← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12048

فقه الأدعية والأذكار

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

Полный текст (885 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

أحدها: قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ . الثاني: قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ١. الثالث: قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ ٢. الرابع: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾ ٣. الخامس: قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ ٤. السادس: قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابْ﴾ ٥. السابع: قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً رَبُّ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ ٦. إنَّ حاجةَ العبد إلى أن يعبد الله وحده ولا يُشرك به شيئاً في محبَّتِه، ولا في خوفِه، ولا في رجائِه، ولا في التوَكُّلِ عليه، ولا في التذَلُّلِ والتعظيمِ والتقرُّبِ أعظمُ من حاجة الجسد إلى روحه، والعين إلى نورها، بل ليس لهذه الحاجة نظيرٌ تُقاس به، فالعبدُ لا بدّ له من إلَهِه الحق في كلِّ حالة وكلِّ دقيقة وكلِّ طرفة عين، وضرورته وحاجته إليه

стр. 457

لا تشبهها ضرورة ولا حاجة، بل هي فوق كلِّ ضرورة وأعظم من كلِّ حاجة، والقرآنُ الكريم مملوءٌ مِن ذكرِ حاجةِ العباد إلى الله دون ما سواه، ومِن ذكرِ نعمائه عليهم، ومِن ذكرِ ما وعدهم في الآخرة من صنوف النعيم واللّذات، وعلمُ العبد بهذا يحقِّقُ له تمامَ التوكُّلِ على الله، وكمالَ الشكر له، ومحبّته على إحسانه واللجوءَ إليه وحده دون ما سواه في الأمور كلِّها، صغيرِها وكبيرِها، دقيقِها وجليِّها١. وإنا لنسأل الله الكريم أن يوفقنا لتحقيق ذلك وحسن القيام به، وأن لا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقلَّ من ذلك، وأن يهدينا إليه صراطاً مستقيماً.

стр. 458

٨٧ ـ جملةٌ من آداب الدعاء إنَّ من آداب الدعاء المهمَّة وأسباب قبوله العظيمة أن يسبق الدعاءَ توبةٌ من العبد إلى الله من جميع ذنوبه وخطاياه، فيُقرُّ بذنبه، ويعترف بتقصيره، ويندم على تفريطه، فإنَّ تراكمَ الذنوب واجتماعَ الخطايا سببٌ من أسباب عدم الإجابة، كما قال بعض السلف: " لا تستبطئ الإجابةَ وقد سددتَ طُرقَها بالمعاصي "، وقد نظم بعضُهم هذا المعنى في بيتين من الشعر فقال: نحن ندعو الإلهَ في كلِّ كرب ثمَّ ننساه عند كشف الكروب كيف نرجو إجابةً لدعاءٍ قد سددنا طريقَها بالذنوب وقد سبق أن مرَّ معنا حديثُ النبي ﷺ عندما ذكر الرجلَ يطيل السفر أشعث أغبر يَمدُّ يديه إلى السماء يقول: يا رب يا رب، ومطعمُه حرام، وملبسُه حرام، وغُذِيَ بالحرام، فأنَّى يُستجاب لذلك، فاستبعد النبي ﷺ إجابةَ دعاء مَن كانت هذه حاله " وقد يكون ارتكاب المحرمات الفعليةُ مانعاً من الإجابة أيضاً، وكذلك ترك الواجبات "١. ولهذا فإنَّ مَن أراد أن يجيب الله دعاءَه ويُحقق رجاءَه، فعليه أن يتوب إلى الله توبةً نصوحاً من ذنوبه وخطاياه، والله جلّ وعلا لا يتعاظمه ذنبٌ أن يغفره، ولا حاجةٌ يُسألها أن يعطيها، وقد كان أنبياء الله ورسلُه يُرَغِّبون أممَهم ويحثُّونهم على التوبة والاستغفار، ويُبيِّنون لهم

стр. 459

أنَّ ذلك سببٌ من أسباب إجابة الدعاء ونزول الأمطار وكثرة الخير وانتشار البركة في الأموال والأولاد، قال تعالى عن نوح ﵇ أنَّه قال لقومه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنَينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَكُمْ أَنْهَارَا﴾ ١، وقال عن هود ﵇ أنَّه قال لقومه: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالبَأْسَآءِ وَالضَرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَّرَّعُونَ فَلَوْلاَ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾ ٥. فالتوبةُ إلى الله واستغفارُه سببُ نزول الخيرات وتوالي البركات وإجابة الدعوات، يُروى أنَّ أميرَ المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ خرج يستسقي فلم يزد على الاستغفار حتى رجع، فأُمطروا فقالوا: ما رأيناك استسقيتَ؟ فقال: " لقد طلبتُ المطرَ بِمجاديح السماء التي يستنزل بها المطر، ثمَّ قرأ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا

стр. 460

يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِدْرَارًا﴾ "١. وقال ابن صَبيح: " شكا رجلٌ إلى الحسن البصري ﵀ الجدوبةَ، فقال له: استغفر الله، وشكا إليه آخر الفقر، فقال له: استغفر الله، وقال له آخر: ادع الله أن يرزقني ولداً، فقال له: استغفر الله، وشكا إليه آخر جفاف بستانه، فقال له: استغفر الله، فقلنا له في ذلك؟ فقال: ما قلت من عندي شيئاً، إنَّ الله تعالى يقول في سورة نوح: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنَينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَكُمْ أَنْهَارَا﴾ " ٢. ومعنى الآية: " أي إذا تُبتم إلى الله واستغفرتموه وأطعتموه، كثر الرزق عليكم وأسقاكم من بركات السماء، وأنبتَ لكم من بركات الأرض، وأنبتَ لكم الزرعَ، وأدر لكم الضرع، وأمدَّكم بأموالٍ وبنينَ، أي أعطاكم الأموالَ والأولادَ وجعل لكم جنَّاتٍ فيها أنواع الثِّمار وخلَلها بالأنهار الجارية بينها "٣، إلى غير ذلك من صنوف الخيرات وأنواع العطايا والهبات، وسيأتي الكلام على الاستغفار، فضله وأهميته وفوائده في الدنيا والآخرة. ومن آداب الدعاء المهمة أن يدعو المسلم ربَّه وهو في حال تضرُّعٍ وخشوعٍ وخضوعٍ وتَذلُّلٍ، بل إنَّ ذلك " هو روحُ الدعاء ولبُّه ومقصودُه، فإنَّ الخاشعَ الذليلَ إنَّما يسأل مسألةَ مسكين ذليل قد

стр. 461

انكسر قلبُه وذلَّت جوارحُه وخشع صوتُه "١، قال الله ﵎: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ ، فأمر سبحانه بدعائه بتضرُّع وخفية، وحذَّر في هذا السياق من الاعتداء، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ومِن العدوان أن يدعوه غير متضرِّع، بل دعاءُ هذا كالمستغني المدلي على ربِّه، وهذا من أعظم الاعتداء لمنافاته لدعاء الذليل، فمَن لَم يسأل مسألة مسكين متضرِّع خائف فهو مُعتد "٢. وقد سبق الكلامُ على الاعتداء في الدعاء وأنواعه، وأنَّ كلَّ تجاوز لما حدَّته الشريعة في ذلك فهو اعتداء. ومِن آداب الدعاء الإلحاحُ على الله وكثرةُ سؤاله وعدمُ السآمة والملل " والله يحبُّ الملحٍّين في الدعاء، ولهذا تجد كثيراً من أدعية النبي ﷺ فيها من بسط الألفاظ وذكر كلِّ معنى بصريح لفظه، دون الاكتفاء بدلالة اللفظ الآخر عليه ما يشهد لذلك، كقوله ﷺ في حديث علي ﵁ الذي رواه مسلم في صحيحه: " اللَّهمَّ اغفر لي ما قدَّمتُ وما أخرتُ وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به منِّي، أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر لا إله إلاَّ أنت "٣، ومعلومٌ أنَّه لو قيل: اغفر لي كلَّ ما صنعت كان أوجز، ولكن لفظ الحديث في مقام الدعاء والتضرُّع وإظهار العبودية والافتقار باستحضار الأنواع التي يتوب العبدُ منها تفصيلاً أحسن وأبلغ من الإيجاز والاختصار، وكذلك قوله ﷺ في

