم ﵀ في كتابه الجواب الكافي غفلةَ القلبِ وعدمَ حضوره مانعاً من موانع إجابة الدعاء، واحتجَّ على ذلك بهذا الحديث ثمَّ قال: " وهذا دواءٌ نافعٌ مزيلٌ للداء، ولكن غفلة القلب تُبطل قوَّتَه "، وقال ﵀: " وإذا جُمع مع الدعاء حضورُ القلب وجَمعِيَّتُه بكليَّتِه على المطلوب، وصادف وقتاً من أوقات الإجابة الستة، وهو الثلث الأخير من الليل، وعند الأذان، وبين الأذان والإقامة، وأدبار الصلوات المكتوبة، وعند صعود الإمام يوم الجمعة على المنبر حتى تُقضى الصلاة من ذلك اليوم، وآخر ساعة بعد العصر، وصادف خشوعاً في القلب وانكساراً بين يدي الربِّ، وذُلاًّ له، وتضرُّعاً ورِقَّةً، واستقبل الداعي القبلةَ، وكان على طهارة، ورفع يديه إلى الله، وبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثمَّ ثنَّى بالصلاة على محمد عبده ورسوله، ثمَّ قدَّم بين يدي حاجته التوبةَ والاستغفار، ثمَّ دخل على الله، وألحَّ عليه في المسألة، وتَملَّقه ودعاه رغبة ورهبة، وتوسَّل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده، وقدَّم بين يدي دعائه صدقةً، فإنَّ هذا الدعاءَ لا يكاد يُردُّ أبداً، ولا سيما إن
стр. 449
صادف الأدعيةَ التي أخبر النبي ﷺ أنَّها مظنَّةُ الإجابةِ، أو أنَّها متضمِّنَةٌ للاسم الأعظم ". اهـ كلامه رحمه الله١.
وهو كلامٌ عظيم النفع، مشتملٌ على ذِكر جملة من الشروط المهمَّة والآداب العظيمةِ التي لا يكاد يُرَدُّ الدعاء حال توفرها، ويُمكن تلخيص هذه الآداب في الأمور التالية:
الأول: حضورُ القلب وجَمعِيَّتُه بكليَّته على المطلوب.
الثاني: تحرِّي أوقات الإجابة.
الثالث: أن يكون عن خشوع في القلب وتذلُّل وتضرُّع ورِقَّةٍ وانكسارٍ بين يدي الله .
الرابع: أن يستقبل الداعي القبلةَ.
الخامس: أن يكون على طهارة.
السادس: أن يرفع يديه إلى الله عند الدعاء.
السابع: أن يبدأ دعاءَه بحمد الله وحسن الثناء عليه، ثمَّ يُثَنِّي بالصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد ﷺ .
الثامن: أن يقدِّم بين يدي حاجته وطلبه التوبةَ والاستغفارَ.
التاسع: أن يُلحَّ على الله ويتملَّقه ويُكثر من مناجاته.
العاشر: أن يجمع في دعائه بين الرغبة والرهبة.
الحادي عشر: أن يتوسَّل إلى الله بأسمائه الحسنى وصفاته العظيمة وتوحيده.
стр. 450
الثاني عشر: أن يُقدِّم بين يدي دعائه صدقة.
الثالث عشر: أن يتخيَّر الأدعية الجامعة التي أخبر النبي ﷺ أنَّها مظنَّةُ الإجابة، أو أنَّها متضمِّنَةٌ لاسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى.
