← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12048

فقه الأدعية والأذكار

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

Полный текст (885 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

كما في أكثر الأحاديث، والثالثة: الابتهال "١. اهـ. فعلى المسلم أن ينظر إلى الثابت عن النبي ﷺ في ذلك فيلتزمُه ويتقيّدُ به، فهديُه ﷺ خير الهدي، وليحذر المسلم من تكلّفات الناس وتجاوزاتهم في هذا الباب، فقد كان السلف ﵏ يحذرون من جعلِ صفة من الصفات المأثورة في غير موضعها المشروع، كمن يرفع يديه في الدعاء وهو على المنبر يوم الجمعة في غير الاستسقاء، مع أنَّ رفع اليدين في الدعاء مشروعٌ في غير هذا الموطن. روى مسلم في صحيحه عن عمارة بن رؤيبة أنَّه رأى بشرَ بن مروان على المنبر رافعاً يديه، فقال: " قبّح الله هاتين اليدين، لقد رأيتُ رسول الله ﷺ ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بإصبعه المس بِّحة "٢، فكيف بمن يخترع في الرفع صفات لا أساس لها أو حركات لا أصل لها، ومن يتأمّل أحوالَ الداعين يرى منهم عجباً في هذا الباب٣. ومن ذلك أنَّ بعض الداعين ينزل في رفعه يديه مفرّقتين أو مجموعتين إلى ما تحت السرّة أو إلى السرَّة، ولا يخفى ما في ذلك من عدم المبالاة، وقلّة الاهتمام بهذا الأمر العظيم. ومنهم من يجعل يديه عندما يرفعهما مفرّقتين، رؤوسُ الأصابع إلى القبلة والإبهامان إلى السماء، ولا يخفى ما في ذلك من المخالفة لقول

стр. 492

النبي ﷺ في الحديث المتقدم " إذا سألتم اللهَ فاسألوه ببطون أكفِّكم ". ومنهم من يقلّب يديه إذا رفعهما في الدعاء إلى جهات عديدة أو يقوم بهزّهما أو يحركهما حركات متنوّعة. ومنهم من إذا دعا أو قبل أن يدعو يمسح إحدى اليدين بالأخرى أو ينفض يديه ونحو ذلك، ومنهم من يُقبِّلُ يديه بعد رفعهما للدعاء، وهذا لا أصل له. ومنهم من إذا دعا مسح وجهه بيديه بعد الدعاء، وهذا ورد فيه بعض الأحاديث إلاَّ أنَّها لا تثبت عن النبي ﷺ ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وأمّا رفع النبي ﷺ يديه في الدعاء فقد جاء فيه أحاديث كثيرةٌ صحيحةٌ، وأمّا مسحه وجهه بيديه فليس عنه فيه إلاَّ حديثٌ أو حديثان لا يقوم بهما حجة "١. ومن الهيئات المحدَثة في رفع اليدين تقبيل الإبهامين ووضعُهما على العينين عند ذكر اسم النبي ﷺ في الأذان أو غيره، وقد روي في ذلك حديثٌ باطلٌ لا يصح عن

стр. 493

النبي ﷺ ، ولفظه: " من قال حين يسمع أشهد أنَّ محمداً رسول الله: مرحباً بحبيبي وقرة عيني محمد بن عبد الله ثمَّ يُقبِّل إبهامَه ويجعلهما على عينيه لَم يعمَ ولم يرمد أبداً "، وقد نصَّ غيرُ واحدٍ من أهل العلم على أنَّ هذا الحديث باطلٌ لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم١، ومن خزعبلات المتصوِّفة أنَّ بعضهم ينسب ذلك لقول الخضر عليه السلام٢. ومن الأمور المحدثة في ذلك ما يفعله بعضهم حيث يجمع أصابع يده اليمنى ويجعلها على عينه اليمنى وأصابع يديه اليسرى على عينه اليسرى ثمَّ يُهَمْهِم بالقراءة أو الدعاء. ومن الأمور التي تُفعل ولم تثبت أنَّ بعضَهم يجعلُ يدَه اليمنى على رأسه عقب السلام من الصلاة يدعو، ويستنِدون في ذلك إلى ما يُروى عن أنس بن مالك ﵁ أنَّه قال: " كان رسول الله ﷺ إذا قضى صلاتَه مسح جبهته بيده اليُمنى ويقول: بسم الله الذي لا إله إلاَّ هو الرحمن الرحيم، اللَّهمَّ أذهب عنّي الغمَّ والحزن "، رواه الطبراني في الأوسط والبزار، وهو حديث لَم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم٣، ومِن الأخطاء في هذا الباب أنَّ بعضَ المصلِّين قد يشير بالسبَّابتين في التشهد، وقد ثبت في الحديث: " أنَّ النبيَّ ﷺ مرَّ على إنسان يدعو وهو يشير بأصبعيه السبابتين فقال رسول الله ﷺ : أَحِّد أحِّد "، رواه الترمذي٤. ومن المخالفات في هذا الباب أنَّ بعضَ الدَّاعين قد يُخصِّص أوقاتاً يرفع فيها يديه بالدعاء دون مستند شرعي لذلك التخصيص كمن يرفع

стр. 494

يديه بعد إقامة الصلاة وقبل تكبيرة الإحرام، وكرفع اليدين عقب السلام من الصلاة المفروضة جماعياً أو كلٌّ بمفرده، قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀: " لَم يصح عن النبي ﷺ أنَّه كان يرفع يديه بعد صلاة الفريضة، ولم يصح ذلك أيضاً عن أصحابه ﵃ فيما نعلم، وما يفعله بعضُ الناس من رفع أيديهم بعد صلاة الفريضة بدعةٌ لا أصل لها "١. ومِن ذلك أيضاً رفع الأيدي بالدعاء بعد سجود التلاوة، وكذلك رفعهما عند رؤية الهلال ونحو ذلك. والحاصل أنَّ المواضعَ التي وُجدت في عهد النبي ﷺ ولم يثبت أنَّ النبي ﷺ رفع فيها يديه لا يجوز الرفع فيها؛ لأنَّ فعلَه سنةٌ، وتركَه سنةٌ، وهو ﷺ الأسوةُ الحسنة فيما يأتي ويذر٢، والواجب التقيُّد بما جاء عنه ﷺ وترك ما سوى ذلك.

стр. 495

إستقبال الداعي الى القبلة ... ٩٤ ـ استقبال الداعي القبلة إنَّ من آداب الدعاء أن يستقبلَ الداعي القبلةَ وقت دعائه، ذلك أنَّ القبلةَ هي الجهة الفاضلة التي أُمر المسلمون بالاتّجاه إليها في عبادتهم، فكما أنَّها قبلةٌ للمسلمين في الصلاة فهي قبلةٌ لهم في الدعاء، وقد ثبت استقبالُ النبي ﷺ للقبلة عند دعائه في أحاديث عديدة. من ذلك ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: " استقبل النبي ﷺ الكعبةَ فدعا على نفر من قريش، على شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عقبة، وأبي جهل بن هشام، فأشهد بالله لقد رأيتهم صرعى قد غيّرتهم الشمس وكان يوماً حاراًّ "١. وخرّج مسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: " لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألفٌ، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً فاستقبل نبيُّ الله ﷺ القبلةَ ثمَّ مدَّ يديه، فجعل يهتف بربِّه: اللَّهمَّ أنجز لي ما وعدتني، اللَّهمَّ آتِ ما وعدتني، اللَّهمَّ إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض، فما زال يهتف بربِّه ماداًّ يديه مستقبلَ القبلة حتى سقط رداؤُه عن منكبيه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءَه فألقاه على منكبيه ثمَّ التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتُك ربَّك، فإنَّه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي

стр. 496

مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ المَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ ١ فأمدَّه الله بالملائكة "٢. وخرّج البخاري ومسلم عن عبد الله بن زيد قال: " خرج النبيُّ ﷺ إلى هذا المصلَّى يستسقي فدعا واستسقى ثمَّ استقبل القبلة وقلب رداءَه "٣. وثبت كذلك استقبالُ القبلة في الدعاء في الحج على الصفا والمروة وفي عرفة وعند المشعر الحرام وعند الجمرة الأولى والثانية، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وهي تدلُّ على مشروعية استقبال القبلة وقت الدعاء، وأنَّ ذلك أفضلُ وأكملُ للداعي، على أنَّ ذلك ليس لازماً ولا واجباً في الدعاءِ؛ لأنَّ النبي ﷺ ثبت عنه أنَّه دعا وهو غير مستقبل القبلة، وقد عقد الإمام البخاري في كتاب الدعوات من صحيحه باباً بعنوان " الدعاء غير مستقبل القبلة "، وخرّج فيه حديث أنس بن مالك ﵁ قال: " بينا النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة فقام رجلٌ فقال: يا رسول الله ادع اللهَ أن يسقينا، فتغيّمت السماء ومطرنا حتى ما كاد الرجلُ يَصِل إلى منزله، فلم تزل تمطر إلى الجمعة المقبلة، فقام ذلك الرجل أو غيرُه فقال: ادع اللهَ أن يصرفه عنّا، فقد غرقنا، فقال: اللَّهمَّ حوالَينا ولا علَينا، فجعل السّحابُ يتقطّع حول المدينة ولا يمطرُ أهلَ المدينة "٤، ومعلومٌ أنَّ الخطيب وقت الخطبة يكون معطياً القبلة ظهره، فهذا فيه دلالة على أنَّ استقبال القبلة ليس شرطاً في الدعاء، لكنَّه هو

стр. 497

الأولى والأكمل، قال شيخ الإسلام: " ولهذا كان النبي ﷺ إذا اجتهد في الدعاء يستقبلها كما فعله في أثناء الاستسقاء الذي رفع فيه يديه رفعاً تاماًّ، فعن عباد بن تميم عن عمّه: " أنَّ رسول الله ﷺ خرج بالناس يستسقي، فصلّى بهم ركعتين جهر بالقراءة فيهما وحوّل رداءه، ورفع يديه فدعى واستسقى واستقبل القبلة " ١، رواه الجماعة أهل الصحاح والسنن والمسانيد، كالبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم، فأخبر أنَّه استقبل القبلةَ التي هي قبلة الصلاة في أثناء دعاء الاستسقاء "٢. وقال ﵀: " إنَّ المسلمين مجمعون على أنَّ القبلة التي يُشرع للداعي استقبالها حين الدعاء هي القبلة التي شرع استقبالها حين الصلاة، فكذلك هي التي شرع استقبالها حين ذكر الله كما تستقبل بعرفة والمزدلفة وعلى الصفا والمروة، وكما يستحب لكلِّ ذاكرٍ لله وداعٍ أن يستقبل القبلةَ كما ثبت عن النبي ﷺ أنَّه كان قد يقصد أن يستقبل القبلة حين الدعاء، كذلك هي التي يشرع استقبالها بتوجه الميِّت إليها، وتوجيه النسائك والذبائح إليها، وهي التي يُنهى عن استقبالها بالبول والغائط، فليس للمسلمين بل ولا لغيرهم قبلتان أصلاً في العبادات التي هي من جنسين كالصلاة والنسك فضلاً عن العبادات التي هي من جنس واحد وبعضها متصلٌ ببعض، فإنَّ الصلاةَ فيها الدعاء في الفاتحة وغيرها، والدعاء نفسه هو الصلاة، قد سمّاه الله في كتابه صلاةً

стр. 498

حيث قال: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ ١، وفي الصحيح عن عبد الله بن أبي أوفى " أنَّ النبي ﷺ كان إذا أتاه قومٌ بصدقتهم صلّى عليهم، وإنَّ أبي أتاه بصدقةٍ فقال: اللَّهمَّ صلِّ على آل أبي أوفى "٢، وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٣، وقد علّم النبي ﷺ أمَّتَه الصلاةَ عليه في غير حديث في الصحاح وغيرها، وفي جميعها إنَّما يعلّمها الدعاء له بصلاة الله وبركاته ... " إلى آخر كلامه رحمه الله٤. وقد ذكر ذلك في سياق ردِّه على مَن ينكر علوَّ الله كالجهمية ومَن تأثَّر بهم مِن أهل الأهواء حيث يزعمون أنَّ رفعَ الأيدي في الدعاء إلى العلوِّ إنَّما يُشرع لأنَّ السماءَ قبلةُ الدعاء كما أنَّ الكعبة قبلةُ الصلاة، فجعلوا بذلك قبلتين للمسلمين قبلةً للدعاء وهي السماء، وقبلةً للصلاة وهي الكعبة، وقد ألجأهم إلى هذا التقرير الفاسد إنكارُهم لعلوِّ الربِّ ﵎ على خلقه، وتعسُّفُهم في حمل النصوص الكثيرة الدالّة على علوِّ الله على غير وجهها ومرادها بأنواعٍ من التأويلات، وصنوفٍ من التحريفات التي هي في الحقيقة نوعٌ من الإلحاد في آيات الله وأسمائه وصفاته، والله يقول: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٥، ويقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ

стр. 499

٩٥ ـ من آداب الدعاء إنَّ من ضوابط الدعاء المهمة وآدابه العظيمة أن يقدِّم المسلم بين يدي دعائه الثناءَ على ربِّه بما هو أهلُه من نعوت الجلال، وصفات العظمة والكمال، وذكر جوده وفضله وكرَمه وعظيم إنعامه، وذلك أنَّه أبلغُ ما يكون في حال السائل والطالب ثناؤُه على ربِّه، وحمدُه له، وتمجيدُه، وذكرُ نعمه وآلائه، وجعل ذلك كلِّه بين يدي مسألته وسيلةً للقبول ومفتاحاً للإجابة. ومَن يتأمّل الأدعيةَ الواردة في الكتاب والسنة يجد كثيراً منها مبدوءاً بالثناء على الله وعدِّ نِعمه وآلائه، والاعتراف بفضله وجوده وعطائه، ومن الأمثلة على ذلك الدعاءُ العظيم الذي اشتملت عليه سورة الفاتحة التي هي أعظم سور القرآن الكريم وأجلُّها لاشتمالها على أجلِّ المطالب العالية، وأعلى المقاصد الجليلة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ولهذا كان أنفعُ الدعاء وأعظمُه وأحكمُه دعاءَ الفاتحة ﴿اهْدِنَا الصَّرَاطَ المُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ ، فإنَّه إذا هداه هذا الصراط أعانه على طاعته وترك معصيته فلم يصبه شرٌّ لا في الدنيا ولا في الآخرة "١.اهـ فهذا الدعاءُ العظيم مبدوءٌ بالثناء على الله وحمده وتمجيده، مما هو سببٌ لقبوله، ومفتاحٌ لإجابته، يوضِّح ذلك ويبيِّنُه ما رواه مسلم

стр. 500

في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " قال الله تعالى: قَسَمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبدُ ﴿الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال الله تعالى: مجّدني عبدي، وقال مرّة: فوّض إليّ عبدي، فإذا قال ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذه بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال ﴿اهْدِنَا الصَّرَاطَ المُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل "١. فعلّم سبحانه عباده في هذه السورةِ العظيمةِ كيف يدعونه ويسألونه ويتوسّلون إليه، قال ابن القيم ﵀: " ولما كان سؤال الله الهدايةَ إلى الصراط المستقيم أجلَّ المطالب ونيلُه أشرفَ المواهب، علّم الله عبادَه كيفيةَ سؤاله، وأمرهم أن يقدِّموا بين يديه حمدَه والثناء عليه وتمجيدَه، ثمَّ ذكر عبوديتهم وتوحيدهم، فهاتان وسيلتان إلى مطلوبهم، توسلٌ إليه بأسمائه وصفاته وتوسلٌ إليه بعبوديته، وهاتان الوسيلتان لا يكاد يُردُّ معهما الدعاء ... إلى أن قال ﵀: وقد جَمعت الفاتحة الوسيلتين، وهما التوسلُ بالحمد والثناء عليه وتمجيده، والتوسلُ إليه بعبوديته وتوحيده، ثمَّ جاء سؤال أهم المطالب وأنجح الرغائب وهو الهداية بعد الوسيلتين، فالداعي به حقيقٌ بالإجابة.