стр. 462

الحديث الآخر: " اللَّهمَّ اغفر لي ذنبي كلَّه دقَّه وجُلَّه، سرَّه وعلانيته، أوَّلَه وآخره "١، وفي الحديث: " اللَّهمَّ اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به منِّي، اللَّهمَّ اغفر لي جدي وهَزلي وخطئي وعمدي وكلُّ ذلك عندي "٢، وهذا كثيرٌ في الأدعية المأثورة، فإنَّ الدعاءَ عبوديةٌ لله وافتقارٌ إليه وتذلُّلٌ بين يديه، فكلَّما كثَّره العبدُ وطوَّله وأعاده وأبداه ونوَّع جُملَه كان ذلك أبلغَ في عبوديته وإظهار فقره وتذلُّلِه وحاجته، وكان ذلك أقربَ له من ربِّه وأعظمَ لثوابه، وهذا بخلاف المخلوق، فإنَّك كلَّما كثرت سؤاله وكررت حوائجك إليه أبرمته وثقلت عليه وهنتَ عليه، وكلما تركت سؤاله كان أعظمَ عنده وأحبَّ إليه، والله سبحانه كلَّما سألته كنتَ أقربَ إليه وأحبَّ إليه، وكلَّما أَلْححت عليه في الدعاء أحبَّكَ، ومَن لَم يسأل الله يغضب عليه. فالله يغضب إن تركتَ سؤاله وبُنَيُّ آدم حين يُسأل يغضب "٣. وقد روي في سنن أبي داود وغيره من حديث عبد الله بن مسعود ﵁: " أنَّ رسول الله ﷺ كان يُعجبه أن يدعو ثلاثاً ويستغفر ثلاثا "٤، وقال الأوزاعي ﵀: " كان يُقال: أفضل الدعاء الإلحاح على الله والتضرع "٥.

стр. 463

٨٨ ـ تعرَّف إلى الله في الرَّخاءِ يعرفك في الشدَّة تقدَّم معنا ذكر ثلاثة آدابٍ للدعاء عظيمة، وهي أن يقدم العبدُ بين يدي دعائه توبة من ذنوبه وخطاياه، وأن يكون دعاؤه لربِّه في حال تضرُّع وخشوعٍ وخضوع، وأن يُلحَّ على الله في الدعاء ويُكثر من سؤاله دون سآمة أو ملل، وهذه جملة أخرى من آداب الدعاء التي ينبغي أن يعتني بها المسلم. فمِن آداب الدعاء المهمة أن لا يقتصرَ المسلم على دعائه ربَّه في حال الشدَّة فقط، بل الواجب أن يدعوَ ربَّه في سرَّائه وضرَّائه، وشدَّته ورخائه، وصحته وسقمه، وفي أحواله كلِّها، وملازمةُ المسلم للدعاء حال الرخاءِ، ومواظبتُه عليه في حال السرَّاء سببٌ عظيمٌ لإجابة دعائه عند الشدائد والمصائب والكُرَب، وقد جاء في الحديث أنَّ النبيَّ ﷺ قال: " مَن سرَّه أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب فلْيُكثِر الدعاءَ في الرخاء "، رواه الترمذي، والحاكم، وغيرُهما من حديث أبي هريرة ﵁، وسنده حسن١. وقد ذمَّ الله المشركين في مواطن كثيرة من كتابه العزيز بأنَّهم لا يلجأون إلى الله ولا يُخلصون الدِّين إلاَّ في حال شدَّتهم، أمَّا في حال رخائهم ويُسرهم وسرَّائهم، فإنَّهم يشركون مع الله غيرَه، ويُقبلون

стр. 464

على أوثان لا تَملِكُ لهم شيئاً ولا تنفعهم ولا تضرُّهم، فيَسْتَنْجِدون بها ويستغيثون بها ويُنزلون بها حاجاتهم وطلباتهم، يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ للهِ أَندَادًا﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ ٢، ويقول تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ ٣، ويقول تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ ٤، والآياتُ في هذا المعنى كثيرةٌ، وهي تدلُّ دلالة واضحة على ذمِّ مَن لا يعرف الله إلاَّ في حال ضرَّائه وشدَّته، أمَّا في حال رخائه فإنَّه يكون في صدود وإعراض ولَهوٍ وغفلة وعدم إقبال على الله ﵎. ولهذا فإنَّ الواجبَ على المسلم أن يُقبلَ على الله في أحواله كلِّها في اليُسرِ والعُسرِ، والرخاءِ والشدِّةِ، والغنى والفقرِ، والصحةِ والمرضِ، ومَن تعرَّف على الله في الرخاء عرفه الله في الشدَّة، فكان له معيناً وحافظاً ومؤيِّداً وناصراً.

стр. 465

ولهذا قال النبي ﷺ كما في حديث عبد الله بن عباس ﵄ المشهور: " تعرَّف إلى الله في الرَّخاء يعرفك في الشدَّة "١. قال ابن رجب ﵀ في جزء له أفرده في شرح هذا الحديث: " المعنى أنَّ العبدَ إذا اتقى الله وحفظ حدودَه وراعى حقوقه في حال رخائه وصحته، فقد تعرَّف بذلك إلى الله، وكان بينه وبينه معرفة، فعرفه ربُّه في الشدَّة، وعرف له عملَه في الرخاء، فنجَّاه من الشدائد بتلك المعرفة ... وهذا التعرُّفُ الخاص هو المشار إليه في الحديث الإلَهي " ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبه ـ إلى أن قال ـ ولئن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه "٢ "٣. ثمَّ أورد عن الضحاك بن قيس أنَّه قال: " اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدَّة، إنَّ يونس ﵇ كان يذكر اللهَ، فلمَّا وقع في بطن الحوت قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ٤، وإنَّ فرعونَ كان طاغياً ناسياً لذكر الله، فلمَّا أدركه الغرقُ قال: آمنتُ، فقال الله تعالى: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ ٥ "، فمَن لَم يتعرَّف إلى الله في الرخاء فليس له أن يعرفه في الشدَّة لا في الدنيا ولا في الآخرة.

