الصحابة: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ ١.
وكلُّ ذلك دالٌّ على عِظم شأن هذا الدعاء، وجلالةِ قدرِه، وكثرةِ ثوابِه عند الله، ولهذا كان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يعظم شأنَ هذا الدعاء، وكان من جملة أورادِه التي لا يُخلُّ بها، كما سبق نقلُ ذلك عن الإمام ابن القيم ﵀.
وقد روى عبد الرزاق في مصنفه عن ابن جريج قال: قلتُ لعطاء: أَستَغفرُ للمؤمنين والمؤمنات؟ قال: نعم، قد أُمر النبيُّ ﷺ بذلك، فإنَّ ذلك الواجبَ على الناس، قال الله لنبيِّه ﷺ : ﴿اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ﴾ ، قلتُ: أفتدع ذلك في المكتوبة أبداً؟ قال: لا، قلت: فبِمَن تبدأ، بنفسك أم بالمؤمنين؟ قال: بل بنفسي، كما قال الله ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ﴾ "٢.
وروى البيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن المبارك ﵀: " أنَّه كان إذا ختم القرآنَ أكثَرَ دعاءَه للمؤمنين والمؤمنات "٣.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فالأمرُ الذي كان معروفاً بين المسلمين في القرون المفضَّلةِ أنَّهم كانوا يعبدون اللهَ بأنواع العبادات المشروعة فرضها ونفلها من الصلاة والصيام والقراءةِ والذِّكر وغيرِ
стр. 527
ذلك، وكانوا يدعون للمؤمنين والمؤمنات كما أمر الله بذلك لأحيائهم وأمواتهم في صلاة الجنازة وعند زيارة القبور وغير ذلك، وروي عن طائفة من السلف: عند كلِّ ختمة دعوةٌ مستجابة، فإذا دعا الرجلُ عُقيب الختم لنفسه ولوالديه ولمشائخه وغيرِهم من المؤمنين والمؤمنات كان هذا من جنس المشروع، وكذلك دعاؤه لهم في قيام الليل وغير ذلك من مواطن الإجابة "١.
ثمَّ إنَّ دعوةَ المسلمِ لأخيه أو إخوانه المسلمين بظهر الغيب مستجابةٌ، بل إنَّ الله جلَّ وعلا وكَّل ملَكاً عند رأس الداعي كلَّما دعا لأخيه بخير قال الملَك: " آمين ولك بمثلِه ".
روى مسلم في صحيحه عن أبي الدرداء ﵁: أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: " ما مِن عبدٍ مسلمٍ يدعو لأخيه بظهر الغيب إلاَّ قال الملَكُ: ولك بمثل "٢، وفي رواية أخرى في صحيح مسلم عن أبي الدرداء: أنَّ رسول الله ﷺ قال: " دعوةُ المرءِ المسلمِ لأخيه بظهرِ الغيب مستجابةٌ، عند رأسِه مَلَكٌ موكَّلٌ كلَّما دعا لأخيه بخير قال الملَكُ المُوَكَّلُ به: آمين ولك بمثلِه "٣.
قال النووي ﵀ في شرحه لهذا الحديث: " وفي هذا فضلُ الدعاء لأخيه المسلم بظهر الغيب، ولو دعا لجماعةٍ من المسلمين
стр. 528
حصلت هذه الفضيلةُ، ولو دعا لجملة المسلمين فالظاهر حصولها أيضاً، وكان بعض السلف إذا أراد أن يدعو لنفسه يدعو لأخيه المسلم بتلك الدعوةِ؛ لأنَّها تُستجابُ ويحصُلُ له مثلُها "١.
إنَّ جميعَ ما تقدَّم فيه أبلغُ دلالةٍ على أهميَّة الدعاء للمسلمين بالمغفرة والرحمة ونحو ذلك، فحريٌّ بكلِّ مسلمٍ أن يُكثرَ من الدعاء لإخوانه لينال تلك الأجورَ الكريمةَ والفضائل العظيمة، ومِن لطيف ما يُستأنسُ به في هذا المقام ما رواه أبو نعيم في حلية الأولياء عن أحمد بن الضحاك الخشاب قال: " رأيتُ فيما يرى النائمُ شُريحَ بنَ يونس، فقلتُ: ما فعل بكَ ربُّكَ يا أبا الحارث؟ قال: غفر لي، ومع ذلك جعل قصري إلى جنب قصر محمد بن بشير بن عطاء الكندي، فقلتُ: يا أبا الحارث أنتَ عندنا أكبرُ من محمد بن بشير، فقال: لا تقُل ذاك، فإنَّ الله تعالى جعل لمحمد بن بشير حظًّا في عمل كلِّ مؤمن ومؤمنة؛ لأنَّه كان إذا دعا قال: اللَّهمَّ اغفر لي وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات "٢.
فنسأل الله الكريم أن يغفرَ لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.
стр. 529
١٠١ ـ فضلُ الدعاء للمؤمنين والإمساك عن الطعن فيهم
لقد مرَّ الكلامُ على أهميَّة الدعاء للمسلمين بالمغفرةِ والرحمةِ والتوفيقِ، ونحوِ ذلك، وبيانُ ما يترتَّبُ على ذلك من فوائد عظيمة وأجورٍ كريمة، وخيراتٍ متواليةٍ في الدنيا والآخرة، وما مِن شكٍّ أنَّ وجودَ مثل ذلك بين المسلمين دليلٌ على قوَّةِ اللُّحمة، وشدَّة الرابطةِ، ووثوق الصلةِ، وهو دليلٌ أيضاً على كمال العقلِ وسلامة الصَّدر ورجاحةِ الفهم، والمسلمُ الموفَّقُ يكون دائماً محبًّا الخيرَ لإخوانه المسلمين، عطوفاً عليهم، رحيماً بهم، راجياً صلاحَهم وفلاحَهم وهدايتَهم، متمنِّياً تحقُّق الخير لهم، مكثراً من دعاء الله وسؤاله لهم، ومَن كان كذلك فهو حريٌّ بأن يكون من الشهداء والشفعاء للناس يوم القيامة، ثبت في الحديث عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: " لا يكون الطعَّانون واللَّعانون شفعاءَ ولا شهداءَ يوم القيامة "، رواه مسلم، وأحمد، وأبو داود١.
قال ابن القيم ﵀ في معنى هذا الحديث: " إنَّ الشهادةَ من باب الخبر، والشفاعةَ من باب الطلبِ، ومَن يكون كثيرَ الطعن على الناس، وهو الشهادةُ عليهم بالسوء، وكثيرَ اللعن لهم، وهو طلب السوء لهم لا يكون شهيداً عليهم ولا شفيعاً لهم؛ لأنَّ الشهادةَ مبناها على الصِدق، وذلك لا يكون فيمَن يُكثر الطعنَ فيهم، ولا سيما فيمَن هو
стр. 530
أولى بالله ورسوله منه، والشفاعةُ مبناها على الرحمة وطلب الخير، وذلك لا يكون ممَّن يُكثر اللَّعنَ لهم، ويترك الصلاة عليهم "١.
ولهذا حريٌّ بالمسلم أن يكون مصليًّا على إخوانه المسلمين، محبًّا الخيرَ لهم، مبتعداً عن لعنهم وسبِّهم والوقيعة فيهم؛ إذ ليس ذلك من شأن المسلم ولا من خُلُقِه.
روى الحاكم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا ينبغي للمؤمن أن يكون لعَّاناَ "٢.
وروى الإمام أحمد والترمذي عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال: " ليس المؤمن بالطعَّان ولا اللَّعان ولا الفاحش ولا البذيء "٣.