стр. 501

ونظير هذا دعاء النبي ﷺ الذي كان يدعو به إذا قام يصلي من الليل، رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ " اللَّهمَّ لك الحمد أنت نورُ السموات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمدُ أنت قيُّوم السموات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمد أنت الحقُّ، ووعدُك حقٌّ، ولقاؤُك حقٌّ، والجنّةُ حقٌّ، والنار حقٌّ، والنبيّون حق، والساعةُ حق، ومحمد ﷺ حق، اللَّهمَّ لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، أنت إلَهي لا إله إلاَّ أنت "١، فذكر التوسل إليه بحمده والثناء عليه وبعبوديته له ثمَّ سأله المغفرة "٢.اهـ. قال الحافظ ابن حجر ﵀ في شرحه لهذا الحديث: " وفيه استحبابُ تقديم الثناء على المسألة عند كلِّ مطلوب اقتداءً به ﷺ "٣. ومن الأمثلة على ذلك دعاء يوسف ﵇: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيث فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ ٤، ودعاء أيوب ﵇، قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَذِكْرَى

стр. 502

لِلعَابِدِينَ﴾ ١، ودعاءُ أولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعوداً وعلى جنوبهم، ويتفكرون في خلق السموات والأرض ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ٢، ودعاءُ الملائكة ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهْمْ عَذَابَ الجَحِيمِ﴾ ٣، والأمثلة على ذلك كثيرةٌ جداًّ، يطول عدُّها، فينبغي على المسلم أن يحافظ على هذا الأدب الرفيع عند سؤاله له سبحانه بأن يُثْنِيَ عليه ويَحمده ويمجّده، ويعترف بفضله وإنعامه، ثمَّ يسأله بعد ذلك ما يشاء من خَيْرَي الدنيا والآخرة. كما ينبغي للمسلم أيضاً بين يدي دعائه أن يصلي على صفيِّ الله وخليله وعبده ورسوله نبيِّنا محمد ﷺ ، وقد جاء الحثُّ على ذلك في أحاديث عديدة منها: حديث فَضالة بن عبيد ﵁ قال: " سمع النبي ﷺ رجلاً يدعو في صلاته فلم يصلِّ على النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : عجل هذا، ثمَّ دعاه فقال له ولغيره: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه ثمَّ ليصلِّ على النبي ﷺ ثمَّ ليدع بعد بما شاء "٤. ولهذا ثلاث مراتب: أحدها: أن يصلي على النبي ﷺ قبل الدعاء، وبعد حمد الله تعالى.

стр. 503

والمرتبة الثانية: أن يصلي عليه في أول الدعاء وأوسطه وآخره. والمرتبة الثالثة: أن يصلي عليه في أوله وآخره ويجعل حاجته متوسطة بينهما. والصلاة على النبي ﷺ للدعاء مثل المفتاح، قال ابن القيم ﵀: " فمفتاح الدعاء الصلاة على النبي ﷺ كما أنَّ مفتاح الصلاة الطهور ". ثمَّ نقل عن أحمد بن أبي الحوراء قال: سمعت أبا سليمان الداراني يقول " من أراد أن يسأل الله حاجته فليبدأ بالصلاة على النبي ﷺ وليسأل حاجته، وليختم بالصلاة على النبي ﷺ ، فإنَّ الصلاةَ على النبي ﷺ مقبولةٌ، والله أكرمُ أن يردَّ ما بينهما "١.

стр. 504

٩٦ ـ من آداب الدعاء مِمَّا ينبغي للمسلم تجنُّبُه في دعائه تكلُّفُ السجع في الدعاء، وتكلُّفُ صنعة الكلام له، قال الإمام البخاري ﵀ في كتاب الدعوات من صحيحه: " بابُ ما يُكره من السجع في الدعاء "، ثمَّ ساق بسنده إلى عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: " حَدِّث الناس كلَّ جُمُعة مرّة، فإن أبيتَ فمرّتين، فإن أكثرت فثلاث مرّات، ولا تُملَّ الناس هذا القرآن، ولا ألفينَّك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم فتقصُّ عليهم فتقطع عليهم حديثهم فتملّهم، ولكن أنصت، فإذا أمروك فحدّثهم وهم يشتهونه، فانظر السَّجعَ من الدعاء فاجتنبه، فإنِّي عهدتُ رسولَ الله ﷺ وأصحابَه لا يفعلون إلاَّ ذلك ـ يعني لا يفعلون إلاَّ ذلك الاجتناب ـ "١. والسَّجعُ هو الكلام المقفّى من غير مراعاة وزن، وتكلّف ذلك في الدعاء أمرٌ مكروهٌ لَم يكن عليه النبي ﷺ ، ولا أحدٌ من أصحابه، ولهذا قال ابن عباس ﵄: " فإني عهدتُ رسولَ الله ﷺ وأصحابَه لا يفعلون إلاَّ ذلك الاجتناب "، قال الأزهري ﵀: " وإنَّما كرهه ﷺ لمشاكلته كلام الكهنة، كما في قصة المرأة من هُذيل "٢، يشير إلى ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: " اقتتلت امرأتان من هُذيل فرمَتْ إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما

стр. 505

في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ ، فقضى رسول الله ﷺ أنَّ ديةَ جنينها غرَّةٌ: عبدٌ أو وليدةٌ، وقضى بدية المرأة على عاقلتها وورثها وَلَدَها ومَن معهم، فقال حَمَلُ بنُ النابغة الهُذلي: يا رسول الله كيف أغرمُ من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهلّ؟ فمثلُ ذلك يُطلُّ [أي يُهدر] ، فقال رسول الله ﷺ : " إنَّما هذا من إخوان الكهان "١. من أجل سجعه الذي سجع. ولذا عدَّ بعضُ أهل العلم تكلُّفَ السجع في الدعاء في جملة موانع الإجابة، قال القرطبي ﵀: " ومنها: أن يدعو بما ليس من الكتاب والسنة فيتخيَّر ألفاظاً مفقرة، وكلمات مسجعةً، قد وجدها في كراريس لا أصل لها ولا معوَّل عليها، فيجعلها شعارَه، ويترك ما دعا به رسوله ﷺ ، وكلُّ هذا يمنع من استجابة الدعاء "٢. والسجعُ المذمومُ هو المتكلَّف الذي يجتهد صاحبُه في تصنعه، فيشغله ذلك عن الإخلاص والخشوع، ويُلهيه عن الضراعة والافتقار، فأمَّا إن وُجد وحصل بلا تصنُّع ولا تكلُّف ومِن غير قصدٍ إليه فلا بأس به. قال السفاريني ﵀: " ولا يتكلَّف السجع في الدعاء، فإنَّه يُشغل القلبَ ويُذهب الخشوعَ، وإن دعا بدعوات محفوظة معه له أو لغيره من غير تكلُّف سجع فليس بممنوع "٣.