стр. 466

قال رجل لأبي الدرداء: " أوصِني، فقال: اذكر الله في السرَّاء يذكرك الله في الضرَّاء "١. وعنه ﵁ أنَّه قال: " ادع الله في يوم سرَّائك لعلَّه أن يستجيب لك في يوم ضرَّائك "٢. وإنَّ من التعرُّف على الله في الرخاء أن يجتهد العبدُ في حال رخائه بالتقرُّب إلى الله وطلبِ مرضاته، والإكثار من الأعمال الصالحة المُقرِّبة إليه، كالبر والصلة، والصدقة والإحسان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من وجوه البِرِّ وسُبل الخير " وحديث الثلاثة الذين دخلوا الغارَ وانطبقت عليهم الصخرةُ يشهد لهذا، فإنَّ الله فرج عنهم بدعائهم بما كان منهم من الأعمال الصالحة الخالِصة في حال الرخاء من بر الوالدين، وترك الفجور، والأمانة الخفية "٣. وحديث هؤلاء مشهور خرَّجه الإمام البخاري في مواطن عديدة من صحيحه، وخرَّجه مسلم وغيرُهما من الأئمة، ولفظ الحديث في باب: حديث الغار من كتاب: أحاديث الأنبياء من صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قال: " بينما ثلاثة نفر مِمَّن كان قبلكم يمشون إذ أصابهم مطرٌ، فأَوَوا إلى غار فانطبق عليهم، فقال بعضُهم لبعض: إنَّه والله يا هؤلاء لا يُنجيكم إلاَّ الصدقُ، فلْيدعُ

стр. 467

كلُّ رجل منكم بما يعلم أنَّه قد صَدَقَ فيه، فقال واحدٌ منهم: اللَّهمَّ إن كنتَ تعلم أنَّه كان لي أجيرٌ عمل لي على فَرَق من أرُزٍّ فذهب وتركه، وأنِّي عمدتُ إلى ذلك الفرَق فزرعته، فصار من أمره أنِّي اشتريتُ منه بقراً، وأنَّه أتاني يطلبُ أجرَه، فقلتُ له: اعمد إلى تلك البقر فسُقها، فقال لي: إنَّما لي عندك فرَق من أَرُزٍّ، فقلتُ له: اعمد إلى تلك البقر، فإنَّها من ذلك الفَرَق، فساقها، فإن كنتَ تعلم أنِّي فعلتُ ذلك من خشيتِك ففرِّج عنَّا، فانساخت عنهم الصخرةُ، فقال الآخر: اللَّهمَّ إن كنتَ تعلمُ أنَّه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنتُ آتيهما كلَّ ليلةٍ بلبن غنم لي، فأبطأتُ عنهما ليلة، فجئتُ وقد رَقَدَا، وأهلي وعِيالي يتضاغون من الجوع، وكنتُ لا أسقيهم حتى يشرب أبواي، فكرهتُ أن أوقظهما، وكرهتُ أن أدعهما فيستكنَّا لشربتهما، فلم أزل أنتظر حتى طلع الفجرُ، فإن كنتَ تعلم أنِّي فعلتُ ذلك من خشيتك ففرِّج عنَّا، فانساخت عنهم الصخرةُ حتى نظروا إلى السماء، فقال الآخر: اللَّهمَّ إن كنتَ تعلم أنَّه كان لي ابنةُ عمٍّ من أحبِّ الناس إليَّ، وإنِّي راودتُها عن نفسها فأَبَتْ إلاَّ أن آتيها بمائة دينار، فطلبتُها حتى قدرتُ، فأتيتُها بها فدفعتُها إليها فأمكنتني من نفسها، فلمَّا قعدتُ بين رِجليها فقالت: اتَّق الله ولا تفُضَّ الخاتَم إلاَّ بحقِّه، فقمتُ وتركتُ المائةَ دينار، فإن كنتَ تعلم أنِّي فعلتُ ذلك من خشيتك ففرِّج عنَّا، ففرَّج الله عنهم فخرجوا "١.

стр. 468

فكانت أعمالُ هؤلاء الثلاثة الصالحةُ سبباً لتفريج همِّهم وكشف كربتهم وإجابة دعوتهم وتحقيق أملهم ورجائهم، فلمَّا تعرَّف هؤلاء إلى ربِّهم في حال رخائهم، تعرَّف إليهم ربُّهم سبحانه في حال شدَّتهم، فأمدَّهم بعونه، وأحاطهم بحفظه، وكلأهم برعايته وعنايته، وهو وحده الموفِّق والمعين لا شريك له.

стр. 469

٨٩ ـ رفع اليدين في الدعاء إنَّ من آداب الدعاء العظيمة رفعَ اليدين في الدعاء إلى الله ؛ لثبوت ذلك عن النبي ﷺ في أحاديث كثيرة عدَّها بعضُ أهل العلم في جملة ما تواتر فيه النقلُ عن النبيِّ الكريم ﷺ ، قال السيوطي في شرحه لتقريب الإمام النووي رحمهما الله ممثِّلا لِما تواتر معناه عن النبي ﷺ : " فقد ورد عنه ﷺ نحوُ مائة حديث فيه رفعُ يديه في الدعاء، وقد جمعتها في جزء، لكنها في قضايا مختلفة، فكلُّ قضية منها لَم تتواتر، والقدر المشترَك فيه هو الرفعُ عند الدعاء تواتَر باعتبار المجموع "١. وعقد الإمام البخاري ﵀ في كتابه الصحيح في كتاب الدعوات منه باباً بعنوان: رفع الأيدي في الدعاء، وأورد تحته عن أبي موسى الأشعري قال: " دعا النبيُّ ﷺ ثمَّ رفع يديه، ورأيتُ بياضَ إبطيه "٢، وعن ابن عمر ﵄ قال: " رفع النبيُّ ﷺ يديه وقال: اللَّهمَّ إنِّي أبرأُ إليك ممَّا صنع خالد "٣، وعن أنس، عن النبي ﷺ : " رفع يديه حتى رأيتُ بياض إبطيه "٤. وقد أشار شارح الصحيح الحافظُ ابن حجر ﵀ إلى كثرة الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ في هذا المعنى، وذكر جملةً من

стр. 470

الأحاديث في ذلك، منها: حديث أبي هريرة ﵁ قال: " قدم الطُفيل بن عمرو على النبي ﷺ فقال: إنَّ دوساً عصت فادعُ اللهَ عليها، فاستقبل القبلةَ ورفع يديه، فقال: اللَّهمَّ اهدِ دوساً "، أخرجه الإمام البخاري في الأدب المفرد، وهو في الصحيحين دون قوله: " ورفع يديه "١. ومنها: حديث جابر بن عبد الله: " أنَّ الطفيل بن عمرو هاجر ... "، وذَكَر قصَّةَ الرَّجل الذي هاجر معه، وفيه: فقال النبي ﷺ : " اللَّهمَّ ولِيَدَيْه فاغفر، ورفع يديه "، قال الحافظ: " وسنده صحيح، وأخرجه مسلم "٢. وحديث عائشة: " أنَّها رأت النبي ﷺ يدعو رافعاً يديه يقول: اللَّهمَّ إنَّما أنا بشر ... "، الحديث٣، قال الحافظ: " وهو صحيح الإسناد ". قال الحافظ: " ومن الأحاديث الصحيحة في ذلك ما أخرجه المصنِّف [أي البخاري] في جزء رفع اليدين: " رأيتُ النبيَّ ﷺ رافعاً يديه يدعو لعثمان "٤، ولمسلم من حديث عبد الرحمن بن سمرة في قصة الكسوف: " فانتهيتُ إلى النبيِّ ﷺ وهو رافعٌ يديه يدعو "٥، وعنده في

стр. 471

حديث عائشة في الكسوف أيضاً " ثمَّ رفع يديه يدعو "١، وفي حديثها عنده في دعائه لأهل البقيع: " فرفع يديه ثلاث مرَّات "، الحديث٢، ومن حديث أبي هريرة الطويل في فتح مكة: " فرفع يديه وجعل يدعو "٣، وفي الصحيحين من حديث أبي حُميد في قصة ابن اللُّتْبِيَّة: " ثمَّ رفع يديه حتى رأيتُ عفرة إبطيه يقول: اللَّهمَّ هل بلَّغت "٤، ومن حديث عبد الله بن عمرو: " أنَّ النبيَّ ﷺ ذكر قولَ إبراهيم وعيسى فرفع يديه وقال: اللَّهم أمتي "٥، وفي حديث عمر: " كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحيُ يُسمع عند وجهه كدويِّ النحل، فأنزل الله عليه يوماً ثمَّ سُريَّ عنه فاستقبل القبلة ورفع يديه ودعا "، والحديث أخرجه الترمذي واللفظ له، والنسائي والحاكم٦، وفي حديث أسامة: " كنت ردف النبيِّ ﷺ بعرفات فرفع يديه يدعو، فمالت به ناقته فسقط خطامها فتناوله بيده وهو رافعٌ اليدَ الأخرى "، أخرجه النسائي بسند جيِّد٧، وفي حديث قيس بن سعد عند أبي داود: " ثمَّ