وثبت في صحيح البخاري ومسلم عن النبي ﷺ أنَّه قال: " المسلمُ مَن سلم المسلمون من لسانه ويده "٤، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
وهذه أقلُّ أحوال المسلم إن لَم يكن داعياً لإخوانه المسلمين، باذلاً الخيرَ لهم، ساعياً في حاجتهم ومصالحهم، فلا أقلَّ من أن يكون كافاًّ عن أذيَّتهم وإيصال الشرِّ لهم.
стр. 531
روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعريِّ ﵁ قال: قال النبي ﷺ : " على كلِّ مسلمٍ صدقة، قالوا: فإن لَم يجِد؟ قال: فيعمل بيده فينفع نفسه ويتصدَّق، قالوا: فإن لَم يستطع أو لَم يفعل؟ قال: فيُعينُ ذا الحاجة الملهوف، قالوا: فإن لَم يفعل؟ قال: فليأمر بالخير أو قال بالمعروف، قالوا: فإن لَم يفعل؟ قال: فليُمسك عن الشرِّ فإنَّه له صدقة "١.
ففي هذا دليلٌ على أنَّه لا أقلَّ من الإمساكِ عن الشرِّ إن لَم يحصل من المسلم فعلُ الخير لإخوانه المسلمين، وتقديمه المساعدة لهم.
وليُعلَم أنَّ لعنَ المسلمين على مراتب، أخطرُها وشرُّها لعنُ خيارِهم ومقدميهم وأفاضِلهم، كالصحابةِ ومَن اتَّبعهم بإحسان من ذوي العلمِ والفضلِ والإيمان، ومثلُ ذلك لا ينشأ إلاَّ عند ذوي القلوب المريضة والأهواء البغيضةِ من أهل الأهواء والبِدع.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن النبي ﷺ أنَّه قال: " لا تسبُّوا أحداً من أصحابي، فلو أنَّ أحدَكم أنفق مثلَ أُحدٍ ذهباً ما أدرك مُدَّ أحدِهم ولا نصيفَه "٢.
وروى ابن ماجه عن ابن عمر ﵄ أنَّه كان يقول: " لا تسبُّوا أصحابَ محمدٍ ﷺ ، فلَمقامُ أحدهم ساعة خيرٌ من عمل أحدِكم
стр. 532
عمره "١، فمَن أضلُّ مِمَّن يكون في قلبه غِلٌّ لخيار المؤمنين وساداتِ أولياء الله تعالى بعد النبيِّين، أصحاب النبيِّ ﷺ .
وهكذا الشأن أيضاً فيمَن يتناول بالطعن علماءَ الأمة وخيارَهم من ذوي العلم والفقه والنصح للمسلمين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ومن الكلام السائر: لحومُ العلماء مسمومة "٢.
وهكذا الشأنُ في لعن أموات المسلمين الذين أَفضوا إلى ما قدَّموا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " الكلام في لعنة الأموات أعظمُ من لعنة الحيِّ، فإنَّه قد ثبت في الصحيح عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: " لا تسبُّوا الأمواتَ فإنَّهم أَفضوا إلى ما قدَّموا "٣، حتى إنَّه قال: " لا تسبُّوا أمواتَنا فتُؤذوا أحياءَنا "٤، لما كان قومٌ يسبُّون أبا جهلٍ ونحوَه من الكفار الذين أسلموا أقاربَهم فإذا سبُّوا ذلك آذوا قرابَتَه "٥.
وأما ما يتعلَّق بلعن العُصاة والفساق وذوي الفجور من أهل الملَّة، فإنَّ السنَّةَ لَم تأتِ بالأمر بلعن الفاسق المعيَّن، وإنَّما جاءت السُنَّةُ بلعنة الأنواع، كقول النبيِّ ﷺ : " لعن الله السارقَ يسرق البَيْضَةَ فتُقطعُ
стр. 533
يدُه " ١، وقوله: " لعن اللهُ مَن أحدثَ حدَثاً أو آوى مُحدثاً "٢، وقوله: " لعن اللهُ آكِلَ الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه "٣، وقوله: " لعن الله المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ له "٤، وقوله: " لعن اللهُ الخمرَ، وعاصرَها، ومُعتصِرَها، وحامِلَها، والمحمولةَ إليه، وساقيَها، وشاربَها، وآكلَ ثَمنها "٥.
وقد تنازع العلماءُ في لعنة الفاسقِ المعيَّن، فقيل: إنَّه جائزٌ، وقيل: إنَّه لا يجوز، والمعروف عن الإمام أحمد ﵀ كراهةُ لعن المعيَّن، وأن يقول كما قال الله تعالى: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ٦، وقد ثبت في صحيح البخاري: " أنَّ رجلاً كان يُدعى حماراً، وكان يشربُ الخمرَ، وكان يُؤتى به إلى النبيِّ ﷺ فيضربُه، فأُتي به إليه مرَّة، فقال رجل: لعنه الله، ما أكثر ما يُؤتى به إلى النبي ﷺ ، فقال النبيُّ ﷺ : لا تلعنه، فإنَّه يُحبُّ اللهَ ورسولَه "٧.
стр. 534
فقد نهى النبيُّ ﷺ عن لعنةِ هذا المعيَّن الذي كان يُكثر شرب الخمر مُعلِّلاً ذلك بأنَّه يحبُّ اللهَ ورسولَه، مع أنَّه ﷺ لعنَ شاربَ الخمر مطلقاً، فدلَّ ذلك على أنَّه يجوز أن يُلعن المطلق، ولا يجوز أن يُلعن المعيَّن الذي يحبُّ اللهَ ورسولَه١، وعلى كلٍّ فاللعن وعيدٌ، والوعيدُ لا يستلزم ثبوته في حقِّ المعيَّن إلاَّ إذا وُجدت شروطُه وانتفت موانعُه، والله أعلم.
стр. 535
١٠٢ ـ الدعاء للوالدين ولذوي القربى
سبق أن مرَّ معنا بيانُ فضل الدعاء للمسلمين بالخير والرحمة والمغفرة، وما يترتَّبُ على ذلك من أجورٍ عظيمةٍ، وخيراتٍ عميمة، وإذا كان الدعاءُ مطلوباً من المسلم لعموم المسلمين فإنَّه متأكِّدٌ ومطلوبٌ بشكل أخصّ لقرابة الإنسان؛ إذ الأقربون أولَى بالمعروف وأحقُّ بالإحسان، ولا سيما الوالدان.
ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: " جاء رجلٌ فقال: يا رسول الله! مَن أحقُّ الناس بحسن صحابَتي؟ قال: أمُّك، قال: ثمَّ مَن؟ قال: أمُّكَ، قال: ثمَّ مَن؟ قال: أمُّك، قال: ثمَّ مَن؟ قال: ثمَّ أبوك "، وزاد مسلم: " ثمَّ أدناك أدناك "١.
وروى الترمذي والبخاري في الأدب المفرد عن بَهْز بن حكيم، عن أبيه، عن جدِّه قلت: يا رسول الله مَن أبَرُّ؟ قال: أمَّك، قلتُ: مَن أَبَرُّ؟ قال: أمَّك، قلتُ: مَن أَبَرُّ؟ قال: أمَّك، قلتُ: مَن أَبَرُّ؟ قال: أباك، ثمَّ الأقربَ فالأقرب "٢.
ومن أعظمِ البرِّ الدعاءُ، قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أن لاَ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا
стр. 536
فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ ١، فأمر جلَّ وعلاَ بالإحسان إليهما بجميع وجوه الإحسان القوليِّ والفعليِّ؛ لأنَّهما سببُ وجود العبد، ولهما من المحبة والحقوق والإحسان والقرب ما يقتضي تأكُّدَ الحق ووجوبَ التقديم في البرِّ، وخصَّ بالذِّكر من ذلك الدعاء لهما بالرحمة أحياء وأمواتاً، جزاء على إحسانهما.