стр. 506

وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في شرحه لحديث ابن عباس المتقدِّم في ذمِّ السجع في الدعاء: " ولا يَرِد على ذلك ما وقع في الأحاديث الصحيحة؛ لأنَّ ذلك كان يصدر من غير قصدٍ إليه؛ ولأجل هذا يجيء في غاية الانسجام، كقوله ﷺ في الجهاد: " اللَّهمَّ مُنزلَ الكتاب، سريع الحساب، هازم الأحزاب "١، وكقوله ﷺ : " صدق وعده وأعزَّ جندَه ... "، الحديث٢، وكقوله: " أعوذ بك من عَين لا تدمع، ونفسٍ لا تشبع، وقلب لا يخشع "٣، وكلُّها صحيحة "٤. وينبغي للداعي أن يتجنَّب اللَّحنَ في الدعاء، ولا سيما إذا كان اللَّحنُ مُحِيلاً للمعنى، مُخِلاًّ بالمقصود، مفسداً للمراد، فإنَّ الإعرابَ عمادُ الكلام، وبه يستقيم المعنى، وبعدمِه يختلُّ ويفسد، وربَّما انقلب المعنى باللَّحنِ إلى معنى باطل أو دعاء محرَّم أو نحو ذلك. ولهذا قال أبو عثمان المازني لبعض تلاميذه: " عليك بالنحوِ، فإنَّ بني إسرائيل كفرت بحرف ثقيلٍ خفَّفوه، قال الله لعيسى: إنِّي ولَّدتُكَ "، فقالوا: إنِّي وَلَدتُك "، فكفروا ". ويُذكر عن الأصمعيِّ: أنَّه مرَّ برجل يقول في دعائه: يا ذو الجلال والإكرام، فقال له: ما اسمك؟ قال ليث، فأنشأ يقول:

стр. 507

يُنادي ربَّه باللَّحن ليثُ لذاك إذا دعاه لا يُجيبُ١. ولهذا ينبغي على الداعي تجنُّبُ اللَّحنِ في الدعاء إن كان مستطيعاً لذلك قادراً عليه، وإلاَّ فإنَّ اللهَ جلَّ وعلاَ لا يُكلِّف نفساً إلاَّ وُسعها. وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن رجل دعا دعاء ملحوناً فقال له رجل: ما يقبل الله دعاءً ملحوناً؟ فأجاب ﵀ بما نصُّه: " مَن قال هذا القول فهو آثمٌ مخالفٌ للكتاب والسنة، ولما كان عليه السلف، وأمَّا مَن دعا اللهَ مخلصاً له الدين بدعاء جائز سمعه الله وأجاب دعاءَه سواء كان مُعرباً أو ملحوناً، والكلام المذكور لا أصل له، بل ينبغي للداعي إذا لَم تكن عادتُه الإعرابَ أن لا يتكلَّف الإعرابَ، قال بعضُ السلف: إذا جاء الإعرابُ ذهب الخشوعُ، وهذا كما يُكره تكلُّف السجع في الدعاء، فإذا وقع بغير تكلُّف فلا بأس به، فإنَّ أصلَ الدعاء من القلب، واللسان تابعٌ للقلب. ومَن جعل همَّتَه في الدعاء تقويمَ لسانِه أضعفَ توجه قلبه، ولهذا يدعو المضطرُّ بقلبِه دعاءً يُفتح عليه لا يحضره من قبل ذلك، وهذا أمرٌ يَجده كلُّ مؤمن في قلبه، والدعاءُ يجوز بالعربية، وبغير العربية، والله سبحانه يعلم قصدَ الداعي ومرادَه، وإن لَم يُقوِّم لسانه فإنَّه يعلم ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تنوُّع الحاجات "٢.

стр. 508

ولا يجوز للمسلم أن يتحرَّى في دعائه أنغاماً معيَّنة أو تكلُّفات في الأداء مِن خفض ورفع أو تطريب أو ترجيع أو نحو ذلك، مما يُسمِّيه البعض في زماننا ابتهالات ويجعل له أداءً معيَّناً شبيهاً بالتغنِّي، فمِثل هذا لا يجوز؛ لأنَّ مقامَ الدعاء مقامُ طلبٍ وإظهارِ حاجة وخشوع وتضرُّعٍ إلى الله، وليس مقامَ تغنٍ، وهو مقامُ خضوع وعبوديةٍ، وليس مقامَ إظهارٍ للصناعة النغمية، وهو مقامُ ذُلٍّ وخضوعٍ وإيمان، وليس مقامَ شغلٍ للخواطر بتنميق الأداء وإقامة الأوزان، والله وحده الهادي والموفِّق، وهو وحده المستعان.

стр. 509

٩٧ ـ التحذير من السماعات المبتدعة لا يزالُ حديثُنا موصولاً ببيان ضوابط الدعاء المشروع الذي كان عليه سيِّد الأنبياء والمرسَلين، واتَّبعه فيه سادات الأولياء والصالحين من الصحابة والتابعين، وهو وحده المقبول عند الله، دون ما أحدثه المحدثون، وأنشأه المتكلِّفون، ممن هجروا الأذكارَ المشروعة، والأدعيةَ المأثورة، واستبدلوها بسماعات مبتدَعة، وتعبدٍ بإنشادِ أشعارٍ، وأراجيزَ محدثةٍ اتَّخذوها أوراداً، ووظَّفوا لها أوقاتاً، وادّعوا أنَّ تأثيرها في القلوب أبلغُ، وتحريكَها للنفوس أقوى، فمالت لها قلوبُهم، واطمأنَّت إليها نفوسُهم، وآثروها على الأذكار المشروعة والأدعية المأثورة. وما مِن ريبٍ أنَّ هذا حدَثٌ في الدين، ومخالفةٌ لِهَدي سيِّد الأنبياء والمرسلين، والنقولُ عن أهل العلم في ذمِّ ذلك، والتحذيرِ منه، والنهيِ عنه، وبيانِ أنَّه من البدع المحدَثة كثيرةٌ جداًّ. يقول الإمام الشافعي ﵀: " خرجتُ من بغداد وخلَّفتُ بها شيئاً أحدثه الزنادقة، يُسمّونه التغبير، يصدّون الناسَ به عن القرآن ". والتغبيرُ ذكرٌ أحدثه هؤلاء بنوعٍ من التغنّي بالشعر مع ضربِ قضيبٍ على جلدٍ أو نحوِ ذلك. ولَمَّا سُئل عنه الإمامُ أحمدُ ﵀، قال: " بدعةٌ محدثةٌ "١.

стр. 510

ويقول محمد بن الوليد الطرطوشي: " ومِن العَجب العُجاب أن تُعرِضَ عن الدعوات التي ذَكَرها الله في كتابه عن الأنبياء والأولياء والأصفياءِ مقرونةً بالإجابةِ، ثمَّ تنتقي ألفاظَ الشُّعراء والكتَّاب، كَأنَّك قد دعوتَ في زعمِك بجميع دعواتِهم ثمّ استعنتَ بدعوات مَن سواهم "١. اهـ. وقد نبّه أهلُ العلم على أنَّ السماعَ على نوعين: نوعٌ هو سماعُ لهوٍ وطربٍ، فهذا حكمه محرَّمٌ وباطلٌ، وقد بسط غيرُ واحدٍ من أهل العلم الأدلّة على منعه وتحريمه، منهم ابن القيِّم ﵀ في كتابه إغاثةُ اللهفان. والنوعُ الثاني: السماعُ المحدَثُ على وجهِ التديُّن والتقرُّب إلى الله تعالى، فهذا يُقال فيه إنَّه بدعةٌ ضلالةٌ، فإنَّ اللهَ جلَّ وعلا إنَّما يُتقرَّبُ إليه بما شرع لا بالأهواء والمحدثات والبدع، وقد ضمّ بعضُ هؤلاء إلى ذلك على وجه التديُّن والتقرُّب التلحينَ والتطريبَ وآلاتِ اللهو، والتصفيق والتمايل، ونحو ذلك من الأعمال التي يقومون بها ويُؤدّونها بزعمهم تقرُّباً إلى الله جلَّ وعلاَ، وطلباً لثوابه، ولا ريب أنَّ ذلك من أقبح الأعمال، وأقبح أنواع الاعتداء في الذكر والدعاء. وهكذا صار هؤلاء يترقَّون في درجاتِ الباطل ويتمادون في الغي والضلال إلى أن بلغوا إلى هذه الحال المُزْرِية والنهاية المؤسفة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فإنَّ أصلَ سماع القصائد كان تلحيناً بإنشاد قصائدَ مرقِّقةٍ للقلوب تحرِّك المحبةَ والشوقَ أو الخوفَ