стр. 472

رفع رسول الله ﷺ يديه وهو يقول: اللَّهمَّ صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة "، الحديث، وسنده جيِّد١، والأحاديث في ذلك كثيرة ". اهـ كلام الحافظ رحمه الله٢، وقد تقصَّى فيه جملةً مباركة من أحاديث رفع الأيدي في الدعاء. ومن الأحاديث الثابتة في ذلك ما رواه الترمذي وأبو داود وغيرهما عن سلمان الفارسي ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: " إنَّ ربَّكم حيِّيٌ كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً "٣. فهذه الأحاديثُ وما جاء في معناها تدلُّ على أنَّ من آداب الدعاء العظيمة رفع اليدين إلى الله، وأنَّ ذلك من أسباب إجابة الدعاء وقبوله، ودلَّت السنة أيضاً أنَّ لرفع اليدين في الدعاء صفاتٍ ثلاث ترجع إلى نوع الدعاء، فإذا كان ابتهالاً، وهو شدة المبالغة في الطلب فلرفع اليدين فيه صفة، وإذا كان دعاءً ومسألةً فللرفع فيه صفة، وإذا كان استغفاراً أو توحيداً وتمجيداً فللرفع فيه صفة، يوضح ذلك ويبيِّنه ما روي عن ابن عباس ﵄ مرفوعاً وموقوفاً: " المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك أو نحوهما، والاستغفار أن تشير بإصبع واحدة، والابتهال أن تمدَّ يديك جميعاً "، وفي لفظ: " هكذا الإخلاص

стр. 473

يشير بإصبعه التي تلي الإبهام، وهذا الدعاء فرفع يديه حذو منكبيه، وهذا الابتهال، فرفع يديه مدًّا "، رواه أبو داود في سننه والطبراني في الدعاء وغيرهما١. قال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد حفظه الله معلِّقاً على هذا الحديث: " وقد جاءت الأحاديثُ من فعل النبيِّ ﷺ مبيِّنة مقام كلِّ حالة من هذه الصفات الثلاث، لا أنَّها من اختلاف التنوع، وبيانها كالآتي: المقام الأول: مقام الدعاء العام ويُسمى المسألة، ويُقال: الدعاء، وهو رفع اليدين إلى المنكبين أو نحوهما ضامًّا لهما باسطاً لبطونهما نحو السماء، وظهورهما إلى الأرض، وإن شاء قنَّع بهما وجهه وظهورهما نحو القبلة، وهذه هي الصفةُ العامة لرفع اليدين حال الدعاء مطلقاً وفي قنوت الوتر والاستسقاء أو في مواطن رفعهما الستة في الحج [أي في عرفة، والمشعر الحرام، وبعد رمي الجمرتين الصغرى والوسطى، وعلى الصفا والمروة] ، وغير ذلك. المقام الثاني: الاستغفار، ويُقال: الإخلاص، وهو رفع أصبع واحدة وهي السبابة من اليد اليمنى، وهذه الصفة خاصة بمقام الذِّكر والدعاء حال الخطبة على المنبر وحال التشهد في الصلاة، وحال الذِّكر والتمجيد والهيللة خارج الصلاة ...

стр. 474

المقام الثالث: الابتهال، وهو التضرُّع والمبالغة في المسألة، ويُسمى أيضاً دعاء الرَّهب، وصفته رفع اليدين مدًّا نحو السماء حتى ترى عفرة إبطيه أي بياضهما، ويُقال في وصفه حتى يبدو عضداه، أي يرتفعان من المبالغة في الرفع، وهذه الصفة أخصُّ من الصفتين السابقتين في المقام الأول والثاني، وهي خاصة في حال الشدَّة والرَّهبة كحال الجدب، والنازلة بتسلُّط العدو، ونحو ذلك من مقامات الرَّهب " اهـ١. فهذه أحوال الرفع في الدعاء، وهي أحوال ثلاثة بحسب نوع الدعاء، وللموضوع صلة، والله الموفِّق.

стр. 475

٩٠ ـ مراتب رفع اليدين في الدعاء كان الحديث فيما سبق عن أدبٍ عظيمٍ من آداب الدعاء، وسببٍ عظيمٍ من أسباب إجابته، ألا وهو رفع اليدين إلى الله عند الدعاء بتذلُّلٍ وتمسكُنٍ وافتقار، ومرَّ معنا جملةٌ من الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في ذلك، وأنَّ ذلك ممّا تواتر معناه عن رسول الله ﷺ ، كما مرَّ أيضاً صفاتُ الرفع في الدعاء، وأنَّها ثلاثة بحسب نوع الدعاء، فإذا كان الدعاءُ ابتهالاً وتضرُّعاً فإنَّ رفعَ اليدين يكون بمدِّهما نحو السماء حتى يبدو بياضُ الإبط، وإذا كان الدعاءُ دعاءَ المسألة فيكون رفع اليدين إلى المنكبين أو نحوهما، وإذا كان الدعاءُ استغفاراً وتمجيداً وثناءً فإنَّ الرفعَ يكون بإصبع واحدة، وهي السبابة من اليد اليمنى. وقد ثبت في الحديث عن أنس بن مالك ﵁ أنَّه قال: " كان النبيُّ ﷺ لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلاَّ في الاستسقاء "، متفق عليه١. فذهب بعضُ أهل العلم عملاً بهذا الحديث إلى أنَّ الدعاءَ لا يُشرع فيه رفع اليدين إلاَّ في الاستسقاء فقط، أمَّا سوى ذلك من الأدعية فلا يُشرع فيها رفع اليدين، لكنَّ هذا الحديث معارَضٌ بأحاديث كثيرة دالة على مشروعية رفع اليدين في الدعاء في غير الاستسقاء، ولذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " والصحيح الرفع مطلقاً، فقد تواتر

стр. 476

في الصحاح: " أنَّ الطفيل قال: يا رسول الله إنَّ دوساً قد عصتِ وأبت فادعُ عليهم، فاستقبل القبلة ورفع يديه وقال: اللَّهمَّ اهدِ دوْساً وأتِ بهم "١، وفي الصحيح: " أنَّه عليه الصلاة السلام لَمَّا دعا لأبي عامر رفع يديه "٢، وفي حديث عائشة ﵂: " لَمَّا دعا النبي ﷺ لأهل البقيع رفع يديه ثلاث مرَّات "، رواه مسلم٣، وفيه: " أنَّه ﷺ رفع يديه فقال: أُمَّتِي أُمَّتِي "، وفي آخره: " قال الله تعالى: إنَّا سنُرضيك في أُمَّتك ولا نسوؤك "٤، وفي قصة بدر لَمَّا رأى ﷺ المشركين مدَّ يديه وجعل يهتف بربِّه، فما زال يهتف بربِّه مادًّا يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه٥، وفي حديث قيس بن سعد ﵄: " فرفع يديه ﷺ وهو يقول: اللَّهمَّ اجعل صلاتك ورحمتَك على آل سعد بن عبادة "٦، وبعث جيشاً فيه عليٌّ ﵁ فرفع يديه وقال: " اللَّهمَّ لا تُمتني حتى تريني عليًّا "٧، وفي حديث القنوت رفع يديه٨ ... ، ثمَّ ذكر شيخ الإسلام ﵀ حديث أنس المتقدِّم في أنَّ النبي ﷺ ما كان يرفع