فإذا جمع المسلمُ في دعائه هذه الأمورَ العظيمةَ، فإنَّ دعاءَه لا يكاد يُردُّ أبداً، إلاَّ أنَّ ها هنا أمراً نبَّه عليه أهل العلم لا بدَّ من العناية به وتحقيقه، وهو أنَّ الداعيَ ينبغي له مع قيامه بالدعاء مستوفياً لشروطه وآدابه أن يستتبع ذلك القيامَ بلوازم ذلك ومُتَمِّماته، وذلك بالسعي والجدِّ والاجتهاد في نيل المطلوب " فسؤال الله الهدايةَ يستدعي فِعلَ جميعِ الأسبابِ التي تُدركُ بها الهدايةُ؛ العلميةُ والعمليةُ، وسؤالُ الله الرحمةَ والمغفرةَ يقتضي مع ذلك فعل الممكن من الأسباب التي تُنال بها الرحمة والمغفرة، وهي معروفة في الكتاب والسنة، وإذا قال الداعي: اللَّهمَّ أَصلِح لي ديني الذي هو عِصمةُ أمري، وأَصلِح لي دنياي التي فيها معاشي، إلى آخره يقتضي في هذا الطلب والالتجاء إلى الله أن يَسعى العبدُ في إصلاح دينه بمعرفة الحقِّ واتِّباعه، ومعرفة الباطل واجتنابه، ودفع فتن الشبهات والشهوات، ويقتضي أن يسعى ويقومَ بالأسباب التي تَصلُحُ بها دنياه، وهي متنوعةٌ بحسب أحوال الخلق، وإذا قال الداعي: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ١،
стр. 451
فمع هذا التضرع إلى الله يسعى في شكر نعم الله عليه وعلى والديه اعترافاً وثناءً وحمداً واستعانةً بها على طاعته، وتعرّف الأعمال الصالحة التي ترضي الله والعمل بها، والسعي في تربية الذرية تربية إصلاحية دينية، وهكذا جميع الأدعية صريحة في الاتكال والتضرع إلى الله والالتجاء إليه في حصول المطالب المتنوعة، وصريحة في الاجتهاد في فعل كلِّ سبب ينال به ذلك المقصود، فإنَّ الله تعالى جعل المطالبَ كلَّها أسباباً بها تنال، وأمرَ بفعلها مع قوة الاعتماد على الله، والدعاء يعبر عن قوة الاعتماد على الله، ولهذا كان رُوحَ العبادة ومُخَّها، وإذا سأل العبدُ ربَّه أن يتوفاه مسلماً وأن يتوفاه مع الأبرار كان سؤالاً لحسن الخاتمة، ويستدعي فعل الأسباب والتوفيق للأسباب التي تنال بها الوفاة على الإسلام، ولهذا يقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١، وذلك بفعل الأسباب والاعتماد على مسبِّبها "٢، وهو الله وحده الذي بيده أزمة الأمور.
стр. 452
٨٦ ـ افتقارُ العبدِ إلى الله
إنَّ من الخصال الكريمة والخلال العظيمة التي ينبغي أن يتصفَ بها مَن يدعو اللهَ أن يعلم علمَ يقينٍ أنَّه مفتقرٌ إلى الله ، محتاجٌ إليه، لا يستغني عنه طرفة عين، وذلك أنَّ الإنسان بل وجميعَ المخلوقات عبادٌ لله تعالى، فقراءُ إليه، مماليكُ له، وهو ربُّهم ومليكُهم وإلَهُهم، لا إله لهم سواه، فالمخلوقُ ليس له من نفسه شيءٌ أصلاً، بل نفسُه وصفاتُه وأفعالُه وما ينتفع به أو يستحقه وغيرُ ذلك إنَّما هو من خلق الله، والله ربُّ ذلك كلِّه، ومليكُه وبارئُه وخالقُه ومصوِّرُه، ومدبِّرُ شؤونه، فما شاء الله كان وما لَم يشأ لَم يكن، فلا رادَّ لقضائه ولا معقِّب لحكمه ﴿مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ ١.
فالمخلوقُ فقيرٌ إلى الله، محتاجٌ إليه، ليس فقيراً إلى سواه، يقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمْ الفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ ٢، فليس المخلوق مستغنياً بنفسه ولا بغير ربِّه سبحانه؛ إذ إنَّ ذلك الغيرَ فقيرٌ أيضاً، محتاجٌ إلى الله، ولهذا قيل استغاثةُ المخلوق بالمخلوقِ كاستغاثة الغريق بالغريق، وقيل: استغاثةُ المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون.