стр. 511

والخشيةَ أو الحزن والأسف وغيرَ ذلك، وكانوا يشترطون له المكان والإمكان والخلاّن، فيشترطون أن يكون المجتمعون لسماعها من أهل الطريق المريدين لوجه الله والدار الآخرة، وأن يكون الشعرُ المنشدُ غيرَ متضمنٍ لما يُكره سماعُه في الشريعة، وقد يشترط بعضُهم أن يكون القوَّالُ منهم، وربّما اشترط بعضُهم ذلك في الشاعر الذي أنشأ تلك القصائد، وربّما ضمُّوا إليه آلةً تُقوِّي الصوتَ وهو الضربُ بالقضيب على جلد مخدةٍ أو غيرها وهو التغبيرُ. ومن المعلوم أنَّ استماع الأصوات يوجب حركة النفس بحسب ذلك الصوت الذي يوجب الحركة ... وللأصوات طبائعُ متنوِّعة، تتنوع آثارها في النفس، وكذلك للكلام المسموع نظمه ونثره، فيجمعون بين الصوت المناسب والحروف المناسبة لهم. وهذا الأمر يفعله بنو آدم من أهل الديانات البدعية كالنصارى والصابئة، وغير أهل الديانات مِمَّن يحرك بذلك حبه وشوقه ووجده أو حزنه وأسفه أو حميّته وغضبه أو غير ذلك، فخلف بعد أولئك من صار يجمع عليه أخلاطاً من الناس ويرون اجتماعهم لذلك شبكة تصطاد النفوس بزعمهم إلى التوبة والوصول في طريق أهل الإرادة ... "١. الخ كلامه. وقد سُئل ﵀ عن رجلٍ من المعروفين بالخير أراد تتويب جماعةٍ يجتمعون على قصد الكبائر من القتل وقطع الطريق والسرقة وشرب

стр. 512

الخمر وغير ذلك، فلم يمكنه إلاَّ أن يقيم لهم سماعاً يجتمعون فيه بهذه النية، وهو بدفٍّ بلا صلاصل، وغناءُ المغني بشعرٍ مباح بغير شبابة، فلمَّا فعل هذا تاب منهم جماعةٌ، وأصبح مَن لا يصلي ويسرق ولا يزكي يتورَّعُ عن الشبهات، ويُؤدي المفروضات، ويتجنَّب المحرَّمات، فهل يُباح فعلُ هذا السماع لهذا الشيخ على هذا الوجه لِما يترتَّب عليه من المصالح مع أنَّه لا يمكنه دعوتهم إلاَّ بهذا؟ فقال ﵀ في جوابه على هذا السؤال: " إنَّ الشيخَ المذكورَ قصد أن يُتوِّب المجتمعين على الكبائر فلم يُمكنه ذلك إلاّ بما ذكره من الطريق البدعي، يدلُّ أنَّ الشيخَ جاهلٌ بالطرق الشرعية التي بها تتوبُ العصاة، أو عاجزٌ عنها، فإنَّ الرسولَ ﷺ والصحابةَ والتابعين كانوا يدعون مَن هو شرٌّ من هؤلاء مِن أهل الكفر والفسوقِ والعصيان بالطرق الشرعية التي أغناهم الله بها عن الطرق البدعية، فلا يجوز أن يُقال إنَّه ليس في الطرق الشرعية التي بعث الله بها نبيَّه ما يتوب به العصاة، فإنَّه قد عُلم بالاضطرار والنقل المتواتر أنَّه قد تاب من الكفر والفسوق والعصيان مَن لا يُحصيه إلاَّ الله تعالى من الأمم بالطرق الشرعية التي ليس فيها ما ذكر من الاجتماع البدعي بل السابقون والأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان وهم خيرُ أولياء الله المتقين من هذه الأمة تابوا إلى الله تعالى بالطرق الشرعية، لا بهذه الطرق البدعية، وأمصارُ المسلمين وقراهم قديماً وحديثاً ممَّن تاب إلى الله واتَّقاه، وفعل ما يحبُّه الله ويرضاه بالطرق الشرعية لا بهذه الطرق البدعية، فلا يُمكن أن يُقال إنَّ العصاةَ لا تمكن توبتهم إلاَّ بهذه

стр. 513

الطرق البدعية، بل قد يُقال: إنَّ في الشيوخ مَن يكون جاهلاً بالطرق الشرعية عاجزاً عنها، ليس عنده علمٌ بالكتاب والسنة وما يُخاطِب به الناسَ ويُسمعهم إيَّاه مِمَّا يتوب الله عليهم به، فيعدِلُ هذا الشيخُ عن الطرق الشرعيةِ إلى الطرق البدعية "١، إلى آخر كلامه ﵀، وهو عظيمُ الفائدة، جليلُ النفع، غنيٌّ عن البيان والتعليق، وللموضوع صلة، وبالله وحده التوفيق والسداد.

стр. 514

الفرق بين السماع المشروع والمحدث ... ٩٨ ـ الفرق بين السماع المشروع والسماع المحدَث سبق الحديثُ عمَّا أحدثه بعضُ الناس في الذِّكر والدعاء من السماعات المُحدَثة، والتعبُّدِ لله باتِّخاذ أراجيز وأشعارٍ أوراداً لهم، فجَنَى عليهم ذلك جنايات بالغة، وأفسد عليهم مسلكَهم، وصدَّهم عن الذِّكر القويم والدعاء السليم الوارد في هدي سيِّد الأنبياء والمرسَلين نبيِّنا محمد ﷺ . والواجب على كلِّ مسلم أن يُفرِّق بين السماع الذي ينتفع به في الدِّين المتقرِّر في شرع ربِّ العالمين، وبين السماعات المحدَثة التي أنشأها واخترعها بعضُ الناس على وفق أهوائهم. فأما السماع الذي شرعه الله تعالى لعباده وكان سلفُ الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم يجتمعون عليه لصلاح قلوبهم وزكاةِ نفوسهم، فهو سماعُ آياتِ الله تعالى، وهو سماع النبيّين والمؤمنين وأهل العلم، قال الله تعالى لَمَّا ذكر مَن ذَكره من الأنبياء: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن

стр. 515

قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًّا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ ٢. وبهذا السماع أَمَر الله تعالى عباده كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ٣، وعلى أهله أثنى كما في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ ٤، وقال في الآية الأخرى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ﴾ ٥، فالقولُ الذي أُمروا بتدبُّره هو القولُ الذي أُمروا باستماعه، وقد قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ٦، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ ٧. وكما أثنى الله على هذا السماع ذمَّ المُعرضين عنه فقال: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ ٨،

стр. 516

وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا القُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا القُرْآنَ مَهْجُورًا وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا وَجَعَلْنَا عَلى قُلُوبِهْمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ ٥. فهذا هو السماعُ الذي شرعه الله لعباده، ورتَّب لهم عليه الأجورَ الكثيرةَ والخيراتِ العظيمةَ في الدنيا والآخرة، وعلى هذا السماع كان أصحابُ رسول الله ﷺ يجتمعون، فكانوا إذا اجتمعوا أمروا واحداً منهم أن يقرأَ والباقون يستمعون، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول لأبي موسى ﵁: " يا أبا موسى ذكِّرنا ربَّنا، فيقرأ وهم يسمَعون "٦، وهذا هو السماعُ الذي كان النبيُّ ﷺ يشهده مع