стр. 477

يديه في شيء من دعائه إلاَّ في الاستسقاء، ثمَّ قال: " والجمع بين حديث أنس هذا وسائر الأحاديث ما قاله طوائف من العلماء، وهو أنَّ أنساً ذكر الرفعَ الشديد الذي يُرى فيه بياضُ إبطيه وينحني فيه بدنه، وهذا الذي سمَّاه ابنُ عباس الابتهال، فجعل المراتبَ ثلاثة: الإشارة بإصبعٍ واحدة، كما كان يفعل يوم الجمعة على المنبَر، والثانية: المسألة، وهو أن يجعل يديه حذو منكبيه، كما في أكثر الأحاديث، والثالث: الابتهال، وهو الذي ذكره أنس، ولهذا قال: " كان يرفع يديه حتى يُرى بياض إبطيه "١، وهذا الرفعُ إذا اشتدَّ كان بطون يديه مِمَّا يَلِي وجهه والأرض، وظهورُهما مما يلي السماء، ويؤيِّد هذا التأويل ما روى أبو داود في مراسيله من حديث أبي أيوب سليمان بن موسى الدِّمشقي ﵀ قال: " لَم يحفظ من رسول الله ﷺ أنَّه رفع يديه الرفع كلَّه إلاَّ في ثلاثة مواطن: الاستسقاء، والاستنصار، وعشية عرفة، ثمَّ كان بعدُ رفعاً دون رفع "٢. قال: وقد يكون أنسٌ أراد بالرفع على المنبر يوم الجمعة كما في مسلم وغيره: " أنَّه كان لا يزيد على أن يرفع إصبعه المسبِّحة "٣، قال: وفي هذه المسألة قولان هما وجهان في مذهب الإمام أحمد، يعني في رفع الخطيب يديه، قيل: يُستحب، قاله ابنُ عقيل، وقيل: لا بل يُكره، وهو أصح ". اهـ٤. وقال الحافظ ابنُ حجر في الجمع بين حديث أنس والأحاديث الأخرى الدالة على مشروعية الرفع في سائر الأدعية: " لكن جُمع بينه

стр. 478

وبين أحاديث الباب وما في معناها بأنَّ المنفيَّ صفةٌ خاصة لا أصل الرفع، فإنَّ الرفعَ في الاستسقاء يخالف غيرَه بالمبالغة إلى أن تصير اليدان في حذو الوجه مثلاً، وفي الدعاء إلى حذو المنكبين، ولا يُعكِّر على ذلك أنَّه ثبت في كلٍّ منهما: " حتى يُرى بياض إبطيه "، بل يُجمع بأن تكون رؤية البياض في الاستسقاء أبلغ منها في غيره، وإما أنَّ الكفين في الاستسقاء يليان الأرض وفي الدعاء يليان السماء، قال المنذري: وبتقدير تعذر الجمع فجانب الإثبات أرجح. قلت: [أي ابن حجر] : ولا سيما مع كثرة الأحاديث الواردة في ذلك ". اهـ١. وبِما تقدَّم يتبيَّن أنَّ الدعاءَ مشروعٌ فيه رفع اليدين سواء في الاستسقاء أو غيره، بل إنَّ الرفعَ من أسباب الإجابة، كما في الحديث: " إنَّ ربَّكم حيِّيٌ كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً "٢، أي خائبتين، لكن صفة الرفع في الاستسقاء الذي هو مقام شدَّة ورهب تكون بالمبالغة في الرفع والابتهال الشديد، وأما ما سواه فيكون الرفعُ إلى المنكبين أو نحوِهما، عملاً بجميع الأحاديث الواردة في الباب. وقد ثبت عن أنس بن مالك ﵁ في حديث آخر: " أنَّ النبيَّ ﷺ استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء "، رواه مسلم٣، وفي ذلك إشارةٌ إلى المبالغة في رفع اليدين في حال الجدب في الاستسقاء، ولذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " إنَّما هو لشدَّة الرفع

стр. 479

انحنت يدُه فصارت كفُّه مما يلي السماء لشدَّة الرفع، لا قصداً لذلك، كما جاء أنَّه رفعهما حذاء وجهه ". وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله: " رفع اليدين في الدعاء على ثلاثة أقسام: الق سم الأول: ما وردت به السنَّة، فهذا ظاهر أنَّه يُسَن فيه الرفع، مثل دعاء الاستسقاء، والدعاء على الصفا والمروة، وفي عرفة. والقسم الثاني: ما ورد فيه عدم الرفع مثل الدعاء في الصلاة، والتشهد الأخير. القسم الثالث: ما لَم يرِد فيه الرفع ولا عدم الرفع، فهذا الأصل فيه أنَّ من آداب الدعاء أن يرفع الإنسانُ يديه "١. ثمَّ إنَّ رفعَ اليدين في الدعاء فيه من التذلُّل والخضوع والانكسار والمسكنة وإظهار الحاجة والافتقار إلى الربِّ الكريم ما يكون سبباً لقبوله وإجابته، قال السفاريني ﵀: " قال العلماء: إنَّما شرع رفع اليدين في الدعاء لزيادة التذلل، فيجتمع للإنسان أحوالُ الضراعة في مقام العبودية، وأيضاً فإنَّ العبدَ ربما عجز عن إيقاظ قلبه من الغفلة، وله قدرة على حركة اليد واللسان فيهما، فكان ذلك وسليةً إلى خشوع القلب، وقد قالوا: حركات الظواهر توجب بركات السرائر، وهو نظير رفع السبابة في تشهد الصلاة، فيوحِّد الجنان ويترجم اللسان وتزكيه الأركان "٢.

стр. 480

٩١ ـ الدلائل والمعاني المستفادة من رفع اليدين لا يزال الحديث ماضياً في الكلام على رفع اليدين إلى الله حال الدعاء، ذالكم الأدب الرفيع من المخلوق الفقير المحتاج مع ربِّه الغنيِّ الجواد الكريم؛ حيث يُظهرُ المخلوقُ برفعه يديه احتياجَه لربِّه، وافتقارَه إليه، وذُلَّه، وخضوعَه وانكسارَه بين يدي ربِّه، وكلَّما عظمت حاجة المخلوق واشتدت رغبتُه وزاد إلحاحُه بالَغَ في رفعه يديه وزاد في مدِّهما إلى الله متذلِّلاً متوسِّلاً، ولهذا لَمَّا كان دعاءُ الاستسقاء فيه من الرغبةِ والإلحاح ما ليس في غيره كان رفعُ النبي ﷺ وإشارتُه فيه أعظمَ منه في غيره، وفي ذلك أعظمُ دلالة على توحيد الله وتعظيمه وتكبيره والإيمان بعلوِّه على خلقه وقيُّوميَّته، وغِناه الكامل عنهم وافتقارهم واحتياجهم إليه، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمْ الفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ ٢. ففي رفع اليدين إلى الله إقرار بقيوميّته الله جلَّ وعلا، وأنَّه قائم على كلِّ شيء، وقائم على كلِّ نفس، وأنَّه المدبِّر للأمور كلِّها، والمتصرِّف في الخلائق جميعهم، ومَن كان كذلك فهو المستحقُّ أن يُؤْلَه ويُعبد ويُصلّى له ويُسجد، وهو المستحقُّ نهاية الحبِّ مع نهاية الذُّلِّ لكمال أسمائه وصفاته وأفعاله، وهو المُطاع المعبود وحده على الحقيقة ﴿ذَلِكَ