والدعاءُ للوالدين بالرحمة خاصٌّ فيما إذا كانا مسلمين، أما المشركُ فلا يُدعى له بالرحمة والمغفرة، قال ابنُ عباس ﵁ في قوله : ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ : " فنسختها٢ الآيةُ التي في براءة: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيمِ﴾ ٣ " ٤.
وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " استأذنتُ ربِّي أن أستغفرَ لأُمِّي فلَم يأذَنْ لي، واستأذنتُه أن أزورَ قبرَها فأَذِنَ لي "٥.
стр. 537
لكن لا بأس، بل يَحسُن أن يدعو لهما بالهداية والتوفيق لقبول الحقِّ، كما في الصحيح أنَّ النبيَّ ﷺ قال: " اللَّهمَّ اهْدِ دوساً وَأْتِ بهم "١، وروى مسلمٌ في صحيحه عن يزيد بن عبد الرحمن قال: حدَّثني أبو هريرة ﵁ قال: " كنتُ أدعو أمي إلى الإسلام، وهي مشركةٌ، فدعوتُها يوماً فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره، فأتيتُ رسول الله ﷺ وأنا أبكي، قلتُ: يا رسول الله، إنِّي كنتُ أدعو أمِّي إلى الإسلام فتأبى عليَّ، فدعوتُها اليومَ فأسمعتني فيك ما أكره، فادعُ اللهَ أن يهديَ أمَّ أبي هريرة، فقال رسول الله ﷺ : اللَّهمَّ اهدِ أمَّ أبي هريرة، فخرجتُ مستبشراً بدعاءِ نبيِّ الله، فلمَّا جئتُ فصِرتُ إلى الباب، فإذا هو مجافٍ، فسمعَتْ أمِّي خشفَ قدمَيَّ، فقالت: مكانك يا أبا هريرة، وسمعتُ خضخضةَ الماء، قال: فاغتسلتْ، ولبِسَتْ درعَها، وعجلتْ عن خمارِها، ففتحتِ الباب، ثمَّ قالت: يا أبا هريرة، أشهدُ أن لا إله إلاَّ الله، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، قال: فرجعتُ إلى رسول الله ﷺ فأتيتُه وأنا أبكي من الفرح، قال: قلتُ: يا رسول الله أَبشِر، قد استجاب اللهُ دعوتَك وهدى أمَّ أبي هريرة، فحَمِدَ اللهَ وأثنى عليه وقال خيراً، قال: قلتُ: يا رسول الله ادعُ اللهَ أن يحبِّبَني أنا وأمِّي إلى عباده المؤمنين ويحببهم إلينا، قال: قال رسول الله ﷺ : اللَّهمَّ حبِّب عُبيْدَك هذا ـ يعني أبا هريرة ـ وأمَّه إلى عبادك المؤمنين، فما خُلِق مؤمنٌ يسمع بي ولا يراني إلاَّ أحبَّني " ٢.
стр. 538
فهذه القصَّةُ العظيمةُ الرائعةُ دالةٌ على جواز الدعاءِ للوالدين إذا كانا مشركَيْن بالهدايةِ، وأهميَّةِ ذلك وعِظمِ فائدته، وينبغي له أن يجمع لهما بين الدعاء والدعوة، كما فعل أبو هريرة ﵁ مع أمِّه ﵂، فقد كان يُكثر من دعوتها إلى الإسلام، والدعاءِ لها بالهداية والتوفيق، ثمَّ إنَّه ﵁ كان يُكثر من الدعاءِ لَها ـ بعد هدايتها ـ بالرحمة والمغفرة.
روى البخاري في الأدب المفرد عن أبي مرَّة مولى أمِّ هانئ بنت أبي طالب: أنَّه ركب مع أبي هريرة إلى أرضه بالعقيق، فإذا دخل أرضَه صاح بأعلى صوتِه: عليكِ السلامُ ورحمةُ الله وبركاتُه يا أمَّتاه، تقول: وعليكَ السلام ورحمة الله وبركاته، يقول: رَحمَكِ الله كما ربَّيتنِي صغيراً، فتقول: يا بُني، وأنت جزاك الله خيراً ورضي عنك كما بررتني كبيراً "١.
وروى أيضاً عن محمد بن سيرين قال: " كنَّا عند أبي هريرة ليلة فقال: اللَّهمَّ اغفر لأبي هريرة ولأمِّي، ولِمَن استغفر لهما، قال محمد بن سيرين: فنحن نستغفر لهما حتى ندخل في دعوة أبي هريرة "٢.
ودعاء الولدِ لوالديه ينفعهما بعد موتهما حيث ينقطع عملُهما في
стр. 539
هذه الحياة، فقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: " إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلاَّ من ثلاث: صدقة جارية، أو علمٍ يُنتفع به، أو وَلَدٍ صالح يدعو له "١.
وروى البخاري في الأدب المفرد بإسناد حسن عن أبي هريرة ﵁ قال: " تُرفع للميِّت بعد موته درجتُه، فيقول: أيْ ربِّ، أيُّ شيءٍ هذه؟ فيُقال: ولدُك استغفرَ لك "٢.
وإذا كان الدعاءُ للوالدين بالرحمة والمغفرَة بِرًّا وإحساناً وحقًّا ينبغي على الابن أن يعتني به، فإنَّ مِن أعظمِ الإثمِ ومِن كبائرِ الذنوب أن يَسُبَّ ـ والعياذ بالله ـ الولدُ والديه، سواء ابتداء ـ وهو أشدُّ ـ أو تسبُّباً، ففي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال النبيُّ ﷺ : " إنَّ مِن أكبر الكبائرِ أن يلعنَ الرَّجلُ والديه. قيل: يا رسول الله، وكيف يَلعنُ الرَّجلُ والِدَيه؟ قال: يسبُّ الرَّجلُ أبا الرَّجلِ، فيسُبُّ أباه ويسُبُّ أُمَّه "٣.
وفي الأدب المفرد عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: " من الكبائر عند الله أن يستسبَّ الرجل لوالده "٤.
стр. 540
وثبت في صحيح مسلم عن علي بن أبي طالب ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: " لعن اللهُ مَن لعن والديه "١.
ومثلُ هذا لا يكون إلاَّ مِن ذوي النفوس الدنيئة والأخلاق الرديئة، نسأل الله الحفظ والعافية، ونسأله سبحانه أن يغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات إنَّه غفور رحيم.
стр. 541
الدعاة لولاة امر المسلمين
...
١٠٣ ـ الدعاء لولاة أمر المسلمين
إنَّ الدعاءَ بالخيرِ والمغفرةِ لعموم المسلمين له شأنٌ عظيمٌ، ويترتَّبُ عليه أجورٌ كثيرة، وخيرات متنوِّعة في الدنيا والآخرة، وهو من مقتضيات أخوَّة الإيمان التي تجمعهم وتربطهم، وقد سبق ذكرُ بعضِ الأدلَّة على ذلك، أمَّا الحديث هنا فسيكون خاصًّا بالدعاء لولاة أمر المسلمين الذين بهم ـ بتوفيقٍ من الله ـ تنتظم مصالحهم، وتجتمع كلمتهم، وتؤمن سبلهم، وتُقام صلاتُهم، ويُجاهد عدوهم، وبدونهم تتعطَّل الأحكام، وتعمُّ الفوضى، ويختلُّ الأمنُ، ويكثر السلبُ والنهبُ وأنواع الاعتداء، وينثلمُ صرحُ الإسلام، ولا يأمن الناس على دمائهم وأموالهم وأعراضهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " يجب أن يُعرف أنَّ ولايةَ أمر الناسِ من أعظمِ واجبات الدِّينِ، بل لا قيام للدِّين إلاَّ بها، فإنَّ بني آدم لا تتمُّ مصلحتُهم إلاَّ بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بدَّ لهم عند الاجتماع من رأس ... ـ إلى أن قال ـ: ولأنَّ اللهَ تعالى أوجب الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكرِ، ولا يتمُّ ذلك إلاَّ بقوَّةٍ وإمارةٍ، وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحجِّ والجُمَع والأعيادِ ونصر المظلومِ وإقامة الحدود لا تتمُّ إلاَّ بالقوَّة والإمارة ... ـ إلى أن قال ـ: فالواجبُ اتِّخاذُ الإمارةِ ديناً وقُربةً يُتقرَّبُ بها إلى الله، فإنَّ التقرُّبَ إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات "١.