стр. 453
وقد جاء في الحديث القدسي أنَّ الله ﵎ يقول: " يا عبادي كلُّكم ضالٌّ إلاَّ مَن هديتُه، فاستهدوني أهدِكم، يا عبادي كلُّكم جائعٌ إلاَّ مَن أطعمته، فاستطعِموني أُطعمكم، يا عبادي كلُّكم عارٍ إلاَّ من كسوتُه، فاستكسوني أكسُكم، يا عبادي إنَّكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوبَ جميعاً فاستغفروني أغفر لكم ... "١، قال ابن رجب ﵀: " هذا يقتضي أنَّ جميع الخلق مُفتَقِرون إلى الله تعالى في جلب مصالِحِهم، ودفع مضارِّهم، في أمور دينهم ودنياهم، وأنَّ العبادَ لا يملكون لأنفسهم شيئاً من ذلك كلِّه، وأنَّ من لَم يتفضّل الله عليه بالهدى والرزق فإنَّه يحرمهما في الدنيا، ومن لَم يتفضَّل الله عليه بمغفرة ذنوبه أَوْبَقته خطاياه في الآخرة "٢. اهـ كلامه ﵀.
فالأمورُ كلُّها بيده، الهدايةُ والعافيةُ والرزقُ والصحةُ وغيرُ ذلك، وما شاء سبحانه من ذلك كان، وما لَم يشأ لَم يكن ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٣، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ ٤، فعطاؤُه سبحانه كلام، وعذابُه كلام، فإذا أراد شيئاً من عطاء أو عذاب أو غير ذلك قال له كن فيكون، ولهذا فكيف ـ والأمر كذلك ـ يُلجأ إلى سواه، أو يُخضع لمن دونه، أو يُطلب ويدعى غيره؟
стр. 454
ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ ١ " فالعبد لا بدَّ له من رزقٍ، وهو محتاجٌ إلى ذلك، فإذا طلب رزقَه من الله صار عبداً لله، فقيراً له، وإذا طلبه من مخلوق صار عبداً لذلك المخلوق فقيراً له "٢.
إنَّ فقرَ المخلوق واحتياجَه لربِّه أمرٌ ذاتيٌّ له، لا وجود له بدونه، لكنَّ المخلوقين يتفاوتون في إدراك ذلك الافتقار أو العزوب عنه، والعبد فقيرٌ إلى الله من جهتين، من جهة العبادة، ومن جهة الاستعانة كما قال الله سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ، فالعبد يفتقر إلى الله من جهة أنَّه معبودُه الذي يحبُّه حبَّ إجلال وتعظيم، وقلبُه لا يصلح ولا يفلح، ولا يُسرُّ ولا يلتذُّ، ولا يطيب ولا يسكن، ولا يطمئن إلاَّ بعبادة ربِّه والإنابة إليه، ولو حصل له كلُّ ما يلتذُّ به من المخلوقات لَم يطمئن ولم يسكن، إذ فيه فقرٌ ذاتي إلى ربِّه من حيث هو معبودُه ومحبوبُه ومطلوبُه، وبهذا يحصل له الفرحُ والسرورُ واللذَّةُ والنِّعمةُ والسكونُ والطمأنينة، والعبد يفتقر إلى الله من جهة استعانته به للاستسلام لأمره، والانقياد لحكمه، والخضوع لشرعِه؛ إذ لا يقدر على تحصيل شيء من ذلك والقيام به إلاَّ إذا أعانه الله "٣.
وها هنا قاعدةٌ مهمةٌ نبّه عليها أهلُ العلم، وهي أنَّ كلَّ حيٍّ سوى الله،
стр. 455
فهو فقيرٌ إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، فلا بدَّ له من أمرين:
أحدهما: هو المطلوب المحبوب الذي ينتفع به ويتلذذ به.