стр. 481

بِأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ البَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ ١، فكلُّ عبودية لغيره باطلة وعَناء وضلال، وكلُّ محبَّة لغيره عذاب لصاحبها، وكلُّ غِنًى لغيره فقرٌ وضلالٌ، وكل عِزٍّ بغيره ذُلٌّ وصَغار، وكلُّ تكثُّر بغيره قلَّة وفاقة، فهو الذي انتهت إليه الرغبات، وتوجَّهت نحوه الطلبات، وأنزلت ببابه الحاجات ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ ٢. وفي مدِّ اليدين إلى الله إقرارٌ بأنَّ الله كريمٌ جوادٌ محسنٌ، يجيب الداعين ويُغيث الملهوفين ويُعطي السائلين، لا يتعاظمه ذنبٌ أن يغفره، ولا حاجةٌ يُسألها أن يُعطيها، لو أنَّ أهلَ سمواته وأهل أرضه إنسهم وجِنَّهم حيَّهم وميِّتَهم رطبهم ويابسهم قاموا في صعيد واحد فسألوه فأعطى كلَّ واحد منهم ما سألَه ما نقص ذلك مما عنده مثقال ذرة، وَسِعت رحمتُه كلَّ شيء، يمينه ملأى لا تُغيضُها نفقة، سحَّاء الليل والنهار، وفي الحديث: " إنَّ ربَّكم حيِّيٌ كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً "٣. وفي مدِّ اليدين إلى الله إقرارٌ بعلم الله، وإحاطته بخلقه، واطِّلاعه عليهم، وأنَّه لا تخفى عليه منهم خافية، لا يشغله سبحانه سمعٌ عن سمع، ولا تغلطه الأصوات على كثرتها واختلافها واجتماعها، بل هي عنده

стр. 482

كصوتٍ واحد، كما أنَّ خلْقَ الخَلقِ جَميعِهم وبعثَهم عنده بمنزلة نفسٍ واحدة، يرى دبيبَ النملة السوداء على الصخرة الصَمَّاء في ظلمة الليل، ويرى تفاصيل خلق الذرَّة الصغيرة، ومُخَّها وعروقَها ولحمَها وحركتها، ويرى مدَّ البعوضة جناحَها في الليل المظلم. وفي مدِّ اليدين إلى الله إقرارٌ بعلوِّه على خلقِه؛ ذلك أنَّ الذين يرفعون أيديهم إلى السماء وقتَ الدعاء تقصد قلوبهم الربَّ الذي هو فوق عباده، وتكون حركةُ جوارحهم بالإشارة إلى فوق تبَعاً لحركة قلوبهم إلى فوق، وهذا أمرٌ يجده كلُّ داعٍ وَجْداً ضروريًّا، إلاَّ مَن تغيَّرت فطرتُهم وانحرفت عقيدتُهم، وعلوُّ الله على خلقه قامت عليه الأدلة الكثيرة والبراهين العديدة، فدلَّ عليه الكتاب الكريم والسنة الثابتة وإجماع الأمة والعقل السليم والفِطر المستقيمة، حُكي عن أبي جعفر الهمداني: أنَّه حضر مجلسَ أبي المعالي الجويني ـ أحدِ علماء الكلام ـ فذكر العرشَ وقال: كان الله ولا عرش، ونحو ذلك، يريد بذلك أن يتوصَّل إلى إنكار علوِّ الله، فقال له الهمداني: يا شيخ، دَعْنا من ذلك، وأخبِرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، فإنَّه ما قال عارفٌ قطُّ يا الله إلاَّ وَجدَ في قلبه ضرورة لطلب العلوِّ، لا يلتفتُ يمنة ولا يسرة، فضرب أبو المعالي على رأسه، وقال: حيَّرني الهمداني. والهمداني ﵀ إنَّما بيَّن ما يقوم في قلب كلِّ داعٍ عندما يقول: يا الله، مِن حركة في قلبه ضروريةٍ إلى العلوِّ، وهذا يقتضي أنَّه مركوزٌ في الفِطر أنَّ اللهَ فوق عباده عليٌّ على خلقه.

стр. 483

وإذا أقرَّ العبدُ بذلك يصير لقلبه صَمَدٌ يتجه إليه مناجياً له، مُطرقاً واقفاً بين يديه وقوف العبد الذليل بين يدي الملك العزيز، فيشعرُ بأنَّ كلامَه وعملَه صاعدٌ إليه معروضٌ عليه، فيستحيي أن يصعد إليه من كلامه ما يُخزيه ويفضحه هناك، ويجتهد في قول الخير وفعل الخير لعلمِه بأنَّه سبحانه ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ١. ولهذا فإنَّه لا يُنكر علوَّ الله على خلقه إلاَّ ضُلال الناس وجهالهم مِمَّن تحوَّلت فطرُهم وانحرفت عقائدُهم وصدَّهم الشيطانُ عن سواء السبيل، وإلاَّ فكيف يصح من عاقل إنكارُ علوِّ الله مع كثرة الشواهد على ذلك وتنوُّعِ البراهين، مِن ذلك كما تقدَّم أنَّ المؤمنين جميعَهم عندما يدعون الله يرفعون أيديهم إلى الله ويمدُّونها نحوَه، وهذا إجماع منهم على علوِّ الله على خلقه. قال أبو الحسن الأشعري: " ورأينا المسلمين جميعاً يرفعون أيديهم إذا دعوا نحوَ العرش كما لا يحطُّونها إذا دعوا نحو الأرض ". وهذا الاحتجاجُ منه ﵀ احتجاجٌ بإجماع المسلمين على رفع أيديهم في الدعاء على أنَّ الله فوق سمواته عالٍ على خلقه؛ لأنَّهم إنَّما يرفعون إليه نفسه لا إلى غيره. ولهذا فإنَّ غالبَ النفاة لأَن يكون الله فوق العرش فيهم من الانحلال عن دعاء الله ومسألته وعبادته بقدر ما قام في قلوبهم من إنكارٍ لعلوِّ الله

стр. 484

على خلقه، إلاَّ مَن يكون منهم جاهلاً بحقيقة مذهبهم فيوافقهم بلسانه على قول لا يفهم حقيقته، وفطرتُه على الصحة والسلامة، فإذا استحوذ قولُهم على قلبه انحرفت فطرتُه وتغيَّرت١، فنحمد الله تعالى على السلامة من هذه الأهواء ونسأل الله رافعين أيدينا إليه الثباتَ على الحقِّ والعزيمة على الرشد، فإنَّه ﵎ نعم المجيب.

стр. 485

٩٢ ـ رفع الأيدي إلى الله من دلائل عُلُوِّه لقد كان الحديثُ فيما مضى عن دلالات رفع الأيدي في الدعاء إلى الله وما يتضمَّنه ذلك من الإقرار بتوحيد الله وتعظيمه، والإيمان بعلوِّه على خلقه، وغِناه الكامل عنهم، وافتقارهم إليه من جميع الوجوه، وقد مضى الإشارةُ إلى أنَّ هذا أمرٌ ـ أعني الإيمان بعُلُوِّه ـ يجده الناسُ في فطرهم صغيرُهم وكبيرُهم، عالِمهم وجاهلُهم. يقول الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتاب التوحيد: " وكما هو مفهوم في فطَر المسلمين علماؤهم وجهالهم، وأحرارهم ومماليكهم، وذكرانهم وإناثهم، بالِغيهم وأطفالهم، كلُّ من دعا الله ـ جلَّ وعلاَ ـ فإنَّما يرفع رأسه إلى السماء ويمدُّ يديه إلى الله تعالى إلى أعلاه لا إلى الأسفل "١. ويقول الإمام أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة ﵀: " ولو أنَّ هؤلاء ـ أي من ينكرون علوَّ الله ـ رجعوا إلى فطرهم وما ركبت عليه خلقتهم من معرفة الخالق سبحانه، لَعلموا أنَّ الله تعالى هو العلي وهو الأعلى، والأيدي ترفع بالدعاء إليه، والأممُ كلّها عربُها وعجمُها تقول إنَّ الله في السماء ما تركت على فطرها "٢. اهـ. فالإيمان بعلوّ الله على خلقه مستقرٌّ في الفطر السليمة، ثابتٌ في