стр. 517

أصحابه ويستدعيه منهم، كما في الصحيح عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال لي النبيُّ ﷺ : " اقرأ عليَّ القرآن، قلتُ: أقرأه عليك وعليك أُنزل، فقال: إنِّي أحِبُّ أن أسمعه من غيري، فقرأتُ عليه سورة النساء حتى بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا﴾ ١ قال: حسبُك، فنظرتُ فإذا عيناه تذرفان "٢. فهذا هو سماعُ أهل الإيمان الذي مَن سمعه وآمن به واتبعه اهتدى وأفلح، ومَن أعرض عنه شقيَ وضلَّ، ثمَّ إنَّ له من الآثار الإيمانية والمعارف القدسية والأحوال الزكية والنتائج المحمودة في الدنيا والآخرة ما لا يُعدُّ ولا يُحصى. وأمَّا سماعُ المكاء والتصدية، وهو التصفيقُ بالأيدي والصفيرُ ونحوُه، فهذا هو سماع المشركين الذي ذكره الله تعالى في قوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ ٣، فأخبر عنهم أنَّهم كانوا يتَّخذون التصفيقَ باليد، والتصويت بالفم قُربةً وديناً، ولم يكن النبيُّ ﷺ وأصحابُه يجتمعون على مثل هذا السماع ولا حضروه، ولم يكن في القرون الثلاثة المفضلة من أهل الدِّين والصلاح والعبادة مَن يَجتمع على مثل هذا المكاء والتصدية، لا بدُفٍّ ولا بكفٍّ ولا بقضيبٍ، وإنَّما أُحدث هذا بعد ذلك في أواخر المائة الثانية، فلمَّا رآه الأئمةُ

стр. 518

أنكروه، وقد مرَّ قولُ الإمام الشافعي والإمام أحمد رحمهما الله في ذلك، فمَن فعل هذه الأمورَ على وجه الديانة والتقرُّبِ إلى الله فلا ريب في ضلالته وجهالته وانحرافه عن الصراط المستقيم. وأمَّا إذا فعلها الإنسان على وجه التمتُّع واللعب، فمذهبُ الأئمة الأربعة أنَّ آلات اللَّهو كلَّها حرامٌ، فقد ثبت في صحيح البخاري وغيره: أنَّ النبيَّ ﷺ أخبر أنَّه سيكون من أمته من يستحلُّ الحرَ والحريرَ والخمرَ والمعازف١، والمعازفُ هي الملاهي، جمع معزفة، وهي الآلة التي يُعزف بها، أي يُصوَّت بها، ولا خلاف بين أهل العلم وأئمة السلف في تحريم ذلك٢. وينبغي أن يُعلم أنَّ ثمَّةَ فرقاً بين مَن يفعل هذه الأمور على وجه اللهو واللعب، وبين من يفعلها على وجه التديُّن والتعبُّد، فإنَّ الأولَ يفعل ذلك وهو لا يعدُّه من صالح عمله، ولا يرجو به الثواب، بل ربَّما كان يفعله وهو يشعر بالذنب والخطأ، أما مَن فعله على وجه التقرُّب والتعبُّد، وأنَّه طريقٌ إلى الله تعالى، فإنَّه يتَّخذه دِيناً، وإذا نُهي عنه كان كمن يُنهى عن دينه، ورأى أنَّه قد انقطع عن الله، وحرم نصيبَه من الله تعالى إذا تركه، فهؤلاء ضلاَّلٌ باتفاق المسلمين، وهذا الأمر أحبُّ إلى إبليس من الأول؛ لأنَّ العاصيَ يعلمُ أنَّه عاصٍ فيتوب، والمبتدعُ يحسب أنَّ الذي يفعله طاعة فلا يتوب، فالبدعةُ أحبُّ إلى إبليس من المعصية، حمانا الله وإياكم منه، وهدانا إلى صراطه المستقيم.

стр. 519

٩٩ ـ الدعاء للمسلمين إنَّ من الأمور المهمَّة التي ينبغي أن يلحظها المسلمُ في الدعاء، بل قد عدَّه بعضُ أهل العلم في جملة آداب الدعاء العنايةَ بالدعاء للمسلمين بالتوفيق والمغفرة والرحمة والإعانة على الخير؛ إذ إنَّ الجميعَ مشتركون في الحاجة إلى ذلك، وما من ريب أنَّ كلَّ مسلمٍ يحبُّ من إخوانِه المسلمين أن يدعوا له، ويُسَرُّ بذلك، ويتمنى زيادته، والمسلمُ يُحبُّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه من الخير، فكما أنَّه يحبُّ ذلك لنفسه فينبغي أن يكون معتنياً بذلك تجاه إخوانه المسلمين بحب الخير لهم، والدعاء لهم، والاستغفار ونحو ذلك، ومَن كان هذا شأنُه مع إخوانه المسلمين قيَّض الله له من إخوانه من يدعون له ويستغفرون له، والمسلم ينتفع بدعوة أخيه المسلم حيًّا وميِّتاً. وإذا نظر المسلمُ إلى أحوال إخوانه المسلمين وجدها أحوالاً متفاوتة، وكلُّ واحد منهم بحاجة إلى دعاءِ إخوانه، فذاك مريضٌ يعاني من المرض ويُكابد آلامَه، ولربما يكون قد أمضى في مرضه الأسابيعَ العديدة أو الشهورَ الطويلة، وقد لا يغمض له جفن، ولا يهدأ له بالٌ في آلامٍ متعبة وأوجاع مؤلمة، فهو بحاجة إلى دعاء إخوانه المسلمين له بأن يشفي الله مرضَه، ويزيل بأسه، ويفرج همَّه، ويكشف كربَه، ويُلبسَه ثوبَ الصحة والعافية. روى أبو داود والترمذي، وقال: " حسن "، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: " مَن عاد مريضاً لَم يحضر أجلُه فقال

стр. 520

عنده سبعَ مرَّات: أسأل الله العظيم ربَّ العرش العظيم أن يشفيك إلاَّ عافاه الله "١. وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: " كان رسول الله ﷺ إذا أتى المريض يدعو له قال: اللَّهمَّ ربَّ الناس أذهب الباس، واشفِ أنت الشافي، لا شفاء إلاَّ شفاؤك، شفاءً لا يغادر سُقماً "٢. ومن المسلمين مَن اخترمته المنيَّةُ وأدركه الموتُ، فهو في قبره محتَجزٌ، وبأعماله مرتَهن، وبما قدَّمت يداه مجزيٌّ، فهو بحاجة إلى دعاء إخوانه المسلمين بأن يُقيلَ الله عثرتَه، ويغفرَ زلَّتَه، ويتجاوزَ عن خطيئته، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٣، قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀: " هذا شاملٌ لجميع المؤمنين ينتفع بعضهم ببعض، ويدعو بعضهم لبعض بسبب المشاركة في الإيمان المقتضي لعقد الأخوة بين المؤمنين التي من فروعها أن يدعو بعضُهم لبعض وأن يحبَّ بعضُهم بعضاً، ولهذا ذكر الله في هذا الدعاء نفيَ الغلِّ عن القلب، الشامل لقليله وكثيره، الذي إذا انتفى ثبت ضدُّه وهو المحبَّةُ بين المؤمنين والموالاةُ والنصحُ ونحوُ ذلك ممَّا هو من حقوق المؤمنين ... "٤.