стр. 542
ومِن هنا فإنَّه يتأكَّد على كلِّ مسلم أن يكون ناصحاً لِمَن وليَ أمرَه، مطيعاً له بالمعروف، غير مبطنٍ لشرٍّ أو غِشٍّ أو خديعة؛ لمنافاة ذلك لهدي الإسلام، وما دعا إليه الرسول ﵊، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ ١.
روى مسلم في صحيحه عن تميم بن أوس الداريِّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " الدِّينُ النصيحةُ، قالوا: لِمَن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمَّةِ المسلمين وعامَّتهم " ٢.
وثبت في صحيح مسلم أيضاً عن أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال: " إنَّ اللهَ يرضى لكم ثلاثاً: أن تعبدوه لا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرَّقوا، وأن تُناصِحوا مَن ولاَّه اللهُ أمرَكم "٣.
وفي السنن من حديث ابن مسعود ﵁، وزيد بن ثابت ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: " نضَّر الله امرأً سمع منَّا حديثاً فبلَّغه إلى مَن لَم يسمعه، فرُبَّ حامل فقه إلى مَن هو أفقه منه، ورُبَّ حامل فقه غير فقيه، ثلاثٌ لا يغلُّ عليهنَّ قلبُ مسلم: إخلاص العمل لله،
стр. 543
ومناصحة ولاة الأمور، ولزوم جماعة المسلمين، فإنَّ دعوتَهم تحيط من ورائهم "١.
وما مِن ريبٍ أنَّ من النصحِ لولاةِ أمر المسلمين الدعاءَ لهم بالتوفيق والسدادِ والصلاحِ والمعافاةِ، فهُم أوْلَى مَن يُدعى له بذلك؛ لأنَّ صلاحَهم صلاحٌ للأمَّة، وسدادَهم نفعُه عائدٌ عليهم وعلى المسلمين، فالدعاءُ لهم من أهمِّ الدعاءِ وأكثرِه عائدة ونفعاً، ولهذا قال الإمام الفُضيلُ بنُ عياض ﵀: " لو كانت لي دعوةٌ مستجابةٌ لَم أجعلها إلاَّ في إمام؛ لأنَّه إذا صلح الإمامُ أمن البلاد والعباد "٢.
وهذا من تمام فقهه وحسنِ فهمِه، ولهذا قال عبد الله بن المبارك ﵀ معلِّقاً على كلمته هذه: " يا معلِّم الخير من يجتري على هذا غيرُك ".
يقصِد أنَّ الفضيلَ لَم يُرِد أن يخصَّ نفسَه بالدعوة المستجابة لو كانت له، بل أراد أن يجعلها لِمَن يعمُّ نفعُه إذا صلُح وهو السلطان.
وقد نُقل أيضاً عن الإمام أحمد ﵀ نحوُ كلمة الفضيل المتقدِّمة، قال أبو بكر المروزي: سمعتُ أبا عبد الله ـ يعني أحمدَ بنَ حنبل ـ وذَكَر المتوكِّلَ ﵀ فقال: إنِّي لأدعو له بالصلاحِ والعافية "٣.
стр. 544
ولهذا تكاثرت النقول عن أهل السنة والجماعة في تقرير هذا في ضمن ما كتبوه في ييان المنهج الحقّ والمعتقَدِ السليم الذي ينبغي أن يكون عليه كلُّ مسلم، ومِن ذلك قولُ الإمام أبي جعفر الطحاوي ﵀: " ولا نرى الخروجَ على أئمَّتِنا وولاةِ أمورِنا وإن جاروا، ولا ندعوا عليهم ولا ننزعُ يداً من طاعتهم، ونرى طاعتَهم من طاعة الله فريضة، ما لَم يأمروا بمعصية، وندعوا لهم بالصلاح والمعافاة "١.
وقال شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني ﵀: " ويرى أصحابُ الحديث الجمعةَ والعيدين وغيرَهما من الصلوات خلف كلّ إمام، برًّا كان أو فاجراً، ويرون جهادَ الكفرةِ معهم، وإن كانوا جوَرة فجَرة، ويرون الدعاءَ لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح وبسط العدل في الرعيَّة "٢.
وقال الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي: " ويرون ـ أي أهل السنة ـ الصلاةَ، والجمعة وغيرها خلف كلِّ إمام مسلم بَرًّا كان أو فاجراً ... ويرون الدعاءَ لهم بالصلاح والعطفِ إلى العدل "٣. والنقول عن السلف في هذا المعنى كثيرة.
ويجب على المسلم أن يحذرَ أشدَّ الحذر من سبِّ الولاةِ والوقيعة فيهم وعدم الدعاء لهم بالخير، والدعاءِ عليهم بالشرِّ، روى ابن أبي عاصم في السنة ـ وصححه الألباني ـ عن أنس بن مالك ﵁ قال: " نهانا كبراؤنا من أصحاب محمد ﷺ قالوا: قال رسول الله ﷺ :
стр. 545
لا تسُبُّوا أمراءَكم ولا تغشُّوهم ولا تبغضوهم، واتَّقوا اللهَ واصبروا فإنَّ الأمرَ قريبٌ "١.
وقال ابن عبد البر ﵀ في كتابه التمهيد: " إن لَم يكن يتمكن نصحُ السلطان، فالصبر والدعاء، فإنَّهم كانوا ـ أي الصحابة ـ ينهون عن سبِّ الأمراء "، ثمَّ ساق بسنده حديث أنس المتقدِّم٢.
وكان السلف ﵏ يعدُّون الاشتغال بسبِّ الولاةِ والدعاءِ عليهم مِن الأمور المحدَثة، وفي ذلك يقول الإمام الحسن بن علي البربهاري ﵀: " إذا رأيت الرجلَ يدعو على السلطان فاعلم أنَّه صاحبُ هوى، وإذا سمعتَ الرجلَ يدعو للسلطان بالصلاح فاعلم أنَّه صاحبُ سنَّة إن شاء الله تعالى "٣.
وقد سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ عمَّن يمتنع عن الدعاء لولاة الأمر فقال: " هذا مِن جهله وعدم بصيرتِه، الدعاءُ لوليِّ الأمر من أعظم القُربات وأفضل الطاعات، ومن النصيحة لله ولعباده ... "، إلى آخر كلامه ﵀ وغفر له وجعل منزلته في الجنَّة الفردوس الأعلى، كما نسأله سبحانه أن يُصلح لنا شأننا كلَّه، وأن يُوفِّقنا لكلِّ خير يُحبُّه في الدنيا والآخرة، وأن يُصلح ولاةَ أمرِنا، وأن يهديَنا وإيَّاهم إليه صراطاً مستقيماً.