стр. 486

نصوص الكتاب والسنّة، متقرّرٌ في العقول القويمة، مجمعٌ عليه بين علماء الأمّة، ولذا كان توجّهُ الناس عند الدعاء بقلوبهم وإشارتهم ورفع أيديهم إنَّما يكون إلى العلوّ لا إلى جهة أخرى، وهذا أمرٌ فطريٌّ ضروريٌّ عقلي، يجده كلُّ داع في قلبه، فالقلب عند التوجه والسؤال والدعاء والابتهال والمناجاة له وِجهة واحدة يقصدها ويتَّجِه إليها هي إلى الله في علوِّه، لا يتّجه إلى يمين أو شمال أو أسفل أو نحو ذلك، وإنَّما يتجه إلى العلوّ، وهذا أمرٌ ضروري لا ينفك منه القلب إلاَّ إذا فسد وانتكس وأظلم وتحول عن الفطرة. ولهذا ترى في أحوال الداعين والذاكرين أنَّه يحصل من بعضهم حركة في جوارحهم اضطراراً إلى فوق إلى جهة العلو، وذلك تبعاً لحركة قلوبهم بالإشارة أو الإصبع أو العين أو الرأس أو غير ذلك من الإشارات الحسية، وهذا أمرٌ قد تواترت به السنن عن النبي ﷺ واتفق عليه المسلمون، ولذا تراهم يقولون بألسنتهم ارفعوا أيديكم إلى الله ونحو ذلك من العبارات، وهذا إخبار منهم عن أنفسهم أنَّهم يقصدون الإشارة إلى الله ورفع الأيدي إليه . وقد تواتر من هديِ النَّبِيِّ ﷺ رفعُ الأيدي إلى الله في الدعاء، والإشارةُ بالسبابة من اليد اليمنى يدعو بها في خطبة الجمعة وفي التشهد في الصلاة، ورفعُ البصر إلى السماء، والإشارةُ بالإصبع إلى السماء ونحوُ ذلك. أما رفعه يديه في الدعاء فهو ثابتٌ في أحاديث كثيرة جداً، وقد مضى معنا ذكرُ جملةٍ منها.

стр. 487

وأمّا إشارتُه بالسبابة من اليد اليمنى يدعو بها في خطبة الجمعة فهو ثابتٌ فيما رواه حصين بن عبد الرحمن قال: " رأى عمارة بن رؤيبة بشرَ بن مروان وهو يدعو في يوم الجمعة فقال عمارة: قبّح الله هاتين اليدين، لقد رأيتُ رسول الله ﷺ وهو على المنبر ما يزيد على هذه ـ يعني السبابة ـ "، وفي رواية " رأيتُ رسول الله ﷺ وهو على المنبر يخطب إذا دعا يقول هكذا فرفع السبابة وحدها "١. وأمَّا إشارتُه بالسبابة من اليد اليمنى يدعو بها في التشهد فثابتٌ فيما رواه ابن عمر ﵄ قال: " كان رسول الله ﷺ إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه، ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها، ويده اليسرى على ركبته باسطها عليها "، وفي رواية " كان إذا جلس في الصلاة وضع كفَّه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلَّها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفَّه اليسرى على فخذه اليسرى "، رواهما مسلم، وأحمد، وغيرُهما٢. وفي الباب أحاديث عديدة. وأمَّا رفعُه بصرَه إلى السماء فيقول الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ ٣، قال ابن عباس ﵄: " كان أوّل ما نُسخ من القرآن القبلة، وذلك أنَّ رسول الله ﷺ

стр. 488

َمَّا هاجر إلى المدينة وكان أكثر أهلها اليهود، فأمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهراً، وكان يحب قبلة إبراهيم، فكان يدعو إلى الله وينظر إلى السماء، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ إلى آخر الآية. وفي صحيح البخاري عن عكرمة عن ابن عباس ﵄: " أنَّ رسول الله ﷺ خطب الناسَ يوم النحر، وقال: " يا أيها الناس أيُّ يوم هذا؟ قالوا: هذا يوم حرام، قال: فأيُّ بلدٍ هذا؟ قالوا: بلدٌ حرام، قال: فأيُّ شهرٍ هذا؟ قالوا: شهرٌ حرام، قال: فإنَّ دماءَكم وأموالَكم وأعراضَكم عليكم حرامٌ كحُرمَةِ يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا ـ فأعادها مراراً ثمَّ رفع رأسه ـ فقال: اللَّهمَّ هل بلَّغت، اللَّهمَّ هل بلّغت "١. وأمَّا إشارتُه بإصبعه إلى السماء فقد ثبت في حديث جابر بن عبد الله في ذكر حجة الوداع، وفيه أنَّ رسول الله ﷺ قال في خطبته يوم عرفة: ألا هل بلّغت؟ فقالوا: نعم، فجعل يرفع إصبعه إلى السماء وينكتها إليهم ويقول: اللَّهمَّ اشهد ـ ثلاث مرّات ـ "، أخرجه مسلم في صحيحه٢. والنصوص في هذا المعنى العظيمِ كثيرةٌ، وهي دالَّةٌ دلالةً ظاهرةً على علوِّ الله جلَّ وعلا وفوقيته، وأنَّه ﵎ الكبيرُ المتعال، ولهذا

стр. 489

تقصده القلوبُ، وتصمدُ إليه الخلائق، ويرفعون أكفّهم إليه عند دعائهم وسؤالهم، ويشيرون إليه في علوِّه بأصابعهم موحِّدين له مقرِّين بعظمته، خلافاً للمنكرين لعلوِّ الله من أهل الضلال والباطل، فإنَّ هؤلاء في الحقيقة ينكرون حقيقة كونه أحداً صمداً، ويجحدون حقيقةَ دعائِه وصدق التوجه إليه، ويسوغون الإشراك به، ويعطِّلون صفاتِ كماله، والله المستعان، وهو الهادي وحده إلى سواء السبيل.

стр. 490

٩٣ ـ الأخطاء المتعلِّقة برفع اليدين لا يزال حديثُنا عن رفع الأيدي في الدعاء، وقد سبق الكلامُ على فائدة ذلك وأهميته في الدعاء، وأنَّه سببٌ من أسباب قبوله؛ لِمَا في ذلك من إظهار الافتقار والاستكانة والحاجة إلى الربِّ الكريم، حيث يمدُّ العبدُ يديه إليه مستطعماً، سائلاً، متذلِّلاً، والله جلَّ وعلا لا يردُّ يدين مُدَّت إليه صفراً خائبتين. وإنَّ مِمَّا يجب على المسلم أن يعتني به في هذا الباب الحرصَ على معرفة هدي النبي ﷺ في ذلك، وترسُّمَ خطاه، ولزومَ منهجه، والبعدَ عما أحدثه الناس من صفاتٍ في الرفع وهيئات، وحركات لَم تثبت عن خير الأمة وأكملهم دعاءً وطاعةً لله رسول الله ﷺ ، وقد ثبت في الحديث عن النبي ﷺ أنَّه قال: " إذا سألتم اللهَ فاسألوه ببطون أكفِّكم، ولا تسألوه بظهورها "١، وجاء عن ابن عباس ﵄ موقوفاً ومرفوعاً " المسألةُ أن ترفع يديك حذوَ منكبيك، أو نحوهما، والاستغفارُ أن تشير بأصبع واحدة، والابتهال أن تمدَّ يديك جميعاً "٢، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في التعليق على هذا الحديث: " فجعل المراتبَ ثلاثة: الإشارة بأصبع واحدة كما كان يفعل يوم الجمعة على المنبر، والثانية: المسألة، وهو أن يجعل يديه حذو منكبيه