стр. 521

ومن المسلمين مَن يعيشون في بلدانهم في فتن مؤرقة، وحروبٍ مهلكة، وبلاء شديد، قد تسلَّط عليهم عدوُّهم، فأُريقت فيهم الدماء، ورُمِّلت النساء، ويُتِّمَ الأطفالُ، ونُهبت الأموالُ، وهم بحاجة إلى الدعاء لهم بأن يُنفِّسَ اللهُ كربَهم، ويفرج هَمَّهم، ويكبِتَ عدوَّهم، وينشرَ الأمنَ والاطمئنانَ بينهم، وقد كان من هدي النبيِّ الكريم ﷺ القنوتُ في النوازل التي تنزل بالمسلمين، فيدعو للمسلمين بالنصر والنجاة، ولعدوِّهم بالهزيمةِ والهلاك، كما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁: " أنَّ رسول الله ﷺ قنتَ في صلاة العَتَمَةِ شهراً يقول في قنوته: اللَّهمَّ أنْجِ الوليدَ بن الوليد، اللَّهمَّ أنْجِ سلمةَ بنَ هشام، اللَّهمَّ أنْجِ عيَّاشَ بن أبي ربيعة، اللَّهمَّ أنْجِ المستضعفين من المؤمنين، اللَّهمَّ اشدد وطأتَك على مُضر، اللَّهمَّ اجعلها عليهم سنينَ كسِني يوسف، قال أبو هريرة: وأصبح ذات يوم فلم يدعُ لهم، فذكرتُ ذلك له، فقال: أَوَما تراهم قد قَدِموا "١. وثبت في الصحيح عن أنس بن مالك ﵁ قال: " قنتَ النبيُّ ﷺ شهراً يدعو على رِعْلٍ وذكوان ويقول: عُصيَّة عَصت الله ورسولَه "٢. وكذلك قنوتُ أبي بكر الصديق ﵁ في محاربة الصحابة لمسيلمة الكذاب، وعند محاربة أهل الكتاب، وكذلك قنوتُ عمر بن

стр. 522

الخطاب ﵁، وفيه يقول: " اللَّهمَّ عَذِّب كفرةَ أهل الكتاب الذين يصدُّون عن سبيلك، ويجحدون آياتك، ويكذبون رسلَك، ويتعدَّون حدودَك ... "، إلى آخر دعائه رضي الله عنه١. ومِن المسلمين مَن أرقهم الفقرُ، وأقعدتهم الحاجةُ، فمنهم مَن قد لا يجد لباساً يواريه، أو مسكناً يؤويه، أو طعاما يُشبعه ويغذيه، أو شراباً يرويه، بل منهم مَن أدركه حتفُه في مجاعات مهلكة، وقَحْطٍ مفجع، فهم بحاجة إلى دعوات صادقة بأن يغني الله فقيرَهم، ويُشبعَ جائعَهم، ويكسو عاريَهم، ويَسُدَّ حاجتَهم، ويكشفَ فاقتَهم، إلى غير ذلك من أنواع الاهتمام بأمور المسلمين وحبِّ الخيرِ لهم، والدعاء لهم، وذلك كلُّه منطلقٌ من الرابطة الإيمانية التي تجمعهم وتؤلف بينهم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ٣، وفي الحديث يقول ﷺ : " مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمِهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحُمى "، رواه البخاري ومسلم٤.

стр. 523

وفي صحيح مسلم عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " المسلمون كرجل واحد، إن اشتكى عينُه اشتكى كلُّه، وإن اشتكى رأسُه اشتكى كلُّه "١. وثبت عن النبيِّ ﷺ من حديث أبي موسى الأشعريِّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشُدُّ بعضُه بعضاً "٢. وروى الطبراني عن أبي موسى الأشعريِّ ﵁ أنَّه سمع النبيَّ ﷺ يقول: " لن تؤمنوا حتى تراحموا، قالوا: يا رسول الله كلُّنا رحيم، قال: إنَّه ليس برحمة أحدكم صاحبه، ولكنَّها رحمةُ الناس رحمةُ العامة "٣. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، فينبغي على المسلم أن يكون مراعياً لحقوق إخوانه المسلمين، مُحبًّا الخيرَ لهم، رحيماً بهم، عَطوفاً عليهم، داعياً لهم بالتوفيق والسداد، والخير والفلاح، والصلاح والاستقامة.

стр. 524

١٠٠ ـ الاستغفار للمسلمين تقدَّم بيانُ أهميَّةِ دعاء المسلم لغيره من إخوانه المسلمين بالمغفرة والتوفيقِ والهداية والسدادِ ونحوِ ذلك، وتقدَّم الإشارةُ إلى أنَّ حاجةَ الجميعِ إلى ذلك مشتَرَكَةٌ، فكما أنَّ المسلمَ بحاجةٍ إلى دعوات إخوانه المسلمين، فكذلك إخوانه المسلمون بحاجة إلى ذلك، قال العلاَّمةُ ابنُ القيِّم ﵀: " والجميعُ مشتركون في الحاجة بل في الضرورة إلى مغفرةِ الله وعفوِه ورحمتِه، فكما يُحبُّ [أي المسلم] أن يَستغفرَ له أخوه المسلمُ، كذلك هو أيضاً ينبغي أن يستغفرَ لأخيه المسلم، فيصير هِجِّيراه: ربِّ اغفر لي ولوالديَّ وللمسلمين والمسلمات وللمؤمنين والمؤمنات، وقد كان بعضُ السلف يستحبُّ لكلِّ أحدٍ أن يُداوم على هذا الدعاء كلَّ يوم سبعين مرَّة، فيجعل له منه وِرداً لا يُخلُّ به. وسمعتُ شيخَنا ـ أي ابن تيمية ـ يذكرُه، وذكر فيه فضلاً عظيماً لا أحفظه، وربَّما كان مِن جملة أوراده التي لا يُخلُّ بها، وسمعتُه يقول: إنَّ جعلَه بين السجدتين جائزٌ، فإذا شهدَ العبدُ أنَّ إخوانه مصابون بمثل ما أُصيب به، محتاجون إلى ما هو محتاجٌ إليه لَم يمتنع من مساعدتهم إلاَّ لفرطِ جهله بمغفرة الله وفضلِه، وحقيقٌ بهذا أن لا يُساعَد، فإنَّ الجزاءَ من جنس العمل "١. ومِن الأجور الواردةِ في هذا الدعاء العظيم ما ثبت في المعجم الكبير

стр. 525

للطبراني بإسناد حسن عن عُبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " مَن استغفر للمؤمنين والمؤمنات، كتب الله له بكلِّ مؤمنٍ ومؤمنَة حسنةً "١. فتأمَّل ـ رحِمكَ الله ـ عِظمَ هذا الأجر المترتِّب على هذا الدعاء وكثرته، فالمسلمُ عندما يقول في دعائه: اللَّهمَّ اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، يكون له بكلِّ واحد من المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات المتقدِّمين منهم والمتأخرين حسنة، فهي حسنات لا تُحصى، فأعداد المسلمين المتقدِّمين والمتأخرين لا يُحصيهم إلاَّ الله جلَّ وعلا، ولهذا كان هذا الدعاءُ العظيم في جملة أدعية النبيِّين، وأَمَرَ الله به خاتَمهم محمداً ﷺ ، وذكره في جملة ما امتدح به عباده المؤمنين، قال الله تعالى إخباراً عن نوح ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلمُؤْمِنينَ وَالمُؤْمِنَاتِ﴾ ٢، وقال تعالى إخباراً عن إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسَابُ﴾ ٣، وقال تعالى آمراً نبيَّه محمداً ﷺ : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ﴾ ٤، وقال تعالى عن عباده المؤمنين الذين جاؤوا مِن بعد