والثاني: هو المعين الموصل لذلك المقصود والمانعُ لحصول المكروه، والدافعُ له بعد وقوعه.
فهنا أربعة أشياء يحتاج إليها الإنسان:
أحدها: أمر محبوب مطلوب الوجود.
والثاني: أمر مكروه مبغض مطلوب العدم.
والثالث: الوسيلة إلى حصول المحبوب.
والرابع: الوسيلة إلى دفع المكروه.
فهذه أربعة أمور ضرورية للعبد بل ولكلِّ حيّ، لا يقوم وجودُه ولا يكون صلاحُه إلاَّ بها.
إذا عُرف هذا فالله سبحانه هو المطلوبُ المعبودُ المحبوبُ وحده، لا شريك له، وهو وحده المُعِينُ للعبد على حصول مطلوبه، فلا معبودَ سواه، ولا مُعينَ على المطلوب غيره، فهو سبحانه الجامع للأمور الأربعة المتقدمة دون ما سواه، وهذا معنى قول العبد ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ، فإنَّ هذه العبادةَ تتضمن المقصودَ المطلوبَ على أكملِ الوجوه، والمستعان هو الَّذي يُستعان به على حصول المطلوب ودفع المكروه، وفي القرآن الكريم سبعة مواضع تنتظم هذين الأصلين:
стр. 456
أحدها: قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .
الثاني: قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ١.
الثالث: قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ ٢.
الرابع: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾ ٣.
الخامس: قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ ٤.
السادس: قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابْ﴾ ٥.
السابع: قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً رَبُّ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ ٦.
إنَّ حاجةَ العبد إلى أن يعبد الله وحده ولا يُشرك به شيئاً في محبَّتِه، ولا في خوفِه، ولا في رجائِه، ولا في التوَكُّلِ عليه، ولا في التذَلُّلِ والتعظيمِ والتقرُّبِ أعظمُ من حاجة الجسد إلى روحه، والعين إلى نورها، بل ليس لهذه الحاجة نظيرٌ تُقاس به، فالعبدُ لا بدّ له من إلَهِه الحق في كلِّ حالة وكلِّ دقيقة وكلِّ طرفة عين، وضرورته وحاجته إليه
стр. 457
لا تشبهها ضرورة ولا حاجة، بل هي فوق كلِّ ضرورة وأعظم من كلِّ حاجة، والقرآنُ الكريم مملوءٌ مِن ذكرِ حاجةِ العباد إلى الله دون ما سواه، ومِن ذكرِ نعمائه عليهم، ومِن ذكرِ ما وعدهم في الآخرة من صنوف النعيم واللّذات، وعلمُ العبد بهذا يحقِّقُ له تمامَ التوكُّلِ على الله، وكمالَ الشكر له، ومحبّته على إحسانه واللجوءَ إليه وحده دون ما سواه في الأمور كلِّها، صغيرِها وكبيرِها، دقيقِها وجليِّها١.
وإنا لنسأل الله الكريم أن يوفقنا لتحقيق ذلك وحسن القيام به، وأن لا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقلَّ من ذلك، وأن يهدينا إليه صراطاً مستقيماً.
стр. 458
٨٧ ـ جملةٌ من آداب الدعاء
إنَّ من آداب الدعاء المهمَّة وأسباب قبوله العظيمة أن يسبق الدعاءَ توبةٌ من العبد إلى الله من جميع ذنوبه وخطاياه، فيُقرُّ بذنبه، ويعترف بتقصيره، ويندم على تفريطه، فإنَّ تراكمَ الذنوب واجتماعَ الخطايا سببٌ من أسباب عدم الإجابة، كما قال بعض السلف: " لا تستبطئ الإجابةَ وقد سددتَ طُرقَها بالمعاصي "، وقد نظم بعضُهم هذا المعنى في بيتين من الشعر فقال:
نحن ندعو الإلهَ في كلِّ كرب ثمَّ ننساه عند كشف الكروب
كيف نرجو إجابةً لدعاءٍ قد سددنا طريقَها بالذنوب
وقد سبق أن مرَّ معنا حديثُ النبي ﷺ عندما ذكر الرجلَ يطيل السفر أشعث أغبر يَمدُّ يديه إلى السماء يقول: يا رب يا رب، ومطعمُه حرام، وملبسُه حرام، وغُذِيَ بالحرام، فأنَّى يُستجاب لذلك، فاستبعد النبي ﷺ إجابةَ دعاء مَن كانت هذه حاله " وقد يكون ارتكاب المحرمات الفعليةُ مانعاً من الإجابة أيضاً، وكذلك ترك الواجبات "١.