стр. 491

كما في أكثر الأحاديث، والثالثة: الابتهال "١. اهـ. فعلى المسلم أن ينظر إلى الثابت عن النبي ﷺ في ذلك فيلتزمُه ويتقيّدُ به، فهديُه ﷺ خير الهدي، وليحذر المسلم من تكلّفات الناس وتجاوزاتهم في هذا الباب، فقد كان السلف ﵏ يحذرون من جعلِ صفة من الصفات المأثورة في غير موضعها المشروع، كمن يرفع يديه في الدعاء وهو على المنبر يوم الجمعة في غير الاستسقاء، مع أنَّ رفع اليدين في الدعاء مشروعٌ في غير هذا الموطن. روى مسلم في صحيحه عن عمارة بن رؤيبة أنَّه رأى بشرَ بن مروان على المنبر رافعاً يديه، فقال: " قبّح الله هاتين اليدين، لقد رأيتُ رسول الله ﷺ ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بإصبعه المس بِّحة "٢، فكيف بمن يخترع في الرفع صفات لا أساس لها أو حركات لا أصل لها، ومن يتأمّل أحوالَ الداعين يرى منهم عجباً في هذا الباب٣. ومن ذلك أنَّ بعض الداعين ينزل في رفعه يديه مفرّقتين أو مجموعتين إلى ما تحت السرّة أو إلى السرَّة، ولا يخفى ما في ذلك من عدم المبالاة، وقلّة الاهتمام بهذا الأمر العظيم. ومنهم من يجعل يديه عندما يرفعهما مفرّقتين، رؤوسُ الأصابع إلى القبلة والإبهامان إلى السماء، ولا يخفى ما في ذلك من المخالفة لقول

стр. 492

النبي ﷺ في الحديث المتقدم " إذا سألتم اللهَ فاسألوه ببطون أكفِّكم ". ومنهم من يقلّب يديه إذا رفعهما في الدعاء إلى جهات عديدة أو يقوم بهزّهما أو يحركهما حركات متنوّعة. ومنهم من إذا دعا أو قبل أن يدعو يمسح إحدى اليدين بالأخرى أو ينفض يديه ونحو ذلك، ومنهم من يُقبِّلُ يديه بعد رفعهما للدعاء، وهذا لا أصل له. ومنهم من إذا دعا مسح وجهه بيديه بعد الدعاء، وهذا ورد فيه بعض الأحاديث إلاَّ أنَّها لا تثبت عن النبي ﷺ ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وأمّا رفع النبي ﷺ يديه في الدعاء فقد جاء فيه أحاديث كثيرةٌ صحيحةٌ، وأمّا مسحه وجهه بيديه فليس عنه فيه إلاَّ حديثٌ أو حديثان لا يقوم بهما حجة "١. ومن الهيئات المحدَثة في رفع اليدين تقبيل الإبهامين ووضعُهما على العينين عند ذكر اسم النبي ﷺ في الأذان أو غيره، وقد روي في ذلك حديثٌ باطلٌ لا يصح عن

стр. 493

النبي ﷺ ، ولفظه: " من قال حين يسمع أشهد أنَّ محمداً رسول الله: مرحباً بحبيبي وقرة عيني محمد بن عبد الله ثمَّ يُقبِّل إبهامَه ويجعلهما على عينيه لَم يعمَ ولم يرمد أبداً "، وقد نصَّ غيرُ واحدٍ من أهل العلم على أنَّ هذا الحديث باطلٌ لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم١، ومن خزعبلات المتصوِّفة أنَّ بعضهم ينسب ذلك لقول الخضر عليه السلام٢. ومن الأمور المحدثة في ذلك ما يفعله بعضهم حيث يجمع أصابع يده اليمنى ويجعلها على عينه اليمنى وأصابع يديه اليسرى على عينه اليسرى ثمَّ يُهَمْهِم بالقراءة أو الدعاء. ومن الأمور التي تُفعل ولم تثبت أنَّ بعضَهم يجعلُ يدَه اليمنى على رأسه عقب السلام من الصلاة يدعو، ويستنِدون في ذلك إلى ما يُروى عن أنس بن مالك ﵁ أنَّه قال: " كان رسول الله ﷺ إذا قضى صلاتَه مسح جبهته بيده اليُمنى ويقول: بسم الله الذي لا إله إلاَّ هو الرحمن الرحيم، اللَّهمَّ أذهب عنّي الغمَّ والحزن "، رواه الطبراني في الأوسط والبزار، وهو حديث لَم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم٣، ومِن الأخطاء في هذا الباب أنَّ بعضَ المصلِّين قد يشير بالسبَّابتين في التشهد، وقد ثبت في الحديث: " أنَّ النبيَّ ﷺ مرَّ على إنسان يدعو وهو يشير بأصبعيه السبابتين فقال رسول الله ﷺ : أَحِّد أحِّد "، رواه الترمذي٤. ومن المخالفات في هذا الباب أنَّ بعضَ الدَّاعين قد يُخصِّص أوقاتاً يرفع فيها يديه بالدعاء دون مستند شرعي لذلك التخصيص كمن يرفع

стр. 494

يديه بعد إقامة الصلاة وقبل تكبيرة الإحرام، وكرفع اليدين عقب السلام من الصلاة المفروضة جماعياً أو كلٌّ بمفرده، قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀: " لَم يصح عن النبي ﷺ أنَّه كان يرفع يديه بعد صلاة الفريضة، ولم يصح ذلك أيضاً عن أصحابه ﵃ فيما نعلم، وما يفعله بعضُ الناس من رفع أيديهم بعد صلاة الفريضة بدعةٌ لا أصل لها "١. ومِن ذلك أيضاً رفع الأيدي بالدعاء بعد سجود التلاوة، وكذلك رفعهما عند رؤية الهلال ونحو ذلك. والحاصل أنَّ المواضعَ التي وُجدت في عهد النبي ﷺ ولم يثبت أنَّ النبي ﷺ رفع فيها يديه لا يجوز الرفع فيها؛ لأنَّ فعلَه سنةٌ، وتركَه سنةٌ، وهو ﷺ الأسوةُ الحسنة فيما يأتي ويذر٢، والواجب التقيُّد بما جاء عنه ﷺ وترك ما سوى ذلك.

стр. 495

إستقبال الداعي الى القبلة ... ٩٤ ـ استقبال الداعي القبلة إنَّ من آداب الدعاء أن يستقبلَ الداعي القبلةَ وقت دعائه، ذلك أنَّ القبلةَ هي الجهة الفاضلة التي أُمر المسلمون بالاتّجاه إليها في عبادتهم، فكما أنَّها قبلةٌ للمسلمين في الصلاة فهي قبلةٌ لهم في الدعاء، وقد ثبت استقبالُ النبي ﷺ للقبلة عند دعائه في أحاديث عديدة. من ذلك ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: " استقبل النبي ﷺ الكعبةَ فدعا على نفر من قريش، على شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عقبة، وأبي جهل بن هشام، فأشهد بالله لقد رأيتهم صرعى قد غيّرتهم الشمس وكان يوماً حاراًّ "١. وخرّج مسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: " لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألفٌ، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً فاستقبل نبيُّ الله ﷺ القبلةَ ثمَّ مدَّ يديه، فجعل يهتف بربِّه: اللَّهمَّ أنجز لي ما وعدتني، اللَّهمَّ آتِ ما وعدتني، اللَّهمَّ إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض، فما زال يهتف بربِّه ماداًّ يديه مستقبلَ القبلة حتى سقط رداؤُه عن منكبيه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءَه فألقاه على منكبيه ثمَّ التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتُك ربَّك، فإنَّه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي
следующие страницы →