стр. 526

الصحابة: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ ١. وكلُّ ذلك دالٌّ على عِظم شأن هذا الدعاء، وجلالةِ قدرِه، وكثرةِ ثوابِه عند الله، ولهذا كان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يعظم شأنَ هذا الدعاء، وكان من جملة أورادِه التي لا يُخلُّ بها، كما سبق نقلُ ذلك عن الإمام ابن القيم ﵀. وقد روى عبد الرزاق في مصنفه عن ابن جريج قال: قلتُ لعطاء: أَستَغفرُ للمؤمنين والمؤمنات؟ قال: نعم، قد أُمر النبيُّ ﷺ بذلك، فإنَّ ذلك الواجبَ على الناس، قال الله لنبيِّه ﷺ : ﴿اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ﴾ ، قلتُ: أفتدع ذلك في المكتوبة أبداً؟ قال: لا، قلت: فبِمَن تبدأ، بنفسك أم بالمؤمنين؟ قال: بل بنفسي، كما قال الله ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ﴾ "٢. وروى البيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن المبارك ﵀: " أنَّه كان إذا ختم القرآنَ أكثَرَ دعاءَه للمؤمنين والمؤمنات "٣. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فالأمرُ الذي كان معروفاً بين المسلمين في القرون المفضَّلةِ أنَّهم كانوا يعبدون اللهَ بأنواع العبادات المشروعة فرضها ونفلها من الصلاة والصيام والقراءةِ والذِّكر وغيرِ

стр. 527

ذلك، وكانوا يدعون للمؤمنين والمؤمنات كما أمر الله بذلك لأحيائهم وأمواتهم في صلاة الجنازة وعند زيارة القبور وغير ذلك، وروي عن طائفة من السلف: عند كلِّ ختمة دعوةٌ مستجابة، فإذا دعا الرجلُ عُقيب الختم لنفسه ولوالديه ولمشائخه وغيرِهم من المؤمنين والمؤمنات كان هذا من جنس المشروع، وكذلك دعاؤه لهم في قيام الليل وغير ذلك من مواطن الإجابة "١. ثمَّ إنَّ دعوةَ المسلمِ لأخيه أو إخوانه المسلمين بظهر الغيب مستجابةٌ، بل إنَّ الله جلَّ وعلا وكَّل ملَكاً عند رأس الداعي كلَّما دعا لأخيه بخير قال الملَك: " آمين ولك بمثلِه ". روى مسلم في صحيحه عن أبي الدرداء ﵁: أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: " ما مِن عبدٍ مسلمٍ يدعو لأخيه بظهر الغيب إلاَّ قال الملَكُ: ولك بمثل "٢، وفي رواية أخرى في صحيح مسلم عن أبي الدرداء: أنَّ رسول الله ﷺ قال: " دعوةُ المرءِ المسلمِ لأخيه بظهرِ الغيب مستجابةٌ، عند رأسِه مَلَكٌ موكَّلٌ كلَّما دعا لأخيه بخير قال الملَكُ المُوَكَّلُ به: آمين ولك بمثلِه "٣. قال النووي ﵀ في شرحه لهذا الحديث: " وفي هذا فضلُ الدعاء لأخيه المسلم بظهر الغيب، ولو دعا لجماعةٍ من المسلمين

стр. 528

حصلت هذه الفضيلةُ، ولو دعا لجملة المسلمين فالظاهر حصولها أيضاً، وكان بعض السلف إذا أراد أن يدعو لنفسه يدعو لأخيه المسلم بتلك الدعوةِ؛ لأنَّها تُستجابُ ويحصُلُ له مثلُها "١. إنَّ جميعَ ما تقدَّم فيه أبلغُ دلالةٍ على أهميَّة الدعاء للمسلمين بالمغفرة والرحمة ونحو ذلك، فحريٌّ بكلِّ مسلمٍ أن يُكثرَ من الدعاء لإخوانه لينال تلك الأجورَ الكريمةَ والفضائل العظيمة، ومِن لطيف ما يُستأنسُ به في هذا المقام ما رواه أبو نعيم في حلية الأولياء عن أحمد بن الضحاك الخشاب قال: " رأيتُ فيما يرى النائمُ شُريحَ بنَ يونس، فقلتُ: ما فعل بكَ ربُّكَ يا أبا الحارث؟ قال: غفر لي، ومع ذلك جعل قصري إلى جنب قصر محمد بن بشير بن عطاء الكندي، فقلتُ: يا أبا الحارث أنتَ عندنا أكبرُ من محمد بن بشير، فقال: لا تقُل ذاك، فإنَّ الله تعالى جعل لمحمد بن بشير حظًّا في عمل كلِّ مؤمن ومؤمنة؛ لأنَّه كان إذا دعا قال: اللَّهمَّ اغفر لي وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات "٢. فنسأل الله الكريم أن يغفرَ لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.

стр. 529

١٠١ ـ فضلُ الدعاء للمؤمنين والإمساك عن الطعن فيهم لقد مرَّ الكلامُ على أهميَّة الدعاء للمسلمين بالمغفرةِ والرحمةِ والتوفيقِ، ونحوِ ذلك، وبيانُ ما يترتَّبُ على ذلك من فوائد عظيمة وأجورٍ كريمة، وخيراتٍ متواليةٍ في الدنيا والآخرة، وما مِن شكٍّ أنَّ وجودَ مثل ذلك بين المسلمين دليلٌ على قوَّةِ اللُّحمة، وشدَّة الرابطةِ، ووثوق الصلةِ، وهو دليلٌ أيضاً على كمال العقلِ وسلامة الصَّدر ورجاحةِ الفهم، والمسلمُ الموفَّقُ يكون دائماً محبًّا الخيرَ لإخوانه المسلمين، عطوفاً عليهم، رحيماً بهم، راجياً صلاحَهم وفلاحَهم وهدايتَهم، متمنِّياً تحقُّق الخير لهم، مكثراً من دعاء الله وسؤاله لهم، ومَن كان كذلك فهو حريٌّ بأن يكون من الشهداء والشفعاء للناس يوم القيامة، ثبت في الحديث عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: " لا يكون الطعَّانون واللَّعانون شفعاءَ ولا شهداءَ يوم القيامة "، رواه مسلم، وأحمد، وأبو داود١. قال ابن القيم ﵀ في معنى هذا الحديث: " إنَّ الشهادةَ من باب الخبر، والشفاعةَ من باب الطلبِ، ومَن يكون كثيرَ الطعن على الناس، وهو الشهادةُ عليهم بالسوء، وكثيرَ اللعن لهم، وهو طلب السوء لهم لا يكون شهيداً عليهم ولا شفيعاً لهم؛ لأنَّ الشهادةَ مبناها على الصِدق، وذلك لا يكون فيمَن يُكثر الطعنَ فيهم، ولا سيما فيمَن هو

стр. 530

أولى بالله ورسوله منه، والشفاعةُ مبناها على الرحمة وطلب الخير، وذلك لا يكون ممَّن يُكثر اللَّعنَ لهم، ويترك الصلاة عليهم "١. ولهذا حريٌّ بالمسلم أن يكون مصليًّا على إخوانه المسلمين، محبًّا الخيرَ لهم، مبتعداً عن لعنهم وسبِّهم والوقيعة فيهم؛ إذ ليس ذلك من شأن المسلم ولا من خُلُقِه. روى الحاكم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا ينبغي للمؤمن أن يكون لعَّاناَ "٢. وروى الإمام أحمد والترمذي عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال: " ليس المؤمن بالطعَّان ولا اللَّعان ولا الفاحش ولا البذيء "٣. وثبت في صحيح البخاري ومسلم عن النبي ﷺ أنَّه قال: " المسلمُ مَن سلم المسلمون من لسانه ويده "٤، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. وهذه أقلُّ أحوال المسلم إن لَم يكن داعياً لإخوانه المسلمين، باذلاً الخيرَ لهم، ساعياً في حاجتهم ومصالحهم، فلا أقلَّ من أن يكون كافاًّ عن أذيَّتهم وإيصال الشرِّ لهم.
следующие страницы →