стр. 546
١٠٤ ـ أقسام الدعاء باعتبار المدعو له
لا يزال الحديثُ موصولاً في بيان فضل دعاء المسلم لإخوانه المسلمين الذي هو من مقتضيات أخوة الإسلام التي تجمعهم، ورابطة الدين التي تربطهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ٢، وما من ريبٍ أنَّ من متطلَّبات هذه الأخوة ومقتضياتها الدعاءَ من كلِّ فردٍ من أفراد المسلمين لعموم المسلمين بالخير والعافية والمغفرة والرحمة ونحو ذلك؛ إذ المسلمُ يُحبُّ لإخوانه ما يُحبُّه لنفسه من الخير، كما قال ﷺ : " لا يؤمن أحدُكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه " ٣، وقد سبق أن مرَّ معنا جملةٌ من الأدلَّة الدَّالةِ على فضل الدعاءِ للغيرِ، وعظم ما يترتب على ذلك من الأجر والثواب والخير.
وممَّا يحسن أن يُعلم في هذا المقامِ أنَّ كلَّ دعاءٍ يدعو به المسلمُ لا يخلو من أقسامٍ أربعة، وذلك باعتبار المدعو له:
أحدها: أن يدعوَ المسلمُ لنفسه بما يشاء من خيري الدنيا والآخرة، كأن يقول: " اللَّهمَّ إنِّي أسألكَ الهدى والسداد "، أو يقول: " اللَّهمَّ إنِّي أسألك الهدى والتُقى والعفافَ والغنى "، أو يقول: " اللَّهمَّ اغفر لي ذنبي "، ونحو ذلك من الأدعية، فيأتي بها بلفظ الإفراد، حتى الإمام في
стр. 547
الصلاة في الأدعية التي يدعو بها لنفسه في السجود أو في الجلسة بين السجدتين، أو في آخر الصلاة قبل السلام.
قال ابن القيم ﵀: " والمحفوظ في أدعيته كلِّها بلفظ الإفراد، كقوله: " ربِّ اغفر لي وارحمني واهدني "١، وسائر الأدعية المحفوظة عنه، ومنها قوله في دعاء الاستفتاح: " اللَّهمَّ اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبَرَد، اللَّهمَّ باعِد بيني وبين خطاياي كما باعدتَ بين المشرق والمغرب "، الحديث٢، وروى الإمام أحمد وأهل السنن من حديث ثوبان عن النبيِّ ﷺ : " لا يؤُمُّ عبدٌ قوماً فيخصُّ نفسَه بدعوةٍ دونهم، فإن فعل فقد خانهم "٣ ... ثمَّ قال ابن القيم ﵀: سمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذا الحديث عندي في الدعاء الذي يدعو به الإمام لنفسه وللمأمومين، ويشتركون فيه، كدعاء القنوت ونحوه "٤.
ثمَّ إنَّه إذا كان الدعاءُ الذي دعا به في صلاته من أدعية القرآن الكريم فإنَّه يأتي به على الصيغة التي وردت في القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصَّرَاطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ، فهذا دعاءٌ عظيمٌ يدعو به المسلم في صلاته، بل في كلِّ ركعة من ركعات الصلاة، ووجهُ الإتيان بصيغة
стр. 548
ضمير الجمع في هذا الدعاء ـ كما بيَّن ذلك ابن القيم ﵀ ليكون مطابقاً لقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ، " والإتيان بضمير الجمع في الموضعين أحسن وأفخم، فإنَّ المقامَ مقامُ عبودية وافتقار إلى الربِّ تعالى وإقرار بالفاقة إلى عبوديته واستعانته وهدايته، فأتى به بصيغة ضمير الجمع، أي: نحن معاشر عبيدك مُقرُّون لك بالعبودية "١.
وأما القسم الثاني من أقسام الدعاء باعتبار المدعو له، فهو أن يدعو المسلم لغيره بالهداية أو المغفرة أو نحو ذلك، كقوله ﷺ في دعائه لأنس بنِ مالك ﵁: " اللَّهمَّ أَكْثِر مالَه وولدَه، وبارك له فيما رزقته "٢، وكقوله ﷺ في دعائه لمعاوية بن أبي سفيان ﵄: " اللَّهمَّ اجعله هادياً مهدياً، واهده واهدِ به "٣، وهذه تُعدُّ منقبةٌ عظيمةٌ لهذا الصحابيِّ الجليل، الذي هو خال المؤمنين، وكاتب وحي ربِّ العالمين، وأحد خلفاء المسلمين، وأول ملوكهم، وخير ملوكهم ﵁ وأرضاه، ومن ذلك أيضاً قول النبيِّ ﷺ في دعائه له: " اللَّهمَّ علِّم معاويةَ الكتاب والحساب وَقِهِ العذاب "٤.
القسم الثالث: أن يدعو لنفسه ولغيره، فيبدأ بالدعاء لنفسه أولاً ثمَّ يدعو لغيره؛ لحديث أُبيِّ بن كعب ﵁: " أنَّ النبيَّ ﷺ كان
стр. 549
إذا ذكر أحداً فدعا له بدأ بنفسه "، رواه الترمذي١.
وفي القرآن الكريم من هذا النوع أمثلةٌ عديدةٌ، كقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ﴾ ٢، وقوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلمُؤْمِنينَ وَالمُؤْمِنَاتِ﴾ ٣، وقوله: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسَابُ﴾ ٤، وهذا يقوله الداعي عندما يريد الدعاءَ لنفسه ولغيره، وأمَّا إن أراد الدعاءَ لغيره فقط، فلا يلزمه في هذه الحالة أن يدعو لنفسه، كما ورد مثلُ ذلك في كثير من أدعية النبي ﷺ كما تقدَّم معنا في دعائه ﷺ لأنسٍ، ودعائه لمعاوية ﵄.
القسم الرابع: أن يدعو لنفسه ولغيره بضمير الجمع، كما في دعاء القنوت، ودعاء الاستسقاء، ودعاء الخطيب يوم الجمعة.
ومن ذلك ما رواه الترمذي وغيرُه عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قلَّما كان رسول الله ﷺ يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات لأصحابه: " اللَّهمَّ اقسِم لنا من خشيتِك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتِك ما تبلِّغنا به جنَّتك، ومن اليقين ما تهوِّن به علينا مصائب الدنيا، اللَّهمَّ متِّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوَّتنا ما أحييتنا، واجعله الوارثَ منَّا، واجعل ثأرنا على مَن ظلمنا، وانصرنا على من
стр. 550
عادانا، ولا تجعل مُصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبرَ همِّنا، ولا مبلغَ علمِنا، ولا تسلِّط علينا من لا يرحمنا " ١، فهذه أقسامٌ أربعة للدعاء باعتبار المدعو له.
ويُستحبُّ للمسلم أن يدعوَ لِمَن أحسن إليه، ولا سيما قولُ جزاك الله خيراً، فإنَّها أبلغ ما يكون في الدعاء، لِما ثبت في المسند عن ابن عمر ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: " مَن صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لَم تجدوا ما تكافؤونه به فادعو له حتَّى تروا أنَّكم قد كافأتموه "٢، وفي الترمذي عن أسامة بن زيد ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " مَن صُنع إليه معروفٌ فقال لفاعلِه: جزاك الله خيراً فقد أبلغَ في الثناء "٣، والحمد لله ربِّ العالَمين.
стр. 551
١٠٥ ـ خطورة الدعاء على النفس أو الغير
إنَّ من الأمور المهمة التي ينبغي أن يراعيها المسلم في دعائه أن يكون متبصِّراً بما يدعو به ويطلبُه من ربِّه ، غيرَ مستعجل ولا متسرِّع فيما يطلب ويسأل، بل ينبغي أن يتدبَّر في أموره حقَّ التدبُّر؛ ليتحقق ما هو خير حقيقٌ بالدعاء به، وما هو شرٌّ جدير بالاستعاذة منه، وذلك أنَّ كثيراً من الناس عند غضبه وتضجُّره وحصولِ الأمور المزعجة له قد يدعو على نفسه أو ولده أو ماله بما لا يسرُّه تحقُّقُه وحصولُه، وهذا ناشىء عن تسرُّع الإنسان وعجلتِه وعدم نظره في العواقب، يقول الله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً﴾ ١، أي: يُسارعُ إلى طلبِ ما يخطرُ بباله، متعامياً عن ضررِه وسوء عواقبه، وإنَّما يَحمِلُ الإنسانَ على ذلك عجَلتُه وقَلقُه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً﴾ .