ولهذا فإنَّ مَن أراد أن يجيب الله دعاءَه ويُحقق رجاءَه، فعليه أن يتوب إلى الله توبةً نصوحاً من ذنوبه وخطاياه، والله جلّ وعلا لا يتعاظمه ذنبٌ أن يغفره، ولا حاجةٌ يُسألها أن يعطيها، وقد كان أنبياء الله ورسلُه يُرَغِّبون أممَهم ويحثُّونهم على التوبة والاستغفار، ويُبيِّنون لهم
стр. 459
أنَّ ذلك سببٌ من أسباب إجابة الدعاء ونزول الأمطار وكثرة الخير وانتشار البركة في الأموال والأولاد، قال تعالى عن نوح ﵇ أنَّه قال لقومه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنَينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَكُمْ أَنْهَارَا﴾ ١، وقال عن هود ﵇ أنَّه قال لقومه: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالبَأْسَآءِ وَالضَرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَّرَّعُونَ فَلَوْلاَ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾ ٥.
فالتوبةُ إلى الله واستغفارُه سببُ نزول الخيرات وتوالي البركات وإجابة الدعوات، يُروى أنَّ أميرَ المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ خرج يستسقي فلم يزد على الاستغفار حتى رجع، فأُمطروا فقالوا: ما رأيناك استسقيتَ؟ فقال: " لقد طلبتُ المطرَ بِمجاديح السماء التي يستنزل بها المطر، ثمَّ قرأ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا
стр. 460
يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِدْرَارًا﴾ "١.
وقال ابن صَبيح: " شكا رجلٌ إلى الحسن البصري ﵀ الجدوبةَ، فقال له: استغفر الله، وشكا إليه آخر الفقر، فقال له: استغفر الله، وقال له آخر: ادع الله أن يرزقني ولداً، فقال له: استغفر الله، وشكا إليه آخر جفاف بستانه، فقال له: استغفر الله، فقلنا له في ذلك؟ فقال: ما قلت من عندي شيئاً، إنَّ الله تعالى يقول في سورة نوح: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنَينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَكُمْ أَنْهَارَا﴾ " ٢.
ومعنى الآية: " أي إذا تُبتم إلى الله واستغفرتموه وأطعتموه، كثر الرزق عليكم وأسقاكم من بركات السماء، وأنبتَ لكم من بركات الأرض، وأنبتَ لكم الزرعَ، وأدر لكم الضرع، وأمدَّكم بأموالٍ وبنينَ، أي أعطاكم الأموالَ والأولادَ وجعل لكم جنَّاتٍ فيها أنواع الثِّمار وخلَلها بالأنهار الجارية بينها "٣، إلى غير ذلك من صنوف الخيرات وأنواع العطايا والهبات، وسيأتي الكلام على الاستغفار، فضله وأهميته وفوائده في الدنيا والآخرة.
ومن آداب الدعاء المهمة أن يدعو المسلم ربَّه وهو في حال تضرُّعٍ وخشوعٍ وخضوعٍ وتَذلُّلٍ، بل إنَّ ذلك " هو روحُ الدعاء ولبُّه ومقصودُه، فإنَّ الخاشعَ الذليلَ إنَّما يسأل مسألةَ مسكين ذليل قد