وإنَّ من أبلغ ما يكون خطراً وأشدّ ما يكون ضرراً في هذا المقام الدعاءَ على النفس بالهلاك أو العذاب أو دخول النار أو الحرمان من دخول الجنة أو نحو ذلك، وهذا لا يفعله إلاَّ مَن بلغ الغايةَ في السَّفَهِ والنهايةَ في الغيِّ، كما حكى الله ذلك عن الكفار المعرضين عن دعوة الرسُل المعارضين لدعوتهم، كقولهم: ﴿اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الحَقّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ٢،
стр. 552
وقولهم: ﴿فَائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ١، إلى غير ذلك مِمَّا حكى الله عنهم، مما يدلُّ على تمام جهلهم، وعِظم غيِّهم وسَفَهِهم، وشدَّةِ إعراضِهم وصدودهم.
وقوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً﴾ ٢ يحتَمل أنَّ المرادَ بالإنسان القائل هذه المقالة هو الكافرُ، أي: يدعو على نفسه بالشرِّ والهلاك واستعجالِ العقوبة والعذاب دعاءَه بالخير، كما تقدَّمت الأمثلة على ذلك.
ويَحتمل أنَّ المرادَ بالإنسان هنا الجنس؛ لوقوع هذا الدعاء من بعض أفراده، وهو دعاء الرجل على نفسه وولده عند الضجر والغضب بما لا يحبُّ أن يُستجاب له فيه٣.
قال ابن كثير ﵀ في معنى الآية: " يخبر تعالى عن عجلةِ الإنسانِ ودعائِه في بعض الأحيان على نفسه أو ولدِه أو ماله بالشرِّ، أي بالموت أو الهلاك أو الدَّمار أو اللعنة أو نحوِ ذلك، فلو استجاب له ربُّه لهلك بدعائه، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ ٤ ... "٥.
وقد جاء في هذا المعنى آثار عديدة عن السلف، منها ما جاء عن
стр. 553
ابن عباس ﵄ قال: " قوله: ﴿وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً﴾ ١ يعني قول الإنسان: اللَّهم الْعَنه واغضب عليه، فلو يُعجِّل له ذلك كما يُعجِّل له الخيرَ لَهلك ".
وقال قتادة في معنى الآية: " أي: يدعو على ماله فيلعن مالَه وولدَه، ولو استجاب الله له لأهلكه ".
وقال مجاهد: " ذلك دعاءُ الإنسانِ بالشرِّ على ولده وعلى امرأته، فيَعْجَل فيدعو عليه، ولا يُحبُّ أن يصيبَه ". أخرج هذه الآثار ابنُ جرير في تفسيره٢.
وأخرج ابنُ أبي حاتم عن الحسن قال: " ذلك دعاءُ الإنسان بالشرِّ على ولدِه وعلى امرأتِه، يغضب أحدهم فيدعو عليه، فيسبُّ نفسَه ويسبُّ زوجتَه ومالَه وولدَه، فإن أعطاه الله ذلك شقَّ عليه، فيمنعُه ذلك، ثمَّ يدعو بالخير فيعطيه "٣.
ومِن رحمة الله بعباده أنَّه لا يستجيب لهم في دعائهم بالشرِّ حال غضبهم وضجرِهم كاستجابته لهم في دعائهم بالخير؛ رحمة منه وإحساناً، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ٤.
стр. 554
قال ابن كثير ﵀: " يُخبر تعالى عن حلمِه ولُطفِه بعباده أنَّه لا يستجيب لهم إذا دعوا على أنفسهم أو لأموالهم أو أولادهم في حال ضجرهم وغضبهم، وأنَّه يعلم منهم عدمَ القصد إلى إرادة ذلك، فلهذا لا يستجيب لهم والحالة هذه لطفاً ورحمة، كما يستجيب لهم إذا دعوا لأنفسهم أو أموالهم وأولادهم بالخير والبركة والنماء، ولهذا قال: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ ، أي: لو استجاب لهم كلَّما دعوه به في ذلك لأهلَكهم، ولكن لا ينبغي الإكثار من ذلك "١.
فالواجب على المسلم أن يحذرَ تمام الحَذَر ولا سيما حال غضبه وتضجره من أن يدعو على نفسه أو ماله أو ولده باللعنة أو العذاب أو النار أو نحو ذلك مما لا يسرُّه تحقُّقُه، وذلك أنَّ مقصودَ الدعاء جلبُ النفع ودفعُ الضرِّ، وأما الدعاءُ على النفس أو المال أو الولد فليس فيه أيُّ منفعة، بل هو ضررٌ محضٌ ووبالٌ وهلاكٌ.
روى مسلم في صحيحه عن عبادة بن الصامت ﵁ في حديث طويل عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: " سِرنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بَطْن بُواطٍ، وهو يطلب المَجْدِيَّ بنَ عمرو الجُهنيَّ، وكان الناضحُ [وهو البعير الذي يُستقى عليه] يعقُبُه منَّا الخمسةُ والستةُ والسبعةُ، فدارت عُقبةُ رجل من الأنصار على ناضحٍ له [أي جاءت نوبتُه في الركوب] ، فأناخه فركبه ثمَّ بعثه، فتَلَدَّن عليه بعض
стр. 555
التلدن [أي تلكأ وتوقَّف] فقال له: شَأْ لعنَك الله، فقال رسول الله ﷺ : مَن هذا اللاَّعِن بعيرَه؟ قال: أنا يا رسول الله، قال: انزل عنه، فلا تصحبنا بملعونٍ، لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا تُوافقوا من الله ساعةً يُسألُ فيها عطاءٌ فيستجيبُ لكم "١.
وفي هذا الحديث دلالةٌ على أنَّ ذلك قد يُستجاب، لقوله ﷺ : " لا تُوافقوا من الله ساعةً يُسألُ فيها عطاءٌ فيستجيبُ لكم "، وثبت في الحديث عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: " ثلاث دعوات مستجابات: دعوةُ المظلوم، ودعوةُ المسافر، ودعوة الوالد على ولدِه "، رواه أبو داود، والترمذي، وغيرُهما بإسناد صحيح٢.
ولهذا ينبغي على المسلم أن يُعوِّدَ نفسَه الدعاءَ لنفسه وولدِه ومالِه بالخير والنماءِ والبركةِ والصلاحِ ونحوِ ذلك، وأن يملكَ نفسه ولا سيما عند غضبه من أن يدعو على نفسه أو ولده أو ماله بالهلاك أو الشرِّ أو الفساد، فقد يُستجاب له في ذلك فيندمُ ويتحسَّرُ، مع أنَّه هو الذي دعا بذلك وطلبَه، وإنَّا لنرجو اللهَ أن يهدينا جميعاً سواء السبيل، وأن يوفِّقَنا لكلِّ خيرٍ يُحبُّه ويرضاه في الدينا والآخرة
стр. 556
١٠٦ ـ التوبةُ من الذنوب بين يدي الدعاء
سبقت الإشارةُ إلى أنَّ من آداب الدعاء العظيمة أن يُقدِّم الداعي بين يدي دعائه التوبةَ إلى الله من كلِّ ذنبٍ وخطيئةٍ، فإنَّ تراكمَ الذنوب واجتماعها قد يكون سبباً من أسباب عدم إجابة الدعاء، كما أنَّ التوبةَ والإقبالَ على الله والصدقَ معه سببٌ من أسباب القبول والإجابة؛ ولهذا قال يحيى بنُ معاذ الرازيُّ ﵀: " لا تستبطئ الأجابةَ إذا دعوت وقد سَدَدتَ طرقَها بالذنوب "١.
فالذنوب لها عواقب وخيمة ونتائجُ أليمة في الدنيا والآخرة، فهي تُزيل النِّعم وتحلُّ النِّقم، فما زالت عن العبد نعمةٌ إلاَّ بذنب، ولا حلَّت به نقمة إلاَّ بذنب، كما قال عليُّ بنُ أبي طالب ﵁: " ما نزل بلاءٌ إلاَّ بذنب، ولا رُفع إلاَّ بتوبة "٢، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ ٤، فأخبر سبحانه أنَّه لا يُغيِّر نعمه التي أنعم بها على أحد حتى يكون هو الذي يُغيِّر ما بنفسه، فيُغيِّر طاعةَ الله بمعصيته، وشكرَه بكفره، وأسبابَ رضاه بأسباب سخطه، فإذا غيَّرَ غُيِّر عليه جزاء وفاقاً.
стр. 557
ثمَّ إنَّ الذنوبَ سببٌ لهوانِ العبد على ربِّه، وإذا هان العبدُ على الله لَم يكرمه أحد، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِن مُكْرِمٍ﴾ ١، وأكرمُ الخلق عند الله أتقاهم له، وأقربُهم منه منزلة أطوعُهم له، وعلى قدر طاعة العبدِ تكون منزلته عنده، فإذا عصاه هان عنده، وأوجب ذلك القطيعةَ بين العبد وبين مولاه، وإذا وقعت القطيعةُ انقطعت عن العبد أسبابُ الخير واتصلت به أسبابُ الشرِّ، فأيُّ فلاح، وأيُّ رجاء، وأيُّ عيش لِمَن انقطعت عنه أسبابُ الخير وقُطع ما بينه وبين وليِّه ومولاه الذي لا غنى له عنه طرفةَ عين ولا أقل من ذلك.
ثمَّ إنَّ الذنوبَ تستدعي نسيانَ الله لعبدِه وتركَه وتخليتَه بينه وبين نفسه وشيطانه، وهناك الهلاكُ الذي لا يُرجى معه نجاة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ﴾ ٢، فأمر سبحانه بتقواه ونهى أن يتشبَّه عبادُه المؤمنون بِمَن نسيَه بتركِ تقواه، وأخبر أنَّه عاقب مَن ترك التقوى بأن أنساه نفسه، أي: أنساه مصالحَها وما يُنجيها من عذابه، فترى العاصي مهمِلاً مصالح نفسه، مضيِّعاً لها، قد انفرطت عليه مصالحُ دينه ودنياه، بل إنَّ أمورَه تتعسَّرُ عليه، فلا يتوجَّه لأمرٍ إلاَّ يجده مُغلَقاً دونَه أو متعسِّراً عليه، وهذا كما أنَّ مَن اتَّقى اللهَ جعلَ له من أمرِه يُسراً،
стр. 558
فمَن عطَّل التقوى جعل له من أمرِه عُسراً، فالخيرُ والراحةُ والسعادةُ والطمأنينةُ في الطاعةِ، والشرُّ والشقاوةُ والتعسيرُ في المعصية.
قال عبد الله بن مسعود ﵁: " إنَّ للحسنة ضياءً في الوجه، ونوراً في القلبِ، وسعةً في الرزقِ، وقوةً في البَدن، ومحبةً في قلوب الخلقِ، وإنَّ للسيِّئةِ سواداً في الوجه، وظُلمةً في القلب، ووهناً في البدن، ونقصاً في الرزق، وبغضةً في قلوب الخَلق "١.
وعلى كلٍّ فالذنوبُ تُحدِثُ للعبدِ أضراراً كثيرةً في قلبه وبدنه ومالِه وحياته كلِّها، فليس في الدنيا شرٌّ وداءٌ إلاَّ سببُه الذنوبُ والمعاصي، ولها من الآثار القبيحة والنتائج المذمومةِ والمضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلاَّ الله٢.
ولهذا فإنَّ الواجبَ على كلِّ مسلمٍ أن يحذرَ أشدَّ الحذَر من الذنوب والمعاصي، وأن يتوبَ إلى الله من كلِّ ذنبٍ وخطيئة، وأن ينيبَ إلى ربِّه ومولاه لينالَ السعادةَ والطمأنينةَ وليتحقق له الفلاحُ في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٣، فلا سبيل إلى الفلاح إلاَّ بالتوبة، وهي الرجوعُ ممَّا يكرهه الله ظاهراً وباطناً إلى ما يحبُّه ظاهراً وباطناً، ولهذا فإنَّ التوبةَ واجبةٌ ومتعيِّنةٌ على كلِّ مسلم ومسلمة، والأدلةُ على وجوبها متظاهرة في الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.
стр. 559
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سِيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ١.
وروى مسلم في صحيحه عن الأغر بن يَسَار المُزنيِّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " يا أيُّها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإنِّي أتوب في اليوم مائة مرَّة "٢.
قال النووي ﵀ في كتابه العظيم رياض الصالحين: " قال العلماءُ: التوبةُ واجبةٌ مِن كلِّ ذنبٍ، فإن كانت المعصيةُ بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلَّق بحقِّ آدميٍّ فلها ثلاثةُ شروط: أحدها: أن يُقلعَ عن المعصية، والثاني: أن يندم على فعلِها، والثالث: أن يعزمَ أن لا يعودَ إليها أبداً، فإن فُقدَ أحدُ الثلاثة لَم تصحَّ توبتُه.
وإن كانت المعصيةُ تتعلَّق بآدميٍّ فشروطُها أربعةٌ: هذه الثلاثة، وأن يبرأ من حقِّ صاحبِها، فإن كانت مالاً أو نحوَه ردَّه إليه، وإن كان حدّ قذف ونحوه مكّنَه منه أو طلب عفوه، وإن كانت غيبةً استحلَّه منها، ويجب أن يتوب من جميع الذنوب، فإن تاب من بعضِها صحَّت توبتُه عند أهل الحقِّ من ذلك الذنب، وبقيَ عليه الباقي، وقد تظاهرت دلائلُ الكتاب والسنة وإجماع الأمة على وجوب التوبة "٣، ثمَّ ساق
стр. 560
رحمه الله جملةً من أدلَّةِ الكتاب والسنة الدَّالَّةِ على ذلك.
فحريٌّ بالمسلم أن يكون تائباً إلى ربِّه، منيباً إليه؛ لترتفعَ درجاتُه، وتُقال عثراتُه، وتُقبل دعواتُه، وتعلو منزلتُه عند ربِّه، وإنَّا لنرجو اللهَ أن يكتبَ لنا توبةً نصوحاً، وأن يوفِّقنا لكلِّ خير يُحبُّه ويرضاه.
стр. 561
١٠٧ ـ المبادرة إلى التوبة والنصح فيها
تقدَّم الحديثُ عن التوبةِ إلى الله وأهميَّتِها، وشدِّةِ حاجة العبد إليها ليتحقَّقَ فلاحُه، وليظفرَ بسعادة الدنيا والآخرة، وحقيقةُ التوبة الرجوعُ إلى الله بالتزام ما يُحبُّ وتركِ ما يكره، فهي رجوعٌ من مكروه إلى محبوبٍ، فهي تتضمَّنُ أمرين: تركٌ للذنوب وندمٌ على فعلها وعزمٌ على عدم العودة إليها، وإقبالٌ على الطاعة، والتزامٌ بها، وعزمٌ على الاستقامة عليها، ولهذا علَّق الله سبحانه الفلاحَ المطلقَ على فعل ذلك بقوله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ١، فكلُّ تائبٍ مفلحٌ، ولا يكون مفلحاً إلاَّ إذا أتى بالأمرين معاً، فإن أخَلَّ بذلك بأن ارتكب المحظور أو ترَكَ المأمور نقص حظُّه ونصيبُه من الفلاح بحسب ذلك، وكان بتركِه للمأمور وفعلِه للمحظور ظالماً لنفسه بحسب ذلك، والله يقول: ﴿وَمَن لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٢، فتاركُ المأمور ظالمٌ لنفسه، كما أنَّ فاعلَ المحظورِ ظالمٌ لها، وزوال اسم الظلمِ عنه إنَّما يكون بالتوبة الجامعة للأمرين.
ولهذا فإنَّ التوبةَ جامعةٌ لشرائعِ الإسلام وحقائقِ الإيمانِ، والدِّينُ كلُّه داخلٌ في مسمَّاها، وبهذا استحقَّ التائبُ أن يكون حبيبَ الله، فإنَّ اللهَ يُحبُّ التوَّابين ويُحبُّ المتطَّهرين٣، بل لقد ثبت في الحديث عن النبيِّ
стр. 562
صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: " لله أشدُّ فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلتِه بأرضِ فلاةٍ، فانفلتت منه، وعليها طعامُه وشرابُه، فأيِس منها، فأتى شجرةً، فاضطجع في ظلِّها، قد أيِسَ من راحلتِه، فبينما هو كذلك، إذ هو بها قائمةً عنده، فأخذ بِخِطامها، ثمَّ قال ـ من شدَّةِ الفرَح ـ: اللَّهمَّ أنت عبدي وأنا ربُّك، أخطأ من شدَّةِ الفرح "، رواه مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه١.
ولا ينبغي للمسلم أن يُؤخِّرَ التوبةَ ويُؤجِّلَها ويسوِّف فيها، بل الواجبُ المبادرةُ والمسارعةُ، فإنَّ المرءَ لا يدري ما يَعرِضُ له في هذه الحياة، ولا يزالُ بابُ التوبةِ مفتوحاً للعبدِ ما لَم يُغرْغِر، قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ المَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ ٢، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن ابن عمر ﵄ يقول رسول الله ﷺ : " إنَّ اللهَ تعالى يقبلُ توبةَ العبدِ ما لَم يُغَرْغِر " ٣، أي: ما لَم تبلغ روحُه حلقومَه.
وكذلك لا يقبل الله توبةَ العبد إذا طلعت الشمس من مغربِها، ففي المسند للإمام أحمد وسنن أبي داود عن معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تنقطعُ الهجرةُ حتى تنقطعَ التوبةُ، ولا تنقطعُ التوبةُ حتى تطلعَ الشمسُ من مغربِها "٤.
стр. 563
وروى الطبراني عن صفوان بن عسَّال ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال: " إنَّ للتوبةِ باباً عرضُ ما بين مِصراعَيْه ما بين المشرق والمغرب، لا يُغلقُ حتى تطلعَ الشمسُ من مغربِها "، حسَّنه الألباني رحمه الله١.
ولهذا فإنَّ الواجبَ على الإنسانِ أن يُبادر إلى التوبةِ قبل فواتِ أوانها، وقبل أن يُحال بينه وبينها، ولا يجوز له تأخيرُها في أيِّ حال من الأحوال، بل إنَّ تأخيرها يُعدُّ معصيةً ينبغي أن يُتاب منها.
قال العلاَّمةُ ابنُ القيِّم ﵀: " إنَّ المبادرةَ إلى التوبةِ من الذنب فرضٌ على الفَور، ولا يجوز تأخيرُها، فمتى أخَّرَها عصى اللهَ بالتأخيرِ، فإذا تاب من الذنب بقيَ عليه توبةٌ أخرى، وهي توبتُه من تأخير التوبةِ، وقلَّ أن تخطُرَ هذه ببالِ التائبِ، بل عنده أنَّه إذا تاب من الذنب لَم يبق عليه شيءٌ آخر، وقد بقيَ عليه التوبةُ من تأخير التوبةِ، ولا يُنجي مِن هذا إلاَّ توبةٌ عامة، مِمَّا يَعلَمُ من ذنوبه ومِمَّا لا يَعلَم، فإنَّ ما لا يَعلمه العبدُ من ذنوبه أكثرُ مِمَّا يعلمه، ولا ينفعه في عدم المؤاخذة بها جهلُه إذا كان مُتمكِّناً من العلمِ، فإنَّه عاصٍ بترك العلمِ والعمل، فالمعصيةُ في حقِّه أشدُّ، وفي المسند للإمام أحمد، والأدب المفرد للبخاري أنَّ النبيَّ ﷺ قال: " الشركُ في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل، فقال أبو بكر: فكيف الخلاصُ منه يا رسول الله؟ قال: أن تقول: اللَّهمَّ إنِّي أعوذ بك أن أُشركَ بك وأنا أعلمُ، وأستغفرُك لِما لا أعلم "٢، فهذا طلب
стр. 564
الاستغفار مِمَّا يعلمه الله أنَّه ذنبٌ، ولا يعلمه العبدُ.
وفي الصحيح عنه ﷺ : " أنَّه كان يدعو في صلاته: اللَّهمَّ اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به منّي، اللَّهمَّ اغفر لي جدِّي وهزلِي، وخطئي وعمدي، وكلُّ ذلك عندي، اللَّهمَّ اغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، وما أنت أعلمُ به منِّي، أنتَ إلهي لا إله إلاَّ أنتَ " ١.
وفي الحديث الآخر: " اللَّهمَّ اغفر لي ذنبي كلَّه، دِقَّه وجلَّه، خطأَه وعمدَه، سِرَّه وعلانيتَه، أولَه وآخرَه "٢.
فهذا التعميم وهذا الشمولُ؛ لتأتي التوبةُ على ما علمَه العبدُ مِن ذنوبِه وما لَم يعلمه "٣. اهـ.
ولا ريبَ أنَّ هذا من النصحِ في التوبة المأمورِ به في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سِيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ٤، وقد بيَّن ابن القيم ﵀ أنَّ النصحَ في التوبةِ يتضمَّن ثلاثةَ أشياء:
الأول: تعميمُ جميعَ الذنوب واستغراقُها بها، بحيث لا تَدَعُ ذنباً إلاَّ تناولتْه.
стр. 565
والثاني: إجماع العزم والصدق بكليَّته عليها، بحيث لا يبقى عنده تردُّدٌ ولا تلوُّمٌ ولا انتظارٌ، بل يجمع عليها كلَّ إرادته وعزيمتِه مبادراً بها.
الثالث: تخليصُها من الشوائب والعلل القادحة في إخلاصِها، ووقوعُها لمحضِ الخوفِ من الله وخشيتِه والرغبة فيما لديه والرهبة ممَّا عنده، لا كمَن يتوب لحِفظ جاهه وحُرمتِه ومنصِبه ورياستِه، ولحفظ حاله، أو لحفظ قوَّته وماله، أو استدعاء حمدِ الناس، أو الهربِ من ذمِّهم، أو لئلاَّ يتسلط عليه السفهاء، أو لقضاء نهمته من الدنيا، أو لإفلاسِه وعجزه، ونحوِ ذلك من العلل التي تقدح في صحتها وخلوصِها لله .
فالأول يتعلَّق بما يتوب منه، والثالث يتعلَّق بمَن يتوب إليه، والأوسطُ يتعلَّق بذات التائبِ ونفسِه١، وبهذه الأمورِ الثلاثة يكون العبدُ قد أتى بأكمل ما يكون من التوبةِ، والتوفيق بيد الله وحده، فنسأله أن يَمُنَّ علينا بالتوبة النصوح، وأن يهدينا سواء السبيل.